المقام الثاني

 

في نقد المشتبهات

 

الأوّل

 

في

 

إسماعيل بن أبي زياد

المعروف ب «السكوني»

 

 


 


 

 

 

 

المقام الثاني

 

في نقد المشتبهات وفيه مقاصد أيضا

 

الأوّل

في

إسماعيل بن أبي زياد المعروف ب «السكوني»

 

وفيه مباحث :

 ]المبحث] الأوّل

في تحقيق شخصه واسمه ولقبه.

فنقول: إنّه إسماعيل بن مسلم ، أبي زياد السكوني الشعيرى ، وقد وقع ذكره
في الأسانيد بأنحاء مختلفة:

فذكر تارةً إسماعيل بن مسلم[1] وأخرى إسماعيل بن أبي زياد[2] وثالثةً

إسماعيل بن مسلم السكوني
[3] ورابعة السكوني[4] وخامسة الشعيرى[5]  إلى
غيرها من التعابير التي
[6] كما ستقف على بعضها فيما سيجيء إن شاء اللّه
تعالى.

والمراد في الكلّ واحد ؛ لاشتهاره في رواة الأخبار ومعروفيّته بما ذكر بين
الأحبار ، كما قال النجاشي:

«إسماعيل بن أبي زياد ، يعرف بالسكوني الشعيري ، له كتاب قرأته على أبي
العباس ، أحمد بن علي بن نوح ، قال: أخبرنا الشريف أبو محمّد الحسن بن
حمزة ، قال: حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن
إسماعيل بن أبي زياد السكوني الشعيرى ، بكتابه»
[7].

وقال الشيخ في الفهرست:

«إسماعيل بن أبي زياد السكوني ، يعرف بالشعيرى أيضا ، واسم أبي زياد
مسلم»
[8].


نعم ، إنّه قد عنون النجاشي أيضا:

«إسماعيل بن أبي زياد الموصوف بالسلمي ، والمنصوص بالوثاقة ، قال: روى
عن أبي عبد اللّه
عليه‏السلام ذكره أصحاب الرجال»[9]. وتبعه في الخلاصة[10].

والظاهر أ نّه المراد ممّا عنونه الشيخ في أصحاب الصادق عليه‏السلام بقوله: «إسماعيل
ابن زياد السلمي كوفيّ»
[11].

وسقوط «أبي» من قلمه ، سهو منه ، كما استظهره في المنهج[12] وهو غير
معروف في الرواة ؛ بل لم أقف على ما تيقّن إرادته منه ، والظاهر عدم وقوعه ؛
لعدم اتّفاق الرواية عنه فيما أعلم مطلقا أو مقيّدا بالسلمي.

ويؤيّده عدم ذكر الأصحاب في باب الألقاب «السلمي»  وقد جرت
طريقتهم على ذكر الألقاب والإضافات الواقعة في الأسانيد.

وهذا كما يكشف عن عدم الوقوع ، يكشف عن عدم إرادته من الإطلاقات ؛
وإلاّ لقيّد به في موضع.

وهذا بخلاف «السكوني» فقد وقع ذكره مطلقا ومقيّدا بأنحاء مختلفة ، كما وقع
ذكره في باب الألقاب تارةً: بعنوان «السكوني» وأخرى: بعنوان «الشعيرى» ؛
بل السلميّين جماعة
[13] كإسماعيل بن حازم ، وابن خطّاب ، وابن كثير.


ومع هذا لم يذكر السلمي فيما ذكر ، ولم أقف على روايتهم[14] وكلّ هذا ممّا
يرشد إلى إرادة السكوني من الإطلاقات.

فمن العجيب ما وقع للسيّد الداماد في بعض تعاليقه على الاستبصار ، فيما
روى فيه في باب من يجب عليه التمام في السفر بإسناده: «عن عبد اللّه بن
المغيرة ، عن إسماعيل بن أبي زياد ، عن جعفر ، عن أبيه
عليهماالسلام»[15].

من أنّ إسماعيل بن أبي زياد هذا ، هو السُلمى بضمّ المهملة واسكان اللام ،
وقيل: بفتح السين وكسر اللام من بني سلمة ، بطن من الأنصار ،
[16] دون
السكوني الشعيرى ؛ تعليلاً بأنّ رواية عبداللّه بن المغيرة ، عن السكوني
الشعيرى ، غير معروفة. وأمّا أنّ تسميته الصادق
عليه‏السلام[17] من دون التكنية
طريقة السكوني غالبا ، فيكون هو ، هو.

فممّا لا يستحقّ الإصغاء اليه ، فإذن الطريق على ما في التهذيب صحيح.


فإنّه يضعف بأنّ الظاهر بملاحظة الاشتهار والمعروفيّة ، هو السكوني
الشعيرى ، مع أ نّه قد وقع روايته عنه في الأسانيد ، كما روى في الكافي في
باب حدّ الوجه: بإسناده: «عن ابن المغيرة ، عن السكوني ، عن أبي
عبد اللّه
عليه‏السلام»[18].

وفي الاستبصار ، في باب ما يجوز شهادة النساء فيه وما لا يجوز[19].

فأمّا ما رواه: «أحمد بن محمّد ، عن بنان بن محمّد ، عن أبيه ، عن ابن
المغيرة ، عن السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه عن علي
عليهم‏السلام» ونحوهما ما سيأتي
عن الفقيه والتهذيب
[20].

مضافا إلى أنّ ما ذكره: «من أنّ تسميته ...» يضعف بأ نّه لا ريب أ نّه ممّا
يؤكّد الحمل عليه ، ويؤيّده كما أنّ نسبة الإمام
عليه‏السلام مضمون الكلام إلى أبيه ، ممّا
يقرّبه ويشيّده ؛ لغلبة هذا التعبير في أحاديثه.


ولقد أجاد بعض الأعلام[21] في تعليقاته على الكتاب ، حيث إنّه جزم بما
ذكرنا ، وزيّف ما حكاه عن العلاّمة من احتماله لما جزم به السيّد المشار اليه.

ثمّ إنّه ذكر في الرواشح: «وممّا لا يعرفه القاصرون ، ولاينبغي جهله ، أنّ
السلمي مطلقا: بالسين المهملة ، واللام المخفّفة وتشديدها ، من أغلاط
القاصرين أينما وقع ، ثمّ قد يكون بفتحهما جميعا ، كما في كعب بن مالك وأبي
قتادة ، وفي القاموس: «سَلَمَة» محرّكة ، أربعون صحابيّا وثلاثون محدّثا ، وفي
بني قشير سلمتان.

وقد يكون بفتح السين وكسر اللام نسبة إلى بطن من الأنصار «بني سَلِمة».

وقال في المعرّب: استلم الحجر ، تناوله باليد أو القُبلة ، أو مسحه بالكفّ ،
من السَلِمة بفتح السين وكسر اللام ، وهي الحجر ، وبها سمّي بنوسلمة ، بطن من
الأنصار.

وقال الجوهري: ليس في العرب سلمة غيرهم ، فخطّأه الفيروزآبادي فعدّ
جماعة من غيرهم»
[22].


بقي أ نّه قد عنون ابن داود تارةً: في الجزء الأوّل بقوله: «إسماعيل بن أبي
زياد يعرف بالسكوني الشعيرى (ق) (جش) له كتاب ، مهمل ، واسم أبي زياد:
مسلم البزّاز الأسدي»
[23].

وأخرى: في الجزء الثاني بقوله: «وإسماعيل بن أبي زياد السكوني
الشعيرى ، كان عاميّا»
[24].

وفيه: أنّ مع اعتقاد إهماله ، كما هو صريح أوّل كلاميه ، لا يناسب ذكره في
ثاني الجزئين الموضوع لذكر المجروحين والمجهولين ، كما أنّ مع اعتقاد
مجهوليّته ومجروحيّته لا يلائم ذكره في أوّل الجزئين الموضوع لذكر الموثّقين
والمهملين.

هذا بناءً على تغاير الغرض من الإهمال والجهالة ، كما هو الظاهر من
التفرقة فيالمقال ، وإلاّ فلا وجه لها مطلقا مع أنّ توصيفه بالبزّاز الأسدي ،
اشتباه منه بإسماعيل بن زياد البزّاز الكوفي الأسدي التابعي ، الذي عنونه شيخ
الطائفة في أصحاب الصادق
عليه‏السلام[25].

وهو غير السكوني والسلمي المعنونين فيه أيضا ، كيف لا! وإنّ تعدّد العنوان ،
مع شواهد المغايرة والإصابة ، أقوى دليل على تعدّد المعنون ، وهو في المقام
موجود ؛ لظهور الأمور المذكورة.

ثمّ إنّ العجب من النجاشي ، كيف لم يعدّه من أصحاب الصادق عليه‏السلام ، مع عدّه
من أصحابه ، الشيخ في رجاله وتكثر رواياته عنه
عليه‏السلام.


 

 

 

 

 

 ]اطلاق السكوني على أشخاص كثيرة[

 

ثمّ إنّه يطلق السكوني على أشخاص كثيرة ، على ما يظهر من التتبّع في
الرجال وأسانيد الأخبار: كأحمد بن علي المعروف ب «شقران» ، ورباح بن أبي
نصر ، ومالك ابن حصين ، وحسن بن عبد اللّه بن سعيد ، وغيرهم.

واحتمال الإطلاق على الآباء والأجداد غير بعيد ، كما احتمل السيّد الناقد
اطلاقه على جماعة آخرين
[26] وتبعه في التعليقات[27].

ولكن لا إشكال في أنّ الظاهر عند الإطلاق ، هو المعنون ، وان ذكر
النجاشي في ترجمة حسين بن عبد اللّه بن حمران الهمداني: «من أ نّه المعروف
بالسكوني»
[28].

وتبعه غيره[29][30] كما أنّ الظاهر أ نّه المراد بالشعيرى على الإطلاق ، كما
صرّح به الفاضل الإسترابادي والجزائري ، في المنهج
[31]  والحاوي[32] وان
يطلق أيضا تارةً: على إبراهيم الشعيرى ، كما في الكافي في باب توجيه الميّت
إلى القبلة: «علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم
الشعيرى»
[33]. ولكن لا يكاد أن ينصرف إليه  الإطلاق.

وأمّا ما يظهر من النقد ، من أ نّه المراد منه عند الإطلاق[34] ، فلاوجه له.

وأخرى على بشار كما عنون الكشّي بشار الشعيرى ونقل بعض الأخبار
في اللعن عليه ،
[35] ويظهر من بعضها أنّ إطلاقه عليه بواسطة أ نّه كان بيّاع
الشعير. وثالثةً على غيرهما
[36].


 

 

 

 

 

المبحث الثاني

 

في تحقيق مذهبه

من أ نّه عاميّ أو إماميّ ، والمشهور هو الأوّل ، كما قال المحقّق في النكت
تارةً: السكوني عاميّ لا يعمل بما ينفرد به
[37].


وأخرى: بعد ذكر أحاديث من إسحاق بن عمّار ، والسكوني وغياث: «هذه
الأخبار ضعيفة ـ إلى أن قال ـ والسكوني عاميّ وغياث بتريّ ، فلاحجّة
فيها»
[38].

وهو الظاهر من رميه بالضعف على الإطلاق فيه ، وفي المعتبر[39].

وبه صرّح العلاّمة في الخلاصة ، قال: «إسماعيل بن أبي زياد السكوني
الشعيرى ، كان عاميّا
[40].

وصنع مثله ابن داود كما عرفت[41].

بل نفى الخلاف فيه ، في السرائر ، قال: «السكوني ، بفتح السين ، منسوب
إلى قبيلة من اليمن ، وهو عاميّ المذهب بلاخلاف ، وشيخنا أبو جعفر موافق
لذلك ، ذكره في فهرست أسماء المصنّفين»
[42]. (انتهى).

ولكن ما نسبه إلى الفهرست ، غير مطابق للواقع ، ولولا ما ذكره أخيرا لقلنا:
إنّ المراد به ما ذكره في العدّة ؛ فإنّه قال: إنّه عملت الطائفة بما رواه: حفص بن
غياث وغياث بن كَلّوب
[43] ، ونوح بن درّاج ، والسكوني ، وغيرهم ، من العامّة
عن أئمّتنا
عليهم‏السلام[44].

وعليه جرى جدّنا السيّد العلاّمة في المجلد السادس من المطالع.

وجنح المولى التقي المجلسي رحمه‏الله في شرح المشيخة إلى إماميّته ، قال: «والذي
يغلب على الظنّ أ نّه كان إماميّا ؛ لكن كان مشتهرا بين العامّة ومختلطا بهم ؛ لأنّه
كان من قضاتهم ، وكان يتّقي منهم ؛ لأنّه روى عنهم في جميع الأبواب ، و كان
عليه‏السلام
لايتّقي منه ، ويروي عنه جلّ ما يخالف العامّة»
[45].

وتبعه في التعليقات[46] وجرى عليه بعض المتأخّرين[47] ؛ بل عزاه إلى
النجاشي والفهرست ومعالم العلماء ، استفادة ممّا صرّحوا به في أوّل هذه
الكتب.

والمنصور هو المشهور ؛ لما عرفت من التصريح به من جماعة من الفحول
كالشيخ في العدّة
[48]  والحلّي في السرائر[49] والعلاّمة في الخلاصة[50] وابن

داود في رجاله
[51] بل قد عرفت نفي الخلاف فيه من الحلّي[52] وقد سمعت
التصريح به أيضا من المحقّق
[53] وبه صرّح السيّد السند العليّ في الرياض كما
نصّ في مبحث الرهن منه بأ نّه كان من قضاة العامّة
[54] وجزم به الفاضل
الخاجوئي
[55] والسيّد السند النجفي[56].

وأمّا ما يقال من أ نّه ذكره النجاشي والشيخ في الرجال والفهرست ومعالم
العلماء
[57] من دون إشارة إلى قدح وضعف ، فهو عندهم إماميّ وكلام
ابن إدريس خفيّ المأخذ ؛ فإنّ عدم وجود عاميّته في كتب الرجال مشاهد
بالوجدان.

وكلام الشيخ في أصحاب الصادق عليه‏السلام لا دلالة فيه بوجه ؛ بل ما في العدّة
أيضا غير صريح ومع التسليم موهون ؛ فإنّ صريح الكشّي
[58] ، والنجاشي[59] ،

والتحرير الطاووسي
[60] ، والخلاصة[61] ، تشيّع نوح بن درّاج ، وظاهر النجاشي
والفهرست و معالم العلماء ، تشيّع غياث
[62] ، ولم يظهر من غيرهم خلافه.

ففيه: أنّ مقتضى ما ذكره النجاشي ، وابن شهر آشوب ، في فاتحة كتابهما[63] ،
و إن يقتضي إماميّة المعنونين في كتابهما ؛ لتصريح الأوّل بأنّ تأليف كتابه ، لذكر
سلف الإماميّة ومصنّفاتهم. والثاني بأنّ كتابه في فهرس كتب الشيعة وأسماء
المصنّفين منهم قديما وحديثا ، ولذا ذكر السيّد السند النجفي: «من أنّ ظاهر
النجاشي ، أ نّه من أصحابنا»
[64].

وإن يمكن الإشكال فيه أيضا: بأ نّه ذكر النجاشي حفص بن غياث ، ولم
يذكر عاميّته.

قال: «حفص بن غياث ، أبو عمرو ، القاضي ، الكوفي ، روى عن أبي
عبد اللّه
عليه‏السلام وولّى القضاء ببغداد الشرقيّة لهارون ، ثمّ ولاّه قضاء الكوفة»[65].

مع أنّ الظاهر ، بل بلااشكال أ نّه من العامّة ؛ نظرا إلى التصريح به من الشيخ في
الرجال والفهرست
[66] ، والعلاّمة في الخلاصة[67] وابن شهر آشوب في
المعالم
[68] ، والعلاّمة البهبهاني في التعليقات[69] ، وبعض آخر في
المشتركات
[70].

ولكن اقتضاء ما ذكره الشيخ في أوّل الرجال والفهرست ، اماميّة المعنونين
فيهما محل الكلام ؛ فإنّ غاية ما يقتضية كلامه في الرجال ، أ نّه موضوع لذكر
أسماء الرجال الذين رووا عن النبيّ والأئمّة ـ صلوات اللّه تعالى عليهم ـ ومن
تأخّر زمانه عنهم من رواة الحديث أو من عاصرهم ولم يرو عنهم.

وأين هذا ممّا ذكره! وأمّا كلامه في الفهرست ، وأن يقتضي صدره لما ذكره ؛ إلاّ
أنّ مقتضى صريح ذيله ، أ نّه موضوع لذكر أرباب المصنّفات والأصول من
الإماميّة وغيرهم.

فمجرّد عنوانه وسكوته عن مذهبه لا يكشف عن اماميّته. وممّا ذكرنا بانَ
أنّ الظاهر ، من عدم ذكر خصوص النجاشي وابن شهر آشوب ، كون الرجل
عاميّا ، عدمه.

وأمّا ما عن الحاوي: من أنّ إطلاق الأصحاب لذكر الرجل ، يقتضي كونه
اماميّا ، فلايحتاج إلى التقييد بكونه «من أصحابنا» وشبهه ، ولو صرّح به كان
تصريحا بما علم من العادة
[71] ، فمجازفة.


وأمّا ما ذكر من صراحة كلام النجاشي في تشيّع نوح ، فغريب جدّا ؛ لعدم
وقوع عنوانه في كلامه رأسا.

ومن هنا عدم وقوع نقله منه في كلام المنهج ، وفي كلام نفسه في الرحمة
وبالجملة: فلاينتهض استظهار اماميّته من الشيخ في الكتابين.

ويبقي ظهور كلام النجاشي ومعالم العلماء ، في اماميّته ، ويرجّح عليه
تصريح الشيخ وجماعة بخلافه.

ويؤيّده أسلوب كثير من رواياته ؛ فإنّ في كثير منها: التعبير بجعفر عليه‏السلام مع
أنّ المتداول التكنية.

ومن هنا استشمّ في التعليقات من روايات غياث بن كَلّوب ، رائحة كونه
من العامّة ؛ فإنّ ديدنه ، ديدنه.

كما أنّ في كثير من الأحكام ، نقلها في رواياته عن سيّدنا خاتم‏النبيّين أو عن
مولانا يعسوب الدين أو عن حججنا آبائه الطاهرين ـ صلوات اللّه تعالى
عليهم أجمعين ـ . ومنه يستشمّ رائحة التقيّة.

فمن الأوّل: ما في الكافي في صدر الكتاب الطهارة ، في باب طهوريّة الماء:
«عن السكوني ، عن أبي عبد اللّه
عليه‏السلام ، قال: قال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم»[72].

ومثله في باب حدّ الوجه[73].

وفي الفقيه في باب عقوبة المرأة ، على أن تسحر زوجها: «عن إسماعيل بن
مسلم ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن آبائه
عليهم‏السلام قال: قال
رسول اللّه
صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم»[74].

وفي باب بيع اللبن المشاب بالماء: «روى إسماعيل بن مسلم ، عن أبي
عبداللّه
عليه‏السلام قال: نهى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم»[75].

ومن الثاني: ما فيه في الباب الأوّل ، في باب ما أحلّ اللّه عزّ وجلّ من النكاح
وما حرّم منه: «روى إسماعيل بن زياد ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه
عليهماالسلام ، أنّ
عليا
عليه‏السلام ، قال ...»[76].

وفيه في باب النداء على البيع: «روى أميّة بن عمرو ، عن الشعيرى ، عن
أبي عبد اللّه
عليه‏السلام ، قال كان أميرالمؤمنين عليه‏السلام يقول:...»[77].

ومن الثالث: ما في التهذيب في أواخر باب تلقين المحتضرين بإسناده:
«عن إسماعيل بن أبي زياد ، عن جعفر ، عن أبيه
عليهماالسلام»[78].إلى غير ذلك من
الموارد الكثيرة.

ومنه أ نّه قد صرّح النجاشي ، والعلاّمة ، وغيرهما: «بأنّ طلحة من
العامّة»
[79].

وروى في البصائر في باب الفرق بين أئمّة العدل من آل محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
وأئمّة الجور من غيرهم ، بإسناده: «عن طلحة بن زيد ، عن جعفر بن محمّد ،
عن أبيه
عليهم‏السلامقال... إلى آخره»[80].

ويمكن أن يجاب عنه: بأنّ الظاهر ؛ بل بلا إشكال ، أنّ العمدة في وجه
اشتهار كونه من العامّة ، كلام الشيخ في العدّة ، وتصريح العلاّمة وابن داود من
باب المتابعة.

وأظهر منهما متابعة متأخّري المتأخّرين: كالسيّد السند النجفي وغيره ، كما
يلوح المتابعة في سياق كلام الحلّي في السرائر من وجه ، وربّما يأباه من آخر ،
كما هو الظاهر من المحقّق.

ومنشأ الاستظهار المزبور ، عدم ظهور كلام منهم في هذه الموارد في
الأغلب إلاّ من باب الأخذ من قول الشيخ والنجاشي ، فالمرجع عند التحقيق
كلام الشيخ ، وهو موهون عموما ؛ لما ظهر من طريقته من سرعة السير في
التصنيفات ، كما سبق الكلام في المقام في محلّه ، فمن المحتمل قويّا أن يكون
المنشأ ، الغفلة أو الاستناد إلى وجه ضعيف ، وخصوصا لما يظهر خلافه من
كلام النجاشي ؛ فإنّ الظاهر أ نّه لو كانت النسبة المذكورة ثابتة عنده لتعرّض لها ،
فعدمه ظاهر في العدم ؛ ولاسيّما مع ما عرفت من تصريحه بقراءة كتابه على
استاذه ، وذكره الطريق إليه  مع اشتماله على بعض الأجلّة.

هذا ، مضافا إلى بعض الشواهد الآتية ، مع ظهور ضعف النسبة المذكورة في
«نوح»  فإنّ الظاهر الاتّفاق على خلافها ؛ بل وكذا في «حفص» ؛ لظهور كلام
النجاشي المتقن المقدّم على الأقران ، في الخلاف. ولاوثوق بموافقة من تقدّم ؛ فإنّ
الظاهر من باب الاعتماد على الشيخ ؛ بل وكذا الحال في «غياث» ، وظهور

ضعف كلامه فيهم ربّما يسري فيه أيضا.

ولقد أجاد المحقّق النوري  رحمه‏الله حيث إنّه صرّح بما ذكرناه ، ولقد رأيت كلامه
بعد ما بنيت عليه.

قال بعد تضعيف عاميّته: «وإنّما هو شيء أخذ من الشيخ في غير كتابيه ، وكلّ
من تأخّر عنه وصرّح به ، فمستنده كلامه ، فتعداد جماعة نسبوه إلى العاميّة
لايغني من شيء ، إلاّ أن يوجد ذلك في كلام من تقدّم على الشيخ ، أو عاصره ،
ولم أقف على من نقله»
[81].

وقد عرفت وهن المأخذ متأيّدا بأنّ البرقي في رجاله ، مع عدم بنائه على ذكر
المدح والقدح ، كثيرا ما يتعرّض لعاميّة الراوي ، وقد عدّ في أصحاب
الصادق
عليه‏السلام وقال: «إنّه عاميّ ، وقال إسماعيل بن أبي زياد السكوني كوفيّ ،
واسم أبي زياد مسلم ، ويعرف بالشعيرى ، يروي عن العوام»
[82]. (انتهى). ولو
كان عاميّا لذكره.

أقول: إنّ بناءه في كتابه هذا ، على عدم التعرّض للمذاهب والأوصاف
وغيرهما ومن هنا عدم تعرّضه لوقف البطائني كما سبق ، وعدم عاميّة سعيد بن
المسيب ، مع أ نّه ذكر الشهيد في تعليقاته  على الخلاصة متعجّبا من ذكره
في القسم الأوّل ؛ نظرا إلى ما هو المعلوم من سيرته في الأحكام الشرعيّة
المخالفة لطريقة أهل البيت
عليهم‏السلام ولقد كان بطريقة جدّه أبي هريرة أشبه ، وحاله
بروايته أدخل ، والمصنّف نقل أقواله في التذكرة ، والمنتهى ، بما يخالف طريقة
أهل البيت
عليهم‏السلام.

وروى الكشّي في كتابه أقاصيص ومطاعن ، وقال المفيد رحمه‏الله في الأركان:
وأمّا ابن المسيب فليس يدفع نصبه
[83] (انتهى). فتأمّل.

قوله: «والعوام» المراد به إمّا عوام بن حوشب ، الذى ذكره النجاشي ، وذكر له
الرواية عن مولانا الصادق
عليه‏السلام وكذا الكتاب والطريق إليه[84].

وإمّا عوام بن عبدالرحمان ، الذي عنونه الشيخ في رجاله ، مقتصرا في ترجمته
بقوله: «اسند عنه»
[85] ومن هنا يتطرّق التعجب من الفاضل الشيخ أبي علي ، في
عنوان الثاني دون الأوّل
[86].

وبالجملة: ومع هذا ، في النفس في ثبوت الإماميّة له شيء من تصريح
الشيخ وظهور كلام السرائر في الاستقلال
[87].

وتعرّض غير واحد من العامّة له في كتبهم كما سيأتي[88] ، وعدم تعرّضهم
لذكر رفضه كما عليه ديدنهم غالبا ، بأ نّه قد وقع هذا التعبير من بعض الإماميّة
أيضا ، مثل: إسحاق بن عمّار الصيرفي الثقة الإمامي ، على ما هو الأظهر.

كما روى في البصائر في باب أنّ العلماء هم آل محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم بإسناده:
«عن إسحاق ابن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه
عليهماالسلام إنّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم قال ...
إلى آخره»
[89].


وفي التهذيب عند الكلام في أحكام ما يوجد ممّن افترسه السبع بإسناده:
«عن إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه ، أنّ عليّا
عليه‏السلام ...»[90].

وفي الآخر من باب البئر يقع فيها الكلب والخنزير وما أشبهها بمثله: «عن
إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه أنّ عليا
عليه‏السلام ...»[91].

ومثل عبد اللّه بن ميمون القدّاح الموثّق للقول النجاشي[92].

والمرويّ في حقّه في كلام الكشّي: «عن مولانا أبي جعفر عليه‏السلام قال:
يابن ميمون! كم أنتم بمكّة؟ قال: نحن أربعة»
[93].

روى في البصائر في باب قول أميرالمؤمنين عليه‏السلام بأحكامه بما في التوراة
والإنجيل والزبور والفرقان بإسناده عن عبد اللّه بن ميمون القداح ، عن جعفر ،
عن أبيه ، عن عليّ
عليه‏السلام، قال:

«لو  وضعت لي وسادة ثمّ اتّكيت عليها ، لقضيت بين أهل الزبور بالزبور.
الحديث»
[94].

وربّما يشهد سياق الحديث بإماميّته أيضا كما هو الظاهر من فقرته
المذكورة وفقراته المحذوفة ؛ إلاّ أن يدّعى أنّ الغالب في روايات السكوني
التعبير بالمذكور ، والنقل على النحو المزبور ، وهذا لا ينتقض بما اتّفق في
روايات الإماميّة: التعبير بتعبيره ، إلاّ أنّ الدعوى المذكورة محتاجة إلى
الإثبات بالتتبّع في الروايات.


مضافا إلى إمكان وقوع التعبير عن غيره ، مثل: غياث العاميّ الواقع في كثير
من الأسانيد المذكورة ، مع أنّ التعبير بالأسامي كثير في العرب ، وعادتهم
جارية على التعبير بهذه الأنحاء.

وربّما يدلّ على اماميّته: ما رواه في الكافي عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ،
عن النوفلي ، على عن السكوني ، عن مولانا أبي عبد اللّه
عليه‏السلام قال:

«سألت كيف أصنع مع الجنازة ، أمشي أمامها أو خلفها أو عن يمينها أو عن
شمالها؟»

فقال: «إن كان مخالفا فلاتمش أمامه! فإنّ ملائكة العذاب يستقبلونه بأنواع
العذاب»
[95]. لبعد هذه الرواية عن طائفة العامّة.

 

 


 

 

 

 

 

المبحث الثالث

 

في تحقيق وصف أخباره

 

فنقول: المشهور أ نّها من الضعاف ، كما يظهر من شيخنا الصدوق فيما ذكره
في باب ميراث المجوس: «من أ نّه لا أفتي بما ينفرد به السكوني بروايته»
[96].

وهو صريح المحقّق  في النكت كما تقدّم[97] والعلاّمة في المنتهى ؛ فإنّه قال
عندالكلام في التيمّم بالنورة: «ولاتعويل على ما رواه الشيخ ، عن السكوني ؛
لأنّ رواتها ضعيفة»
[98].

وأصرّ فيه في الغاية الشهيد في الروضة والمسالك ، كما قال في الأوّل:

في كتاب الجهاد: «والرواية ضعيفة السند بالسكوني»[99].

وفي ميراث المجوس: «وأمّا أخبار الشيخ فعمدتها خبره السكوني ، وأمره
واضح»
[100].

وفي صدر كتاب الديات: «والخبر سكوني وهو في غاية التضعيف»[101].

وفي الثاني: عندالكلام في إنفاذ القاضي حكم غيره: «ومرجع الحجّة إلى
أمرين:

 

أحدهما: ضعف السند ، نظر إلى أنّ طلحة بن زيد بتريّ ، وقال الشيخ في
الفهرست والنجاشي إنّه عاميّ والسكوني عاميّ أيضا ، مشهور الحال ، مع أ نّه
لم ينصّ أحد من الأصحاب فيهما على توثيق ولامدح ، مضافا إلى فساد
العقيدة فلايعتدّ بروايتهما»
[102].

 

وقال عندالكلام في حدّ السارق بعد أن ذكر رواية عن محمّد بن قيس
والسكوني: «وحال الثانية واضح بالسكوني»
[103] ، إلى غير ذلك من الموارد.

وسلك مسلكه في المعالم ، قال عندالكلام في قبول اللحم للطهارة: «ولم
أقف على دليل يدلّ على ثبوت الحكم بالخصوص سوى حديثين رواهما
الشيخان في الكافي والتهذيب
[104] ، أحدهما: رواية السكوني ، والآخر: رواية
زكريّا بن آدم ، وكلتا الروايتين ضعيفان.


وصرّح بضعفه أيضا في المدارك[105] والذخيرة[106] ، وأصرّ فيه من متأخّري
متأخّرينا الفاضل الخاجويي ؛ حتّى أ نّه قال ردّا على السيّد الداماد فيما سيأتي من
كلامه: أنّ القول بأنّ مرويّاته من الموثّقات لا من المضعّفات ، من ضعف التمهّر
وقصور التتبّع.

وجرى جماعة على أ نّها من الموثّقات ، كما هو الظاهر ممّا عن المحقّق في
المسائل الغريّة: «من أنّ السكوني ، وإن كان عاميّا ، فهو من ثقات الرواة»
[107].

وقال في المصابيح: «روى الكليني ، في باب السحت ، عن علي بن
إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني»
[108].

وقد وصف فخر المحقّقين في الإيضاح ، هذا السند بالتوثيق[109] ، وتبعه على
ذلك ، ابن أبي جمهور في درر اللئالي.

وفيه شهادة بتوثيق السكوني والنوفلي وإبراهيم بن هاشم ، وكما يظهر منه
اختيار صاحب الإيضاح والدرر القول المذكور يظهر منه الميل إليه  من نفسه.

واختاره السيّد الداماد في الرواشح مصرّا فيه ، قال: «لم يبلغني من أئمّة
التوثيق والتوهين في الرجال رمي السكوني بالضعف ، وقد نقلوا إجماع
الإماميّة على تصديق ثقته والعمل بروايته ، فإذن مرويّاته ليست ضعافا ؛ بل
هي من الموثّقات المعمول ، بها ، والطعن فيها بالضعف ، من ضعف التمهّر
وقصور التتبّع»
[110].

وجرى عليه الفاضل الشيخ أبو علي قال: «من المشهورات التي لا أصل لها
تضعيف السكوني»
[111].

ومال إليه  في الرياض ، كما قال في كتاب الديات ، بعد ذكر خبر منه: «إنّه
يمكن جبره بدعوى الشيخ إجماع العصابة على قبول رواياته ، ولذا قيل
بوثاقته أو موثقيّته كما يحكي عن الماتن في بعض تحقيقاته ، ويعضده كثرة
رواياته وعمل الأصحاب بها غالبا وغير ذلك ممّا حقّق في وجه تقويته وتقوية
صاحبه»
[112].

وجنح الوالد المحقّق إلى تصحيح رواياته.

ويمكن أن يستدلّ للأوّل بوجوه:

الأوّل: إنّ المعتبر في الخبر الموثّق ، بناءً على العمل به على ثبوت وثاقة الراوي
وهي إنّما تحصل غالبا بتوثيق أهل الرجال ، والمفروض أ نّه لم يوثّقه أحد من
علمائنا في كتبهم الرجاليّة ؛ بل ذكروه مهملاً
[113] ، وهذا وإن لا يكفي في الحكم
بضعفه في نفسه ؛ لكنّه يكفي في الحكم بضعف رواياته ؛ لكفاية عدم ثبوت
الوثاقة في الحكم بالضعف في مقام العمل.

الثاني: إنّه وإن لم يضعفه الأصحاب في كتبهم ؛ لكنّه ضعّفه جماعة من العامّة
كما حكى السيّد السند النجفي
[114] عن تهذيب الكمال ، إنّه قال:

«إسماعيل بن مسلم السكوني أبو الحسن أبي زياد الشامي ، سكن
خراسان ، وهو من الضعفاء المتروكين»
[115].


وعن الدارقطني: أ نّه متروك يضع الحديث»[116].

وعن الذهبي: «أ نّه قاضي الموصل واهٍ»[117].

وعن التقريب: نحوه ، وقال: «متروك ، كذّبوه من الثّانية»[118] [119].


الثالث: إنّ الظاهر ثبوت فساد مذهبه ، كما هو المشهور المعروف من كونه
من العامّة ، وكفى في تضعيفه فسقه المنصوص عليه في الآية الكريمة
[120] فأيّ
فسق أعظم من عدم الإيمان.

ويضعف الأوّل بأ نّهم وإن لم يوثّقوه في كتبهم ؛ لكن شواهد الوثاقة ظاهرة ،
مثل رواية إبراهيم بن هاشم المعروف ، عنه بواسطة النوفلي كثيرا ؛ فإنّ روايته
عن النوفلي تكشف عن وثاقته ، كما أنّ وثاقته كاشفة عن وثاقته أيضا.

وذكر الطريق من الشيخ في الفهرست مع اشتماله على الأجلاّء ، كابن أبي
جيّد ، وابن الوليد ، والصفّار ، وإبراهيم بن هاشم ، كما في أحد من طريقيه؛ وابن
الغضائري ، وعلي بن إبراهيم ، وأبيه ، كما في الآخر
[121].

والتصريح بوثاقته من مثل المحقّق الثقة الثبت ؛ بل وكذا شيخ الطائفة فيما حكي
عنه ؛ بل ذكر السيّد السند النجفي: «إنّ ممّا يؤيّد الاعتماد على خبره ، أنّ الشيخ
في النهاية 2
نهاية، 2 قال في ميراث المجوسي: إنّه قد وردت الروايات الصحيحة بأ نّهم
مورّثون من الجهتين ، قال: ونحن أوردناها في كتاب تهذيب الأحكام»
[122].


ولم يذكر هناك سوى حديث السكوني[123].

وهذا من الشيخ، شهادة بصحّة روايته. ولذا قال السيّد السند المشاراليه: إنّ
ما اشتهر الآن من ضعف السكوني ، فهو من المشهورات التي لا أصل لها»
[124].

ونحوه ما ذكره الفاضل الشيخ أبو علي كما تقدّم وسبقهما السيّد الداماد فقال:
«إنّ ضعفه غلط من المشهورات الأغاليط»
[125].

وممّا ذكرنا يظهر أنّ من العجيب في الغاية ، تضعيف الشهيد  له بمامرّ من
المثابة ؛ فإنّ مقتضى عبائره ، ظهور ضعفه كالنور على الطور ، مع أ نّه بمكان من
الفتور ، فتأمّل. فضلاً عن أنّ الضعفاء الذين وقع الاتّفاق على ضعفهم أكثر من
أن تحصى ، مع أ نّه لم يصدر في حقّهم منه بمثل ما مضى هذا.

ولايخفى أنّ في كلام الشيخ في النهاية ، وهنا بالاضافة إلى حوالته إلى
التهذيب ، وهو ربّما يوهن ما أيّد به ، فتأمّل ؛ مضافا إلى الموهن العامّ الثابت في
كلمات الشيخ.

والثاني: بعدم صدور تضعيفه من النجاشي[126] المطّلع على الأحوال ، المتثبّت
في المقال ، المتمهّر في أوصاف الرجال ؛ بل على هذا المنوال حال شيخ
الطائفة في الفهرست ، والرجال
[127] ، وابن شهر آشوب في المعالم[128] ، وبذلك
يتطرّق الضعف فيالتضعيفات المذكورة ؛ مع أنّ ما ذكر من المتروكيّة ، متروك
بظهور اشتهاره بين الرواة ، وكثرة نقلهم عنه. والظاهر أنّ منشأ التضعيف توهّم
المتروكيّة وتوهّم نشوها من وضع الحديث ، ولايخفى فساد المنشاء.

والثالث: بأ نّه مبنيّ على حمل الفسق في الآية على معناه المتبادر عند
المتشرّعة ، ومنه ما استدلّ بها على عدم حجيّة الخبر الموثّق ، وقد أثبتنا خلاف
هذا المقال على وجه الكمال في الأصول.

ودعوى كفاية عدم إيمانه وثبوت فسقه من الجهة المذكورة بالأولويّة ،
مدفوعة بما تقدّم من الإشكال في ثبوت الدعوى المذكورة.

واستدلّ السيّد الداماد على وثاقته: «بما ذكره الشيخ في العدّة كما تقدّم ،
وذكره النجاشي والشيخ في كتابيه من غير تضعيف ، وما ذكره المحقّق
فيالنكت في طيّ كلام له ولا أعمل بما يختصّ به السكوني ؛ لكن الشيخ
مستعمل أحاديثه لما عرف من ثقته ، وفي المسائل الغريّة: أنّ السكوني وإن
كان عاميّا ، فهو من ثقات الرواة. قال شيخنا أبو جعفر في مواضع من كتبه: إنّ
الإماميّة مجمعة على العمل بما يرويه السكوني ، وعمّار ومن ماثلهما من
الثقات ، وكتب أصحابنا مملوّة من الفتاوى المستندة إلى نقله.

ولذلك تراه في المعتبر كثيراما يحتجّ برواية السكوني ، مع تبالغه في الطعن
في الروايات بالضعف.

قال: ويدلّ على قبول خبرالواحد وإن كان عاميّا صحيحة أبي بصير عن
الصادق
عليه‏السلام ، فيمن لم يصم يوم ثلاثين من شعبان ثمّ قامت الشهادة على
رؤية الهلال ، لا تقتضيه إلاّ أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة.

وجه الدلالة: أنّ شهادة عدلين في باب الشهادة ، كاخبار عدل واحد في باب
الرواية ، فاذا كانت شهادة عدلين من جميع أهل الصلاة معتبرة ، فكذلك يكون
رواية عدل واحد معتبرة منهم جميعا»
[129].

أقول: وفيه أوّلاً: أنّ ما ذكره من احتجاج المحقّق برواياته غير سديد ؛ فإنّي
لم أقف إلى الآن على موضع قد استدلّ بنفسها ، بل صرّح بالضعف في مواضع
من الكتاب المذكور.

فمنها: عند الكلام في التيمّم بالجصّ والنورة ، فإنّه بعد ذكر روايته المقتضية
لجواز التيمّم بها قال: «وهذا السكوني ضعيف ؛ لكن روايته حسنة ؛ لأنّه أرض
فلا يخرج باللون عن اسم الأرض ، كما لا يخرج الأرض الصفراء
والحمراء»
[130].

ومنها: عندالكلام في جواز التيمّم والصلاة لمن منعه الزحام يوم الجمعة.
قال بعد ذكر رواية مقتضية لاعادة الصلاة: «وهذه الرواية ضعيفة ، قال
أبوجعفر: لا أعمل بما ينفرد به السكوني»
[131].

ومنها: عند الكلام في حكم اللبن ، قال: «لبن الآدميّات طاهر ، لبن ابن كان
أو بنت ، وقال بعض فقهائنا: لبن البنت نجس ؛ لأنّه يخرج من مثانة امّها ،
ومستنده حديث السكوني عن جعفر ، والسكوني ضعيف ، والطهارة هي
الأصل»
[132].

نعم ، ربّما استند إلى رواياته في مقام التأييد بها أو في صورة اعتضادها
بعمل الأصحاب وجبران ضعفها به أو في الآداب والمستحبّات.


فمن الأوّل: ما ذكره عندالكلام في عدم جواز التيمّم إلاّ بعد طلب الماء ؛
استدلالاً بالآية ، قال: «ويؤيّده رواية السكوني»
[133]. وساق روايته.

ومن الثاني: ما ذكره في المبحث المذكور «إنّ التقدير بالغلوة والغلوتين ، رواية
السكوني ، وهو ضعيف ، غير أنّ الجماعة عملوا بها ، والوجه أ نّه يطلب من كلّ
جهة يرجو فيها الإصابة ، ولايكلّف التباعد بما يشقّ. فتأمّل»
[134].

ومن الأخير: ما ذكره عندالكلام في أفضليّة أداء صلاة الفريضة في المساجد:
«وينبغي لمن صلّى في الطريق أن يجعل بين يديه حائلاً ولو كومة من تراب أو
حنطة ، روى ذلك السكوني.

وذكر في آخر كلامه في هذه المسائل: «واعلم أنّ ماتلوناه من الأحاديث
مع كونها آحادا لا يخلو عن ضعف»
[135].

وثانيا: إنّ ما عزا إليه  من مبالغته في الطعن في الروايات ، مضعّف بعدم
الوقوع ؛ بل لا يطعن إلاّ بواسطة سوءالمذهب مع عدم اعتضاد الرواية بالعمل،
ضعف مصرّح به في كلام النجاشي ونحوه أو نحوهما.

وثالثا: إنّ ما استدلّ به من الرواية المذكورة لحجيّة الأخبار الموثّقة ، فيه مرية
ظاهرة ، وربّما أورد عليه الفاضل الخاجوئي 
رحمه‏الله:   «بأ نّه مع كونه عاميّا لم
يوثّقه أحد من علماء الرجال ، سوى أنّ ظاهر كلام الشيخ يفيد أنّ الأصحاب
كانوا يعملون بأخباره ، ومن هنا نشأ ما نشأ من القول بثقته ، مع ما فيه من
التناقض والاختلاف ؛ فإنّ هذا القائل تارةً يقول: إنّه موثّق ، وأنّ الأصحاب
أجمعوا على العمل بحديثه ، وأخرى يقول: إنّا لا نعلم إلى الآن أنّ الأصحاب
عملوا بحديثه.

والحق ما أشاراليه في نكت النهاية ، على ما نقل من أ نّه أنكر العمل بما يرويه
السكوني ، ونسبه إلى الشيخ معلّلاً بما عرفت من ثقته ، وهذا منه اعتذار للشيخ
في العمل به وايماء لطيف إلى أ نّه لا يجدي غيره نفعا ، وهذه نكتة دقيقة يستفاد
بعد إمعان النظر ممّا أفاده 
رحمه‏اللهفهم من فهم.

وبالجملة: لمّا لم يثبت توثيقه وهو عاميّ المذهب ، ثبت وهنه وضعفه ، فأئمّة
التوثيق والتوهين وإن لم يرموه بالضعف صريحا ؛ إلاّ أ نّهم رموه به كناية ، وهو
أبلغ من التصريح ، فهذا هو السبب في اشتهاره بالضعف».

وفيه: أنّ ما ذكره من التناقض ، يضعف بأنّ الكلام الأوّل: من الشيخ في
العدّة
[136] ، والثاني: من المحقّق في المعارج ، في إيراده عليه[137] ، وأين أحدهما
من الآخر.

وفيه مناقشة يدفع بمخالفتها لظاهر السياق ؛ مع أنّ قوله «أ نّهم رموه... إلى
آخره» لا يخلو من مجازفة ظاهرة ؛ فإنّ غاية ما أثبته هو رمي المحقّق بضعفه
كناية ، فأين ذلك ممّا يقتضيه الإتيان بصيغة الجمع.

مضافا إلى أنّ المعهود من أئمّة التوثيق والتوهين: النجاشي والشيخ
ونظراؤهما ؛ فضلاً عن أنّ من البعيد في الغاية أن يكون اشتهار ضعفه بواسطة
مثل هذه الكناية ، مع أنّ الظاهر أنّ الغرض من التعليل المذكور ، أنّ عمل الشيخ
وغيره برواياته ، بملاحظة الاكتفاء في العمل بالرواية ، بمجرّد ثبوت الوثاقة ،
ولمّا كان المفروض ثبوت وثاقته ، فلذا جرى من جرى على العمل برواياته.

وهذا لمّا كان خلاف طريقة المحقّق في العمل بالرواية ؛ فإنّ المعتبر عنده
في العمل على ما صرّح في بداية المعتبر ، انضمام القرائن وقبول الأصحاب ،
اعتذر عنه بما ذكر هذا.

وقد استوفى الكلام في المستدرك ، فيما يدلّ على وثاقته ، ونحن نذكر
كلامه بعينه ثمّ نعقّبه بما يرد عليه.

قال: «أمّا السكوني ، فخبره إمّا صحيح ، أو موثّق ، وما اشتهر من ضعفه كما
صرّح به بحرالعلوم  وغيره من المشهورات التي لا أصل لها ؛ فإنّا لم نجد فيما
بأيدينا من كتب هذا الفنّ ، وما نقل عنه منها إشارة إلى قدح فيه ، سوى نسبة
العاميّة إليه  في بعضها الغير المنافية للوثاقة.

ويدلّ على وثاقته بالمعنى الأعمّ ؛ بل الأخصّ عند نقّاد هذا الفنّ أمور:

الأوّل: قول الشيخ في العدّة:  «وهو ممّن رماه بالعاميّة ولأجل ما قلناه
عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث ، وغياث بن كَلّوب ، ونوح بن درّاج ،
والسكوني ، وغيرهم من العامّة من أئمّتنا فيما لم ينكروه ولم يكن عندهم
خلافه»
[138].

الثاني: قوله أيضا في مواضع من كتبه كما يأتي.

الثالث: قول المحقّق  في المسألة الأولى من المسائل الغريّة في ردّ من
ضعّف الخبر المعروف «الماء يطّهر ولايطهر»
[139] بأنّ الرواية مسندة إلى
السكوني ، وهو عاميّ ، قلنا: وهو وإن كان عاميّا ، فهو من ثقات الرواة.


وقال شيخنا أبو جعفر  في مواضع من كتبه: إنّ الإماميّة مجمعة على العمل
بما يرويه السكوني ، وعمّار  ومن ماثلهما من الثقات ، ولم يقدح المذهب
بالرواية ، مع اشتهار الصدق ، وكتب جماعتنا مملوّة من الفتاوى المستندة إلى
نقله ، فلتكن هذه كذلك
[140].

الرابع: قول الشيخ في كتاب النهاية ، في مسألة ميراث المجوسي: «وقال قوم:
إنّهم يورثون من الجهتين معا ، سواء كان ممّا يجوز في شريعة الإسلام ،
أو لا يجوز.

وهذا القول عندى هو المعتمد ـ إلى أن قال : ـ مع أ نّه قد رويت الرواية ، وقد
أوردناها في كتاب تهذيب الكلام ، فإنّهم يورثون من الجهتين جميعا»
[141].
(انتهى). ولم يذكر هناك سوى حديث السكوني
[142].

وفي رجال السيّد 2
ال السيّد، 2 الأجلّ ، نقلاً عنه الرواية الصحيحة ، وهو أدلّ على
المطلوب.

وأمّا على الأوّل ، فالوجه أنّ العمل بما تفرّد بروايته ، لا يكون إلاّ مع
صحّتها ، وقال السيّد
رحمه‏الله وما ذكره الشيخ والمحقّق ، ربّما يقتضي الاعتماد على
النوفلي أيضا ؛ فإنّه الطريق إلى السكوني والراوي عنه.

الخامس: قول المحقّق في المعتبر ، في باب النفاس ، في مسألة أ نّه لا يكون
نفاس حتّى تراه بعد الولادة أو معها ، بعد نقل خبر من السكوني  ما لفظه:
«والسكوني عاميّ لكنّه ثقة»
[143].

السادس: قول ابن إدريس في السرائر ، وهو من المنكرين على الشيخ أشدّ
الإنكار في عمله برواية السكوني ، بعد تسليم جواز العمل بأخبار الآحاد
ما لفظه: «إسماعيل بن أبي زياد السكوني ـ بفتح السين ـ منسوب إلى قبيلة من
عرب اليمن ، وهو عاميّ المذهب بغير خلاف ، وشيخنا أبو جعفر موافق على
ذلك ، قائل به ، ذكره في فهرست المصنّفين»
[144]. إلى آخر كلامه الذي سنذكره
مع ما استفاد منه.

السابع: رواية الأجلاّء عنه ، وفيهم جمع من أصحاب الإجماع مثل:

«عبد اللّه بن المغيرة» كما في الفقيه ، في باب ما جاء في الإضرار
بالورثة
[145].

وفي التهذيب في باب تلقين المحتضرين من أبو اب الزيادات[146] وفي باب
بيّنتين يتقابلان
[147] وفي باب البيّنات[148].

و«فضالة بن أيّوب» فيه في باب الحكم في أولاد المطلّقات [149] وفي باب
قضاء شهر رمضان
[150] وباب تلقين المحتضرين من الزيادات [151] وباب

التيمّم
[152] وباب الحدّ في الفرية والسبّ[153].

وفي الكافي ، في باب حق الأولاد في كتاب العقيقة[154].

و«عبد اللّه بن بكير» في التهذيب ، في باب التيمّم[155].

و«جميل بن درّاج» في الكافي ، في باب الرجل يحجّ من الزكاة أو
يعتق
[156].

وهؤلاء الأربعة من أصحاب الإجماع ، وبيّن أنّ روايتهم عن أحد من
أمارات وثاقته ، وفاقا للعلاّمة الطباطبائي.

والعباس بن معروف[157] وهارون بن الجهم[158] ومحمّد بن عيسى[159]

وأبو الجهم بكير بن أعين 1
و الجهم بكير بن أعين، 2
[160] والثقة الجليل سليمان بن جعفر الجعفري[161].

الثامن: ما تقدّم من الفخر ، من الحكم بكون السند الذي فيه السكوني
موثّقا
[162].

التاسع: وما ذكرناه في خلال حال الجعفريّات من أنّ كثيرا من متون
أحاديثها موجودة في الكتب الأربعة بطرق المشايخ إلى النوفلي ، عن
السكوني ، عن جعفر بن محمّد
عليهماالسلام عن أبيه ... .

ويظهر منه أ نّه كان حاضرا في المجلس الذي كان يلقي أبو عبد اللّه عليه‏السلام
سنّة جدّه رسول اللّه
صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم إلى ولده الكاظم عليه‏السلام بطريق التحديث ، ومشاركا
معه في التلقّي عن والده
عليه‏السلام ، وهذا يدلّ على علوّ مقامه ورفعة شأنه
واختصاصه بالصادق
عليه‏السلام.

ومنه يظهر أنّ من تشبّث لعاميّته بأسلوب رواياته ؛ فإنّه عن جعفر ، عن أبيه ،
عن آبائه
عليهم‏السلام في غير محلّه ؛ بل هو على خلافه أدلّ»[163].

أقول: وفيه أوّلاً: إنّ ما ذكره تبعا لجماعة من أنّ اشتهار ضعفه ممّا لا أصل
له ، فيمكن تضعيفه بأنّ بعد اشتهار عاميّته وتسلّمه بينهم كما عرفت ، التصريح
به من غير واحد ؛ بل سمعت نفي الخلاف فيه من السرائر
[164].

وسمعت التنصيص بضعفه من جماعة من العامّة ، فيتّجه حينئذ تضعيفه ،
فتأمّل.


وثانيا: إنّ مرجع الأوّل ، والثاني ، والرابع ، إلى أمر واحد ؛ لظهور رجوع
الجميع إلى كلام الشيخ ، وتعدّد كلام شخص بحسب تعدّد المورد ، لا يوجب
تعدّد الدليل ، فهل يصحّ دعوى تعدّد التزكية لو وقع التزكية من المزكِّي في
موضعين ؛ بل عرفت تنصيص صاحب المعالم ، بعدم اعتبار دعوى التعدّد في
تزكية النجاشي والعلامة ؛ لكون مرجع الثاني إلى الأوّل ، مضافا إلى أنّ الثاني
اشارة إلى ما عرفت من المحقّق  من نقل كلام الشيخ ، عن مواضع من كتبه
بدعوى الإجماع المذكور ، مع أنّ ثبوت النسبة المذكورة عن غير العدّة  محلّ
الريبة.

وعلى هذا المنوال ، حال الثالث والخامس ؛ لظهور رجوعهما إلى كلام المحقّق ،
فتخميس الأمرين عجيب في البين.

وثالثا: إنّ الاستناد بكلام الشيخ في النهاية ، بناءً على عدم الاشتمال على
التوصيف ، يشبه بالأكل عن القفاء ، وبناءً على الاشتمال يوجب اختلال
الاستدلال بأصل المقال.

أمّا الأوّل: فلأنّ ملاك الاستدلال ، استدلال الشيخ بروايته في هذا المقام ،
مع أ نّه استدلّ بها في التهذيب ، بأتّم وجه ، وأكمل بيان ؛ فإنّه ـ بعد ما نقل رواية
السكوني عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن علي
عليه‏السلام:

«أ نّه كان يورث المجوسي إذا تزوّج بأمّه وبنته»[165] من وجهين: من وجه
أ نّها امّه ، ووجه أ نّها زوجته ـ نقل اختلاف الأصحاب في ميراث المجوسي إذا
تزوّج باحدى المحرّمات من جهة النسب في الشريعة ، فحكى عن يونس بن
عبدالرحمان ، وكثير ممّن تبعه: أ نّه لا يورث إلاّ من جهة النسب والسبب
الجائزين.

وعن الفضل بن شاذان ، وقوم من تابعيه: أ نّه يورث من جهة النسب مطلقا
بخلاف السبب ؛ فإنّه يورث بجائزه.

قال: والصحيح عندى أ نّه يورث المجوسي من جهة النسب والسبب معا ،
سواء كانا ممّا يجوز في الشريعة أو لا.

والذي يدلّ على ذلك ، الخبر الذي قدّمنا من السكوني ، وما ذكره أصحابنا
من خلاف ذلك ، ليس به أثر ولا دليل ؛ بل إنّما قالوا بضرب من الاعتبار.

ثمّ ذكر بعد ذكر بعض الإيرادات: فعلم أنّ الذي ذكرناه هو الصحيح ، وينبغي
أن يكون عليه العمل ، وما عداه يطرح ، ولايعمل عليه على حال
[166].

فبعد استدلاله في نفس التهذيب بهذه المثابة من الجزم بلا امتراء ؛
الاستدلال بكلامه في النهاية ، للكشف عن استدلاله في التهذيب ، ليس إلاّ من
باب الأكل من القفاء.

وأمّا الثاني: فلأنّه انّما يكون أدلّ بواسطة كشف التوصيف بالصحّة عن كون
الراوي من الإماميّين المصرّحين بالوثاقة ، كما هو المصطلح في الصحيح مع
أ نّه بناءً عليه يوجب هدم الاستدلال بالمرّة.

وذلك لما عرفت من الشيخ من التصريح بعاميّته ؛ بل قد عرفت أ نّه العمدة في
هذا الأساس ، وبعد التصريح بما ذكر فالتوصيف المذكور يوجب التناقض
والتهافت في الكلام ، وبه يتطرّق الوهن بالاستدلال بأصل كلامه في المقام.

هذا ، مضافا إلى أنّ هذا الاحتمال ساقط من رأسه ؛ لأنّ الوصف الكاشف
عمّا ذكر إنّما هو من المصطلح عند المتأخّرين خاصّة ؛ فكيف يتّجه احتماله في
كلامه ، فالمتعيّن بناءً على ثبوته هو الحمل على ما هو المتعارف عند القدماء ،
ومن الظاهر عدم تفاوت يعتدّ به في المقام.

ورابعا: أنّ الاستدلال بتوثيق المحقّق ، يضعف بما عرفت من تضعيفه ، ولعلّه
لامجال للحمل. ودعوى أنّ التضعيف من باب اشتراطه في العمل بالرواية ،
الاشتهار والانجبار ، ولو كان الراوي من الثقات فالتضعيف من جهة عدم
الانجبار ، لا من جهة ضعف الراوي ، مدفوعة بصراحة كلامه في غيرمورد
بضعف نفس الراوي ، مضافا إلى مافيه ممّا سيأتي نظيره.

وخامسا: أنّ توثيق الفخر[167] ، إنّما هو من الوجوه المذكورة التي استدلّ بها
على وثاقته ، وقد عرفت مافيها.

وسادسا: أنّ حضور العامّة في مجلسه الشريف غير عزيز ، ومنه ما ذكره
النجاشي في ترجمة محمّد بن ميمون ، من أ نّه عاميّ ، غير أ نّه روى عن أبي
عبد اللّه
عليه‏السلام كما أنّ حفص وغياث  المعدودين من العامّة روايتهما عنه غير
عزيز ، مع أنّ ماذكره من ظهور ضعف التشبّث بما ذكر لما ذكر كما ترى ،
وأضعف منه ما في الذيل.

وأيضا دعوى دلالة غير واحد من الوجوه المذكورة على نفي الوثاقة بالمعنى
الأخصّ ، كالنور على الطور ، فدعوى الدلالة على الثبوت بمكان من السقوط.

نعم ، إنّه لقد أجاد في الوجه السابع فيما أفاد وأتى بمافوق المراد ، فهو وجه
في غاية المتانة والسداد ، فتأمّل.


 

 

 

تنبيهات

 

الأوّل: قال الفاضل الحلّي  في السرائر ، عند الكلام في ميراث المجوس:
«إنّ للسكوني كتابا يعدّ في الأصول ، وهو عندي بخطّي كتبته من خطّ
ابن اشناس البزّاز وقد قرأ على شيخنا أبي جعفر ، وعليه خطّه إجازة وسماعا
لولده أبي علي ولجماعة رجال غيره»
[168].

أقول: وفي الكلام المذكور، شواهد على اعتبار كتابه.

منها: قوله «يعدّ في الأصول».

ومنها: قوله «وهو عندي بخطّي» فإنّ استكتاب كتاب من مثل هذا الفاضل
الذي لا يعمل بأخبار الآحاد ، استنادا إلى أ نّه لا يوجب علما ولاعملاً كما هو
شايع في كلماته في السرائر ، شاهد قويّ على اعتبار كتابه واعتبار مؤلّفه.

ومنها: ما يظهر منه من استكتابه مثل ابن اشناس البزّاز ؛ فإنّه أيضا من أجلّة
الرواة والعلماء.

كما قال في رياض العلماء: «إنّه كان من معاصرى الشيخ الطوسي
ونظرائه».

ومنها: ما يظهر من قراءته على شيخ الطائفة ، وكون خطّه عليه ، وإجازته
إيّاه لولده ولجماعة غيره ، وكلّ من الأمور المذكورة يكشف عن اعتبار كتابه ،
كما لا يخفى.

ويؤيّده اشتهار غير واحد من رواياته بين الأصحاب ، وتلقّيهم بالقبول
وعملهم بمضمونه.

منها: ما رواه: «عن رجل استودع دينارين ، واستودع آخر دينارا ، فضاع
دينار منهما ، فقال: يعطي صاحب الدينارين دينارا ، ويقتسمان الدينار الباقي
بينهما نصفين»
[169]؛ فإنّ الإفتاء على طبقه مع مخالفته للاصول ؛ بل العلم
الإجمالي مشهور بين الأصحاب كما صرّح به في الروضة ، والرياض ؛ بل قال
في الأوّل: بعد ميله إلى القرعة حاكيا عن الدروس ، لكنّه لم يجسر على مخالفة
الأصحاب
[170].

وفي الثاني: هو في محلّه لجبر السند ، والمخالفة للقواعد بعملهم مع كون الراوي
ممّن حكى الطوسي إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه ، وقال بثقته
جماعة
[171]. (انتهى). وفيه شيء لا يخفى.

ومنها: الخبر المعروف ، وهو: «أنّ الولاء لحمة كلحمة النسب»[172].

فإنّه قد استدلّ به غير واحد من الفقهاء في غيرمورد من موارد الإرث
بالولاء ؛ بل ذكر الحلّي أ نّه متلقّى بالقبول عند العامّة والخاصّة ؛ بل استدلّ في
أنّ الولاء للأولاد إذا عدم المنعم محتجّا بالاجماع»
[173].

وكلّ منهما منه عجيب ، وربّما ذكر السيّد السند النجفي: «وهذا يدلّ على أنّ
أصل السكوني كان في زمن الشيخ والكليني ظاهرا متداولاً ، وأنّ الروايات
المنقولة عنه منتزعة من أصله.

وعلى هذا ، فلايقدح في اعتبار رواياته جهالة النوفلي أو ضعفه ، كما يظهر
من كتب الرجال ، ولعلّ التوثيق المذكور من فخر المحقّقين وابن أبي جمهور
مبنيّ على عدم الالتفات إلى الواسطة لكونها من مشايخ الإجازة»
[174].

أقول: وفي كلامه أنظار.

الأوّل: إنّ الذي يظهر من طريقة الأصحاب بعد إعطاء التأمّل التامّ في
كلماتهم ، أ نّهم كانوا يروون الأخبار من كتب جماعة مع وجود كتاب المنقول
عنه عندهم ، كما يظهر الحال ممّا سيجيء ـ إن شاء اللّه تعالى ـ في قاعدة نقد
الطريق.

الثاني: إنّ ما يظهر منه من ترديده في النوفلي بين جهالته وضعفه ضعيف ؛
فإنّ الظاهر وثاقته نظرا إلى عدم صدور تضعيفه من أحد من أرباب الرجال.

نعم ، غاية الأمر حكاية غلوّه في آخر عمره عن قوم من القميّين.

ويضعف بعدم الوثوق بغمزهم وقدحهم ، ولاسيّما بالغلوّ ، ولاسيّما مع ميل
النجاشي إلى عدمه ؛ لقوله: «الحسين بن يزيد محمّد بن عبدالملك النوفلي كان
شاعرا أديبا وسكن الري ومات بها ، وقال قوم من القميّين: إنّه غلا في آخر
عمره ، واللّه أعلم ، وما رأينا له رواية تدلّ على هذا»
[175].

ولقد أجاد العلاّمة البهبهاني في التعليقات ، فيما جنح إلى وثاقته[176] بخلاف

العلاّمة في الخلاصة من التأمّل في رواياته بمجرّد الغمز المذكور
[177].

بل ربّما ذكر المحقّق الشيخ محمّد في الاستقصاء[178]: «إنّ النوفلي هو
الحسين بن يزيد ، وضعفه أظهر ما يذكر ، وليت شعري وجه ابتلائه وصاحبه
بهذه التضعيفات حتّى أ نّه ذكر في رياض العلماء تارةً: «السكوني هو إسماعيل
ابن أبي زياد السكوني الشعيرى من أصحاب الصادق
عليه‏السلام وهو الذي يروي
عنه النوفلي الضعيف الكذّاب العاميّ كثيرا ، ولقرب جواره اشتهر هو أيضا
بالكذب ، حتّى أ نّه يضرب به المثل في الكذب والافتراء».

وأخرى: بعد ذكر الاسم والنسبة والرواية: «والمشهور أ نّه عاميّ وينسب
بالكذب والضعف ؛ حتّى أ نّه يضرب به المثل في الافتراء على الألسنة ، وقد
يقال: إنّه غير ضعيف ؛ ولكن اشتهر بذلك لجاره السوء ، أعني: النوفلي»
[179].
(انتهى).

فإنّه مع عدم صدور التضعيف من أحد من أرباب الرجال في شأنه ،
واختصاص التضعيف بمن عرفت ، يروي عنه إبراهيم بن هاشم عن أبيه كثيرا ،
وهو من أقوى أمارات الوثاقة.

الثالث: إنّ ما احتمله من ابتناء التوثيق المذكور على الوجه المزبور ، في غاية
الوهن ؛ لما عرفت من أنّ النوفلي غيرمذكور في كلمات الأصحاب بالمدح
والقدح ؛ بل قد عرفت اشتهاره بالضعف ، وأين هذا المقام من مقام مشايخ
الإجازة ، والمعروفين بالصلاح والسداد والوثاقة والاعتماد.

نعم ، إنّ عليّ بن إبراهيم ، وأباه من مشايخ الإجازة ؛ ولكن من المعلوم عدم
كفاية شيخوخة بعض أجزاء السند للتصحيح أو التوثيق.

ثمّ إنّه يظهر من بعض الأفاضل[180] أنّ للسكوني كتاب التفسير ، فحكي عنه

رواية مفصّلة عنه في التفسير ، ونسب آخر الكتاب ـ كتاب التفسير ـ إلى
السكوني ، ولم أقف على تلك النسبة لوكان المراد هو السكوني المعروف هذا ،
ونسب البعض المذكور في آخر الكتاب ـ كتاب التحصين ـ إلى السيّد السند
رضيالدين بن طاووس ، مع أنّ التحصين المعروف للعالم التقيّ ابن فهد
الحلي ، ولعلّ المراد غيرالكتاب المعروف ، وإن ولم أقف على تلك النسبة
أيضا.

 

الثاني:[181] إنّه حكى في رياض العلماء ، عن صاحب الطبقات عن السمعاني
إنّه قال: «السكوني ـ بفتح السين وضم الكاف وسكون الواو آخرها نون ـ بطن
من كندة» (انتهى).

البطن دون القبيلة ، وفوقها: الفِخْذَة مؤنّثة ، وإن أريد الحيّ فمذكّر ، ذكره في
المجمع
[182].


وكِندة ، بكسر الكاف أبو حيّ من اليمن ، وهو كندة بن ثور ، ذكره في
الصحاح
[183].

وقد تقدّم عن تهذيب الكمال ، من أ نّه كان شاميّا سكن في خراسان[184].

 

الثالث: إنّه يظهر من صاحب القاموس ، أنّ الشعير إقليم بالأندلس ، وموضع
ببلاد العُذيل ، ومحلّة ببغداد ، قال: منها الشيخ عبدالكريم بن الحسن بن
عليّ
[185].

وظنّ الرواشح ، أ نّه من أغلاطه[186].

قال: والصحيح: الحسن بن عليّ بن عبدالكريم الزعفراني من زعفرانيّة
بغداد ، التي منها الحسن بن محمّد صاحب الشافعي ، لا من زعفرانيّة همدان
التي منها القاسم بن عبدالرحمان ، شيخ أبي الحسن الدارقطني.

وشيخ الطائفة ذكر الحسن بن علي بن عبدالكريم الزعفراني ، في الفهرست
في ترجمة إبراهيم بن محمّد بن سعيد ، المنتقل من الكوفة إلى إصفهان ،
وحكايته في ذلك معروفة.

أقول: والذي ذكر الشيخ في الفهرست ، أ نّه ذكر في الطريق إلى إبراهيم
الثقفي: «أخبرنا به الأجلّ المرتضى ، والشيخ أبو عبد اللّه المفيد 
رحمه‏الله جميعا ، عن
عليّ ابن حبشي الكاتب ، عن الحسن بن عليّ بن عبدالكريم الزعفراني ، عن
أبي إسحاق إبراهيم».

ولا وجه لرجحان ظنّ الغلط من القاموس بعد تسليم اتّحادهما إلاّ أن يقال:
أن يظهر للمتتبّع أ نّه قد وقع له أغاليط غريبة وتصاحيف عجيبة ، توجب تطرّق
الظنّ بإشتباهه ، كما ذكر في خور: الخور وادٍ وراء بِرْجيل ، مع أنّ الصحيح:
الخور وادٍ و زابن: جبل ، ومنه قول الشاعر:

 

سقى السررة المحلال مابين زابن

  إلى الخور وسمّى البقول المديم

 

فإنّ كلام القاموس مأخوذ ممّا ذكره الأودي ، على ما في الطراز نقلاً ، وذكر
في المقوقس: قاقيس بن صعصعة بن أبي الحريف ، محدثّ مع أ نّه ذكر الذهبي
في المحكيّ عن كتاب مشتبه الأنساب ، في الخريف: أنّ عبد اللّه بن ربيعة ،
تابعيّ يكنّى أبا الخريف ، بفتح الحاء المهملة ضبطه الدولابي ، وخالفه ابن
الجارود فأعجمها وبمعجمه وفاق.

ثمّ قال: قيس بن صعصعة بن أبي الخريف ، فصحّف وغلط وارتكب
في كلامه الشطط ، ونحوهما غيرهما ؛ اللّهمّ إلاّ أن يجاب بأ نّه قد وقع له
اشتباهات أيضا حتّى أ نّه ذكر بعض الأعاظم: أ نّه لا وثوق بكلماته مطلقا كما
تقدّم الكلام فيه ، فتأمّل.

 


 


 

 

 

 

 

 

المقصد الثاني

 

في

 

عمّار بن موسى الساباطي

 

 

 

 

 


 


 

 

 

 

 

المقصد الثاني

 

في

عمّار بن موسى الساباطي

 

ويتأتّى الكلام في المقام تارةً: في تحقيق مذهبه ، وأخرى: في وثاقته
وضعفه ، وثالثةً: في اعتبار رواياته ، فهاهنا مباحث:

 

 ]المبحث الأوّل: في تحقيق مذهبه[

 

الأوّل: في تحقيق مذهبه ، فنقول: إنّه قد اختلف في أ نّه من الإماميّة أو
الفطحيّة ، فالمنصور كماهو المشهور ؛ بل المجمع عليه هو الثاني ، كما جرى
عليه الكشّي
[187] والشيخ في الفهرست[188] والاستبصار[189] والتهذيب[190]

والمحقّق والعلاّمة في الخلاصة
[191] والمنتهى[192] والمختلف[193] والفاضل الحسن
ابن داود
[194] والفاضل البحراني[195] والعلاّمة البهبهاني[196] والسيّد السند
النجفي
[197].

وبه صرّح غير واحد من الفقهاء ، كصاحب المجمع 1
حب المجمع، 2
[198] ، والمدارك[199] ،
والذخيرة
[200] ، وغيرهم.

وأصرّ فيه الفاضل الحلّي في السرائر ، عندالكلام في محاذاة مكان الرجل
في حال الصلاة مع المرأة أو تقدّم مكانها عليه ؛ فإنّه قال موردا على الشيخ:
«وقد ذهب بعض أصحابنا إلى خطر ذلك ، اعتمادا على خبر رواه عمّار
الساباطي ، وعمّار هذا فطحيّ ، كافر ، ملعون». فأطال في المقال مستدلاًّ بدليل
مختلّ الحال.

فقال: «ولايلتفت إلى أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولاعملاً ،
خصوصا إذا أوردها الكفّار ومخالف المذهب مثل عمّار»
[201].

وجرى على الأوّل ، السيّد الداماد[202] واستظهر السيّد السند النجفي القول به
من شيخنا المفيد والنجاشي ، نظرا إلى ما ذكره الأوّل: من أنّ عمّارا من
أصحاب الأصول المعروفة ، ومن جملة الفقهاء والرؤساء والأعلام المأخوذ
عنهم الحلال والحرام ، والفتيا ، والأحكام ، الذين لا يطعن عليهم ، ولاطريق
إلى ذمّ واحد منهم»
[203].

وما ذكره الثاني: «من أنّ عمّار بن موسى الساباطي ، أبو الفضل ، مولى
وأخويه: قيس ، وصباح ، رووا عن أبي عبد اللّه
عليه‏السلام ، وكانوا ثقات في
الرواية»
[204] فإنّ عنوان النجاشي لشخص ، وسكوته عن بيان مذهبه ، ظاهر في
اماميّته
[205].

ومال السيّد السند النجفي في موضع من رجاله إلى اماميّته ، أو رجوعه إليه
كغيره من الفطحيّة
[206].


ويدلّ على المختار: ما صرّح غيرواحد من الأعلام مثل: الكشّي ،
والعيّاشي ، على ماحكى عنه الكشّي
[207] ، والشيخ في الفهرست[208] ، والتهذيب ،
في باب بيع الواحد بالاثنين
[209] ، وابن شهر آشوب في معالم العلماء[210] ،
والعلاّمة في الخلاصة ، وابن داود ، أ نّهما عنونه في الجزء الثاني ، وذكر الأوّل
ماذكره الشيخ في الفهرست
[211] ، والثاني ما ذكره الكشّي[212] ، وظاهرهما:
الجزم به.

وهو المصرّح به في كلمات غيرواحد من الفقهاء على ما ستطلع على نبذة
منها إن شاء اللّه تعالى ، ولو لم يثبت بتصريح هؤلاء الأبطال لما يثبت شيء من
مطالب علم الرجال ، وكان تنصيص أحد منهم كافٍ في انتهاض المرام ، فكيف
بما اتّفقت عليه كلمة هؤلاء الأعلام.

هذا مضافا إلى ما رواه في الكافي ، في باب «ما يفصل بين الحق والباطل»
بسند لا ريب فيه إلاّ بواسطة الواسطي ، وهو لا يخلو عن اعتبار وإن حكى
العلاّمة البهبهاني عن النجاشي: أ نّه ذكر في شأنه المدح العظيم ؛ ولكنّه
غيرمستقيم:

عن هشام بن سالم ، قال: كنّا بالمدينة بعد وفات أبي عبد اللّه عليه‏السلامأنا
وصاحب الطاق
[213] ، والناس مجتمعون على عبد اللّه بن جعفر ، أ نّه صاحب
هذا الأمر بعد أبيه ، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق والناس عنده ، وذلك أ نّهم
رووا عن أبي عبد اللّه
عليه‏السلام أ نّه قال:

«إنّ الأمر في الكبير ، مالم يكن به عاهة» فدخلنا عليه نسأله عمّا كنّا نسأل
عنه أباه فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟

فقال: «في مائتين خمسة». فقلنا: في مائة؟

فقال: «درهمان ونصف». فقلنا: واللّه ماتقول المرجئة هذا !

فرفع يده إلى السماء ، فقال: «واللّه ما أدري ما تقول المرجئة».

قال: فخرجنا من عنده ضلالاً لا ندري إلى أين نتوجّه أنا وأبو جعفر
الأحول ، فقعدنا في بعض أزقّة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى أين نتوجّه
ولا إلى من نقصد؟ نقول إلى المرجئة؟ إلى القدريّة؟ إلى الزيديّة؟ إلى المعتزلة؟
إلى الخوارج؟

فنحن كذلك إذ رأيت رجلاً شيخا لا أعرفه يومئ اليّ بيده ، فخفت أن يكون
عينا من عيون أبي جعفر المنصور ، وذلك أ نّه كان له بالمدينة جواسيس
ينظرون إلى من اتّفقت شيعة جعفر
عليه‏السلام عليه ، فيضربون عنقه ، فخفت أن يكون
منهم.

فقلت للأحول: تنحّ ، فإنّي خائف على نفسي وعليك ، وإنّما يريدني
لايريدك.

فتنحّ عنّي لا تهلك ، وتعين على نفسك ، فتنحّى غيربعيد وتبعت الشيخ.

وذلك إنّي ظننت أ نّي لا أقدر على التخلّص منه ، فمازلت أتبعه وقد عزمت
على الموت ، حتّى ورد بي إلى باب أبي الحسن
عليه‏السلام ، ثمّ خلاّني ومضى.

فاذا خادم بالباب ، فقال لي: أدخل ، رحمك اللّه ! فدخلت فاذاً أبو الحسن
موسى
عليه‏السلام فقال لي ابتداءً:

«لا إلى المرجئة ، ولا إلى القدريّة 5
قدريّة، 2 ، ولا إلى الزيديّة ، ولا إلى المعتزلة ، ولا
إلى الخوارج ، إليّ! إليّ!»

فقلت: جعلت فداك مضى أبوك؟

قال: نعم. قلت: مضى موتا؟

قال: نعم . قلت: فمن لنا بعده؟

فقال: إن شاء اللّه أن يهديك هداك ، قلت: جعلت فداك ! إنّ عبد اللّه يزعم
أ نّه من بعد أبيه.

قال: يريد عبد اللّه أن لا يُعبد اللّه! قال: قلت: جعلت فداك ! فمن لنا من
بعده؟

قال: إن شاء اللّه أن يهديك هداك. قال: جعلت فداك ! فأنت هو؟

إلى أن قال: فقلت له: جعلت فداك ! أسألك كما كنت أسأل أباك؟

فقال: سل تخبر ولا تذع! فإن أذعت فهوالذبح!!

فقال: فسألته فاذا هو بحر لا ينزف! قلت: جعلت فداك ! شيعتك وشيعة أبيك
ضُلاّل فألقِ إليهم ، وادعهم اليك ، فقد أخذت عليّ الكتمان.


قال: من آنست منهم رشدا فألقِ اليه! وخذ عليه الكتمان! فإن أذاعوا فهو
الذبح  وأشار بيده إلى حلقه.

قال: فخرجت من عنده فلقيت أبا جعفر الأحول ، فقال لي: وما وراءك؟

قلت: الهدى ، فحدّثته بالقصّة.

قال: ثمّ لقينا الفضيل وأبا بصير ، فدخلا عليه وسمعا كلامه وسألاه ، وقطعا
عليه بالامامة ، ثمّ لقينا الناس أفواجا ، فكلّ من دخل عليه قطع إلاّ طائفة عمّار
وأصحابه. وبقي عبد اللّه لا يدخل إليه إلاّ قليل من الناس»
[214].

ونقلنا الخبر بطوله لجودته ، وهو كالصريح في فطحيّة عمّار ، ودعوى أنّ
مقتضى صريحه ، فطحيّة طائفة عمّار دونه ، ـ ولعلّه لذا ترك الاستدلال به عليه
غيرواحد ـ مدفوعة بالبعد عمّا هو المتعارف من موافقة الطائفة والأصحاب.

ويشهد عليه ماسمعت من اشتهار فطحيّته ؛ بل الظاهر أ نّه قد ابتلى بهذه البليّة
غير واحد من أبناء الزمان ؛ بل ذكر الكشّي: «أ نّه قال بامامة عبد اللّه ، عامّة
مشايخ العصابة ، وفقهائها ، لما روى عنهم
عليهم‏السلام أ نّهم قالوا:

«الإمامة في الولد الأكبر من ولد الإمام إذا مضى» فذكر الامتحان
والرجوع ، وقال: إنّه مات بعد أبيه بسبعين يوما فرجع الباقون الاّ شاذّا
منهم»
[215].

وروى في الكافي ، في باب من ادّعى الإمامة وليس لها بأهل بسنده: عن
الوليد بن صبيح ، أ نّه قال: سمعت أبا عبد اللّه
عليه‏السلام يقول:


«إنّ هذا الأمر لا يدّعيه صاحبه إلاّ بتر اللّه عمره»[216].

وبالجملة: فالظاهر أنّ من جملة الباقين على تلك العقيدة الفاسدة ، كان
عمّارا وأصحابه.

وأمّا ما استظهره السيّد السند من شيخنا المفيد  رحمه‏الله ومال اليه[217] ، فلعلّ
الظاهر أنّ كلاًّ منهما في غيرمحلّه ؛ وذلك: لأنّ ملاحظة صدر كلامه وذيله في
رسالته المعمولة في تطرّق النقصان إلى شهر رمضان ، على حذو سائر الشهور
ـ خلافا لمن جرى على عدم الإصابة ، كشيخنا الصدوق في الفقيه 1
صدوق في الفقيه، 2 ، استدلالاً
بجملة من الأخبار ـ تكشف عن الخلاف ؛ فإنّ الظاهر من كلامه عدم إرادة
التوصيف بالأوصاف المذكورة بالاضافة إلى عمّار ونظرائه ، وعلى فرض
الظهور لا يخلو الاعتبار عن الغبار.

وبيان ذلك: أ نّه بعد ما ذكر دليل المخالف مع الجواب ، قال:

«وأمّا رواة الحديث بأنّ شهر رمضان ، شهر من شهور السنة ، يكون تسعة
وعشرين يوما ويكون ثلاثين يوما ، فهم فقهاء أصحاب أبي جعفر محمّد بن
علي وأبي عبداللّه جعفر بن محمّد وأبي الحسن علي بن محمّد وأبي محمّد
الحسن بن علي بن محمّد ـ صلوات اللّه عليهم ـ والأعلام والرؤساء المأخوذ
منهم الحلال والحرام ـ إلى أن قال فممّن روى عن أبي جعفر محمّد بن علي
الباقر
عليهماالسلام: «أنّ شهر رمضان يصيبه مايصيب الشهور»: أبو جعفر محمّد بن
مسلم ، أخبرني بذلك أبو غالب أحمد بن محمّد الزراري ، عن أحمد بن محمّد ،
عن أحمد بن الحسن عن أبان عن عبد اللّه بن جبلة ، عن العلا ، عن محمّد بن
مسلم ، عن أبي جعفر
عليه‏السلامقال:

«شهر رمضان يصيبه مايصيب الشهور من النقصان».

وروى محمّد بن قيس مثل ذلك ومعناه: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد
ابن قولويه ، عن محمّد بن همام ، عن عبد اللّه بن جعفر ، عن إبراهيم بن مهران ،
عن الحسين بن سعيد ، عن يوسف بن عقيل ، عن أبي جعفر محمّد بن علي
عليهماالسلام
قال: قال أميرالمؤمنين
عليه‏السلام:

«إذا رأيتم الهلال فافطروا! أو شهد عليه عدول من المسلمين ، فإن لم تروا
الهلال فأتمّوا الصيام إلى الليل ، واذا غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين ليلة ثمّ افطروا».

وروى محمّد بن سنان ، عن أبي الجارود ، قال: سمعت أبا جعفر عليه‏السلاممحمّد
ابن علي
عليهماالسلام ، يقول:

«صم حين يصوم الناس! فإنّ اللّه جعل الاهلّة مواقيت».

وروى مصدّق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد اللّه جعفر بن
محمّد
عليهماالسلام قال:

«يصيب شهر رمضان ما يصيب الشهور من النقصان ، يكون ثلاثين يوما
ويكون تسعة وعشرين يوما»
[218] إلى آخر كلامه.

فأنت خبير بأنّ من المحتمل قويّا أن يكون المراد من فقهاء الأصحاب ،
رواة الأحاديث بلا واسطة ، والمراد من الأعلام والرؤساء ـ إلى آخر
الأوصاف ـ المشايخ الذين ذكرهم في الخبرين الأوّلين.


وذلك ، لعدم تعارف توصيف الرواة بهذه الأوصاف إلاّ نادرا ومنفردا ،
بخلاف المشايخ ، نظير أبي غالب ، وابن قولويه ، وغيرهما ؛ لظهور اتّصافهم
بهذه الأوصاف.

مضافا إلى شهادة السياق من الفصل بين ذكر الفقهاء من الأصحاب وبين
ذكر الأعلام ، مع أ نّك قد عرفت أ نّه عدّ من هذه الرواة: محمّد بن سنان ، عن أبي
الجارود.

والمشهور بين أرباب الرجال ، ضعف كلّ منهما.

فحكى النجاشي عن ابن عقدة في وصف الأوّل: «أ نّه رجل ضعيف جدّا ،
لا يعوّل عليه ، ولايلتفت إلى ماتفرّد به»
[219].

والعلاّمة عن ابن الغضائري: أ نّه غالٍ ، لا يلتفت اليه. وعن الفضل: إنّ من
الكذّابين المشهورين ، ابن سنان ، وليس بعبد اللّه»
[220].

والتضعيفات وإن لا يخلو عن ضعف ؛ إلاّ أ نّها توهن كون الأوصاف
المذكورة ، ولاسيّما قوله «ولامطعن عليهم ، ولاطريق إلى ذمّ واحد منهم».

وذكر الكشّي في وصف ابن الجارود من الأخبار مايدلّ على كذبه وكفره
ولعنه.

قال: «سمّاه مولانا أبو جعفر عليه‏السلام ب «سرحوب» وذكر أ نّه اسم شيطان أعمى
يسكن البحر ، وكان أبو الجارود مكفوفا أعمى ، أعمى القلب»
[221].

وممّا ذكرنا يظهر أ نّه لواستظهرنا عموم الأوصاف ، كانت التوصيفات خاليةً
عن الصواب.

واحتمال الإرادة من الطعن والذمّ المنفيّين ، ما هو بالقياس إلى الاعتماد
وقبول القول والوثاقة كما وقع من العلاّمة البهبهاني
[222] ، كماترى.

ويقوى ما ذكرنا ـ من عدم العموم ـ أ نّه قد ذكر للقول بعدم النقصان ، حديثا:

«عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن سنان ، عن حذيفة بن منصور ، عن
مولانا أبي عبد اللّه
عليه‏السلام ، قال:

«شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص أبدا»[223].

فأجاب: بأنّ هذا حديث شاذّ ، نادر ، غير معتمد عليه ، في طريقه: محمّد بن
سنان ، وهو مطعون عليه ، لا تختلف العصابة في تهمة وضعه ، وما كان هذا
سبيله ، لا يعمل عليه في الدين ؛ بل يتطرّق الإشكال ، ولو على وجه
الاختصاص أيضا ، ومنه يستكشف عدم الإتقان.

وممّا ذكرنا ظهر ضعف ماجرى عليه الفاضل المعاصر في المستدرك: من أنّ
أخبار عمّار معتمدة لابدّ من العمل عليها ، وإن قلنا بعدم حجيّة الموثّق مطلقا ،
أو عند وجود معارض صحيح.

قال: وذلك لوجود الدليل الخاصّ على حجيّتها ؛ استكشافا ذلك من
المواضع الأربعة.

منها: ما سمعت من كلام شيخنا المفيد  رحمه‏الله ؛ فإنّه على فرض تماميّة دلالته ،
دعوى دلالته على حجيّة خصوص عمّار ، ولو بناءً على عدم الحجيّة ، في غاية
الصعوبة ؛ فضلاً عمّا سمعت من الكلام في مفاده.


 

 

 

 

 

 ]مايستدلّ به على إماميّه عمّار الساباطي ]

 

هذا ، واستدلّ للقول بإماميّته بما رواه الكشّي ، عن مولانا الكاظم عليه‏السلام ، أ نّه
قال:

«استوهبت عمّار الساباطي من ربّي ، فوهبه لي»[224].

قال السيّد الداماد في هوامش كتاب عيونه في الفقه: إنّه يدلّ على اماميّته
من وجهين: فإنّ قوله «استوهبت» صريح في استيهابه ، وليس يستوهب ناقض
عهد التوحيد والإيمان ، وقد ورد في التنزيل الكريم:

«ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذينَ آمَنُوا اَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ»[225] فاذا لم يكن ذلك
للنبيّ
صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلموللمؤمنين ، فكيف يكون ذلك له عليه‏السلام.

وقوله عليه‏السلام : «فوهبه لي» فقد تقرّر في علم أصول الإيمان ، أ نّه لا يكون
المغفرة إلاّ للمؤمنين ، فإذن قوله «فوهبه لي» في قوّة إنّي سألت ربّي أن يهديه
ويعرفه الأمر فهداه وعرّفه.


ويضعف أوّلاً: بأ نّه رواه الكشّي في موضعٍ: بالارسال[226].

وفي الآخر: بإسناده عن عبدالرحمان بن حمّاد الكوفي ، عن مروك[227].

وفي ثالثٍ: بإسناده عنهما عن رجل. ففي السند جهالة وارسال واضطراب
واختلال
[228].

وكلّ منها فضلاً عن جميعها يمانع عن انتهاض الاستدلال ؛ ولاسيّما مع
مخالفته لما اتّفقت عليه كلمة علماء الرجال ؛ مضافا إلى ما سمعت من الخبر
المستفيض.

وأمّا ما استشكله بعضهم في قوله «عبدالرحمان بن حمّاد» من استظهار
سقوط «أبي » قبل «ابن حمّاد» ، نظرا إلى أنّ الموجود في كتب الرجال ، هو
«عبدالرحمان بن أبي حمّاد» دونه.

فيضعف ، بأنّ رواية إبراهيم بن هاشم عنه ، غير عزيز ، ومنه: ما في التهذيب
في باب «نيّة الصائم»
[229] وباب «الكفّارة في إفطار يوم شهر رمضان»[230] وفي
الاستبصار في باب «مايحصن وما لا يحصن»
[231] وباب «من نذر أن يحجّ
ماشيا فنحر»
[232] وكما روى في التهذيب أيضا في «باب المياه وأحكامها»

بإسناده عن أبي القاسم ، عن عبدالرحمان بن حمّاد
[233].

كما أنّ نفي وجوده في الكتب غير جيّد ؛ لما في الفهرست من قوله:
«عبدالرحمان بن حمّاد ، له كتاب ، رويناه بالإسناد الأوّل ، عن أحمد بن أبي
عبد اللّه ، عن أبيه ، عن عبدالرحمان بن حمّاد»
[234].

قيل: أحمد بن أبي عبد اللّه هو البرقي ، وأبوه من أصحاب مولانا الرضا
عليه آلاف التحية والثناء ، وكذا إبراهيم بن هاشم الذي روى عن
عبدالرحمان ، وهما في مرتبة واحدة ، فالظاهر اتّحادهما.

وثانيا: أ نّه قد وقع التعارض بين الخبر المقتضي لفطحيّته مع اعتضاده
بالاشتهار ، والمقتضي لاستيهابه ، ومن الظاهر عدم الاجتماع ، فلابدّ من
الترجيح ، ولاإشكال في رجحان الأوّل ؛ لماعرفت من اعتباره مع الاعتضاد ،
بخلاف الثاني.

ففيه وجوه من الإخلال ، ومن هنا ما عن صاحب التكملة بعد استبعاد
الاستيهاب ، من الحكم بالطرح له أو لضعفه ، وإمّا ماذكره في المستدرك  من
نفي الاستبعاد ؛ نظرا إلى أنّ الفطحيّة أقرب المذاهب الباطلة إلى مذهب
الإماميّة ؛ إذ ليس فيهم إنكار للحقّ وتكذيب لأحد من الأئمّة الإثني
عشريّة
عليهم‏السلام ؛ بل لا فرق بينهم وبين الإماميّة أصولاً وفروعا ، إلاّ في اعتقادهم
إمامة إمام بين الصادق والكاظم
عليهماالسلام في سبعين يوما من غير تغيير في
الأحكام وغيره من اللوازم الباطلة
[235].


أقول: قدعرفت عدم انقطاع هذه الفتنة برأسها بعد انقضاء سبعين يوما ،
وبقاءها في الجملة في برهة من الزمان ، والظاهر بقاء عمّار على فطحيّته إلى
آخر زمانه ، ويكون مصداقا لما روى في الكافي في الباب المتقدّم ، بسنده عن
مولانا الصادق
عليه‏السلامقال:

«من أشرك مع إمام إمامته من عند اللّه من ليست إمامته من اللّه ، كان
مشركا»
[236].

ولعلّه لذلك وقع إطلاق المشرك في الاستدلال من السيّد الداماد ؛ بل
مقتضاه عدم الانقياد لمولانا الكاظم
عليه‏السلام أو غيره أيضا ؛ فكيف يقع الاستيهاب
من مولانا الكاظم
عليه‏السلام ؟

ومن ثمّ مايقال: من أ نّه لوكان من الصادق عليه‏السلام ، لكان له وجه[237] ، مع أنّ
احتمال التقيّة في الخبر لا يخلو عن قرب ؛ لعدم وقوع مثل هذه الواقعة في شأن
الأجلاّء والعظماء الذين هم أعلى من عمّار بمراتب.

مضافا إلى أنّ الظاهر أ نّه كان صاحب أتباع وأصحاب ، ومالك أوضاع
وأسباب.

أمّا الأوّل: فلما تقدّم في حديث هشام[238].

وأمّا الثاني: فلما رواه في الفقيه في باب علّة وجوب الزكاة: عن مولانا
الصادق
عليه‏السلام أ نّه قال لعمار بن موسى الساباطي:


«ياعمّار ! أنت ربّ مال كثير؟  قال: نعم جعلت فداك. قال: فتؤدّي مافرض
اللّه عليك من الزكاة؟ قال: نعم.

قال: فتخرج الحق المعلوم من مالك؟ قال: نعم.

فقال: يا عمّار ، إنّ المال يفنى ، والبدن يبلى ، والعمل يبقى ، والديّان حيّ
لايموت ، أمّا أ نّه ماقدّمت فلن يسبقك ، وما أخّرت فلن يلحقك»
[239].

وكلّ منهما من بواعث التقيّة ، فالظاهر أ نّه لا إشكال في فطحيّته ؛ بل ربّما
يظهر من بعض رواياته: أ نّه لم يكن في بعض الأزمان عارفا بامامة مولانا
الصادق
عليه‏السلام ؛ بل وكذا ، إمامة آبائه عليهم‏السلام أيضا.

فإنّه روى نقلاً قال: «كنت لا أعرف شيئا من هذا الأمر ، فخرجت حاجّا فاذا
أنا بجماعة من الرافضة ، فقالوا: أقبل إلينا ، فأقبلت إليهم.

فقالوا: ياعمّار ! خذ هذه الدنانير وادفعها إلى أبي عبد اللّه عليه‏السلام.

فقلت: أخشى أن تقطّع عليّ دنانيركم.

فقالوا: خذها ولاتخش.

فقلت: هاتوها! وأخذتها بيدى ـ إلى أن ذكر دخوله عليه عليه‏السلام ـ  قال: فقال:

«يا عمّار! آتنا بالمائة دينار!»

فقلت في نفسي: «واللّه ماسبقني رسول ولا كتاب ، فمن أين علم أنّ معي
دنانير؟!».

فقال عليه‏السلام: «لايزيد حبّة ولا ينقص ، فوضع الميزان فو اللّه مازادت
ولانقصت».


ثمّ قال: «يا عمّار ! سلّم علينا».

قلت: «السلام عليكم ورحمة اللّه بركاته».

فقال: «ليس هكذا ياعمّار!».

فقلت: «السلام عليك يابن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

فقال: «ليس هكذا».

فقلت: «السلام عليك يا وصيّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم !».

قال: «صدقت ياعمّار!» ثمّ وضع يده على صدري ، وقال: «حان لك أن
تؤمن» فواللّه ماخرجت من عنده حتّى تولّيت له وتبرّأت من عدوّه»
[240].

وأمّا ما احتمله السيّد السند النجفي  رحمه‏اللهمن رجوعه عن الفطحيّة[241] ،
فلايعرف له مأخذ ؛ بل قد اعترف بما ذكرنا نفسه في موضع آخر من رجاله.

قال: والقول الذي اختاره الشيخ والمحقّق: من كونه فطحيّا ثقة في النقل ،
هو أعدل الأقوال وأشهرها ؛ لثبوت كلّ من الأمرين بنقل الثقات الأثبات ،
وعليه يحمل كلام المفيد والنجاشي ؛ فإنّ فساد مذهبه أمر معلوم لا يخفى على
مثلهما
[242]. (انتهى).

قلت: مع أنّ في دلالة سكوت النجاشي عن التعرّض للمذهب على الإماميّة
محلّ النظر ؛ لما وجدنا من سكوته مع ثبوت فساد مذهب المسكوت عنه ، كما
في عبد اللّه بن بكير
[243] ؛ فإنّ الظاهر فطحيّته ، لشهادة الشيخ في

الفهرست
[244] والعدّة[245] ، ومحمّد بن مسعود على ماحكى عنه الكشّي[246]
والعلاّمة في الخلاصة
[247] ، مع أ نّه سكت عن ذكر مذهبه.


 

 

 

 

 

المبحث الثاني

 

في وثاقته وضعفه

الظاهر هو الأوّل ؛ نظرا إلى صدور توثيقه من جماعة من الأعلام.

فمنهم: النجاشي ، قال: «عمّار بن موسى الساباطي ، أبو الفضل ، مولى ،
وأخويه: قيس ، وصباح ، رووا عن أبي عبد اللّه
عليه‏السلام ، وكانوا ثقات
فيالرواية»
[248].

وهو مقتضى صريح كلام شيخنا المفيد ، لعدّه من أصحاب الأصول ، وجملة
الفقهاء ، والرؤساء الأعلام المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام ،
الذين لا يطعن عليهم ولا طريق إلى ذمّ واحد منهم
[249].

ومنهم: شيخ الطائفة ، فإنّه ذكر في التهذيب: «من أ نّه وإن كان فطحيّا ، لكنّه
ثقة في النقل»
[250].


وفي الاستبصار ، فإنّه قال في باب بيع الذهب والفضّة: «إنّ هذه الأخبار ،
لايعارض
[ ما قدّمناه ؛ لأنّ المتقدّمة منها أكثر ، لأنّا أوردنا طرفا منه هاهنا
وأوردنا كثيرا من ذلك في كتابنا الكبير ، ولأنّ هذه الأخبار أربعة منها
الأصل
[251]] فيها عمّار الساباطي وهو واحد ، وقد ضعّفه جماعة من أهل النقل ،
وذكروا أنّ ما ينفرد بنقله لا يعمل عليه ؛ لأنّه كان فطحيّا فاسد المذهب ، غير أ نّا
لانطعن عليه بهذه الطريقة ؛ لأنّه وإن كان كذلك ، فهو ثقة في النقل لايطعن
عليه»
[252].

ومنهم: المحقّق في المعتبر كما سيأتي كلامه إن شاء اللّه تعالى ؛ بل ربّما
ينصرح من الشيخ في العدّة دعوى إجماع الطائفة على العمل برواياته ، كما
عزا إليه  المحقّق في المعتبر
[253] ، والعلاّمة البهبهاني في تعليقات المدارك أيضا.

فإنّه ذكر في أوائل العدّة : «واذا كان الراوي من فرق الشيعة مثل الفطحيّة
والواقفيّة والناووسية وغيرهم ، نظر فيما يروونه ، فإن كان هناك قرينة
تعضده ،خبر آخر من جهة الموثوقين بهم ، وجب العمل به.

وإن كان هناك خبر يخالفه ولايعرف من الطائفة العمل بخلافه وجب أيضا
العمل به إذا كان متحرّزا في روايته موتوقا في أمانته ، وإن كان مخطئا في أصل
الاعتقاد ، ولأجل ماقلناه عملت الطائفة بأخبار الفطحيّة مثل عبد اللّه بن بكير
وغيره ، وأخبار الواقفيّة مثل سماعة ابن مهران ، وعليّ بن أبي حمزة ، وعثمان
ابن عيسى ، ومن بعد هؤلاء ، بما رواه بنو فضّال ، وبنوسماعة ، والطاطريّون ،
وغيرهم ، فيما لم يكن عندهم فيه خلاف»
[254].

وأمّا ما ذكره السيّد السند النجفي رحمه‏اللهمن أنّ شمول العموم له غير معلوم ؛
لأنّه فرع المماثلة في التوثيق ، ولم يظهر من العدّة ذلك
[255].

فلا وجه له ؛ لما عرفت من توثيقه نفس الشيخ في موضعين ، فضلاً عن
غيره ، ولم يثبت وثاقة عبد اللّه بن بكير المذكور في كلامه بأزيد من هذا ؛ بل
لم‏يوثّقة النجاشي رأسا.

نعم ، وثّقه الشيخ في الفهرست[256] ، وهو ظاهر كلام الكشّي في موضع[257] ،
كما هو الظاهر ممّا ادّعى من إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ من
روايته
[258].

وربّما استدلّ في المستدرك  على اعتبار رواياته ـ مضافا إلى ماعرفت من
دعوى الإجماع من الشيخ ـ بما ذكره المحقّق في أسئار المعتبر: «من أنّ
الأصحاب عملوا برواية هؤلاء ، يعني عليّا وعمّارا ، كما عملوا هناك»
[259].

ولو قيل: قد ردّوا رواية كلّ واحد منهما في بعض المواضع.

قلنا: كما ردّوا رواية الثقة في بعض المواضع ؛ متعلّلين بأ نّه خبر واحد ، وإلاّ
فاعتبر كتب الأصحاب فانّك تراها مملوّة من رواية عليّ وعمّار»
[260].

ويضعف بأنّ الظاهر منه الاستدلال بكلام المحقّق ، لدعوى الإجماع على
كون رواياته علّة تامّة لثبوت الحكم في مواردها ، كما هو معنى الحجيّة.

مع أنّ مقتضى صريح كلام المحقّق ، أنّ رواياته من باب جزء العلّة ، بمعنى
أ نّه إذا وردت رواية منه ، وعمل الأصحاب بها ، أو انضمّ اليها القرائن ، كانت
حجّة ، وأين هذا من ذاك؟!.

وإن أبيت عنه ، فاسمع لصدر كلامه هذا ، فإنّه بعد ما حكم بطهارة سؤر
الطيور واستدلّ عليها بروايتي البطائني والساباطي.

قال: «لايقال: علي بن أبي حمزة واقفيّ وعمّار فطحيّ ، فلايعمل بروايتهما.

قلنا: الوجه الذي لأجله عمل برواية الثقة ، قبول الأصحاب أو انضمام
القرينة ؛ لأنّه لولا ذلك لمنع العقل من العمل بخبر الثقة ؛ إذ لا وثوق بقوله ، وهذا
المعنى موجود هنا ؛ فإنّ الأصحاب عملوا بروايتهما كما علموا هناك»
[261] إلى
آخر كلامه.

وأنت خبير بظهوره فيما ذكرنا ، ويشهد عليه ردّ روايته في مواضع من
المعتبر في صورة عدم الاقتران ، كما ذكر عندالكلام فيما لو صلّى على
غيرالقبلة ، في تضعيف استدلال الشيخ برواية عمّار: «والجواب بالطعن في
الرواية لضعف سندها ؛ فإنّ عمّارا فطحيّ»
[262].

وفيما إذا تمكّن من غسل الثوب بعدما صلّى فيه لعدم التمكّن ، في تضعيف
ماجرى عليه الشيخ من القول بالاعادة ، استنادا إلى رواية عمّار: «الرواية
ضعيفة السند ؛ لأنّ رجالها فطحيّة»
[263].

ومن العجيب: استشهاده بقوله أيضا: «إنّ عمّارا مشهود له بالثقة في النقل ،
منضمّا إلى قبول الأصحاب لروايته هذه ، ومع القبول لا يقدح اختلاف
العقيدة»
[264] ؛ فإنّه صريح فيما ذكرنا من القول بالاعتبار في صورة الانضمام.

وبالجملة: لم أجد من أنكر وثاقته ، نعم: أ نّه ربّما يظهر الترديد في المقام
ممّا ذكره العلاّمة في الخلاصة ، فإنّه بعد ما ذكر في ترجمته من كلام الشيخ
ورواية الكشّي ، قال: «والوجه عندي أنّ روايته مرجّحة»
[265].

لو قيل: إنّ ما ذكره لعلّه من جهة فساد مذهبه دون الترديد في وثاقته.

فيندفع: بأ نّه قد أكثر في الخلاصة من الاعتماد على روايات فاسدي
العقيدة ، كما لا يخفى على المتتبّع ، وهو المصرّح به في كلام بعض الفحول
أيضا ، ولكنّه لا يقاوم ماقدمّناه من تصريح جماعة من الأعلام بوثاقته.

بل قال السيّد السند النجفي  رحمه‏اللهفي جملة كلام له: «وأمّا عمّار ، فمجمع على
توثيقه ، وفضله ، وفقاهته ، وقبول روايته»
[266] (انتهى). وهو جيّد.

وممّا ذكرنا يظهر ضعف ماصنعه ابن داود رحمه‏اللهحيث إنّه عنونه في الجزء
الثاني من رجاله ، وقال: «عمّار بن موسى الساباطي ، أبو الفضل ، مولى ،
وأخوه: قيس ، وصباح ، (قر) ، (ق) ، (جخ) ، (كش) ، كان فطحيّا ، (كش) ، قيل:
إنّ أبا الحسن موسى
عليه‏السلام ، قال:

«استوهبته من ربّي ، فوهبه لي ربّي»[267].

وإن قلت: الظاهر أنّ الوجه فيه، فساد مذهبه.

قلت: إنّه ينافيه ، تعرّضه لأخويه في الجزء الأوّل ، مع أنّ الظاهر أ نّهما أيضا
من الفطحيّة ، كما صرّح به السيّد السند النجفي
[268]. فتأمّل.

وأيضا أنّ ماعزي إلى الشيخ: من ذكره في أصحاب مولانا الباقر عليه‏السلام
غيرمطابق للواقع ؛ لعدم ذكره فيه ، وإنّما المذكور فيه: «عمّار بن أبي
الأحوص»
[269].

والظاهر أ نّه الذي ذكره في أصحاب مولانا الصادق عليه‏السلام أيضا بقوله: «عمّار
ابن أبي الأحوص ، أبو اليقظان البكري الكوفي اسند عنه»
[270].

ولاريب في المغايرة كما يشهد به أمورٌ مضافا إلى أنّ مقتضى ظاهر كلامه ،
تصريح الشيخ بإخوة قيس ، مع أ نّه في عدم مطابقته للواقع كالسابق ، فضلاً عن
عدم مناسبة تكرار الكشّي ؛ ولكن لك تصحيح الأخوين بالعناية.

وبالجملة: فلاوجه لما صنعه ؛ بل ربّما يظهر من بعض الروايات: أ نّه كان من
أصحاب الأسرار ، كما روى في الكافي في باب «الكتمان» بإسناده: «عن
سليمان بن خالد ، عن عمّار ، قال: قال لي أبو عبد اللّه
عليه‏السلام:

«أخبرت بما أخبرتك به أحدا»


قلت: لا ، إلاّ سليمان بن خالد.

قال: أحسنت ، أما سمعت قول الشاعر:

 

فلايَعْدَوَنْ سرّي وسرُّك ثالثا

 ألا كلّ سرّ جاوز الإثنين شاع[271]

 

والظاهر أ نّه هو الساباطي ، كما أنّ الظاهر أنّ سليمان هو ابن دهقان ؛ لرواية
كلّ منهما عن الآخر.

وربّما احتمل في التعليقات: «أن يكون التحسين من باب الطعن
والتوبيخ»
[272].

بل استظهره بعض المتأخّرين: «نظرا إلى أ نّه لولاه ، لما كان في البيت شهادة
أصلاً ولا مناسبة مطلقا».

وفيه: إنّه يمكن أن تكون الشهادة من باب إرادة المبالغة ، ولا بعد فيه ، مع
أ نّه لا يقدح فيما استظهرناه ؛ فإنّ صدره ظاهر فيما ذكرناه.

ويؤيّده ، ماثبت من أنّ سليمان من الأجلّة والأعيان ، وناهيك ما ذكره
النجاشي: «من أ نّه كان قارئا، فقيها، وجها ، ومات في حياة مولانا
أبي عبداللّه
عليه‏السلام فتوجّع لفقده ، ودعا لولده وأوصى بهم أصحابه»[273].

وكذا ما عن الإرشاد: عن عدّة من شيوخ أصحاب مولانا أبي عبداللّه عليه‏السلام
و خاصّته ، وبطانته ، وثقاته الصالحين ـ رحمهم اللّه تعالى ـ
[274].


 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

المبحث الثالث

 

في اعتبار رواياته وعدمه

 

فنقول: قد اختلفوا فيه على أقوال:

 

القول بالاعتبار:

كما هو الظاهر من غير واحد من الفقهاء ، على ما ينصرح من التتبّع في
كلماتهم ، كما فيما ذكروا من تطهير البئر بالتراوح ، وكذا وجوب نزح سبعين
دلوا لموت الإنسان ، وكذا وجوب الاجتناب عن الإنائين المشتبهين ، وكذا
بطلان صلاة الإمام إذا كان موقفه أعلى من موقف المأموم ؛ فإنّ المستند في
الأحكام المذكورة ، روايات عمّار ، فيظهر من الإفتاء على طبقها ، القول
باعتبار رواياته.

وكذا يظهر القول به من جماعة من مواضع اخر ، مثل ماجرى غير واحد من
القدماء والمتأخّرين ، على استحباب تقديم غسل الدبر ؛ استنادا إلى روايته ،
كما وقع من الذكرى
[275] والدروس[276] والفوائد الملية[277] والمشارق[278]
والحدائق
[279] وكذا ماجرى السيّد الداماد على حرمة مسّ المحدث ما على
الدرهم والدينار ؛ استنادا إلى روايته.

وصرّح بهذاالقول العلاّمة البهبهاني في غيرموضع من حواشية على
المدارك ، قال في بعضها موردا على صاحب المدارك: إنّ الموثّق حجّة ؛
ولاسيّما موثّقة عمّار ؛ لدعوى الشيخ إجماع الطائفة على العمل بها.

وهو مقتضى ماصرّح به السيّد السند النجفي  رحمه‏الله فيما سيجيء إن شاء اللّه
تعالى.

 

والقول بعدم الاعتبار:

والقائلون به بين من يظهر منهم أ نّه لفساد مذهبه ، كما هو مقتضى كلام
المحقّق في مواضع من المعتبر.

فمنها: ما ذكره عندالكلام في غسل الإناء من النجاسات[280] وكذا في
نواقض الوضوء
[281] وكذا في ماء الأسئار[282] ، وكذا في استحباب الأذان

والإقامة لمن أذّن بنيّة الانفراد ، ثمّ أراد أن يصلّي جماعة
[283].

فإنّه بعد مانقل في كلّ من هذه المواضع رواية عن عمّار ، ضعّفها باشتمال
السند على الفطحيّة.

وأمّا ما ربّما يترآى منه من استدلاله بروايته عند الكلام في قراءة
العزائم
[284].

فالظاهر أنّ استدلاله بها من باب الموافقة للأصل ، كما لا يخفى على من
لاحظ كتابه.

نعم ، إنّه ربّما يظهر ذلك ممّا ذكره عندالكلام في التراوح ، فإنّه قال: «فإن
غلب الماء ، تراوح عليها قوم ، إثنين إثنين يوما ؛ لرواية عمّار بن موسى.

ثمّ ذكر الرواية مجيبا عن الطعن فيها بضعف السند: «فإنّ رواتها ابن فضّال ،
عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمّار ، وكلّهم فطحيّة ؛ بأنّ
المذكورين وإن كانوا بها متّصفين لكنّه مشهود لهم بالثقة ، ولاطعن في روايتهم ،
اذا لم يكن معارض»
[285].

لكنّ الظاهر أنّ الوجه في استدلاله بها تلقّيها الأصحاب بالقبول ، كما جرت
طريقته على‏العمل بالروايات الموثّقة المعتضدة بعمل الأصحاب ، كما يشهد به
ما صرّح في ذيل كلامه هذا ، من أنّ هذه الرواية وإن ضعف سندها ؛ فإنّ
الاعتبار يؤيّدها من وجهين ، أحدهما: عمل الأصحاب على رواية عمّار ؛ لثقته
على أنّ الشيخ ادّعى في العدّة إجماع الإماميّة على العمل بروايته ، ورواية
أمثاله ممّن عدّدهم...»
[286].

ومثله ماذكره في ذيل هذا المبحث بعد ذكر رواية عمّار: «لايقال: هذا السند
فطحيّة ؛ لأنّا نقول: هذا حقّ ، لكنّه من الثقات مع سلامته عن المعارض ،
والرواية معمول عليها بين الأصحاب عملاً ظاهرا ، وقبول الخبر بين
الأصحاب مع عدم الرادّ له يخرجه إلى كونه حجّة»
[287].


وهذا هو الظاهر من العلاّمة في مواضع من المنتهى ، مثل ماذكره في
التراوح
[288] ، ونزح السبعين لموت الإنسان[289] ، وماء الأسئار[290]: من تضعيف

روايته بفطحيّة الراوي ؛ ولكنّه استدلّ بروايته مع هذا عند الكلام في النفاس
[291].

وقد اختلف كلامه في المختلف ، فاستدلّ بروايته تارةً ، وضعّفها أخرى.

فمن الأوّل: ماجرى على طهارة الأرض والحصر والبواري ، إذا أصابها
بول وشبهه من النجاسات المانعة ثمّ جفّفها الشمس ؛ استنادا إلى رواية
عمّار
[292].

وكذا ماجرى على عدم اعتبار تعدّد الغسل فيما لو وقع الإناء في الماء
الراكد الكثير أو الجاري ؛ تعويلاً على روايته
[293].

ومن الثاني: ماجرى على تضعيف ماحكى عن الشيخ ، من الاستدلال على
وجوب غسل الإناء سبع مرّات بموت الجرد ؛ بما رواه عمّار
[294].

ويظهر هذا القول: من السيّد السند في المدارك ؛ فإنّه ضعّف روايته في غير
موضع منه ، بأ نّه فطحيّ كما في التراوح وغيره
[295].

وربّما عزي إليه  في الحدائق عندالكلام في وجوب إسماع المصلّي جواب
السلام ؛ الاستدلال بروايته في وجوب ردّ السلام طاعنا عليه: بأنّ الأخبار
الموثّقة إن كانت معتبرة ، فلا وجه لتضعيفها لسوء مذهب راويها في غير مرّة ،
وإلاّ فلا وجه للاستدلال بها.

قال: «ولكن هذه قاعدته من استدلاله بها عند الحاجة لها وردّها بضعف
السند عند اختيار خلاف مفادها.

وقد عبّر عن روايته مستدلاًّ بها ب «الموثّقة» ومعرضا عنها ب «الرواية» وهي
طريقة غير محمودة ؛ إلاّ أن ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذي هو إلى
الفساد أقرب من الصلاح ، أوجب لهم اختلال الزمام ، وعدم الوقوف على
قاعدة في المقام»
[296].

وطعن بهما أيضا في البناء على الأكثر ، فيما لو شكّ في عدد الركعات ؛
مستعجبا منه
[297].

ولكنّ الظاهر أنّ الطعن على الطاعن نظرا إلى أ نّه وإن يوهم كلامه في
المقامين المذكورين ، الاستدلال بالخبر وقبوله على وجه الإطلاق ؛ ولكنّ
الظاهر أنّ استدلاله به في كلّ منهما بواسطة موافقها للخبر الصحيح.

وبعبارة أخرى: أنّ ذكره من باب التأييد واعتضاد الخبر الصحيح ، كما ذكر
في الأوّل: صحيحة محمّد بن مسلم
[298] ، وفي الثاني صحيحة عبدالرحمان[299] ،
وعلى هذا جرت طريقته ، ومن هنا أ نّه لم يظهر الاستدلال بروايته في موضع
لم يكن موافقا للخبر الصحيح ، أو الأصل. فأيّ كلام على هذا الكلام.


وأمّا ما ذكره من اختلاف التعبير في مقامي الاستدلال والاعراض ، فطعن
في غير موقعه ؛ فإنّ التتبّع في الكتاب يشهد بخلافه ؛ فإنّه عبّرعنها كثيرا
بالموثّق فيمقام الإعراض ، كما وقع منه ذلك في شرح قول المحقّق: «فإن
لم يكن له كفن جعل في القبر ، وسترت عورته ، وصلّى عليه بعد ذلك»
[300].

وفي شرح قوله: «ولا ينعقد والإمام أعلى من المأموم»[301].

وفي شرح قوله: «والموطن الذي يتمّ فيه ، هو كلّ موضع له فيه ملك»[302].

وبين من يظهر منه أ نّه لتفرّده بالغرائب[303] ، مضافا إلى سوء مذهبه ، أو الوجه
الأوّل خاصّة.

كما يظهر من العلاّمة في المنتهى عندالكلام في استحباب الابتداء بأيّ
المخرجين ، فحكم بالتسوية ، استنادا إلى أنّ عمّارا  لا يوثّق بما ينفرد به
[304].

وكذا ما عن السيّد السند الجزائري في غاية المرام: «من أنّ عمّارا كان من
الفطحيّة لا يعتمد على رواياته ؛ سيّما إذا اختصّ بنقلها وعارضها ما هو أوضح
منها سندا ؛ لتهافتها واختلالها متنا وسندا ، حتّى يضرب به المثل بين أرباب
الحديث ، فيقال: كأ نّه خبر عمّار ؛ للحديث الذي تكثّرت وجوه اختلاله
وتهافته.

قال: سمعت من أوثق المحدّثين يوما أ نّه قال: سبعون خبرا يرويها عمّار ،
لايقابل فلسا واحدا عندي ، وهذا محمول منه على شدّة المبالغة في عدم
القبول ؛ إلاّ إذا تعاضدت أو توافقت».

وكذا من المحدّث الكاشاني ، كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.

 

وتحقيق المقام:

إنّه يأتي الكلام تارةً: في أنّ سوء مذهبه هل يقتضي تضعيف رواياته أم لا؟

وأخرى: في أ نّه بناءً على الأوّل ، هل ينجبر ضعف رواياته بعمل الأصحاب
أم لا؟

وثالثةً: في أ نّه هل وقع في أخباره التهافت أم لا؟

ورابعةً: في أ نّه بناءً على الأوّل ، هل بلغ على حدّ يقتضي عدم اعتبار
أخباره لعدم حصول الاطمينان أم لا؟

فيقع الكلام في مقامات أربع ، إلاّ أنّ الأولين منها وظيفة علم الأصول ، وقد
فصّلنا الكلام فيهما في كتابنا المسمّى بالمقاصد المهمّة ، فنقتصر في الكلام في
الأخيرين.

فنقول: أمّا الأوّل ، فالأظهر القول بالوقوع ، كما يكشف عنه التتبّع في
أخباره وهو المنصرح في كلمات جماعة من الأصحاب.

فمنها: ما رواه الشيخ في التهذيب بالإسناد عن عمّار الساباطي ، عن أبي
عبداللّه
عليه‏السلام ـ في حديث طويل ـ قال:

«وسئل عن بئر يقع فيها كلب أو فأرة أو خنزير؟ قال: ينزف كلّها»[305].

فإنّ نزح جميع الماء بوقوعها ، مخالف للأخبار وكلمة الأصحاب ، فإنّه
لم يقع في شيء منها الحكم المذكور ، كما لم يظهر من أحد منهم ذلك أيضا ،
لا ايجابا ولا استحبابا.

نعم ، إنّه قد جرى في المدارك على القول بايجابه في الثالث ، على القول
بنجاسة ماء البئر بالملاقاة ؛ استنادا إلى ما يستفاد ممّا في صحيحة عبد اللّه بن
سنان: من أ نّه إن مات فيها ثور أو نحوه ، أو صبّ فيها خمر ، ينزح الماء كلّه ،
ومضعفا للرواية المذكورة ، بأ نّها ضعيفة السند ، متروكة الظاهر ، متهافة
المتن
[306].

ومنها: ما رواه فيه أيضا بإسناده: «عنه ، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه‏السلام:

«رجل شكّ في المغرب ، فلم يدر ركعتين صلّى أم ثلاثة؟

قال: يسلّم ، ثمّ يقوم فيضيف اليها ركعة ، ثمّ قال: هذا واللّه ممّا لايقضى
أبدا»
[307].

وروى فيه أيضا بإسناده: عنه قال:

«سألت أبا عبد اللّه عليه‏السلام: «عن رجل لم يدر صلّى الفجر ركعتين أو ركعة؟

قال: يتشهّد وينصرف ، ثمّ يقوم فيصلّي ركعة ، فإن كان صلّى ركعتين كانت
هذه تطوّعا ، وإن كان صلّى ركعة كانت هذه تمام الصلاة.

قلت: فصلّى المغرب ، فلم يدر إثنتين صلّى أم ثلاثا؟»[308] الحديث.

فإنّ المشهور بين الأصحاب ـ كما في البحار[309] والحدائق[310] ؛ بل

اجماعهم ، كما في الرياض
[311] ـ : على أنّ من شكّ في عدد الفريضة الثانية
كالصبح ، والثلاثيّة ، كالمغرب ، يجب عليه إعادة الصلاة ، ودلّت عليه أخبار
متكثّرة.

ومن هنا أ نّه أجاب في الاستبصار بعد ذكر الخبر الأوّل: أ نّه شاذّ ، مخالف
للأخبار كلّها ، وإنّ الطائفة قد أجمعت على ترك العمل به»
[312].

وقال العلاّمة المجلسي في البحار ، بعد ذكر جملة كلام: «وبالجملة ، إنّه
يشكل التعويل على هذا الخبر الذي رواه عمّار ، الذي قلّ أن يكون خبر من
أخباره خاليا عن تشويش واضطراب في اللفظ أو المعنى ، وترك الأخبار
الكثيرة الصحيحة الدالّة على البطلان ، وإلاّ لكان يمكن القول بالتخيير»
[313].

وقال في الوافي: «ولو كان الراوي غير عمّار ، لحكمنا بذلك ، إلاّ أنّ عمّارا
ممّن لا يوثّق بأخباره»
[314].

نعم ؛ إنّه قد حكى في المختلف[315] والذكرى[316] نقلاً عن الصدوق في المقنع ،
أ نّه قال:

«اذا شككت في المغرب ولم تدر أفي ثلاث أنت أم في أربع ، وقد أحرزت
الثنتين في نفسك وأنت في شكّ من الثلاث والأربع ، فأضف اليها ركعة أخرى ،
ولاتعتدّ بالشكّ. فإن ذهب وهمك إلى الثالثة ، فسلّم وصلّ ركعتين بأربع
سجدات»
[317].

قال في الذكرى بعد نقل ذلك: «وهو قول نادر»[318] (انتهى).

ولا يخفى أنّ في دلالة عبارة المقنع على ما نسبا إليه  محلّ الإشكال ؛ بل
الظاهر خلافه ، حيث إنّه في سابق الكلام المذكور:

«واذا شككت في الفجر فأعِد! واذا شككت في المغرب فأعِد ، وروي: إذا
شككت في المغرب» فساق الكلام المذكور. ومن المعلوم أنّ ظاهر السياق هو
القول المشهور.

ومنها: ما رواه الشيخ فيه أيضا بإسناده: عنه ، عن أبي عبد اللّه عليه‏السلام:

«من السهو ما يجب فيه سجدة السهو ، فقال: إذا أردت أن تقعد فقمت ، أو
أردت أن تقوم فقعدت ، أوأردت أن تقرأ فسبّحت ، أو أردت أن تسبّح فقرأت ،
عليك سجدتا السهو ، وليس في شيء ممّا يتمّ به الصلاة سهو.

وعن الرجل إذا أراد أن يقعد فقام ، ثمّ ذكر من قبل أن يقوم شيئا أو يحدث
شيئا؟ قال: ليس عليه سجدتا السهو حتّى يتكلّم بشيء ـ إلى أن قال: ـ وعن
الرجل يسهو في صلاته فلايذكر ذلك حتّى يصلي الفجر قال: لا يسجد سجدتي
السهو حتّى يطلع الشمس ويذهب شعاعها»
[319].

ففي الخبر المذكور وجوه من التهافت والاضطراب:

الأوّل: ما يظهر من صدره من وجوب السجدة للقيام في موضع القعود
وبالعكس ، فإنّه مناقض لصريح الفقرة الثانية ، إن أراد بها ظاهرها.

مضافا إلى ما في التفصيل حينئذ من المباينة الظاهرة.

وإن أراد بها ما يوافق التفصيل ، فخلاف السياق.

فقد أجاد بعض مشايخ المحقّقين فيما حكي عنه: من ردّه بالمناقضة.

وأمّا ما عن العلاّمة في المنتهى من دفعها: «بأ نّه لما استفيد من السؤال الأوّل
أنّ سجود السهو ، انّما هو بالإتيان بالقيام في موضع القعود وبالعكس ، سئل
ثانيا عن أ نّه لو ذكر قبل أن يأتي بشيء من القيام بالكليّة أو يفعل شيئا مطلقا؟

أجاب عليه‏السلام: بأ نّه لا سجود سهو هنا ، إلاّ أن يتكلّم ، وهو معنى صحيح
لامنافاة فيه ؛ للحكم الأوّل»
[320].

كماترى ؛ لظهور قوله: «فقام» في تحقّق القيام ؛ بل نقول: إنّه تهافت آخر ؛
فإنّ قوله «فقام» ظاهر في التحقّق بخلاف قوله «ثمّ ذكر من قبل» ؛ لظهوره في
عدمه.

الثاني: قوله أنه قال: وليس في شيء ممّا يتم به الصلاة سهو ، فإنّه لا يظهر له
وجه لم يقع مثله في غيره ، وقال في الوافي: لعلّ المراد: أن لا سجدتي سهو
فيما يتدارك به السهو. مثل أن يسهى عن سجدة فسجد أو عن تشهّد فتشهّد
[321].

وفيه مضافا إلى ما فيه من الخفاء ؛ أنّ المشهور بين الفقهاء في الموضعين
المذكورين وجوب السجدة.

بل قال في الحدائق: «قد تكاثر الأخبار بوجوب سجدة السهو في الموضع
الثاني ، قال: وهو الذي صرّح أكثر الأصحاب ؛ بل نقل بعض شرّاح الشرايع أ نّه
لا خلاف فيه بين الأصحاب»
[322].

ويشبهه ما رواه الشيخ بإسناده: عن عمّار ، أ نّه قال: ، سألت أباعبد اللّه عليه‏السلام:

«عن رجل ينسي الركوع أو سجدة ، هل عليه سجدتا السهو؟

قال: لا ، قد أتمّ الصلاة»[323].

وما استظهره في الوسائل: من أنّ المراد إذا ذكر قبل فوت محلّه وأتى بما
نسيه بقرينة قوله «قد أتمّ الصلاة»
[324] ، كما ترى.

الثالث: قوله: «عن الرجل يسهو في صلاته فلايذكر ذلك حتّى يصلّي
الفجر...»
[325].

فإنّ تحديد الزمان على الوجه المذكور مخالف لاطلاق قوله عليه‏السلام «من أ نّه
ليسجدهما متى ماذكر» مضافا إلى أ نّه ممّا لم يذهب إليه  أحد من الأصحاب
فيما أعلم ، ولادليل عليه أيضا غيره ، كما قال في الحدائق.

والظاهر أ نّه لا قائل بين الأصحاب ، على أنّ قوله: «يسهو في صلاته
فلايذكر ذلك حتّى يصلّي الفجر» لا يخفى مافيه.

وفسّره في الوافي: بدخول وقت كراهة الصلاة ، وفيه مافيه.

ومنها: ما رواه الصدوق: عنه عن مولانا الصادق عليه‏السلام قال:

«سألته عن سجدتي السهو ، هل فيهما تسبيح وتكبير؟

فقال: لا! إنّهما سجدتان فقط ، فإن كان الذي سها هو الإمام ، كبّر إذا سجد ،
واذا رفع رأسه ليُعلم من خلفه أ نّه قد سهى ، وليس عليه أن يسبّح فيهما ، ولا
فيهما تشهّد بعد السجدتين»
[326].

فإنّ فيه أيضا وجوها من التهافت.

الأوّل: مايظهر منه من عدم وجوب الذكر فيهما مع أنّ المنصور كما هو
المشهور ، القول بالوجوب ، كما يدلّ عليه صحيحة الحلبي المرويّة في الكافي
والتهذيب:

«قال: تقول في سجدتي السهو: بسم اللّه وباللّه ، وصلّى اللّه على محمّد وآل
محمّد.

قال الحلبي: وسمعته مرّة أخرى يقول فيهما: بسم اللّه وباللّه ، السلام عليك
أيّهاالنبي ورحمة اللّه وبركاته»
[327].

واعتراض المحقّق عليها تارةً: بمنافاتها للمذهب من حيث تضمّنها وقوع
السهو من الإمام
عليه‏السلام.

وأخرى: باحتمال أن يكون ماقاله على وجه الجواز لا اللزوم.

مدفوع ، أولهما: باحتمال أن يكون المراد «وسمعته مرّة أخرى يقول: تقول
فيهما...» بل هوالظاهر كما لا يخفى على المتأمّل في السياق ، فلا حاجة لما
ذكره في الوافي من نفي البأس عن نسبة السهو إلى الإمام
عليه‏السلام.

وثانيهما: بظهورها في اللزوم ، كما هو ظاهر.

فقد بان ضعف ما في المنتهى[328] والمدارك[329] والذخيرة[330] من القول بعدم

الوجوب.

الثاني: مايظهر منه من وجوب التكبير ، ولا قائل به في الأصحاب ، نعم إنّ
المحكيّ عن المشهور: القول باستحبابه.

وهو ضعيف أيضا حيث أنّ مقتضى العمل به ، القول باستحبابه لخصوص
الإمام
عليه‏السلام ، مع أنّ في المحكيّ عنهم ، القول باطلاق الاستحباب.

الثالث: مايظهر منه من عدم وجوب التشهّد فيهما ، مع أنّ المشهور
المنصور ، القول بالوجوب ؛ بل عن الفاضلين في المعتبر
[331] والمنتهى[332]: أ نّه
قول علمائنا أجمع.

ويدلّ عليه ما في صحيحة الحلبي: «واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة
تتشهّد فيها تشهّدا خفيفا»
[333]. ومثله ما في بعض الروايات[334].

فلا وجه لما عن العلاّمة في المختلف: من استقراب القول بالاستحباب ؛
استدلالاً باصالة البراءة ، والرواية المذكورة
[335].

وما عن المدارك: من التأييد بانتفاء الأمر بالتسليم في الصحيحة ، والأمر
بالتشهّد في صحيحة ابن سنان
[336] ، مع ورودهما في مقام البيان[337].


وأضعف منه متابعته في الذخيرة[338] إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة
المتهافتة المرويّة عنه ، وقد جمعنا كثيرا منها في سابق الأزمان.

وربّما استشهد المحقّق القمي ، في القوانين[339] لما ذكرنا بعد ماذكر من أنّ
عمّار الساباطي ، مع كثرة رواياته وشهرتها ، لا يخفى على المطّلع برواياته ،
مافيها من الاضطراب والتهافت الكاشفين عن سوء فهمه وقلّة حفظه ؛ بما رواه
في الكافي بإسناده: «عن محمّد بن مسلم ، قال: قلت لأبي عبد اللّه
عليه‏السلام:

إنّ عمّارا الساباطي يروي عنك رواية ، فقال: ماهي؟

قلت: إنّ السنّة فريضة.

قال: أين يذهب؟ ليس هكذا حدّثته! إنّما قلت له: من صلّى فأقبل على
صلاته ، ولم يحدّث فيها ، أو لم يسه فيها ، أقبل اللّه عليه ما أقبل عليها ، فربّما
رفع نصفها ، أو ثلثها ، أو خمسها ، وإنّما أمرنا بالسنّة ، ليكمل بها ماذهب من
المكتوبة»
[340].

أقول: إنّه يمكن أن يكون ماحكاه عمّار ، هو الذي سمعه عن الإمام عليه‏السلام ،
والمراد من قوله
عليه‏السلام: «وأين يذهب؟ ليس هكذا حدّثنا»: إنّه ليس المراد من
قولي ما يفهم من ظاهره ؛ بل المراد ... إلى آخره.

ووقع نظيره في الأخبار كثيرا ، وبه يدفع الاستبعاد.

فمنها: ما في الكافي بإسناده عن الثمالي قال: قال لي أبو عبد اللّه عليه‏السلام:

«ايّاك والرياسة! وايّاك أن تطأ أعقاب الرجال!».


قلت: «جعلت فداك ، أمّا الرياسة فقد عرفتها ، وأمّا أن أطأ أعقاب الرجال
فما ثلثا في يدي ؛ إلاّ ممّا وطئت أعقاب الرجال؟»
[341].

فقال: «ليس حيث تذهب ، ايّاك أن تنصب رجلاً دون الحجّة ، فتصدّقه في
كلّ ما قال»
[342].

وما رواه فيه أيضا: عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«لايدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من الكبر».

قال: «فاسترجعت».

فقال: «ما لك تسترجع؟ قلت: لما سمعت منك».

فقال: «ليس حيث تذهب ، إنّما أعني الجحود وإنّما هو الجحود»[343].

وما رواه فيه أيضا عن أبي عبد اللّه عليه‏السلام إنّ رجلاً قال له: إنّ من قبلنا يروون
إنّ اللّه يبغض بيت‏اللحم؟ فقال:

«صدقوا وليس حيث ذهبوا ، إنّ اللّه يبغض البيت الذي يؤكل فيه لحوم
الناس»
[344].

وما رواه في التهذيب بإسناده: عن عمّار الساباطي ، قال:

«كنّا جلوسا عند أبي عبد اللّه عليه‏السلام بمنى ، فقال له رجل: ما تقول في
النوافل؟»


فقال: «فريضة».

قال: «فزعنا وفزع الرجل!!»

فقال أبو عبد اللّه عليه‏السلام: «إنّما أعني صلاة الليل على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم من
اللّه عزّ وجلّ ، يقول:

«وِمِنَ اللَّيلِ فَتَهَّجَدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ[345]»[346].ونظائرها كثيرة.

وإن قلت: إنّه قد وقع نظائر هذه المخالفات ؛ للاجماع والمناقضات بحسب
الظواهر في غيرمورد ، ويشبه أن يكون من أظهرها ما رواه الشيخ في التهذيب
عن عليّ بن مهزيار ، في الصحيح ، قال:

«كتب إليه  أبو جعفر عليه‏السلام وقرأت أنا كتابه إليه  في طريق مكّة، قال:

«الذي  أوجبت في سنتي هذه ـ وهذه سنة عشرين ومائتين فقط لمعنى من
المعاني ، أكره تفسير المعنى كلّه خوفا من الانتشار ، وسأفسّر لك بعضه إن شاء
اللّه تعالى ، إنّ موالي أسئل اللّه صلاحهم ، أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم ،
فعلمت ذلك فأحببت أن اطهّرهم وازكّيهم بما فعلت في عامي هذا من أمر
الخمس ، قال اللّه تعالى:

«خُذْ مِنْ اَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِها ، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ، اِنَّ صَلاتَكَ
سَكَنٌ لَهُمْ ، وَاللّهُ سَميعٌ عَليمٌ»
[347] ـ إلى أن قال : ـ ولم أوجب ذلك عليهم في كلّ
عام ، ولا أوجب عليهم إلاّ الزكاة التي فرضها اللّه تعالى عليهم ، وإنّما أوجب
عليهم الخمس في سنتي هذه ، في الذهب والفضّة التي قد حال عليهما الحول ،
ولم أوجب ذلك عليهم في آنية ، ولا متاع ، ولا دوابّ ، ولا خدم ولا ربح ربحه
في تجارة ، ولا ضيعة ؛ إلاّ ضيعة سأفسّر لك أمرها ؛ تخفيفا منّي عن موالي ،
رضا منّي عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم ، ولما ينويهم في ذاتهم.

فأمّا الغنائم والفوائد ، فهي واجبة عليهم في كلّ عام ، قال اللّه تعالى:
«وَاعْلَمُوا اَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَاَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذي الْقُرْبى...»
[348].

فالغنائم والفوائد ـ يرحمك اللّه ـ فهي الغنيمة يغنمها المرء ، والفائدة
يفيدها ، والجائزة من الإنسان للانسان التي لها خطر ، والميراث الذي لا
يحتسب من غير أب ولا ابن ونحوها ، فمن كان عنده من ذلك فليتوصّل إلى
وكيلي ، ومن كان نائبا فليتعمل لإيصاله.

فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلات في كلّ عام ، فهو نصف السدس ،
فمن كانت ضيعته تقوم بمؤنته ، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤنته فليس عليه
نصف سدس ولاغيرذلك»
[349] (انتهى ملخّصا).

ففيه وجوه من الإشكال ، كما نبّه عليها في المنتقى.

الأوّل: إنّ المعهود المعروف من أحوال الأئمّة عليهم‏السلام أ نّهم خزنة العلم وحفظة
الشرع ، يحكمون فيه بما استودعهم الرسول واطّلعهم عليه ، وأ نّهم لا يغيّرون
الأحكام بعد انقطاع الوحي ، وانسداد باب النسخ ، فكيف يستقيم قوله في هذا
الحديث: «أوجبت في سنتي هذه ، ولم أوجب ذلك عليهم في كلّ عام» إلى غير
ذلك من العبارات الدالّة على أ نّه
عليه‏السلام يحكم في هذا الحقّ بماشاء واختار.

والثاني: إنّ قوله: «ولا أوجب عليهم الاّ الزكاة التي فرضها اللّه عليهم»
ينافيه قوله بعد ذلك: «فأمّا الغنائم والفوائد ، يرحمك اللّه فهي واجبة عليهم في
كلّ عام».

والثالث: إنّ قوله: «وإنّما أوجب عليهم الخمس في سنتي هذه ، من الذهب
والفضّة التي قدحال عليهما الحول»
خلاف المعهود ، إذ الحول يعتبر في
وجوب الزكاة في الذهب والفضّة لا الخمس.

وكذا قوله: «ولم أوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا خدم ولا دوابّ»
فإنّ تعلق الخمس بهذه الأشياء غيرمعروف.

والرابع: إنّ الوجه في الاقتصار على نصف السدس غير ظاهر ، بعد ما علم
من وجوب الخمس في الضياع التي تحصل بها المؤنة.

قلت: مضافا إلى أ نّه قدتعرّض فيه لدفع الاشكالات أيضا ، ويظهر من
بعض ، الارتضاء به ، أ نّه على تقدير التسليم لا يقدح فيما نحن بصدده ؛ فإنّ
الغرض تحقيق وقوع كثرة الاختلال ، وعدمها في خصوص أخبار عمّار ، وأين
هذا من دعوى وقوع كثرة الاختلال في مطلق الأخبار! ومنه الافتراق بين
الشبهة المحصورة وغيرها.

وقد ظهر ممّا ذكرنا ، أ نّه قد أجاد في الحدائق في الرّد على صاحب الوسائل
فيما مال إلى اختصاص المنع من قضاء الصلاة ، فريضة كانت أو نافلة ، بالنهار
بالسفر ؛ عملاً بما يقتضيه خبر عمّار: «بأ نّه لوكان الراوي غير عمّار لحصل منه
الاستغراب ، ولكنّه من عمّار المتكرّر منه نقل الغرائب غيرغريب»
[350].


ولا تتوهّمنّ ممّا ذكرنا عدم اعتبار أخباره رأسا ؛ فإنّ له أيضا روايات
معتبرة موافقة للأخبار والقواعد والأصول ، وعمل بها الأعاظم والفحول ،
ونحن نذكر منها يسيرا من الكثير.

فمنها: ما رواه في التهذيب بإسناده عن عمّار بن موسى ، عن مولانا أبي
عبداللّه
عليه‏السلام قال:

«سئل عن الرجل يكون في صلاته فيخرج منه حبّ القرع كيف يصنع؟»

قال: «إن كان خرج نظيفا من العذرة ، فليس عليه شيء ولم ينقض وضوؤه.

وإن خرج متلطّخا بالعذرة ، فعليه أن يعيد الوضوء. وإن كان في صلاته قطع
الصلاة وأعاد الوضوء والصلاة»
[351].

فإنّ عدم النقض ، مع عدم التلطّخ ممّا يدلّ عليه الأخبار ، عموما وخصوصا.

ومثله ثبوت النقض معه في عمل الأصحاب ، وحمل الشيخ عليه بعد
استدلاله به ، ما ورد من إطلاق وجوب الوضوء في خروجه مطلقا
[352] ، وتبعه
المحقّق في المعتبر ، قال: «وهذه وإن كان سندها فطحيّة ؛ إلاّ أ نّها منبهة على
الاحتمال المذكور ، ولأنّ الأصل بقاؤ الطهارة»
[353].

ومنها: ما رواه فيه أيضا بإسناده عنه ، عن مولانا الصادق عليه‏السلام قال:

«سألته  عن المرأة يواقعها زوجها ، ثمّ تحيض قبل أن تغتسل؟»

قال: «إن شاءت أن تغتسل غسلت ، وإن لم تفعل فليس عليها شيء ، فاذا
طهرت اغتسلت غسلاً واحدا للحيض والجنابة»
[354].

فإنّ تداخل الغسلين ممّا اتّفق عليه الأصحاب ، ودلّ عليه غيره من
الأخبار ، وقد فصّلنا المقال على وجه لا مزيد عليه في كتابنا في الفقه.

ومنها: ما رواه فيه أيضا بإسناده عنه ، عن مولانا الصادق عليه‏السلام:

«في رجل  صلّى على غير القبلة ، فيعلم وهو في الصلاة ، قبل أن يفرغ من
صلاته؟»

قال: «إن كان متوجّها فيما بين المشرق والمغرب ، فليحوّل وجهه إلى القبلة
حين يعلم ، وإن كان متوجّها إلى دبر القبلة ، فليقطع ثمّ يحوّل وجهه إلى القبلة ،
ثمّ يفتح الصلاة»
[355].

فإنّ ما يستفاد منه ، من عدم إضرار الانحراف في الصورة الأولى ، وإضراره
في الصورة الثانية ، ممّا اتّفقت عليه الكلمة ، وأجمعت عليه الطائفة ، كما صرّح
به في المدارك
[356].

وعن شيخنا البهائي: «أ نّه لا يحضرني أنّ أحدا من الأصحاب خالف في
الحكمين»
[357].

ومنها: ما رواه فيه بإسناده عنه كذلك:

«في  الرجل ينسي سجدةً ، فذكرها بعد ماقام وركع؟»

قال: «يمضي في صلاته ، ولايسجد حتّى يسلّم ، فإن سلّم سجد مثل
مافاته».

قلت: «فإن لم يذكر إلاّ بعد ذلك؟»

قال: «يقضي مافاته إذا ذكره»[358].

فإنّ وجوب قضاء السجدة المنسيّة ، ممّا دلّت عليه الأخبار من الصحاح
وغيرها وتلقّاها الفحول بالقبول.

ومنها: ما رواه فيه عنه كذلك أيضا:

«في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة، فيشكّ في الركوع ولايدري أركع
أم لا ، ويشكّ في السجود فلايدري سجد أم لا؟

قال: لا يسجد ولا يركع يمضي في صلاته حتّى يستيقن يقينا»[359].

فإنّ المصرّح به في كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف ، كما في
الحدائق
[360] وبلاخلاف أجده كما في الرياض[361] أ نّه لا حكم للشكّ مع الكثرة ،
ودلّ عليه أيضا غيره من الأخبار.

هذا ، ولايخفى أنّ فيه تلويحا أيضا على بعض المرام ، أعني قلّة ضبط
عمّار ؛ نظرا إلى ظهور كون السؤال لنفسه.

ونقتصر في هذا المضمار بهذا المقدار.

 


وأمّا المقام الثاني:[362]

ففيه قولان:

القول بعدم بلوغ اضطراب أخباره إلى الحدّ المذكور ، كما هو مقتضى كلام
السيّد السند النجفي 
رحمه‏الله؛ بل مقتضى صريح كلامه: عدم وقوع المخلّ بالمعنى
منه رأسا.

قال: «ولاينافي التوثيق وقوع الخلل في ألفاظ حديثه أحيانا ؛ فإنّ منشأه
النقل بالمعنى ، وقد ثبت جوازه ، والغالب عدم تغيير المعنى بما يقع له من
الخلل ، فلايخرج حديثه عن الحجيّة نظرا إلى اشتراط الضبط»
[363].

وهو الظاهر من غير واحد من الفقهاء في تمسّكهم برواياته.

والقول ببلوغ الاضطراب اليه ، كما هو مقتضى صريح كلام جماعة ممّن
تقدّم من الأعلام كالعلاّمة على الإطلاق ، والمجلسي ، وغيرهما.

والذي أراه في المقام ، هو التوقّف في المرام ؛ نظرا إلى أ نّه كما وقع منه نقل
الأخبار على وجه الصحّة والاستقامة ، كذا وقع منه النقل على وجه التهافت
والاضطراب ، وإن كان ترجيح الثاني لعلّه لا يخلو عن قوّة ، كما ينكشف بالتتبّع
في أخباره.

ويؤيّده التصريح به من مثل غوّاص بحارالأنوار وغيره من سوابقي
المضمار.

وأمّا ما ذكره السيّد السند المشار اليه ، ففيه:


أوّلاً: إنّ ما يظهر منه من ندرة وقوع الخلل ، ليس على ما ينبغي ، كما يظهر
ممّا قدمناه ، ويشهد عليه موافقة ثلّة من الأجلّة.

وثانيا: إنّ ماذكره من أنّ ماوقع في أخباره من الخلل ، من باب النقل
بالمعنى.

ويقتضيه أيضا ماذكره العلاّمة التقي المجلسي: «من أنّ الذي يظهر من
أخبار عمّار ، أ نّه كان ينقل بالمعنى مجتهدا في معناه ، وكلّ ما في خبره فمن
فهمه الناقص»
[364]، ليس بالوجه ؛ فإنّ الظاهر أنّ المنشأ سوء ضبطه ، وكثرة
سهوه ، كما لا يخفى على المتتبّع المتأمّل.

نعم ، إنّ الظاهر أنّ ماذكره هو المنشأ في البعض. هذا ، ولكنّ الظاهر أ نّه
لا اشكال في اعتبار رواياته في مقام الترجيح ، بمعنى إذا تعارض خبران
ولم يترجّح أحدهما على الآخر بوجه إلاّ أنّ أحدهما كان موافقا مع روايته ،
فهو يرجّح على الآخر ؛ لكفاية مطلق الظنّ. والظنّ المطلق في مقام الترجيح ،
كما أ نّه يقوي اعتبار رواياته في صورة التعدّد ، وأولى منه ما لو اعتضد مع ذلك
برواية غيره ؛ فإنّه يقوي الظنّ بالاصابة حينئذ ؛ فإنّ من البعيد توافق كلّ منهما
على السهو في النقل ، والخطأ في الفهم ، كما هو ظاهر.

وممّا ذكرنا يظهر ضعف ما ذكره صاحب الجواهر عندالكلام في العصير
الزبيبي ، حيث إنّه قدح في روايته بما قيل من أ نّه متفرّد برواية الغرائب
[365] ، مع
أنّ روايته في المقام مع تعدّده معتضد بغيره.

بقي أ نّه قد اختلف كلمة القوم في كنيته.


فهم بين أ نّها «أبو الفضل» كما هو مقتضى كلام النجاشي[366] وابن داود[367]
وهو الظاهر من السيّد السند النجفي 
رحمه‏الله[368].

وأ نّها «أبو اليقظان» كما هو مقتضى كلام الشيخ في الرجال[369].

وأ نّها «أبو يعقوب» كما هو الظاهر من كلام المحقّق الإسترابادي[370] على ما
هو الحال في النسخة الموجودة.

واختلف كلام الناقد التفرشي[371]  والعلاّمة البهبهاني[372] حيث أ نّهما ذكرا
تارةً: فيالمكنّين ب «أبي الفضل» وأخرى: في المكنّين ب «أبي اليقظان». وربّما
يظهر الترديد من الأوّل في الثاني في الترجمة ، وهو كما ترى ؛ ولكنّ الأمر فيه
هيّن ، واحتمال التعدّد قائم.

ثمّ إنّ أبا اليقظان كنيته لجماعة وهم: نوح بن الحكم ، وعمّار بن ياسر ، وأبي
الأحوص ، كما صرّح به الناقد
[373] وغيره[374].

وربّما يظهر من ابن داود خلافه في الأوّل ، فإنّه ذكر على ما في النسختين
الموجودتين من كتابه: «نوح بن الحكم بن اليقظان الهمداني ـ إلى أن قال: ـ ق
كوفيّ، ثقة»
[375].

ولكنّ الظاهر أ نّه اشتباه منه ، والصحيح «أبو اليقطان » كما هو المذكور في
رجال الشيخ في أصحاب الصادق
عليه‏السلام[376] ، كما أنّ التوثيق غير موجود في
النسخة الموجودة من الرجال.

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

تنبيهات

 

 ]المراد من الساباطي[

 

الأوّل: إنّه ذكر العلاّمة في الفائدة الأولى من الفوائد المرسومة في ختام
الخلاصة:

«الساباطي اسمه عمرو  بن سعيد»[377].

وذكر التفرشي في النقد في باب النسب: «الساباطي اسمه عمرو بن سعيد
المدائني ، و قد يطلق على عمّار بن موسى»
[378].

وقال بعض المتأخّرين بعد ذكرهما: ويطلق أيضا على أخويه: قيس وصباح
وابنه إسحاق
[379].


أقول: ويرد على الكلّ كلام.

أمّا الأوّل: فلعدم إطلاق الساباطي على  عمرو  1
رو، 2 المذكور فيما وقفت عليه من
كلمات علماء الرجال ، ولو سلّمناه فلاريب في أنّ الاقتصار عليه في غير
موقعه ؛ لكثرة إطلاق الساباطي على عمّار.

وأمّا الثاني : ففيه مضافا إلى ما تقدّم أنّ مايظهر منه من قلّة إطلاقه على
عمّار ، بالاضافة إلى عمرو ، غير سديد.

وممّا ذكرنا ظهر ضعف ما صنعه المحقّق الأنصاري في رجاله[380] حيث
اقتفى أثر النقد.

وأمّا الثالث: ففيه أوّلاً: مع ماتقدّم أنّ إطلاق الساباطي على الأخوين محلّ
المنع ؛ لأنّ المستند ما ذكره النجاشي والعلاّمة وغيرهما: «من أنّ قيس: أخو
عمّار الساباطي ، وما ذكره العلاّمة أيضا من أنّ صباح: أخو عمّار الساباطي
ودلالتهما على المدّعى كما ترى.

وثانيا: أنّ ما ذكره من إطلاقه على ابنه ، مبنيّ على ماجرى من تعدّد إسحاق
ابن عمّار ، أعني الساباطي والصيرفي ، والحقّ هو الاتّحاد ، وأنّ المتّحد هو
الصيرفي دون الساباطي الفطحيّ 1
ساباطي الفطحيّ، 2 ، كما ربّما توهّم وفاقا لغير واحد من الفحول ،
كما سيجيء إن شاء اللّه.

مع أ نّه بناءً على التعدّد يتأتّى الممانعة من الإطلاق أيضا ؛ لضعف دلالة
المستند ، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

نعم ، إنّه كان المناسب: ذكر حديد ، وعليّ بن حديد ، ومحمّد بن مرازم بن
حكيم ، ومحمّد بن يحيى ، ومحمّد بن عمر و أبي الحسن ؛ فإنّ التتبّع في كتب
القوم وأسانيد الأخبار يكشف عن الإطلاق.

أمّا الأوّل: فلما يظهر من كتاب الغيبة للشيخ ، فإنّه قال: «حدّثنا عمرو بن
منهال القمّاط ، عن حديد الساباطي»
[381].

وأمّا الثانيان: فلما يظهر من النجاشي في الترجمة[382] ، بناءً على ظهور تعلّق
القيودات مطلقا إلى المذكور بالإصالة.

هذا ، وذكر الشيخ في أصحاب الصادق عليه‏السلام: «محمّد بن حكيم الساباطي ،
وله إخوة: محمّد ، ومُرازم ، وحديد ، بنو حكيم»
[383].

ومقتضاه: إطلاقه على المذكور بالأصالة بناءً على ماذكر كما أ نّه ربّما
يقتضي المغايرة لكلام النجاشي الذي يظهر منه إطلاقه على محمّد بن مرازم ،
فتأمّل.

وأمّا الثالث: فلما يظهر من الفقيه في باب «الموصى له يموت قبل
الموصي»
[384].


وأمّا الأخير: فلما يظهر من الكافي في باب «الرجل يوصي إلى آخر
ولا يقبل وصيّته»
[385].

وكذا من التهذيب في باب «بيع الواحد بالإثنين»[386].

الثاني : إنّه روى في التهذيب في باب «تطهير الثياب والبدن من
النجاسات» رواية بإسناده عن عمّار الساباطي ، ثمّ قال: «وبهذا الإسناد عن
إسحاق بن عمّار»
[387].

وروى قبلهما رواية عن إسحاق بن عمّار.

وقد وقع الإشكال في أنّ المشار اليه ، هو السند السابق حتّى يكون الراوي
في كلّ منهما إسحاق ، أو السند المتّصل.

وقد تردّد في المقام صاحب المشارق في بحث الجبائر[388] ، وعن الإشارة
إسناده إلى إسحاق
[389].

والتحقيق إسناده إلى عمّار ؛ للقرب ، وروايته الخبر في الاستبصار مسندا
إلى عمّار
[390] وكون الراوي في السند المتّصل مصدّق بن صدقة ، وهو كثير
الرواية عن عمّار ، فيتعيّن وقوع الزيادة في السند ، ونظائره في التهذيب
غير عزيز
[391].

الثالث: إنّه روى الصفّار في البصائر في باب «أنّ الأئمّة يتكلّمون بالألسن
كلّها»: «بالإسناد عن عمّار الساباطي ، قال: قال أبو عبداللّه
عليه‏السلام: «يا عمّار
أبو مسلم فطلّله وكسا وكسحه فسطورا. قلت: جعلت فداك ، ما رأيت نبطيّا
أفصح منك ، فقال: يا عمّار ، وبكلّ لسان»
[392].

الرابع: إنّه قد تكثّر في أسانيد الأخبار رواية إسحاق بن عمّار ، وقد اختلف
في أ نّه ابن عمّار الساباطي ، أو الصيرفي ، متّحدا أو متعدّدا ، ولمّا كان من
المهام أعجبني ذكره في المقام على حسب ما يقتضيه الحال من الإجمال.

فنقول: إنّه قد اختلفوا فيه على أقوال:

القول: بأ نّه ابن عمّار الساباطي ، والقائلون به بين: جازم بفطحيّته كما هو
مقتضى صريح الفهرست
[393] وابن طاوس في التحرير[394] والخلاصة[395] ،
ويقتضيه كلام الروضة في مواضع.


منها: ما ذكره في دية سلس البول ، قال: «لكن في الطريق إسحاق وهو
فطحيّ»
[396] بل قال جدّنا السيّد العلاّمة: إنّ عادته المستمرّة جعل الحديث
باعتبار إسحاق بن عمّار  موثّقا
[397].

ومتردّد فيه كما هو مقتضى غير واحد من كلمات المحقّق.

منها: ما ذكره في الشرايع ، في ميراث المفقود: «وفي إسحاق، قول»[398].

وهو مقتضى ما صنعه ابن فهد في المسألة المذكورة ، فصنع كالصنيعة
المسطورة
[399].

ومضطرب فيه ، فجازم بالوحدة والفطحيّة تارةً ، وبها بالاماميّة أخرى ،
ومتردّد ثالثةً ، كما ينصرح من كلمات المقدّس
[400].



والقول: باشتراكه بينه وبين إسحاق بن عمّار بن حيّان الصيرفي.

فهم بين من جرى على اشتراكه بينهما في الشخص والحديث ، كما هو
مقتضى كلام شيخنا البهائي ، قال في بداية المشرق: وقديكون الرجل متعدّدا
فيظنّ أ نّه واحد ، كما اتّفق للعلاّمة ـ طاب ثراه ـ في إسحاق بن عمّار ؛ فإنّه
مشترك بين إثنين: أحدهما من أصحابنا ، والآخر فطحيّ
[401].

والمحقّق الإسترابادي في حاشية الوسيط ، قال: الظاهر من التتّبع ، أنّ
إسحاق بن عمّار إثنان: ابن عمّار بن حيّان ، وهو المذكور في النجاشي ، وابن
عمّار الساباطي وهو المذكور في الفهرست ، وأنّ الثاني فطحيّ دون الأوّل
[402].

والفاضل النظام ، فإنّه عنون الصيرفي في القسم الاؤ ، والساباطي
في الثاني ، كما أ نّه بعد عنوان الصيرفي ، حكى عن شيخنا البهائي أ نّه قال:
وايّاك أن تظنّ أ نّه الساباطي كما ظنّه غيرك
[403].


وهو خيرة جماعة كالعلاّمة البهبهاني[404] وشارح المشيخة[405] والمحدّث
البحراني
[406] وصاحب الوافي 1
حب الوافي، 2
[407]  والذخيرة[408] والرياض[409].

وبين من جرى على اشتراكه بينهما في الشخص فقط ، كما عليه الفاضل
العناية
[410] وتبعه الفاضل الخاجوئي[411] وبعض آخر.

والقول بأ نّه إسحاق بن عمّار الصيرفي الإماميّ كما هو الظاهر من
النجاشي
[412] وبه صرّح السيّد السند النجفي[413] وجدّنا السيّد العلاّمة والوالد
المحقّق 
رحمه‏الله ، وعليه استقرّ رأي جدّنا العلاّمة ، وهذا هو الأقرب.

وللقول الأوّل وجوه:

الأوّل: اشتهار عمّار الساباطي في الرواة ، وكثرة روايته في الأخبار ،
وانصراف الإطلاق إليه  فيهما ، وهذا الوجه يشبه أن يكون مستند الشيخ في
الفهرست ؛ فإنّه جرى على الوحدة ، وعنون بقوله: «إسحاق بن عمّار الساباطي
له أصل ، وكان فطحيّا ، إلاّ أ نّه ثقة وأصله معتمد عليه»
[414].


ويضعف بما سيأتي إن شاء اللّه تعالى من الأدلّة الدالّة على التعدّد بحيث
لايبقى بعد ملاحظتها مسرح لهذه الدعوى.

وربّما ذكر جدّنا السيّد العلاّمة أنّ المستند مارواه في التهذيب عن محمّد بن
سنان ، عن إسحاق بن عمّار ، قال: سمعت أباعبداللّه
عليه‏السلام يقول:

«كان موسى بن عمران إذا صلّى لم ينفتل حتّى يلصق خدّه الأيمن بالأرض
وخدّه الأيسر بالأرض ، قال إسحاق: رأيت من آبائي من يصنع ذلك ، قال
محمّد بن سنان: يعني موسى في الحجر في جوف الليل»
[415].

نظرا إلى أنّ الراوي أخبر بأنّ مراد إسحاق ، جدّه: موسى ، فاسحاق بن
عمّار في المقام: إسحاق بن عمّار بن موسى الساباطي ، ولماكان رجلاً واحدا
في الأسانيد. وعلم أ نّه المراد في المقام فهو المراد في غيره ، وهو الذي فهمه
المحدّث الكاشاني في الوافي.

فإنّه ذكر في بيان الحديث ـ أي : موسى الساباطي ، جدّ إسحاق ـ مجيبا عنه
بأ نّه
رحمه‏الله وإن أصاب في التوحيد ، إلاّ أ نّه أخطأ في التعيين ؛ لأنّ إسحاق بن
عمّار هو: الصيرفي ، والساباطي لا وجود له في الأسانيد ، وماوقع في
التهذيب ، فالظاهر أنّ كلمة من آبائي زائدة ، والمراد بموسى: موسى بن
جعفر
عليهماالسلام فإنّه هو الذي ينبغي أن يذكر فعله في المقام ، وعدم التصريح باسمه
الشريف ، لعلّه لعائق منه ، مع وجود القرينة الحاليّة استشهادا بتفسيره من
محمّد بن سنان على ماوقع التصريح به من الشيخ في الخلاف ، فإنّه ذكر فيه بعد
ذكر الحديث:

قال: وقال إسحاق: رأيت من يصنع ذلك ، قال ابن سنان: يعنى: موسى بن
جعفر
عليهماالسلام في الحجر في جوف الليل[416].

وصنع مثله في المعتبر[417] والمنتهى[418] والتذكرة[419] ونهاية الأحكام[420]
والمدارك
[421] مع أ نّه على تقدير ثبوت آبائي ، يمكن أن يكون تصحيف
اُباهي به.

أقول: لا يخفى أنّ دعوى أنّ الخبر المذكور الداعي له لعنوان الساباطي ، في
غاية البعد ؛ بل الظاهر أنّ المنشأ له ، ثبوت إسحاق بن عمّار في الأسانيد ،
واشتهار عمّار الساباطي ، وانصراف الإطلاق إلى الشايع ، فيظنّ الوحدة ، وأ نّه
إسحاق بن عمّار الساباطي.

كما يقع ذلك الاشتباه في الأنساب كثيرا ، مع أنّ ثبوته في المقام لا يقتضي
ثبوته في غيره ، ودعوى أ نّه مبنيّ على ثبوت الاتّحاد ، مدفوعة بأ نّه لا دليل
على هذا التقدير إلاّ الانصراف ، وإلاّ فقد عرفت خلافه ، مع أ نّه بناءً على وقوع
زيادة الكلمة فلا تعيين في الساباطي فلا خطأ في المقام.

الثاني: الجمع بين كلامي النجاشي والشيخ في الفهرست ، وتقييد كلّ منهما
بالآخر ، فإنّه ذكر النجاشي: «إسحاق بن عمّار بن حيّان ، أبو يعقوب ،
الصيرفي ، مولى بني تغلب ، شيخ من أصحابنا ، ثقة ، في بيت كبير من الشيعة ،
روى عن الصادق والكاظم
عليهماالسلام ، له كتاب النوادر ، روى عنه غياث بن
كَلّوب»
[422].

وقال الشيخ في الفهرست: «إسحاق بن عمّار بن موسى الساباطي ، له أصل ،
وكان فطحيّا إلاّ أ نّه ثقة ، وأصله معتمد عليه»
[423].

فمقتضى الجمع بينهما: الحكم باتّحادهما ، ومن هنا ما ذكر العلاّمة في
الخلاصة: «إسحاق بن عمّار بن حيّان ، مولى بنيتغلب ، أبو يعقوب ، الصيرفي ،
كان شيخا من أصحابنا ، ثقة ، روى عن الصادق والكاظم
عليهماالسلام وكان فطحيّا.

قال الشيخ: إلاّ أ نّه ثقة ، وأصله معتمد عليه ، وكذا قال النجاشي ، والأولى
عندي التوقف فيما ينفرد به»
[424].

ونظيره ماصنعه ابن داود ، فعنون تارةً: «إسحاق بن عمّار بن حيّان ، مولى
بني تغلب ، أبو يعقوب ، الصيرفي ، (جش) ، (كش): ثقة ، هو واخوته ، (ست):
فطحيّ إلاّ أ نّه معتمد عليه»
[425].

وأخرى: إسحاق بن عمّار ، (ق) ، (م) ، (ست): فطحيّ الاّ أ نّه معتمد عليه[426].

وسبقهما ابن طاوس في التحرير[427].

والظاهر أنّ الجمع المذكور ، هو الوجه في ظنّ الاتّحاد من هؤلاء الأطواد ،
ثمّ سرى الوهم على من ورد على كلامهم لحسن ظنّهم بمقامهم ولاسيّما كلام
العلاّمة.


ويضعف بالأمارات الدالّة على خلاف الوحدة والقرائن الكاشفة عن
المغايرة ؛ فإنّ الجدّ المذكور في كلام النجاشي: حيّان ، والمذكور في كلام
الشيخ فيالفهرست: موسى ، وأين أحدهما من الآخر.

وأمّا ما وقع في مشيخة الفقيه عند ذكر طريقه إلى يونس بن عمّار من فى
قوله في انتهاء الطريق: «عن أبي الحسن يونس بن عمّار بن العيص ، الصيرفي ،
التغلبي ، وهو أخو إسحاق»
[428].

فالظاهر أ نّه من سهو الأقلام ، مع أنّ الأوّل صيرفي ، تغلبي ، كوفيّ ، ووصف
بهذه الأوصاف غير واحد من أهل هذا البيت في غيرمورد ، كما ذكر الشيخ في
أصحاب الصادق
عليه‏السلام في بعض إخوته فقال: «يونس بن عمّار الصيرفي ،
التغلبي ، كوفيّ»
[429].

وفيه: «إسماعيل بن عمّار ، الصيرفي ، الكوفي»[430].

وفي ابنه كما في أصحاب الرضا عليه‏السلام : «محمّد بن إسحاق بن عمّار ،
الصيرفي، كوفيّ»
[431].

وفي بعض أحفاده كما في باب من لم يروعنهم عليهم‏السلام: «عليّ بن محمّد بن
يعقوب ابن إسحاق بن عمّار ، الصيرفي ، الكسائي ، الكوفي ، العجلي»
[432].

بخلاف الثاني ؛ فإنّه غير موصوف بشيء منهما ؛ بل مذكور بالساباطي كما
مرّ التصريح به من النجاشي ، والشيخ ، وغيرهما. وساباط ـ على ما هو
المحكيّ عن غير واحد من أهل الخبرة من علماء الفنّ وغيرهم ـ موضع
بمدائن كسرى
[433].

مضافا إلى أ نّه موصوف في كلام النجاشي بأ نّه شيخ من أصحابنا ، ثقة ، في
بيت كبير من الشيعة
[434].وأين هذا من التوصيف بالفطحيّة ، ومن هنا أ نّه عنون
الكشّي: «إسحاق وإسماعيل ابني عمّار ، روى بإسناده عن زياد ، أ نّه قال: كان
أبو عبداللّه
عليه‏السلام إذا رأى إسحاق بن عمّار وإسماعيل ، قال: «قد يجمعهما
لأقوام ، يعني الدنيا والآخرة»
[435].

وكيف هذه المرتبة العالية والمنقبة السامية ، مع ثبوت وصف الفطحيّة. ومن
ثمّ لمّا بنى السيّد بن طاووس على القول بالاتّحاد جرى بعد ذكر الخبر على
الاستبعاد ، وبعد وضوح ضعف المبنى يتّضح ضعفه بلاشبهة ترى.

على أنّ إخوة عمّار الصيرفي: جعفر ، وعلي ، وهذيل.

بخلاف الساباطي ؛ فإنّ أخواه كما مرّ: قيس ، وصباح.

وإخوة إسحاق الصيرفي: يونس ، ويوسف ، وقيس ، وإسماعيل ، وابنا أخيه:
إسماعيل ، علي ، وبشير ، وغيرهم من هذا البيت ، كما ستعرف الباقي إن شاء
اللّه تعالى ، ولم يثبت أحد منهم في الساباطي أو ثبت غيرهم.

ومن هنا ، ثبوت الاختلاف في المقام بحسب المذهب ، والنسب ، والبلد ،
والإخوة ، والأولاد ، والعشيرة.

هذا ، ولا يذهب عليك ما في صنيعة ابن داود من الأنظار.


الثالث: كلام العلاّمة في الخلاصة[436] ، مع استفادة نوع اتّحاد من كلامي
النجاشي والشيخ ، والظاهر أ نّه مستند كافّة من تأخّر عنه ، مثل: الشهيد الثاني ،
والمقدّس ، وصاحب المدارك ، والذخيرة ، والمعراج والنقد
[437] ، وفساده يظهر
ممّا مرّ.

ومستند القول بالتعدّد: الأخذ بظاهر كلّ من كلامي النجاشي والشيخ ؛ فإنّه
لاريب في ظهورهما في التعدّد ، وعدم ذكر كلّ منهما ماذكره الآخر لا ينافي
وجوده ؛ كما ذكر الفاضل العناية: «من أنّ غاية الأمر ، نسيان ذكر ابن الصيرفي
أصالةً في الفهرست لا تبعا ؛ فإنّه ذكره في ترجمة غياث بن كلّوب منه ، وهذا
منه كثير كما يظهر بالتتبّع»
[438].

وأمّا ابن الساباطي ، فالظاهر ، وأزيد منه ، أنّ النجاشي  رحمه‏الله لم يتعرّض له
عمدا وقصدا ؛ لما يظهر من خطبة كتابه ، فانظر على أ نّه يجوز نسيان ذكره فيه ،
كيف لا! وقد نسي الحسن بن محبوب الجليل ، مع أ نّه وكتاب مشيخته معلوم ،
حاضر ، ظاهر عنده ، كما يظهر من ترجمة جعفر بن بشير
[439] وغيره.

والشيخ الطوسي قدس‏سره لما عرف أ نّه ليس من رواة أحد من الأئمّة عليهم‏السلام
ما ذكره في رجال أحد من الأئمّة
عليهم‏السلام من كتاب رجاله ونسي ذكره في باب
«من لم‏يرو عنهم
عليهم‏السلام» منه ، وليس هذا أوّل قارورة كسرت في الإسلام ،
وحيث كان وضع كتاب الفهرست لذكر أمثاله ذكره أصالة.


وفيه: أنّ ما يظهر منه من تعرّضه لحال خصوص ابن الصيرفي في ترجمة
غياث ، فغير وجيه ؛ فإنّه ذكر في الطريق إلى كتابه: «أخبرنا أبو عبد اللّه عن
محمّد بن عليّ بن الحسين ، عن أبيه ، ومحمّد بن الحسن ، عن سعد ، عن الحسن
ابن موسى الخشاب ، عن غياث بن كلّوب بن فيهس البجلي ، عن إسحاق بن
عمّار»
[440].

إلاّ أن يقال: إنّ الظاهر أنّ إسحاق بن عمّار الراوي عن غياث ، هو
الصيرفي ؛ بشهادة كلام النجاشي
[441].

مع أنّ مايظهر منه من تعرّضه لحال رجال في ترجمة غيرهم ليس في
محلّه ؛ فإنّ تعرّضه فيه لحال الرجال في تراجمهم قليل ، فضلاً عن غيرها.

نعم ، إنّه قد كثر ذلك من النجاشي ، كما ذكر عبداللّه بن رِباط[442] البجلي ، في
ترجمة أخيه الحسن بن رِباط
[443] وفي ابنه محمّد بن عبداللّه[444] وذكر عبداللّه

أخو حمّاد بن عثمان في أخيه حمّاد
[445] وذكر عبداللّه بن محمّد ، في طريقه إلى
جابر بن يزيد الجعفي
[446] ، إلى غيرها من المواضع المتكثّرة.

مضافا إلى أنّ ماذكره من عدم تعرّض النجاشي له عمدا ، ففيه: أ نّه لا وجه له
إلاّ فطحيّته ؛ فإنّ المصرّح به في خطبة كتابه أ نّه موضوع لذكر الإماميّة ، مع أ نّه
تعرّض فيه لكثير من ذوي المذاهب الفاسدة.

كما تعرّض لحسن بن محمّد بن سماعة وقال: «إنّه من شيوخ الواقفة ، وكان
يعاند في الوقف ويتعصّب»
[447].

وحسين بن أبي سعيد وقال: «كان هو وأبوه ، وجهين في الواقفة»[448] وذكر
فيه ذموما ليس هنا موضع ذكرها.

وحسين بن أحمد البوشنجي وقال: «كان عراقيّا، مضطرب المذهب»[449].

وخالد بن طُهْمان[450] وقال: «كان من العامّة»[451].

إلى غير ذلك ، فضلاً عمّا ذكره جدّنا السيّد العلاّمة ، من استظهار عدوله عمّا
جرى عليه في الفهرست ؛ استنادا إلى أ نّه قال في أصحاب الصادق
عليه‏السلام:
«إسحاق بن عمّار الصيرفي الكوفي»
[452].

وفي أصحاب الكاظم عليه‏السلام: «إسحاق بن عمّار ، ثقة ، له كتاب»[453].

ولا إشكال في اتّحاد المعنون: الأوّل ، مع ما عنونه النجاشي.

وأمّا الثاني: فالظاهر الاتّحاد ؛ لرواية الصيرفي كثيرا عن مولانا
الكاظم
عليه‏السلام ، والتصريح بالصيرفي عند الرواية عن مولانا الكاظم عليه‏السلام في
بعض الأسانيد
[454].

وبأ نّه له كتاب ، وقد ظهر من تصريح النجاشي بأنّ الكتاب لابن حيّان ،
وبأ نّه الثقة
[455] ، الظاهر في كونه اماميّا ، وإسحاق بن عمّار ، على فرض وجوده
فطحيّ.

فمنه يظهر عدوله ، وإلاّ فإن كان ممّن يروي عن أحد من الأئمّة عليهم‏السلام ذكره
في أصحابه ، وإلاّ أورده فيمن لم يرو ، وعدمه دليل على عدمه ، وقد ثبت تأخّر
تصنيف الرجال عن الفهرست ؛ لما ينصرح من مواضع منه.

فمنها: ما في ترجمة إبراهيم بن صالح ، قال: «له كتب ذكرناها في
الفهرست»
[456].

ونحوه ، في إبراهيم بن محمّد بن سعيد[457] وابن سليمان النهمي[458] وفي

ترجمة والد الصدوق: «له تصانيف ذكرناها في الفهرست»
[459] ومثله في
الغضائري
[460] وغيره. (انتهى ملخّصا). فتأمّل.

وممّا ذكرنا بان ضعف القول بالاشتراك رأسا ؛ بل سلّم الفاضل عدم
الاشتراك في الحديث ؛ مستدلاًّ بعدم ذكر أحد من مشايخ هذا الفنّ ، أنّ
ابن الساباطي من أصحاب أحدهم
عليهم‏السلام وإن سلّم كونهما في مرتبة وطبقة ،
لايوجب الاشتراك فيه ، وأنّ إسحاق بن عمّار المذكور في الروايات المذكورة
في الكشّي
[461] في هذا المقام لا يحتمل الاشتراك ؛ لما فيها من القرائن ، ونحوها
جميع كتب الأخبار.

ويمكن تضعيف الأوّل: بأ نّه ذكر ابن  شهر آشوب في المعالم: «إسحاق بن
عمّار ثقة ، من أصحاب الصادق
عليه‏السلام ، وكان فطحيّا»[462] فتأمّل.

والثاني: بأ نّه بعد فرض ثبوته ووثاقته ، وكونه صاحب أصل معتمد عليه من
أصحاب مولانا الصادق
عليه‏السلام ، مجرّد دعوى بلابرهان.

فالأظهر القول بالاتّحاد ، وكون المتّحد ابن الصيرفي الإماميّ الثقة ؛ لأنّه
قد تكثّر ذكر إسحاق بن عمّار في الأسانيد على سبيل الإطلاق ، ووقع في
بعضها مقيّدا بالصيرفي ، كما فيما رواه الكليني: «عن سهل ، عن عليّ ، عن
الحسن ، عن إسحاق بن عمّار الصيرفي»
[463].

والشيخ في التهذيب: «عن محمّد ، عن الحسن ، عن غياث ، عن إسحاق بن
عمّار الصيرفي»
[464] والصدوق في الخصال: حدّثنا محمّد بن الحسن ، عن
الصفّار ، عن غياث ، عن إسحاق بن عمّار الصيرفي ونحوها غيرها.

فالظاهر أنّ المراد من المطلق ، هو المقيّد المذكور ؛ مع أن عمّار الساباطي
قد وقع ذكره في الأسانيد على أنحاء أربعة: مطلقا ، ومقيّدا ، والتقييد تارةً:
بالساباطي ، وأخرى: بابن موسى ، وثالثةً: بالجمع بينهما ، فمن المظنون ؛ بل
المقطوع أ نّه لوكان إسحاق بن الساباطي أيضا لوجد في الأسانيد مقيّدا
بإحداها ؛ بل وقع مطلقا أو مقيّدا بالصيرفي على أنّ كلاًّ من إسحاق الصيرفي ،
وعمّار الساباطي ، كثير الرواية ومن المشاهير ، فلو كان إسحاق ابنا للساباطي
أيضا ، لوقع روايته عنه ولونادرا ؛ لمساعدة الطبقة وقضاء العادة ؛ مع أنّ من
المعلوم خلافه
[465].


 

تذييلان

 

 ]في أولاد إسحاق [

أحدهما: أ نّه خلّف إسحاق المذكور ولدين ، أحدهما: محمّد ، والآخر:
يعقوب ، وكان الأوّل ، ثقة ، جليلاً ، اماميّا ، كما يظهر من تصريح النجاشي
وغيره
[466].

وربّما حكى العلاّمة عن شيخنا الصدوق وقفه ، وتوقّف فيه نفسه[467].

ولعلّ مستنده ما رواه في العيون في أبواب دلائل الرضا ـ عليه آلاف التحية
والثناء ـ : «بإسناده عن أبي مسروق ، قال: دخل على الرضا
عليه‏السلام جماعة من
الواقفة ، فيهم محمّد بن إسحاق بن عمّار»
[468].

وفيه: مع ضعف السند بجهالة جرير ، ومحمّد بن أبي عبداللّه ، وعدم ثبوت
توثيق مسروق ، معارض بالشواهد الدالّة على خلافه.

منها: ماذكره شيخنا المفيد ، من عدّة ممّن يروي النصّ على إمامة مولانا
الرضا
عليه‏السلام والإشارة إليه ، من خاصّته ، وثقاته ، وأهل الورع والعلم والفقه من
شيعته