[5]

مقدّمة التحقيق

الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيّبين الطاهرين الهداة المهديّين لا سيّما
بقيّة اللّه الحجّة بن الحسن إمام العصر والزمان عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف.

من البديهي أنّ الأساس في تحصيل العلوم الإلهيّة واستنباط الأحكام الشرعيّة ، هو الروايات الواردة عن
المعصومين
«»؛ حيث إنّ القرآن الكريم جاء بالخطوط الأصليّة للدين المبين وتَرَك التفصيل والبيان للنبيّ«» ومن
بعده الأئمّة الأطهار
«» فهم أعلم من غيرهم بالوحي.

فلابدّ لنا من الاهتمام بدراسة علم الحديث وما يتعلقّ به، حتّى يمكننا الرجوع إلى السنّة المطهّرة، التي تعدّ المصدر
الثاني للتشريع بعد كتاب اللّه العزيز.

وممّا ينبغي التصريح به: أنّه لا يمكن لنا الاستدلال بكلّ حديث روي عن المعصومين«» إلاّ بعد إحراز درجة اعتبار
رواته ووثاقتهم، حتّى يحصل عندنا الاطمينان بصدوره عنهم
«».

وذلك لوجود الأدلّة النقليّة والشواهد التاريخيّة التي تشير إلى وجود جملة من الكذّابين والوضّاعين الذين تلاعبوا
في الأحاديث الشريفة حسب ما تملي

[S]

عليهم أهواؤهم ومصالحهم الشخصيّة.

كما ورد في الأحاديث المتضافرة عن النبيّ «» «من كذب عليّ متعمّدا ـ أو  قال عليّ ما لم أقله ـ فليتبوّأ مقعده من
النار»
q.

وعن أمير المؤمنين«» «إنّ في أيدي الناس حقّا وباطلاً وصدقا وكذبا وناسخا ومنسوخا وعامّا وخاصّا ومحكما
ومتشابها وحفظا ووهما وقد كذب على رسول اللّه
«» على عهده حتّى قام خطيبا فقال:

أيّها الناس ، قد كثرت عليّ الكذّابة فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار.

ثمّ كذب عليه من بعده وإنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:

رجل منافق يظهر الإيمان ، متصنّع بالإسلام لا يتأثّم ولا يتحرّج أن يكذب على رسول اللّه«» متعمّدا.

فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه ولم يصدّقوه ، ولكنّهم قالوا: هذا قد صحب رسول اللّه«» ورآه وسمع
منه وأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله وقد أخبره اللّه عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال عزّ وجلّ:

«وَ اِذا رَاَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ اَجْسامُهُمْ وَ اِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَولِهِمْ»q.

p  الكافى: 1/62 ح1، الفقيه: 4/364 ح5762 و3/569 ح4942، وسائل الشيعة طبعة آل البيت: 12/249 ، 27/207 ، مستدرك
الوسائل: 9/91 ،92 ،93 ، 17/ 288، 340.

والمحاسن: 118 ، علل الشرايع: 223 ، عيون أخبار الرضا: 2/198 ، ثواب الأعمال: 268 ، إكمال الدين: 60 ، كشف الغمّة: 1/211
و395 و460 ، إعلام الورى: 189 ، كنز الفوائد للكراجكي: 2/152 ومكارم الأخلاق: 440.

 

 

 

 


راجع أيضا: صحيح البخاري: 1/38 ،2/102 ،4/207 ، 8/54 وموسوعة أطراف الحديث: 8/523. ذُكر فيه أكثر من ثلاثمائة
مصدرا للحديث.

p  المنافقون: 4.

[S]ثمّ بقوا من بعده فتقرّبوا إلى أئمّة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان ، فولّوهم الأعمال وحملوهم
على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا وإنّما الناس مع الملوك والدنيا إلاّ من عصم اللّه ... .
q

نعم، لقد توسّع نطاق الكذب في العهد الأموي المشؤوم والعهد العبّاسي المظلم على الرسالة الإسلاميّة لمصالح سياسيّة
ومطامع دنيويّة أو لأغراض شخصيّة. ونقلت حكايات كثيرة في المصادر الرجاليّة وغيرها تشير إلى كثرة التلاعب
بالأسانيد والأخبار.

كما نقل الذهبي عن إبراهيم بن سليمان بأنّه قال: سمعت أبا العزّ بن كادش يقول: وضعت حديثا على رسول
اللّه
«»، وأقرّ عندي بذلك.

وروى عن أبي علي بن الحسن الحافظ يقول: قال لي ابن كادش: وضع فلان حديثا في حقّ عليّ ووضعت أنا في حقّ
أبي بكر حديثا، باللّه أليس فعلت جيّدا.

ثمّ قال الذهبي: هذا يدلّ على جهله؛ يفتخر بالكذب على رسول اللّه«»q.

وفي أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلّس: وضّاع لم يكن في الكذّابين أقلّ حياءً منه، صنّف في مناقب أبي حنيفة
أحاديث باطلة كلّها موضوعة وأخرج عن الثقات أخبارا كلّها كذب
q.

p  الكافي: 1/50 ح1 راجع أيضا: سليم بن قيس: 103، الخصال: 255 ، الاحتجاج: 263 و446 ، الإيضاح للمفيد: 60 ، رسالة في
المهر ، له: 28 ، الصراط المستقيم: 3/156 ، الغيبة للنعماني: 75 وتحف العقول: 193.

p سير أعلام النبلاء: 19/559 وراجع أيضا: لسان الميزان: 1/234، ميزان الاعتدال: 1/118، شذرات الذهب: 4/78 والمنتظم:
10/28.

p ميزان الاعتدال: 1/140 رقم 555، لسان الميزان: 1/294 رقم 830، المجروحين: 1/153 والكامل في ضعفاء الرجال: 1/199
رقم 44 و ... .

[S]وفي أحمد بن محمد أبو بشر الكندي، قال ابن حبان: كان ممّن يضع المتون ويقلّب الأسانيد ... لعلّه قد قلّب على
الثقات أكثر من عشره آلاف حديث، كتبت أنا منها أكثر من ثلاثة آلاف حديث لم أشكّ أنّه قلبّها
q.

وفي الحسن بن عمارة بن المضرّب: فقيه كبير، كذّاب، ساقط، قال شعبة: من أراد أن ينظر إلى أكذب الناس فلينظر
إلى الحسن بن عمارة
q.

وفي شيخ بن أبي خالد البصري: أنّه قال: وضعت أربعمائة حديث وأدخلتها في برنامج الناس فلا أدري كيف أصنعq.

وفي عليّ بن الجهم بن بدر السامي: كان أكذب خلق اللّه، مشهورا بالنصب، كثير الحطّ على عليّ وأهل البيت، وقيل:
إنّه كان يلعن أباه لِمَ سمّاه عليّا
q.

وهذا عبد المغيث بن زهير الحنبلي ألّف كتابا في فضائل يزيدq.


ومحمد بن عبد الواحد أبو عمر الزاهد، يقول الخطيب فيه: كان لو طار طائر لقال: حدّثنا ثعلب عن ابن الأعرابي
ويذكر في معنى ذلك شيئا.

وصنّف جزأً في فضل معاويةq.

نقل العلاّمة الأميني عن القرطبي بأنّه قيل لأبيعصمة: من أين لك عن عكرمة، عن ابن عبّاس في فضل سُوَر القرآن
سورة سورة؟ فقال: إنّي رأيت

p المجروحين: 1/156، الضعفاء والمتروكون: 124، ميزان الاعتدال: 1/149 رقم 582 وتذكرة الحفّاظ: 3/803 رقم 793 و ... .

p ميزان الاعتدال: 1/513 رقم 1918 وتهذيب الكمال: 6/265 رقم 1252.

p ميزان الاعتدال: 2/286 رقم 3763، تذكرة الموضوعات: 79 والكامل في ضعفاء الرجال: 4/47 رقم 907.

p لسان الميزان: 4/242 رقم 5766.

p شذرات الذهب: 3/453 حوادث سنة 583.

p تاريخ بغداد: 2/357، لسان الميزان: 5/485 رقم 8186 وسير أعلام النبلاء: 15/510.

[S]الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبةq.

وقال: قد ذكر الحاكم وغيره من شيوخ المحدّثين أنّ رجلاً من الزهّاد انتدب في وضع أحاديث في فضل القرآن
وسوره، فقيل له: لِمَ فعلت هذا؟ فقال: رأيت الناس زهّدوا في القرآن فأحببت أن اُرغّبهم فيه فقيل: فإنّ النبي
«»قال:
«من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار»، فقال: أنا ما كذبت عليه إنّما كذبت له!!!
q

قال ابن الجوزي: عن أبي أنس الحراني أنّ المختار الثقفي قال لرجل من أصحاب الحديث: ضع لي حديثا عن
النبي
«»؛ إنّي كائن بعده خليفة وطالب له بترة ولده وهذه عشرة آلاف درهم وخلعة وخادم ومركوب.

فقال الرجل: أمّا عن النبي«» فلا! ولكن اختر من شئت من الصحابة واحطك من الثمن ماشئت.

فقال المختار: عن النبي«» يكون الحديث أجدى وأنفع.

فقال له المحدّث: ولكن العذاب عليه أشدّ وأبلغq.

روى ابن أبي الحديد عن أبي جعفر الإسكافي أحد شيوخ المعتزلة قال: إنّ معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من
التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي
]«»]، تقتضيالطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جُعلاً يُرغَب في
مثله فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة وعمروبن العاص والمغيرة بن شعبة

p الغدير: 5/447 نقلاً عن التذكار للقرطبي: 155.

p نفس المصدر.

p الموضوعات في الآثار والأخبار: 120 نقلاً عن الموضوعات لابن الجوزي.

[S]ومن التابعين: عروة بن الزبيرq.

وقد ألّف القوم كتبا عديدة في هذا الموضوع، منها:

الضعفاء الصغير: للبخاري محمد بن إسماعيل المتوفّى: 256.


الضعفاء والمتروكون: للنسائي أحمد بن شعيب المتوفّى: 303.

الضعفاءالكبير: للعقيليأبي جعفر محمد بن عمرو المكّي المتوفّى: 322.

الجرح والتعديل: للرازي عبد الرحمن بن أبي حاتم المتوفّى: 327ه .

المجروحين: لابن حبّان التميمي البستي المتوفّى: 354.

الكامل في ضعفاء الرجال: لأبي أحمد عبد اللّه الجرجاني المتوفّى: 365.

الضعفاء والمتروكون: للدارقطني أبي الحسن البغدادي المتوفّى: 385.

معرفة التذكرة في الأحاديث الموضوعة: لابن القيسرانى، المتوفّى: 507.

الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير:   للجوزقاني المتوفّى: 543.

الضعفاء والمتروكون: لابن الجوزي أبي الفرج المتوفّى: 597.

الموضوعات: للصاغاني، أبي الفضائل، المتوفّى: 650.

المغني في الضعفاء: للذهبي المتوفّى: 748.

اللاّليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: للسيوطى، المتوفّى: 911.

الأسرارالمرفوعة فيالأخبار الموضوعة: لملاّعلي القاري المتوفّى:1014.

الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة: للشوكاني المتوفّى:1250.

هذا كلّه يدلّ على وجود أحاديث موضوعة كثيرة اصطنتعها الأيادي الصنيعة وبثّتها بين أحاديثهم.

إلاّ أنّ للشيعة الإماميّة ميزات في هذا الصعيد إذ لم يقعوا في الشراك الذي وقع

p شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 4/63 باب 56.

[S]فيها علماء المذاهب الإسلامّية الاُخرى؛ حيث إنّ الأئمّة الأطهار«» قد تصدّوا لهذه الظاهرة من أوّل يوم انتشر
فيه الحديث وأعطوا كلّ ذي حقّ حقّه.

فلمّا رأوا أنّ عدّة من أصحاب الأهواء الباطلة والآراء الفاسدة أخذوا يتلاعبون في الأحاديث الشريفة و يحرّفون
الشريعة النبويّة ويدسّون في آثار العترة الطاهرة، أعلنوا التبرّي منهم ووصفوهم بالكذّابين والوضّاعين ولعنوهم أشدّ
اللعن ليسقط صدقهم ويذهب بهاؤهم عند الناس وأمروا الشيعة بعدم الأخذ عنهم؛ لكي تمحّص الأحاديث من
الدسائس، والحقائق من المنكرات.

كما روى الكشّي أنّ أحد من الغلاة حين ذكر شيئا من غلوّ يونس بن ظبيان، عند أبي الحسن «»، فغضب غضبا لم
يملك نفسه ثمّ قال
«» للرجل: أخرج عنّي لعنك اللّه ولعن من حدّثك، ولعن يونس بن ظبيان ألف لعنة يتبعها ألف لعنة،
كلّ لعنة تبلغك قعر جهنّم ... أما إنّ يونس مع أبي الخطّاب في أشدّ العذاب مقرونان، وأصحابهما إلى ذلك الشيطان مع
فرعون وآل فرعون في أشدّ العذاب ...
q.

وعن أبي حمزة البطائني قال سمعت أبا الحسن موسى «» يقول: لعن اللّه محمد بن بشير وأذاقه حرّ الحديد؛ إنّه
يكذب عليّ، برء اللّه منه، وبرئت إلى اللّه منه ... ياعليّ! ما أحد اجترء أن يتعمّد الكذب علينا إلاّ أذاقه اللّه حرّ الحديد،
وإنّ بيانا كذب على عليّ بن الحسين
«» فأذاقه اللّه حرّ الحديد، وإنّ المغيرة بن سعيد كذب على أبي جعفر«» فأذاقه
اللّه حرّ الحديد، وإنّ أبا الخطّاب كذب على أبي فأذاقه اللّه حرّ الحديد ...
q.

بعد كلّ هذا، لا يمكننا الاطمينان بكلّ حديث وصل إلينا؛ بل يجب علينا الفحص والتفتيش حتّى نحصل على الأخبار
الصادرة حقّا عنهم عليهم أفضل

p رجال الكشى:364 رقم 673.

p رجال الكشى:482 رقم 909.

[S]الصلاة والسلام.

نظريّة عدالة الصحابة:

كلّ الفرق الإسلاميّة ما عدى الفرقة المحقّة الاماميّة بادرت إلى الأخذ عن جميع الصحابة بما أنّهم صحابة من دون
تحقيق وتمحيص.

وذلك، للاعتقاد السائد عندهم المبنيّ على وثاقة وعدالة جميع الصحابة!!!

وعند الاستقراء السريع لكتب علمائهم يظهر لنا أنّ هذا الرأي أصبح جزءا لا يتجزّى من اعتقاداتهم وإن لم يكن
عندهم الدليل المتين القانع؛ بل كلّما جاؤوا به، مبنيّ على تأويلات باطلة وفهم خاطى‏ء لبعض النصوص والآيات
القرآنيّة، أو العواطف وإحساسات! فنذكر بعض ماصرّح به علماؤهم قديما وحديثا في هذا الموضوع:

قال الخطيب البغدداي: «عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللّه لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نصّ
القرآن»
q.

قال المزني: «فكلّهم ثقة مؤتمن على ما جاء به»q.

وابن حزم: «الصحابة كلّهم من أهل الجنّة قطعا»q.

وكذا عن ابن عبد البرّq وابن الأثيرq.

وإن صرّح جماعة منهم بأنّ الصحابة غير معصومين وفيهم العدول وغير العدول، كما عن السعد التفتازاني والمارزي
شارح البرهان وابن العماد الحنبلي

p الكفاية: 63 والإصابة: 1/19.

p جامع بيان العلم: 2/89.

p الإصابة: 1/19.

p الاستيعاب: 1/8.

p أسدالغابة: 1/3.

[S]والشوكانيq، ومن المتأخّرين: الشيخ محمود أبوريّة والشيخ محمد عبده والسيّد محمد بن عقيل العلوي والسيّد
محمد رشيد رضا والشيخ المقبلي والشيخ مصطفى الرافعي
q.

والقول بعدالة كلّ الصحابة مخالف لما ورد في صحاح القوم بأنّ عدّة من الأصحاب ارتدّوا بعد النبي«»، ويمنعون
عن الحوض ويجرّون إلى النار، ولا ينجوا منهم إلاّ قليل.

كما في صحيح البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال رسول اللّه«»: تحشرون حفاة عراة ـ إلى أن قال: ـ
ثمّ يؤخذ برجال من أُمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال.

فأقول: ياربّ أصحابي؟

فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك!.

فأقول: كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم: «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهيدا مادُمْتُ فيهِمْ  فَلَمّا تَوَفَّيْتَني كُنْتَ اَنْتَ الرَّقيبَ
عَلَيْهِمْ وَ اَنْتَ عَلى كُلِّ شَىْ‏ءٍ شَهيدٍ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَاِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ اِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَاِنَّكَ اَنْتَ العَزيزُ الْحَكيمُ»
q.

قال فيقال لي: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهمq.

وفي رواية اُخرى: ليردنّ عليّ ناس من أصحابي الحوض ، حتّى إذا عرفتهم

p  الرسائل العشر في الأحاديث الموضوعة في كتب أهل السنّة: 10 للمحقّق الفاضل المتتبّع السيّد علي الحسيني الميلاني نقلاً عن شرح
المقاصد للتفتازانى: 5/310 والإصابة: 1/19 والنصائح الكافية: 161 وارشاد الفضول.

p المصدر السابق ، نقلاً عن شيخ المضيرة أبو هريرة: 101 وأضواء على السنّة المحمديّة والنصائح الكافية وإعجاز القرآن.

p المائدة:  117 ـ 119.

p صحيح مسلم: 7/157 وراجع أيضا: صحيح البخاري: 4/142 و110 و5:240

[S]اختلجوا دوني. فأقول: أصحابي؟ فيقول: لا تدري ماذا أحدثوا بعدكq.

وفي روايةٍ قال النبي«»: أنا فرطكم على الحوض ليرفعنّ إليّ رجال منكم حتّى إذا أهويت لأناولهم ، اختلجوا
دوني. فأقول: أي ربّ! أصحابي؟ فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك
q. وفي رواية مسلم: ليردنّ على الحوض رجال
ممّن صاحبني ... .
q

وفي رواية اُخرى: بينما أنا قائم فإذا زمرة حتّى إذا عرفتهم ، خرج رجل من بيني وبينهم. قال: هلمّ.

قلت: أين؟ قال: إلى النار واللّه.

قلت: وما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم أي
القليل
q.

وعن سهل بن سعد قال: قال النبي«» ... ليوردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ،ثمّ يحال بيني وبينهم ... .

فأقول: إنّهم منّي. فيقال: إنّك لاتدري ما أحدثوا بعدك.

فأقول: سحقا سحقا لمن غيّر بعديq. وفي رواية مسلم: ليذادنّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضالّ.q

أصحاب العقبة الذين أرادوا قتل النبي«»

p صحيح البخاري: 7/207 و8/87 وصحيح مسلم: 7/71.

p صحيح البخاري: 8/87.

p صحيح مسلم: 7/71.


p صحيح البخاري: 7/208.

p  صحيح البخاري: 7/208 و8/87 وصحيح مسلم: 7/66.

p  صحيح مسلم: 1/150.

[S]ذكر أحمد في مسنده: حدّثنا عبد اللّه ، حدثّني أبي ، حدّثنا يزيد ، حدّثنا الوليد يعني ابن عبد اللّه بن جميع ، عن أبي
الطفيل ، قال: لمّا أقبل رسول اللّه
«» من غزوة تبوك ، أمر مناديا فنادى: أنّ رسول اللّه «»أخذ العقبة فلايأخذها
أحد.

فبينما رسول اللّه «» يقوده حذيفة ويسوق به عمّار ، إذ أقبل رهط متلّثمون على الرواحل ، غشوا عمّارا وهو يسوق
برسول اللّه
«» ، وأقبل عمّار يضرب وجوه الرواحل ، فقال رسول اللّه «»لحذيفة: قد، قد، حتّى هبط رسول اللّه
«».

فلمّا هبط رسول اللّه «» نزل ورجع عمّار فقال يا عمّار هل عرفت القوم؟ فقال: قد عرفت عامّة الرواحل والقوم
متلّثمون.

قال: هل تدري ما أرادوا؟ قال: اللّه ورسوله أعلم.

قال: أرادوا أن ينفّروا برسول اللّه «» فيطرحوه.

فساب عمّار رجلاً من أصحاب رسول اللّه «» فقال: نشدتك باللّه كم تعلم كان أصحاب العقبة؟

فقال: أربعة عشر. فقال: إن كنت فيهم ، فقد كانوا خمسة عشر.

فعدد رسول اللّه «» منهم ثلاثة ، قالوا: واللّه ما سمعنا منادي رسول اللّه«» ، وما علمنا ما أراد القوم.

فقال عمّار: أشهد أنّ الإثني عشر الباقين حرب للّه ولرسوله في الحياة ويوم يقوم الأشهادq.

وروى السيوطي في الدرّ المنثور: عن عروة قال: رجع رسول اللّه «»قافلاً من تبوك إلى المدينة ، حتّى إذا كان
ببعض الطريق مكر برسول اللّه
«»

p مسند أحمد بن حنبل: 5/527 رقم23854 (ط دار الكتب العلميّة).

[S]ناس من أصحابه فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق ـ إلى أن قال ـ : فقال النبي «» لحذيفة: هل عرفت
ياحذيفة من هؤلاء الرهط أحدا؟ قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان. وقال: كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم
متلّثمون.

فقال النبي «»: هل علمتم ما كان شأنهم وما أرادوا؟ قالوا: لا واللّه يارسول اللّه.

قال: فإنّهم مكروا ليسيروا معي حتّى إذا طلعت في العقبة طرحوني منها.

قالوا: أفلا تأمر بهم يارسول اللّه فنضرب أعناقهم؟

قال: أكره أن يتحدّث الناس ويقولوا: إنّ محمدا وضع يده في أصحابه! فسمّاهم لهما وقال: اكتماهمq.


وفيما رواه ابن كثير: أنّ عمّارا وحذيفة بن اليمان قالا: يارسول اللّه، أ فلا تأمر بقتلهم؟ فقال: «أكره أن يتحدّث الناس
أنّ محمدا يقتل أصحابه»
q

وفي صحيح مسلم ، عن حذيفة عن النبي«» قال: في أصحابي إثناعشر منافقا ، فيهم ثمانية لايدخلون الجنّة حتّى
يلج الجمل في سمّ الخياط ، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة. وأربعة لم أحفظ ما قال شعبة فيهم
q.

p الدرّ المنثور: 3/259. إصدار مكتبة آية اللّه المرعشي بقم.

p  تفسير ابن كثير: 2/322 والبداية والنهاية: 5/24. (طبعة دار إحياء التراث العربي).

p صحيح مسلم: 8/122. (ط دارالفكر) ، مسند أحمد: 4/320. (ط إحياء التراث)، البداية والنهاية لابن كثير: 5/20، (ط دارالفكر)
وص26 (ط. دار إحياء التراث العربي) ، تفسير ابن كثير: 4/123، (ط دار الفكر) ، 2/322 (ط دار القلم)، دلائل النبّوة للبيهقي: 5/261
(ط دار الكتب العلميّة) ، موسوعة أطراف الحديث: 5/584 عن المغني عن حمل الأسفار للعراقي: 4/162، إتحاف السادة المتقين للزبيدي:
9/219. ومشكاة المصابيح للتبريزي: رقم5917.

[S]وهذا حذيفة بن اليمان يقول على ما ذكره البخاري: إنّ المنافقين اليوم شرّ منهم على عهد النبي«». كانوا يومئذ
يسرّون واليوم يجهرون
q.

وقال ابن حزم: وأمّا حديث حذيفة ، فساقط ؛ لأنّه من طريق الوليد بن جميع، وهو هالك، ولانراه يعلم من وضع
الحديث ؛ فإنّه قد روى أخبارا فيها: أنّ أبابكر وعمر وعثمان  وطلحة وسعد بن أبي وقّاص  أرادوا قتل النبي
«»ولقاءه
من العقبة في تبوك، وهذا هو الكذب الموضوع الذي يطعن اللّه تعالى واضعه فسقط التعلق به والحمد للّه رب العالمين.
انتهى كلامه
q.

ومن الجدير بالذكر أنّ تضعيف ابن حزم لوليد بن جميع مخالف لما جاء في المصادر الرجاليّة لأبناء العامّة من التصريح
بتوثيقه.

كما صرّح بوثاقته العجليq وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديثq. وأورده ابن حبّان في الثقاتq.

وقد نقل الذهبي وابن أبي حاتم عن أبي عبد اللّه بن أحمد بن حنبل قال: قال أبي: ليس به بأس. وعن يحيى بن معين
أنّه قال: ثقة وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال أبو زرعة: لا بأس به
q وقال الذهبي: وثّقه أبو نعيمq.

p صحيح البخاري: 8/100.

p المحلّى: 11/224. تحقيق أحمد محمد شاكر، ط. دار الجيل ودار الآفاق الجديدة، بيروت. والمحلّى: 12/160 مسألة 2203 ط. دار
الفكر، تحقيق: الدكتور عبد الغفّار سليمان البنداري.


p تاريخ الثقات: 465 رقم 1773.

p الطبقات: 6/354.

p  كتاب الثقات: 5/492.

p الجرح والتعديل: 9/8 رقم 34 وتهذيب الكمال: 31/35.

p تاريخ الإسلام: 9/661.

وأعجب ما ورد في هذا الباب: ماذكره ابن كثير بأنّ عمر بن الخطّاب قال لحذيفة: أقسمت عليك باللّه أنا منهم؟ قال: لا. ولا أبرى‏ء بعدك
أحدا. البداية والنهاية: 5/25.

[S]

الأصحاب والاجتهاد

ومن أعظم الرزايا والخطوب التي حلّت بالامّة الإسلاميّة ماقام به البعض بتوجيه كلّ عمل من الأصحاب إذا كان
مخالفا للقرآن الكريم أو السنّة النبويّة الشريفة، متسترين بما يسمّى ب «الاجتهاد».

فأصبح سلاح «اجتهد فأخطأ» الدرع الواقي لتغطية تمرّدهم وعصيانهم لأوامر الشريعة الإسلاميّة؛ بل واجهة
لاعتذارهم في تجاوزهم علماء الآخرين.

ولم يكفهم هذا وإنّما تجرّءوا على سنّ أحكام جديدة وتحريم الواجب أو المباح.

 منها: ما قال القوشجي بعد نقل كلام الطوسي بأنّ عمر، أعطى أزواج النبيّ«» وأفرض ، ومنع فاطمة وأهل البيت
من خمسهم ، وقضى في الجدّ بمائة قضيّة ، وفضّل في القسمة والعطاء ومنع المتعتين.

واُجيب عن الوجوه الأربعة: بأنّ ذلك ليس ممّا يوجب قدحا فيه فإنّه من مخالفة المجتهد لغيره في المسائل
الاجتهاديّة
q.

وقال أيضا في قول العلاّمة، بأنّ أبا بكر أحرق الفجأة السلمي ، ولم يعرف الكلالة وميراث الجدّة :

بأنّ إحراقه الفجأة من غلطة اجتهاده ؛ فكم من مثله للمجتهدين.

وأمّا مسألة الكلالة والجدّة فليس بدعا من المجتهدين ؛ إذ يبحثون عن مدارك

p شرح تجريد العقائد: 374. (الطبعة الحجريّة من إصدارات: رضي ـ بيدار ـ عزيزي).

[S]الأحكام ويسألون من أحاط بها.

وقال في الاعتراض على أنّ أبا بكر لم يحدّ خالدا ولا اقتصّ منه لقتله مالك بن نويرة والتزويج بإمرأته في ليلته:


واُجيب عنه: بأنّا لانسلّم أنّه وجب على خالد  الحدّ والقصاص ؛ فإنّه قد قيل: إنّ خالدا إنّما قتل مالكا لأنّه تحقّق منه
الردّة وتزوّج بإمرأته في دار الحرب ؛ لأنّه من المسائل المجتهدين فيها بين أهل العلم !!! ... .

وإنكار عمر لأبي بكر لا يدلّ على قدحه في إمامة أبي بكر ولا على قصده إلى القدح فيها ؛ بل إنّما أنكر كما ينكر بعض
المجتهدين على بعض
q.

يقول ابن كثير في توجيه قتله مالك: واستمرّ أبوبكر بخالد على الإمراة وإن كان قد اجتهد في قتل مالك بن نويرة
وأخطأ
q.

وهذا ابن حجر يقول في كتابه «تطهير الجنان واللسان عن الخطور والتفوّه بثلب سيّدنا معاوية»: كان معاوية
مأجورا على اجتهاده ؛ للحديث: إنّ المجتهد اذا اجتهد فأصاب فله أجران ، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.

ومعاوية مجتهد بلاشكّ ، فإذا أخطأ في تلك الاجتهادات كان مثابا وكان غير نقص فيهq.

وفي الصواعق المحرقه لابن حجر: لا يجوز لعن يزيد ولا تكفيره ؛ فإنّه من جملة المؤمنين ، وأمره إلى مشيّة اللّه إن شاء
عذّبه ، وإن شاء عفا عنه
q.

ويقول ابن خلدون: إنّ منهم من رأى الإنكار على يزيد ومنهم من رأى

p شرح تجريد العقائد: 373.

p تاريخ ابن كثير: 6/323.

p تطهير الجنان : 15.

p الصواعق المحرقة: 221.

[S]محاربته ، ثمّ قال: هذا كان شأن جمهور المسلمين والكلّ مجتهدون ولاينكر على أحد من الفريقين ، فمقاصدهم في البرّ
وتحرّي الحقّ معروفة. وفّقنا اللّه للإقتداء بهم
q.

ويقول ابن حزم: لا خلاف بين أحد من الاُمّة في أنّ عبد الرحمان بن ملجم لم يقتل عليّا إلاّ متأوّلاً مجتهدا مقدّرا أنّه
على صواب
q.

وقال أيضا في قاتل عمّار الذي قال رسول اللّه«» تقتلك الفئة الباغيةq وقاتله في النارq: أبو الغادية متأوّل مجتهد
مخطى‏ء باغ عليه ، مأجور أجرا واحدا.

وليس هذا كقتلة عثمان ؛ لأنّه لم يقتل أحدا ولا حارب ولاقاتل ولادافع ولازنا بعد إحصان ولا ارتدّ فيسوّغ المحاربة
تأويل ؛ بل هم فسّاق محاربون سافكون دما حراما عمدا بلا تأويل على سبيل الظلم والعدوان ، فهم فسّاق ملعونون
q.


هل هذا إلاّ اتّباع الهوى «وَ مَنْ اَضَلُّ مِمَّن اِتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللّهِ» q

p مقدمة ابن خلدون: 380.

p المحلّى: 10/484.

p صحيح البخاري: 3/207، كتاب الجهاد باب مسح الغبار عن الناس في السبيل. صحيح الترمذي ج 5/333 ح 3888 ، المستدرك
للحاكم ج 2/148

موسوعة أطراف الحديث: 4/403 و 11/205 من مصادر عديدة، وكذا في الغدير:9/22، إحقاق الحق: 8/422.  بل هو من
الأحاديث  المتواترة كما اعترف ابن حجر في الاصابة ج 2/512 ط السعادة.

p دلائل النبوّة للبيهقي: 6/420.

p الفصل: 4/161. من أراد تفصيل الكلام في هذا المضمار فليراجع: مقدّمة مرآة العقول: 2/50، للمحقّق المتتبّع العلاّمة السيّد مرتضى
العسكري.

p القصص: 50.

[S]وهل هذا إلاّ إضلال عن الحقّ واتّخاذ الهوى إلها ، «اَ فَراَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ اِلهَهُ هَواهُ وَ اَضَلَّهُ اللّهُ عَلى عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى
سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى بَصِرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْديهِ مِنْ بَعْدِ اللّهِ»
q


اهتمام الأئمّة«» بالدراية

وبالمراجعة إلى أحاديث الباب يعلم اهتمام الأئمّة «» بدراية الحديث كما ورد عن أبي عبد اللّه«» قال: قال أمير
المؤمنين
«»: «عليكم بالدرايات لا بالروايات»q.

وعنه أيضا: «همّة السفهاء الرّواية وهمّة العلماء الدراية»q.

عن الصادق «»: «حديث تدريه ، خير من ألف ترويه ، ولايكون الرجل منكم فقيها حتّى يعرف معاريض
كلامنا ، وأنّ الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجها»
q.

وعن أبي جعفر «» : «يا بنيّ! اعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم. فإنّ المعرفة هي الدراية للرّواية
وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان ...»
q.

p الجاثية: 23.

p   بحارالأنوار: 2/160 ح12 و206 ح67.

p  كنز الفوائد:2/31، إرشاد القلوب:14، عدّة الداعى:76 وبحار الأنوار: 2/160 ح12.


p  بحار الأنوار: 2/184 ح5.

p   بحار الأنوار: 2/184 ح4.

[S]

عن أمير المؤمنين«» : «إذا حدّثتم بحديث فاسندوه إلى الذي حدّثكم ، فإنّ كان حقّا فلكم ، وإن كان كذبا
فعليه»
q.

سأل بعض الأصحاب من يونس بن عبد الرحمان: يا أبا محمد! ما أشّدك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه
أصحابنا فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟!

فقال: حدّثني هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد اللّه «» يقول: «لا تقبلوا علينا حديثا ، إلاّ ما وافق القرآن والسنّة أو
تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدّمة ؛ فإنّ المغيرة بن سعيد ـ لعنه اللّه ـ دسّ في كتب أصحاب أبي ، أحاديث لم
يحدّث بها أبي».

قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر«»و وجدت أصحاب أبي عبد اللّه«»
متوافرين ، فسمعت منهم وأخذت كتبهم فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا
«» فأنكر منها أحاديث كثيرة أن
تكون من أحاديث أبي عبد اللّه
«» ـ إلى أن قال«» ـ : «فإنّ مع كلّ قول منّا حقيقة وعليه نورا ، فما لا حقيقة معه ولا
نور عليه ، فذلك من قول الشيطان».
q

عن أبي عبد اللّه «»: «رواة الكتاب كثير ورعاته قليل ، فكم من مستنسخ للحديث مستغش للكتاب. والعلماء
تحزنهم الرواية»
q.

ماورد عن الأئمّة«» في توثيق الرواة وإرجاع الناس إليهم

p  الكافي: 1/42 ح7.

p  رجال الكشي: 224 رقم401.

p  بحارالأنوار: 2/206 ح98.

[S]عن الحسن بن يقطين ، قال: قلت لأبي الحسن الرضا«»: جعلت فداك! إنّي لا أكاد أصِل إليك أسألك عن كلّ ما
أحتاج إليه من معالم ديني ، أ فيونس بن عبد الرحمان ثقة آخذ عنه ما أحتاج من معالم ديني؟ فقال: «نعم»
q.

عن أحمد بن إسحاق ، عن أبي الحسن«» قال سألته وقلت: من أعامل؟ وعمّن آخذ؟ وقول من أقبل؟


فقال: «العمري ثقتي ، فما أدّى إليك عنّي ، فعنّي يؤدّي. وما قال لك عنّي ، فعنّي يقول. فاسمع له! وأطِع! فإنّه الثقة
المأمون».

قال: وسألت أبا محمد«» عن مثل ذلك؟ فقال: «العمري وابنه ثقتان ...»q.

عن مسلم بن أبي حيّة ، قال كنت عند أبي عبد اللّه«» في خدمته فلمّا أردت أن اُفارقه ودّعته وقلت له: اُحبّ أن
تزوّدني قال: «ائت أبان بن تغلب ؛ فإنّه قد سمع منّي حديثا كثيرا ، فماروى لك عنّي فاروِ عنّي»
q.

عن أبان تغلب ، قال: قال لي أبو عبد اللّه«»: «جالس أهل المدينة فإنّي أحبّ أن يروا في شيعتنا مثلك»q.

عن يونس بن عمّار ، قال: قلت لأبي عبد اللّه«»: إنّ زرارة قد روى عن أبي جعفر«» ... فقال أبو عبد اللّه«»:
«أمّا ما رواه زرارة عن أبي جعفر
«» ، فلايجوز لي ردّه»q.

عن إبراهيم بن عبد الحميد وغيره قالوا: قال أبو عبد اللّه«»: «رحم اللّه

p رجال الكشي:490 رقم935.

p وسائل الشيعة: 27/138 ح33419.

p رجال الكشي:331 رقم604.

p رجال الكشي:330 رقم603.

p رجال الكشي:133 رقم211.

[S]زرارة بن أعين ، لولا زرارة بن أعين ، لولا زرارة ونظراؤه ، لاندرست أحاديث أبي«»»q.

عن سليمان بن خالد الأقطع ، قال سمعت أبا عبد اللّه«» يقول: «ما أحد أحيا ذكرنا وأحاديث أبي«» إلاّ زرارة
وأبو بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي ، ولولا هؤلاء ، ماكان أحد يستنبط هذا.

هؤلاء حفّاظ الدين وأمناء أبي«» على حلال اللّه وحرامه ، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في
الآخرة»
q.

عن المفضّل بن عمر ، قال سمعت أباعبد اللّه«» ... قال للفيض بن المختار: «... فإذا أردت بحديثنا ، فعليك بهذا
الجالس!» وأومأ إلى رجل من أصحابه. فسألت أصحابنا عنه ، فقالوا: زرارة بن أعين
q.

 


 

p رجال الكشي:136 رقم217.

p  رجال الكشي:136 رقم219.

p رجال الكشي:135 رقم216.

[S]

عرض الكتب على المعصومين «» وثناؤهم على مؤلّفيها

 

عن أبي جعفر الجعفري قال: أدخلت كتاب يوم وليلة الذي ألّفه يونس بن عبد الرحمان ، على أبي الحسن
العسكري
«» فنظر فيه وتصفّحه كلّه ؛ ثمّ قال: «هذا ديني ودين آبائي وهو الحقّ كلّه»q.

عن أحمد بن أبي خلف ، ظئر أبي جعفر«» قال: كنت مريضا فدخل عليّ أبو جعفر«» يعودني في مرضي ؛ فإذا عند
رأسي كتاب يوم وليلة ، فجعل يتصفّحه ورقة ورقة ، حتّى أتى عليه من أوّله إلى آخره وجعل يقول: «رحم اللّه يونس ،
رحم اللّه يونس ، رحم اللّه يونس»
q.

قال الشيخ الطوسي في ترجمة عبيد اللّه بن علي الحلبي: له كتاب مصنّف معمول عليه. وقيل: إنّه عرض على
الصادق
«» فلمّا رآه ، استحسنه وقال: «ليس لهؤلاء (يعني المخالفين) مثله»q.

عن أبي محمد الفضل بن شاذان ... دخل على أبي محمد«» فلمّا أراد أن يخرج ، سقط منه كتاب في حضنه ، ملفوف في
رداء له ، فتناوله أبو محمد
«»ونظر فيه، وكان الكتاب من تصنيف الفضل، وترحّم عليه وذكر أنّه قال: «أغبط أهل
خراسان بمكان الفضل بن شاذان وكونه بين أظهرهم»
q.


 

p رجال الكشي:484 رقم915.

p رجال الكشّي:484 رقم913.

p الفهرست: 106 رقم455.

p رجال الكشي:542 رقم1027.

[S]

فضل الدراية عند العلماء

 

قال الشهيد الثاني«» : وأمّا علم الحديث فهو من أجلّ العلوم قدرا وأعلاها رتبة وأعظمها مثوبة بعد القرآن ...
وهو ضربان: رواية ودراية ... والثاني وهوالمراد بعلم الحديث عند الإطلاق ، وهو علم يعرف به معاني ما ذكر ومتنه
وطرقه وصحيحه وسقيمه وما يحتاج إليه من شروط الرواية ، وأصناف المرويّات ، ليعرف المقبول منه والمردود ، ليعمل
به ، أو يجتنب. وهو أفضل العلمين ؛ فإنّ الغرض الذاتي منهما هوالعمل ، والدراية هي السبب القريب له
q.

قال المحدّث النوري«» : اعلم أنّ علم الحديث علم شريف ؛ بل هو أشرف العلوم ؛ فإنّ غايته الفوز بالسعادة
الأبديّة والتحلّي بالسنن النبويّة ، والآداب العلويّة ، وبه يدرك الفوز بالمعارف الحقّة ما لا يدرك من غيره.

ومنه يتبيّن الحلال والحرام ، والفرائض والسنن ، وطرق تهذيب النفس وصفاتهاq.

قال صاحب المعالم«» : إنّ إعطاء الحديث حقّه من الرّواية والدّراية ، أمر مهمّ لمن أراد التفقّه في الدّين ... وقد كان
للسّلف الصالح رضوان اللّه عليهم ، مزيد اعتناء بشأنه وشدّة اهتمام بروايته وعرفانه ... ، ثمّ خلف من بعدهم خلف ،
أضاعوا حقّه وجهلوا قدره ، فاقتصروا من روايته على أدنى مراتبها وألقوا حبل درايته على غاربها
q.

p   منيه‏المريد: 191.

p   مستدرك‏الوسائل:3/875.

p  بحارالأنوار: 109/3.

[S]قال المحقّق النوري«»: وأمّا قول صاحب المعالم «ثمّ خلف من بعدهم» فلَعَمْري أنّه لو كان في عصرنا لأقام على
الحديث المآتم وبكى عليه بكاء الثكلى ؛ فإنّ أهله ألقوا حبل أدنى مراتب الرواية أيضا على غاربها...
q.

قال المحقّق التقي المجلسي: ومن غرائب عصرنا هذا ، أنّ القاصرين عن تعريف القوانين والاُصول ، سويعات من
العمر يشتغلون بالتحصيل وذلك أيضا لا على شرائط السلوك ولا من جواد السبيل ، ثمّ يعدون الحدّ ويتّجرون في الدين
فاذا تفحّصوا وريقات قد استحشوها وهم غير متمهّرين في سبيل علمها ومسلك معرفتها ، ولم يظفروا بالمقصود منها ،
بزعمهم استحلّوا الطعن في الأسانيد والحكم على الأحاديث بالضعف ، فترى كتبهم وفيها في مقابلة سند سند ، على
الهامش: ضعيف ، ضعيف. وأكثرها غير مطابق للواقع».

قال المحدّث النوري بعد نقل كلامه هذا: ولقد أجاد في بيانه وصدق في طعنه على المنخرطين بزعمهم في سلك أقرانه.
ولعمري ما فعلوا بكتب الأحاديث رزيّة جليلة ومصيبة عظيمة ينبغي الاسترجاع عند ذكرها، وأعجب منهم الذين
جاؤوا من بعدهم وتابعوهم بغير إحسان ولم يصرفوا قليلاً من عمرهم في التفحّص عن مقالاتهم والتجسّس عن صحّة
تضعيفاتهم ، فصدّقوهم قولاً وعملاً وأوقعوا في بنيان آثار الأطهار وأحاديث الأبرار ـ وهو أساس الدين ـ خللاً من
غير داع في أكثر الموارد...
q.

عن والد شيخنا البهائي«» : اعلم أنّ علم الحديث علم شريف جليل ... من

p   مستدرك الوسائل:3/876.

 

p  مستدرك الوسائل: 3/771.

[S]حرمه حرم خيرا عظيما ومن رزقه رزق فضلاً جسيماq.

قال السيّد الكاظمي الأعرجي: لمّا كان معرفة مقامات الرجال ممّا يدور عليه قبول الأخبار وردّها وخاصّة في
التراجيح ، وجب الفحص عنهم ، كيف لا؟! ونحن إنّما نتناول معالم الدين منهم
q.

منهج التحقيق

 

بما أنّ النسخة المطبوعة كانت كثيرة الأغلاط؛ لذا اعتمدنا في تصحيح المتن على النسخة التي كتبها المؤلّف«» بخطّه
الشريف.

لم نغيّر في المتن إلاّ ما حصل لنا القطع بأنّه وقع سهوا من قلمه الشريف كما في كتابة الآيات القرآنيّة الكريمة.

وأمّا إذا كان في نقل الأحاديث أو كلمات العلماء اختلاف عمّا عليه في المصادر، أثبتناه كما هو؛ احتمالاً لموافقته مع ما
عند المؤلّف من النسخ وأشرنا إليه في الهامش.

وكلّ ما ورد في الكتاب من الرموز التي تشير إلى أسماء الكتب الرجاليّة كما هو المتعارف في كتابتها مثل: «جش» ،
«كش» ، «صه» و ... ، بدّلناها إلى الأسماء الصريحة لها. أي: «رجال النجاشي» ، «رجال الكشي» ، «خلاصة الأقوال» و
... .

وكذا بقيّة الرموز المذكورة في الكتاب مثل: «جخ» و «ق» و «ظم» و ... بدلّنا

p   وصول الأخيار:121.

p  عدّة الرجال: 1/43.

[S]ب «رجال الشيخ» و «رجال الشيخ أصحاب الصادق«»» و «رجال الشيخ أصحاب الكاظم«»» و ... و كلّ
ذلك تسهيلاً على القارئ الكريم.

إلاّ فيما ينقل المؤلّف ـ طاب ثراه ـ كلام أحد العلماء لغرض المناقشة فيما ذكره من الرموز، أثبتناها كما هي.

وإذا رأينا من اللازم التعليق على ماجاء في المتن ـ حسب ما بلغه نظرنا القاصر ـ ذكرناه في الهامش.

وفي الختام اُقدّم شكري الجزيل لشيخنا الاُستاذ سماحة آية اللّه الخزعلي، لإشرافه على المؤسّسة ولمراجعته هذا
الكتاب من أوّله إلى آخره وتصحيح ماوقع فيه من الأغلاط. فجزاه اللّه أفضل الجزاء.

وكذا أُقدّم الشكر وأرجو الجزاء الخير، لسماحة آية اللّه المرتضى المقتدائي، حيث كان اقتراح تحقيق هذا السفر القيّم
من جانبه إذ نقل حين حضوره في المؤسسّة عن بعض الأجلاّء المعاصرين بأنّه قال: مارأيته في علم الرجال كتابا في
البسط والتعمّق العلمي بمستوى كتاب «سماء المقال»، هذا مع اختصاره يحتوي نكاتا لا يوجد في الكتب المفصلّة؛ وهو
بمنزلة كتاب «جواهر الكلام» في الرجال؛ ولكن مع ذلك، مشتمل على أغلاط كثيرة، ينبغي طبعه باسلوب جيّد و خال
عن الأغلاط.

وبعد هذا الاقتراح، شرعنا في تصحيحه وتحقيقه حسب الوسع والحاجة، ونرجو من أساتذتنا وإخواننا أن يعفوا
علينا ما فيه من القصور ويعلمونا ما شاهدوا فيه من الإشكال، حتّى نراعي ذلك في الطبعات الأخيرة.

وأشكر من إخواننا الذين ساعدونا في المقابلة على النسخة المخطوطة واستخراج بعض مصادره وتقويم نصّه ولاسيّما
من الفاضل الأستاد، أحمد

[S]مسجدجامعى، القائم مقام وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي؛ لمساعدته في التحقيق والطبع والنشر.

ونرجوا من الربّ الرحمن الرحيم أن يغفر لنا ذنوبنا، ويبدلّ سيّئاتنا بأضعافها من الحسنات، ويشفّع لنا العترة
الطاهرة يوم الحساب، ويجعل لنا هذه البضاعة المزجاة ذخرا ليوم المعاد.


وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

قم المقدّسة ـ مؤسّسة وليّ العصر للدراسات الإسلاميّة.

السيّد محمد الحسيني القزويني ـ جمادي الأولى 1419.


 

[S]



 

كلمة عن حياة المصنّف «»



بقلم ولده العالم الكامل الأريب و
الفاضل البارع الأديب سماحة آية اللّه
الميرزا محمد الكلباسي الإصفهاني
دام ظلّه


 

[S]

بسمه تعالى

والصلوة والسلام على محمد وآله

أمّا بعد ، فهذه كلمة موجزة كتبتها لسؤال بعض إخواني الأفاضل في الإعراب
عن أحوال الوالد المصنّف حجّة الإسلام ومولى الأنام ، العالم العلم المتتبّع ،
والفاضل الكامل المحقّق ، آية اللّه العظمى الحاج ميرزا أبوالهدى الملقّب بكمال
الدين ، ابن العالم العلاّمة ، والمحقّق المدقّق الفهّامة ، الآقا ميرزا أبو المعالي
q ، محمد
بن قطب الشريعة ، وركن الشيعة ، وفقيه أهل البيت في عصره وأوانه ، ومفتي
الإماميّة في دهره آية العظمى الحاج محمد بن إبراهيم
q بن العالم الورع المؤمن ،
الحاج محمد حسن الخراساني أعلى اللّه تعالى مقامهم.

p   كان تولّده في الليلة السابعة من شهر شعبان المعظّم ، ليلة الأربعاء قبل طلوع الفجر
بساعة تقريباً سنة 1247 ، وتوفّي بعد طلوع الفجر بدقائق من يوم الأربعاء السابع والعشرين
من شهر صفر سنة 1315.

كذا في البدر التمام ص 20 و31. ودفن في مقبرته المعروفة باسمه في تخت فولاد بإصفهان.

p   ولد في اليوم التاسع عشر من شهر ربيع الثاني سنة 1180 ، وتوفّي في الساعة الرابعة
من ليلة الخميس ثامن شهر جمادى الاُولى سنة 1261 ، ودفن في ليلة الجمعة في مقبرة بناها
قبل وفاته بسنة في مقابل المسجد المعروف بمسجد الحكيم بإصفهان كما في البدر التمام أيضا ص
16.

[S]فلنذكر ذلك في ضمن اُمور:

1 ـ ولادته:

لم أعثر على تاريخ ولادة الوالد المحقّق في موضع من المواضع ؛ بل ذكر نفسه أنّ
والده العلاّمة لم يكن يهتمّ بضبط مثل هذه الاُمور.


2 ـ أساتيده:

كان عمدة تحصيله«» بإصفهان عند والده ، فلمّا مات تشرّف بالنجف
الأشرف وحضر عالى مجلس المحقّق الخراساني صاحب الكفاية، و قد أدرك
الدورتين الأخيرتين من تدريسه لهذا الكتاب ، كما يظهر من تاريخ حواشيه
عليه؛ والمدقّق الطباطبائي صاحب العروة ، سنين عديدة حتّى برع على أقرانه
و فاق على أترابه ، ثمّ عاد إلى إصفهان فكان إليه تشدّ الرحال للاستفادة من
محضره الشريف ومجلسه المنيف.

3 ـ تدريسه:

كان والدي يدرّس في الفقه والاُصول قبل تشرفّه بالنجف الأشرف وبعد
رجوعه عنه فيهما ، وفي الرجال والدراية ، وكان معظم تدريسه في هذه الأواخر
في فنّ الرجال من كتابه هذا «سماء المقال» بحيث قد جعله مطرح النظر ومورد
البحث والتحقيق مرّات عديدة.

4 ـ تفرّده في فنّ الرجال والدراية:

أمره«» في الاعتناء بشأن هذا الفنّ الشريف أشهر من أن يذكر وأجلى من
أن يسطر.

وقد وصفه خرّيت الصناعة ، علاّمة عصره وفهّامة دهره ، حجّة الإسلام:
السيّد أبو محمد الحسن صدر الدين الكاظمي
«» في إجازته المفصّلة له«»
بقوله: «... وهو من أفضل علماء الدارية وفقهاء الأحكام والهداية ...».

وكان سبب إقباله بشأن هذا الفنّ واعتنائه بتدريسه والتصنيف فيه ما رآه من

[S]مهجوريّة هذا الفنّ ذالك العصر ، وقلّة اعتناء معاصريه به ، كما يظهر من
كتابه «البدر التمام ص 45» فتلمّذ
q فيه على والده وباحث وصنّف وألّف وحقّقه
تحقيقا لا مزيد عليه» وبلغ فيه بما هو فوق المراد كفى بذلك دليلاً «سماء المقال»
هذا وغيره من تصانيفه المنيفة.

5 ـ مشايخه في الرواية:


استجاز والدي«» من جماعة من أكابر علماء عصره وفقهاء دهره ، أفضلهم
وأعلمهم وأكملهم: اُستاد الفقهاء والمجتهدين حجّة الإسلام والمسلمين آية اللّه
الميرزا محمد هاشم الموسوي الخوانساري ، الشهير ب «چهار سوقي» المتوفّى سنة
1318 ، فأجازه إجازة عامّة لجميع مرويّاته وتآليفه. أدرجه الُمجاز المرحوم في
«البدر التمام ص45».

ويروي أيضاً عن سيّد المشايخ العظام حجّة الإسلام والمسلمين السيّد أبي
محمد ، الحسن صدر الدين الكاظمي
«» بإجازة مفصّلة.

وعن العالم الكامل الحكيم المتألّه الاُصولي الفقيه ، المرحوم الحاج ملاّ على
محمد النجفي ، النجف آبادي الأصل ، الراوي عن صاحب «بدائع الأفكار» عن
صاحب الجواهر.

6 ـ الراوون عنه الأخبار:

يروي عن الوالد المحقّق«» عدّة من الأفاضل والأعلام.

منهم: العالم العلاّمة ، حجّة الإسلام سيّدنا السيّد شهاب الدين المرعشي
النجفي
«».

ومنهم: العالم الفاضل ، السيّد حسن الخراساني.

ومنهم: الفاضل الكامل البارع ، الشيخ عبد الحسين الكرّوسي«».

وليعلم أنّ صورة هذه الإجازات الشريفة مندرجة في كتاب «رياض

p  هكذا في الأصل والصحيح «تتلمذ» لأنّه من باب «تدحرج» لا من باب «تصرّف».

[S]الأبرار» الذي هو مستدرك إجازات البحار لبعض الأفاضل المعاصرين.

7 ـ مصنّفاته:

له«» مصنّفات كثيرة وحواشي عديدة على عدّة من الكتب، وهي بين فقه
واُصول ورجال وإجازات وغيرها.

فنذكر أسماء جلّها:

1 ـ «التحفة إلى سلالة النبّوة» وهي إجازة لسيّدنا النسّابة المعاصر المشار

إلى جنابه
«».

2 ـ «إجازة الرواية» كتبها للشيخ العالم الفاضل المتبحّر ، الشيخ عبد الحسين
الكرّوسي
«». فرغ منه في 20 شوّال 1338.

3 ـ البدر التمام والبحر الطمطام في أحوال الحبرين النحريرين والبحرين
السفسيرين:
يعني بهما والده وجدّه الآيتين الحجّتين أعلى اللّه مقامهما.

فرغ منه في شهر رجب 1317 ، وطبع ملحقاً بالرسائل الاُصوليّة لوالده
الجليل.

4 ـ الحاشية على كفاية الاُصول: من بدايتها إلى النهاية ، شرع فيها في ليلة
الإثنين ، 27 محرّم 1326 ، وفرغ منها في ليلة الثلاثاء ، 18 رجب 1329.

5 ـ الدرّ الثمين في جملة من المصنّفات والمصنّفين: رتّبه على ثمانية أبواب،
وذكر بعض خصوصيّاته في «البدر التمام ص 45».

ويلاحظ ذلك في «الذريعة ، ج 8 ، ص 63».

6 ـ الدرّة البيضاء في إجازة الرواية عن الأمناء: وهي إجازة مفصّلة كتبها
للعالم الفاضل السيّد حسن خراساني
«» فرغ منه في ليلة الأثنين 16 جمادي
الأولى 1332.

7 ـ زلاّت الأقدام:  في التنبيه على الاشتباهات الواقعة للعلماء في المطالب
الرجاليّة، ذكره بعض الفضلاء المعاصرين في رسالته المعمولة في «قرب الإسناد

[S]ص 10».

8 ـ سماء المقال في تحقيق علم الرجال: وهو هذا الكتاب الذي بين أيدينا،
شرع في تأليفة في العشر الأوّل أو الثاني من المائة الثالثة بعد الألف، وفرغ منه في
النجف في 12 جمادى الثانية 1340 ، ولقد أتعب نفسه الشريفة في تأليف هذا
الكتاب النفيس طول ثلاثين سنة. فجزاه اللّه تعالى خير جزاء المحسنين وقد
استنسخ عنه من نسخة الأصل الموجودة عندي قبل الطبع عدّة من الأفاضل
الأماجد العارفين بشأنه حتّى وفّقنا اللّه تعالى لطبعه وإخراجه بحلّة قشيبة.


وكان الوالد المصنّف ـ أعلى اللّه مقامه ـ كثيراما يقول لي: اللّه تعالى يعلم ما
تحملّت من المشاقّ في تأليف هذا الكتاب، ألا وهو نتيجة عمري وثمرة حياتي.

9 ـ الفوائد الرجاليّة: تشتمل على ثلاثين فائدة في الرجال والدراية ، ذكره في
«تاريخ گويندگان إسلام ج 1 ص 54».

10 ـ كتاب في الفقه: يشير إليه في مطاوي سماء المقال.

وقد ذكر«» في «البدر التمام ص 45» في أحوال نفسه: أنّه كتب بفضل اللّه
سبحانه مجلّدات في الفقه والاُصول والرجال.

والإنصاف أنّ ما كتب في علم الرجال المهجور في غالب الأعصار من نظائر
ما سمح به أنظار الفحول في هذا المضمار ... انتهى.

8 ـ زهده وتقواه: كان«» في عليا مرتبة من مراتب الزهد والورع، بحيث
يضرب به المثل وكان ثاني والده وثالث جدّه ورابع جدّه الأعلى في هذه المراتب
والمقامات العالية ، فكم وقع له من مكاشفات واُمور غريبة لايتّفق إلاّ لأوحديّ
من الخواصّ.

ومن أراد الوقوف على ترجمته المفصّلة ، فليرجع إلى محالها: «ريحانة الأدب
ج 5» و«نقباء البشر في القرن الرابع عشر ج 2» و«مختصر مكارم الآثار»

[S]و«مقالات مبسوطة» و«مقامات معنوي»q و«البدر التمام» إلى غير ذلك
من التراجم.

9 ـ وفاته: توفّي ـ أعلى اللّه مقامه ـ في النصف من ليلة الثلاثاء السابع
والعشرين من ربيع الثاني سنة 1356 ، ودفن بجنب والده المرحوم في المقبرة
المعروفة الواقعة في تخت فولاد بإصفهان.

 محمد بن أبي الهدى الكلباسي


 

p  كتاب «المقالات المبسوطة في أعيان دولة المشروطة» و«المقامات المعنويّة في أعيان
الدورة الفهلويّة» ، للشيخ محمد علي بن زين العابدين الحبيب آبادي الاصفهاني المولود سنة
1308. الذريعة: 21/393.

[S]


 

مقدّمة ولد المؤلّف سماحة آية اللّه الميرزا محمد

الكلباسي الإصفهاني دام ظلّه أيضا، للطبعة الثانية للكتاب

 بسمه تعالى

لمّا انتقلت من إصفهان إلى قم المقدّسة ؛ لإدامة التحصيل، عزمت على طبع
كتاب أبي: أبي الهدى المسمّى ب «سماء المقال في تحقيق علم الرجال»، وجهدت في
ذلك كمال الجهد والمواظبه، وتحمّلت مشاقّا عظيمة في طريق طبعه ؛ لعدم حصول
أسبابه لي في ذلك الزمان.

ولكن الكلام الذي سمعته من أبي حيث يقول مشيرا إلى كتابه: «ويعرف
الرجال بالرجال»
، هو الذي كان يزيد من عزمي وإرادتي لتحقيق ما أصبو إليه
وأبغيه في نشر الكتاب المذكور.

فبحمد اللّه وفّقت لطبعه، فوقع مورد التوجّه لأنظار العلماء والمراجع العظام ؛
حتّى قال لي آية اللّه العظمى السيّد عبدالهادي الشيرازي ـ أعلى اللّه مقامه
الشريف ـ :

«إنّ أباك أخرج الرجال من قضيّة النقل والحكاية إلى موضع التحقيق
والدراية ؛ لأنّه في ثبوت عدالة الراوي أو عدمها واختلاف علماء الرجال فيها
يبحث كالفقيه الماهر المتتبّع في إثبات نظره وما هو الحقّ فيه عنده».

ولكن لمّا كانت الطبعة الاُولى منه غير جيّدة؛ لرداءة الورق ولوجود الأخطاء
فيها، رأيت من المناسب أن أسعى مرّة اخرى لإعادة طبع الكتاب بحلّة جديدة.

ولقد منّ اللّه علينا بلطفه وكرمه فهيّأ الأرضيّة المساعدة لتحقيقه واستخراج
مصادره.

[S]وقال لي المحقّق الفاضل السيّد محمد الحسينى الذي تصدّى لهذا العمل القيّم ـ
فجزاه عن الإسلام خير الجزاء ـ : إنّ المصنّف استفاد من كتب يلزم لنا أن نراجع
الجوامع المتعدّة، لنقدر على الاطّلاع على مآخذها، ومع ذلك لم نظفر على بعضها

ونتعجّب كمال التعجّب كيف ظفر
«» على هذه الكتب ونقل عنها مع قلّة الوسائل
في زمانه وعدم وجود هذه المجامع في عصره.

وقال آية اللّه البروجردي«»: إنّي كنت أتلمّذ أبحاثا من فرائد الشيخ عنده ؛
ولكن لمّا وردت النجف الأشرف لتحصيل العلم كنت أحضر مجلس درس
الآخوند الخراساني، وكنت مقرّرا لدرسه بعد فراغه منه وكان ذلك مرسوما
هناك وإذا رأيته أنّه حضر جلسة تقريري ، فعلمت أنّه عالم ربّانيّ خالٍ من
الهوى، وإلاّ لما كان يحضر عادةً هذا المجلس ؛ لأنّي كنت تلميذا معه في السابق
لأبيه.

وقال: كان ـ رحمه اللّه ـ في منتهى درجة الزهد والتقوى، وكان يشتهر عند
الناس مع أخيه آية اللّه جمال الدين ب «سلمان» و«أبي ذر». انتهى.

وكان في الليالي في أوّل وقت المغرب يشتغل لفريضة المغرب حتّى كنت عنده
في آخر يوم قريبا من المغرب ، فإذا دُقّ الباب ، فقال رحمه اللّه: «أخبركم بأنّ
هذا الذي يدقّ الباب أحمق ؛ لأنّه ترك صلاة المغرب وأتى هنا».

وكان بعد الفريضة مشتغلاً بالذكر والدعاء والسجود إلى ثلاث ساعات ، ثمّ
يقوم من مكانه ويشتغل بالمطالعة ساعتين، ثمّ يأتي بعد ذلك لصرف مختصر من
الغداء ، وكان بيته ـ حين العبادة خاصّة ـ مضيئاً بنور ضعيف كمال الضعف.

ولقد كتب في ابتداء كتاب له للدعاء ـ وهو الآن موجود عندي بخطّه الشريف
ـ : إنّي سمعت في بعض أحوال اشتغالي للذكر والدعاء من وراء عالم الغيب
«وليستعدّ الإنسان لطريق الرحمن».

وكنت ليلة من الشتاء حاضرا في بيته وكان متّكئا على الوسادة مع ضعفه ،
فاذا رأيته جلس مسرورا من غير ضعف ، وقال: «إنّي بعد صلاة المغرب

[S]احتجت إلى التطهير وتحصيل الوضوء وغلبني الضعف فكنت استرحت ،
فمضى زمان ولم أصلّ صلاة العشاء فسمعت صوتا واضحا صريحا:

«كسيكه موعود به جنّات عدن است نبايد در نماز مساهله نمايد».


وقد نقل لي هذا المطلب وكان في كمال الشعف والسرور، وكيف لا يكون
كذالك مع استماعه هذا الكلام  رحمه اللّه؟!

تأخّر يوما من الأيّام رجوعه إلى المنزل من الدرس، فذهبت إليه ولمّا كان
مسيره في طريق المسجد المسمّى ب «مسجد حكيم» دخلت فيه ولم يكن فيه ضوء
ولا سراج، إذ رأيته في زاوية من زواياه و في مكان الخلوة مشغولاً بالذكر
والدعاء في حالة مخصوصة ، كما كان دأبه ذلك في أكثر أوقات الليل في المنزل ،
بحيث تجذب هذه الحالة كلّ ناظر.

والعجب جذبها لي وأنا كنت طفلاً صغيرا، ولذا يقال: حسن عمل الوالد
والوالدة في المنزل يؤثّر كمال التأثير في الأولاد ، وهذا كلام تامّ لا ريب فيه.

وقال آية اللّه البروجردي«»: «كنت أتلمّذ مدّة عند أبيه المرحوم الميزرا
أبي المعالي ـ طاب ثراه ـ وكان ذلك عند عنفوان شبابي وعند شيبه ، فأردت
يوما منزله للتدرّس ، فلمّا دققت الباب ، حضر شخصه لفتح الباب، فلمّا قربت
الباب قال: ادخل الدار ، وأراد أن يقدّمني على نفسه فأبيت ولكنّه بالغ وأصرّ
كمال الإصرار على ذلك ، فقال: يلزم احترام السادات.

وتذكرت إلى ما نقل لى من الشيخ صاحب الفرائد«» حين اخبر بحضور
سلطان عصره في منزله ، لم يؤثّر هذا الخبر أثرا في نفسه.

فحضر السلطان عنده واُخبر أنّه يحضر أيضا سيّد من السادات بملاقاته.

فقال من كان مصاحبا للشيخ«»: أثّر ذلك الخبر فيه تأثيرا شديدا.

فقلنا له: لم يؤثّر في نفسك حضور السلطان شيئاً كما في حضور هذا السيّد؟
فقال: العظمة والمقام للسادات.


 

[S]

 

 

مقدمّة المؤلّف«»




 

[S]


 

[S]



 بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه الذي ثواقب الفطن عن اكتناه ذاته حاسرة ، ونواقب الفكر عن
إدراك أوصافه حاصرة ، وطوامح العقول عن الاستبار في معرفته قاصرة ،
وشواهق الأوهام في فيفاء نعوته حائرة ، والصلوة والسلام على من خلق
لوجوده السبعة السائرة ، وبرع على نظرائه براعة الشمس على النجوم الزاهرة ،
وعلى آله الذين هم ذوو الأعراق الفاخرة ، والأخلاق الطاهرة ، من الآن إلى
يوم فيه وجوه ناضرة ، واُخرى مكفهرّة باسرة.

أمّا بعد: فيقول العبد المستسلم لقائد الأمل والمنى ، ابن أبي المعالي ابن محمد
إبراهيم ، أبو الهدى ، نجّاه اللّه تعالى بسوابغ نعمه من مرديات الهوى:

إنّه لا ريب في شدّة الاحتياج إلى معرفة الرجال، بناءً على ما هو المشهور بين
الأجلّة من لزوم نقد أسانيد الكتب الأربعة ؛ بل بناءً على عدمه أيضاً في غير

[S]مورد ، كما هو غير ستير على المهرة.

فلذلك شمرت لنقد شطر من خلاصة نفائس فوائده وكشف الأستار عن
وجوه خرائده ، وصرفت برهة من الزمان في تشييد أركان هذا البنيان ، وصنّفت
هذا الكتاب الذي لم ير مثله في كتب الأصحاب ، فسرِّح بريد نظرك في مطاويه ،
واغتنم درر الفوائد من ظاهره وخافيه.

وسمّيته ب «سماء المقال في تحقيق علم الرجال» ورتّبته على أركان أربعة:


فنقول مستعيناً باللّه:

إنّ الكلام في المقام يتأتّي:

تارةً: في المعرِّفين ، وهم المشايخ المتقدّمون الذين يحتجّ بكلماتهم في مقام
الجرح والتعديل وغيرهما ، كالكشّي وابن الغصائري والنجاشي وغيرهم من
أضرابهم ، فقد وقع الخلاف فيهم تارةً: في تعيين شخصهم. واُخرى: في تحقيق
حالهم. وثالثةً: في اعتبار قولهم.

أمّا في الجرح خاصّة كابن الغضائري ، أو في التعديل خاصّة كما في العلاّمة
عند بعض، أو فيهما كما في غيرهما عند آخر.

واُخرى: في المعرَّفين ، وهم رواة الأخبار، وهم على أقسام؛ فإنّهم إمّا ممّن
ظهر شخصه و وصفه ، أو شخصه دون وصفه ، أو وصفه دون شخصه ، أو ممّن
لم‏يظهر شيء منهما.

ولا بحث في الأوّل؛ لظهور كلّ من الأمرين على ما هو المفروض ، كما
لاجدوى في البحث عن الثالث ؛ لأنّ المهمّ من البحث إنّما هو لكشف الأحوال ،
فإذا فرض الانكشاف ولو على سبيل الإجمال بحسب المصداق ، فلا وجه للبحث
عن التعيين.

[S]ومنه ما ذكره شيخنا الشهيد في الدراية في شرح الدراية ، عند الكلام‏المتّفق
والمفترق ، كرواية الشيخ ومن سبقه من المشايخ عن أحمد بن محمد.

فإنّ هذا الاسم مشترك بين جماعة ويتميّز عند الإطلاق بقرائن الزمان،
ويحتاج ذلك إلى فضل قوّة واطّلاع على الرجال ومراتبهم ؛ ولكنّه مع الجهل
لا يضرّ؛ لأنّ جميعهم ثقات. (انتهى).

فينحصر البحث في القسمين الآخرين:

أحدهما: من اشتبه شخصه وحاله ، وقد اشتهر التعبير عنه في كلماتهم ب «تمييز

المشتركات».

والآخر: من اشتبه حاله دون شخصه ، وقد عبّرنا عنه ب «نقد المشتبهات».

وثالثة: فيما به يعرف الرجال، وهو الألفاظ المتداولة في ألسنة أرباب الرجال
في التراجم ، في مقام الجرح والتعديل والتوهين والتجليل وغيرها.

ورابعة: في نبذة من المطالب المهمّة ، فيقع الكلام على ما سمعت في أركان
أربعة.

[S]

 


 

               

 

 

 

 

 

الركن الأوّل

 

فيالمعرِّفين

 

 

المقصد الأوّل

 

في العالم الجليل والفاضل النبيل ، الحامي

في طريق ربّه الباري

الشيخ الشهير ب «ابن الغضائري»

 

 

 


 


 

 

 

 

 

الركن الأوّل

 

فيالمعرِّفين

 

وفيه مقاصد:

المقصد الأوّل

 

فيالعالم الجليل والفاضل النبيل ، الحامي في طريق ربّه الباري

الشيخ الشهير ب «ابن الغضائري»

 

مقدمّة:

الظاهر أ نّه كان له كتابان في الرجال ، كما صرّح به شيخ الطائفة في صدر
الفهرست
[1] ، والعلاّمة في غير واحد من التراجم[2] في الخلاصة[3].


وامّا ما ينصرح من الفاضل العناية[4] في المجمع ، من التثليث ، فيما ذكر:

«من أ نّه صاحب كتاب الرجال الموضوع لذكر المذمومين ، وصاحب
كتابين آخرين»
[5].

فالظاهر أنّ المستند للأوّل ، ما اشتهر عنه من التضعيفات المقتضية لما ذكره ،
وللأخيرين ، ما ينصرح من الفهرس: «من أنّ الكتابين موضوع أحدهما: لذكر
المصنّفات ، والآخر: لها مضافا إلى الأصول» ، فالظاهر مغايرتهما له.

ويضعف ـ بعد تسليم الظهور المزبور ، مع عدم اقتضاء المقام أزيد من ذلك
في التوصيف ـ ظواهر إفادات العلاّمة في غير مورد في الخلاف ، وكون
أحدهما في المذمومين
[6] ؛ بل صرّح الفاضل الخاجوئى¨ رحمه‏الله[7]: «بأنّ الكتابين

المذكورين أحدهما: في الممدوحين ، والآخر: فيالمذمومين»
[8].

ولكنّه لايخلو من كلام أيضا.

وبالجملة: الظاهر أ نّه كانت عمدة الغرض من التصنيف ذكرالضعفاء ، واشتهر
ذكر تضعيفاته الوافرة من العلاّمة في الخلاصة ؛ وإلاّ فلم نقف على هذين
الكتابين ، كما لم يقف عليهما غير واحد من أرباب الرجال ؛ فضلاً عن غيرهم.

نعم ، إنّه يظهر ممّا عزم السيّد السند ، ابن طاووس[9] على أن يجمع أسماء
الرجال المصنّفين وغيرهم في كتابه من كتبٍ خمسة ـ كما سيأتي ـ إن شاء اللّه
تفصيله ـ وكان منها: كتاب ابن الغضائري ، أنّه كان موجودا عنده.

كما هو الظاهر من الفاضل العناية أيضا ، على ما يظهر من كلامه في مفضّل
بن عمر وغيره ؛ فإنّه وإن ذُكر كلام ابن الغضائري في الخلاصة
[10] ، إلاّ أ نّه

لم ينسبه إليه وذكره في المجمع ناسبا إليه
[11] ، والمنسوب موجود في الأصل.

وكذا الفاضل التستري[12] في إنتزاعه خاصّة من مجمع الخمس على ماذكره
العلاّمة المجلسي
رحمه‏الله في فاتحة البحار[13] والفاضل العناية في بداية المجمع:
«وظفرت بحمد اللّه سبحانه في هذه الأوقات على هذا المنتزع».

وذكر في صدره في وجه الانتزاع: «انّي كنت ماسمعت له وجودا في زماننا
هذا ، وكان كتاب السيّد هذا ، بخطّه الشريف مشتملاً عليه ، فحداني التبرّك به مع
ظنّ الانتفاع بكتاب ابن الغضائري أن أجعله منفردا عنه»
[14].

وظاهر كلامه ، أنّ المنقول والمنقول منه ، كتاب ابن الغضائري بتمامه ، مع أنّ
الظاهر خلافه ؛ كيف وقد حكى عنه في الخلاصة توثيق جماعة مثل: جابربن
يزيد ، والحسين بن القاسم ، وليث بن البختري
[15] ؛ مع أ نّهم غير مذكورين في
المنتزع رأسا
[16].

ودعوى أنّ المنقول ، لعلّه كان كتابه المخصوص بذكر الضعفاء دون غيره ،
يضعف بأ نّه حكى عنه في الخلاصة في ترجمة علي بن حسان الواسطي توثيقه
عنه مكرّرا
[17] ، وهو مذكور في المنتزع بتوثيقه المكرّر[18] مع أ نّه حكى في
الخلاصة في علي بن أبي حمزة البطائني ، أ نّه ذكر في حقّه: «لعنه اللّه ، أصل
الوقف ، وأشدّ الخلق عداوةً للوليّ من بعد أبي إبراهيم
عليه‏السلام»[19]. ومع هذا
التضعيف الشديد ، ما له فيه، ذكر رأسا
[20].

 

 

معنى الغضائري

 

ثمّ إنّه ذكر في القاموس: «الغَضارَةُ»: الطين اللازبُ الأخضر الحرّ
كالغَضار
[21].

وظرف كالقصعة يصنع من غضار الطين ، والجمع: غضائر وغضار ، وهي
محدثة ؛ لأ نّها من خزف ، وقصاع العرب كلّهامن خشب والغضائري جماعة
من المحدّثين نسبة إلى صنعة الغضائر وبيعها.

أقول: ومنه ما عن الراوندي[22]: «عن صفوان ، [قال]: أمر أبو عبد اللّه عليه‏السلام

بإطعام إمرأة غضارة مملوّة زبيبا مطبوخا»
[23].

وماذكره من الإطلاق ، الظاهر أنّ المراد العامّة.

ومنه ما ذكره في المعجم: «من المحدّثين علي بن عبدالرحيم الغضائري».

ثمّ إنّ المرسوم في الكلمات ومنها التوضيح:[24] «بالهمزة بين الألف
والراء»
[25] ولكن ضبطه في الإيضاح: «بدون الهمزة»[26] ناصّا بغير الفصل ، وقد
رسم عليه في فاتحة رجال ابن داود
[27] وبعض الكلمات أيضا ، وكذا
فيالمحكيّ عن بعض نسخ الخلاصة.

إذا عرفت ذلك ، فنقول: إنّه قد اختلف الأصحاب في أ نّه أحمدبن الحسين
ابن عبيد اللّه الغضائري ، أو والده . والمشهور ، الأوّل.

وهم بين حاكم بضعفه: إمّا لجهالته ، كما هو صريح الحاوي[28]

والاستقصاء
[29] وشرح المشيخة في بعض كلماته[30] وظاهر النقد[31].

وإمّا لكثرة جرحه ، كماهو ظاهر الرواشح[32].

وإمّا لهما معا ، كما هو ظاهر المنهج في إبراهيم اليماني[33] ، فإنّه بعد ماصرّح
بأ نّه غير مقبول القول ، علّله: «بأ نّه مع عدم توثيقه ، قد أكثر القدح في جماعة
لايناسب ذلك ، حالهم»
[34].

وبين حاكم بوثاقته: وهؤلاء بين معتبر لقوله ، كماهو مقتضى مقالة جماعة من
قدماء أصحابنا ، وبه صرّح الفاضل العناية في مجمع الرجال ؛ بل ذكر:

«أنّ مع التتبّع التامّ، يعرف نهاية اعتباره في أقواله وغيرها ، فيعتبر مدحه
وذمّه ، وأنّه عالم ، عارف ، جليل ، كبير في الطائفة»
[35].

وهو الظاهر من شيخنا البهائي رحمه‏الله في الحبل المتين ؛ فإنّه بعد ماجرى على
تصحيح رواية اليماني ؛ استنادا إلى شهادة جمع بوثاقته ، قال:

«ولا يقدح تضعيف ابن الغضائري له ؛ فإنّ الجرح إنّما يقدّم على التعديل مع
تساوى الجارح والمعدّل ، لا مطلقا»
[36].


والظاهر أنّ المراد من عدم التساوي ، حيثيّة الكثرة.

وجرى عليه الفاضل الخاجوئي في رجاله ، مصرّا فيه في الغاية[37].،،،،،

وجنح إليه الوالد[38] المحقّق  قدس‏سره[39].

وبين مضعف لتضعيفاته: كما صرّح به السيّد الداماد في الرواشح[40].

والعلاّمة البهبهاني في التعليقات ، كماذكر في اليماني مزيفا لتضعيفاته:

«أنّه قلّ أن يسلم أحد من جرحه ، أو ينجو ثقة عن قدحه ، وجرح أعاظم
الثّقاة ، و أجلاّء الرواة الذين لايناسبهم ذلك»
[41].

وهو خيرة جماعة من المتأخّرين ؛ بل ذكر بعضهم: «أنّ قوله ، لا يفيد ظنّا
بالإتّصاف».

وصرّح المحقّق الأنصاري في رجاله: بأ نّه أحمد ، ساكتا عن بيان الحال[42].

نعم ، مقتضى صريح كلامه في داود الرقّي ، ضعف تضعيفاته[43].

وبين من لم يظهر منه شيء من الأمرين ، كما هو الظاهر من كلام جدّنا
السيّد العلاّمة
[44] في المطالع.


وينصرح من جماعة، الثاني[45] ، كثاني الشهيدين في الإجازة المعروفة[46]
خلافا لما يقتضيه صريح كلامه في تعليقاته على الخلاصة
[47] ، وهو مقتضى
صريح النظام في النظام
[48] ، وبه صرّح في مجمع الفائدة[49]والعوائد[50]

والمقابيس
[51].

الأوّل: ما ذكره شيخ الطائفة في صدر الفهرست:

«من أ نّي رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا ، عملوا فهرست كتب أصحابنا ،
لم‏يتعرّض أحد منهم لاستيفاء جميعه ، إلاّ ماكان قصده أبو الحسين أحمد بن
الحسين بن عبيد اللّه ؛ فإنّه عمل كتابين ، أحدهما: ذكر فيه المصنّفات ، والآخر:
ذكر فيه المصنّفات والاُصول»
[52].

فإنّ مقتضى صريحه ، أنّ له كتابين في الرجال.

والتتبّع في الخلاصة يشهد بأنّ صاحبهما، ابن الغضائري كماقال في عمر بن
ثابت: «إنّه ضعيف جدّا ، قاله ابن الغضائري ، وقال في كتابه الآخر... »
[53].

وفي محمّد بن مصادق: «اختلف قول ابن الغضائري فيه ، ففي أحد
الكتابين: أنّه ضعيف ، وفيالآخر: أنّه ثقة»
[54].

وفي سليمان النخعي: «قال ابن الغضائري: يقال له كذّاب النخعى، ضعيف
جدّا ، وقال في كتابه الآخر: يلقّبه المحدّثون كذّاب النخع»
[55].

بل نقول: إنّه يمكن إثبات المرام بكلّ من كلامي الفحلين ، بعد انضمام
مقدمّة ، وهي: أنّه لمّا لم يذكر في كتب أصحابنا كتاب الرجال لوالده ، ومن هنا
ما ذكره السيّد الداماد: «من أ نّه لم يبلغني إلى الآن من أحد من الأصحاب أنّ
للحسين في الرجال كتابا»
[56].

فلمّا ثبت الانتفاء ، تعيّن أنّ صاحبهما الولد ، وأمّا احتمال غيرهما ففي غاية
السقوط ؛ لاتّفاق الكلمة على خلافه.

الثّاني: ما ذكره السيّد ابن طاووس رحمه‏الله في أثناء خطبة كتابه على ما
فيالتحرير:

«من أ نّي قد عزمت على أن أجمع في كتابي هذا ، أسماء الرجال المصنّفين
و غيرهم من كتب خمسة: كتاب الرجال لشيخنا الطوسي ، وكتاب الفهرست له ،
وكتاب اختيار الرجال من كتاب الكشّي ، وكتاب أبي الحسين أحمد بن
الحسين بن عبيد اللّه الغضائري في ذكر الضعفاء خاصّة»
[57].

ونحوه ما ذكر في هشام بن سالم: «أنّه قال أبو  الحسين أحمد بن الحسين
ابن عبيد اللّه الغضائري: محمّد بن عيسى الهمداني، ضعيف»
[58].

ونحوه ما صرّح به في مواضع من كلامه فيما نقله في كتابه من كتاب ابن
الغضائري على ما في المنتزع منها ما في صدرالمنقول
[59].

الثّالث: ما يظهر من كلام السيّد المشار إليه في ترجمة أخي عذافر: «من أنّ
ابن الغضائري يكنّى بأبي الحسين»
[60].

ومقتضى كلامه فيما تقدّم وفي شريف بن سابق: أنّ المكنّى به: «أحمد بن
الحسين»
[61] ، وسيأتي كلّ من كلاميه عن قريب، إن شاء اللّه تعالى.

الرابع: ماذكره العلاّمة في الخلاصة ؛ فإنّه قال في إسماعيل بن مهران: «قال
الشيخ أبو الحسين، أحمد بن الحسين بن عبيد اللّه الغضائري
رحمه‏الله: إنّه يكنّى
أبا محمّد ، ليس حديثه بالنقيّ»
[62].

والظاهر من إطلاق ابن الغضائري في سائر كلماته هو المصرّح به في هذا
المقام ، ومن هنا قال الشهيد الثاني في تعليقاته عليها: «إنّه يستفاد من هذا ، أنّ
ابن الغضائري المتكرّر في هذا الكتاب ، هو أحمد بن الحسين بن عبيد اللّه
الغضائري لا نفسه»
[63].

الخامس: ما ذكره فيها أيضا في أحمد بن عليّ الخضيب في القسم الثاني ؛
فإنّه قال: «قال ابن الغضائري: حدّثني أبي: أنّه كان في مذهبه ارتفاع»
[64].

فإنّ المقصود بقوله: «أبي» إمّا الحسين ، أو عبيد اللّه. لا سبيل إلى الثاني ؛
لعدم ذكره في الرجال رأسا ، فضلاً عن ذكر تصنيف له في الرجال.

فالظاهر هو الأوّل ؛ فإنّه من العلماء العارفين بالرجال ؛ بل هو من مشائخ
شيخ الطائفة والنجاشي ، كما قال العلاّمة: «إنّه كثير السماع ، عارف
بالرجال»
[65].

ولا يقدح ذلك فيما ذكرناه سابقا ، من انتفاء كتاب الرجال له ؛ إذ غايته ، هي
المعرفة بالرجال وأحوالهم ، وهي لاتستلزم التصنيف فيه ؛ مضافا إلى ماتقدّم
من دلالة كلام النجاشي
[66] والخلاصة[67] عليه ، فضلاً عن ظهور قوله: «حدّثني
أبي » في السماع بالمشافهة.

السادس: ما ذكره فيها أيضا في أحمد بن عبد اللّه الورّاق: «أنّه روى عنه
الغضائري»
[68] ونحوه ما سبقه في رجال الشيخ[69].

والظاهر أنّ المراد منه ، الحسين بن عبيد اللّه ، بشهادة ماذكر في الفهرست:
«من أ نّه روى عنه الحسين بن عبيد اللّه»
[70].

فيثبت من هذين الكلامين ، أنّ الغضائري هو الحسين.

فإذا ثبت ذلك ، يثبت أنّ ابنه أحمد ، ولقد أجاد السيّد المحدّث البحراني[71]
فيتوصيفه ، مارواه عن الشيخ في الأمالي عن الحسين بن عبيد اللّه ،
بالغضائري.

وإن قلت: إنّه ذكرالعلاّمة في سهل بن زياد الآدمي: «قال النجاشي: إنّه
ضعيف في الحديث، غير معتمد عليه ـ إلى أن قال ـ : قال أحمد بن نوح وأحمد
ابن الحسين ، وقال ابن الغضائري: إنّه كان ضعيفا جدّا ، فاسد الرواية
والمذهب»
[72].


ومقتضاه مغايرة ابن الغضائري ، لأحمد ، وإلاّ لما كان وجها للنقل بعد النقل.

قلت: الظاهر أنّ الغرض ، نقل عبارته بعينها. نعم ، كان المناسب عدم التعبير
بالعبارة المذكورة ، إلاّ أنّ وقوع نظائره وأسوء منه كثير ، كما هو غير خفيّ على
الخبير.

وهذا هوالظاهر من العلاّمة البهبهاني[73] وبعض من سبقه ، فلا وقع لما أورد
عليه بعض من لحقه ، كما هو ظاهر على من أعطى النظر حقّه.

السابع: ما ذكره الشيخ في كتاب المجالس على ما في أواخر إثبات الهداة
بقوله: «الحسين بن عبيد اللّه الغضائري ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار ،
عن أبيه»
[74].

فإنّ مقتضى صريحه، أنّ الحسين هو الغضائري دون ابنه ، فيثبت أنّ ابنه
أحمد ؛ لظهور انحصار الخلاف فيهما.

فظهر ممّامرّ ، أ نّه لامجال لاحتمال إرادة الوالد من الإطلاقات ، ويشبه أن
يكون منشأ الاشتباه ـ مضافا إلى اشتهار الوالد ـ عنوانه في الخلاصة في
ترجمةٍ خاصّةٍ
[75] بخلافه في الولد. فيظنّ أ نّه المراد من الإطلاقات ، ولكنّك
خبير بضعفهما.

ونحوه في الضعف ، توهّم الإستناد والمستند فيمامرّ.


 

 

 

 

المبحث الثاني

 

في بيان حاله

فنقول: الظاهر أ نّه من عيون الطائفة وأجلاّئهم ، ووجوه الأصحاب
وعظمائهم.

والدليل عليه ما يظهر من التتبّع في مطاوي كلمات علمائنا الأعلام:

 

فمنها: ما سبق من شيخ الطائفة في الفهرست فيه ، فقد عدّه من شيوخ الطائفة
من أصحاب الحديث ؛ بل من متمهّريهم في فنّ الرجال
[76] ، ومن المعلوم عدم
اعتماد مثله على من لم يكن محل الاعتبار ، فهو إمارة الوثاقة وآية العدالة.

 

ومنها: ما يظهر من عدّة من كلمات السيّد السند المتقدّم ، كما ذكر في حمّاد
السمندري  في مقام تضعيف حديث: «إنّ أحد رجاله ، شريف بن سابق
التفليسي. وقال أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد اللّه الغضائري: إنّه
ضعيف، مضطرب»
[77].

وفي عمر، أخي عذافر ، مشيرا إلى حديث: «هذا حديث غير ثابت ؛ لأنّ
أبا الحسين ابن الغضائري قال: القاسم بن محمّد بن كاسولا أبو محمّد ، حديثه
يعرف تارة، وينكر اُخرى ، ويجوز أن يخرج شاهدا ، وليس ببعيد أن يكون هو
ذلك ، والتجويز قادح في الثبوت»
[78].

ومثله ما ذكره في معروف بن خرّبوذ[79] وغيره.

ولايخفى أنّ القدح بمجرّد التجويز ، كاشف عن نهاية الاعتماد بالقدح
و القادح.

 

ومنها: ما يظهر من غير موضع من كتاب النجاشي: من الاستناد إلى مقاله
و الاعتماد على كلامه ، كما قال في خيبري
[80]: «إنّه كوفيّ ، ضعيف في مذهبه.
ذكر ذلك: أحمد بن الحسين»
[81] ومثله في غيرها.

بل قال الفاضل الخاجوئي رحمه‏الله: «ومن تفّحص كتاب النجاشي في الرجال ،
عنّ له، أنّ أحمد بن الحسين الغضائري عظيم عنده ، جليل قدره ؛ حيث إنّه
لم يذكره في كتابه هذا ، إلاّ مقرونا بالرحمة ، ولم يعهد منه ذلك بالإضافة إلى
سائر أشياخه ؛ بل كثيرا ما، يذكرهم بدون الاقتران بالرحمة والرضوان ؛ حتّى
أ نّه ذكر أبا أحمد هذا ، الحسين بن عبيد اللّه ، وهو من أجلاّء أشياخه وعظمائهم
فيمواضع كثيرة من كتابه. ونقل عنه كثيرا مجرّدا عن التعظيم وطلب الرحمة ،
إلاّ نادرا (انتهى)
[82].

ولكنّه لايخلو من كلام ، نظرا إلى أنّ ما يظهر منه من التزام الاقتران بها ،
غير مقرون بالصواب ؛ فإنّه على ماهو الحال في النسخة المعتبرة الموجودة
منه ، ذكره في الترجمة المذكورة
[83] وجعفر بن محمّد[84] ومحمّد بن عبد اللّه
الحميري مجرّدا عنها
[85].

ونظيره ما ذكره السيّد الداماد رحمه‏الله من التزامه وغيره ، بعدم ذكر أبيه إلاّ
مقرونا بها
[86].

و هو كقرينة غير مقرون به كما سيظهر فيما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.

 

ومنها: ما يظهر من عدّة من كلمات العلاّمة ؛ فإنّه قد اعتمد على جرحه في
الخلاصة 2
خلاصة، 4 مرّة بعد أُخرى ، وكرّة غبّ أولى ، معبّرا عنه في بعضها بما يظهر منه
علوّ شأنه وسموّ مكانه ، كما قال في يونس بن ظبيان ، بعد ما حكى تضعيفه عن
الكشّي، عن الفضل ، وكذا عن النجاشي وابن الغضائري: «فأنا لا أعتمد على
روايته لقول هؤاء المشائخ العظماء بضعفه»
[87].

وفي إبراهيم بن عبد اللّه ، بعد نقل كلام من ابن الغضائري: «وهذا لا أعتمد
على روايته ، لطعن هذا الشيخ فيه»
[88].

وفي حسن بن حذيفة ، بعد نقل تضعيفه عن ابن الغضائري: «والأقوى عندي
ردّ قوله ، لطعن هذا الشيخ فيه»
[89].

وفي إسماعيل بن علي ، بعد ما حكي عنه تضعيفه: «وهذا لا أعتمد على
روايته ، لشهادة المشائخ بالضعف والاختلال»
[90].

ولو قيل: سلّمنا ولكن يظهر من عدّة منها ، خلاف ما استظهرته ، كما قال في
محمّد بن إسماعيل البرمكي ، مع ذكره في القسم الموضوع لذكر الموثّقين:
«اختلف علمائنا في شأنه ، فقال النجاشي: إنّه ثقة مستقيم ، وقال ابن
الغضائري: إنّه ضعيف. وقول النجاشي عندي أرجح»
[91].

ومن ثمّ قال الشارح في وجه الترجيح: «وكأ نّه لعدم توثيق ابن
الغضائري»
[92].

وفي خلف بن حمّاد ، فإنّه ذكره في القسم المذكور أيضا ، مع حكاية توثيقه
وتضعيفه عن النجاشي وابن الغضائري
[93].

فذكره فيه مع الحكاية المذكورة أصدق شاهد على ما ذكر.

وفي إبراهيم بن عمر اليماني ، فإنّه ذكره أيضا فيما ذكر ، حاكيا
عن النجاشي: «أنّه شيخ من أصحابنا ، ثقة». وعن ابن الغضائري: «أنّه ضعيف
جدّا ، مرجّحا قبول روايته مع حصول بعض الشكّ بالطعن»
[94].

قلت: الظاهر أ نّه ليس المدار في عموم توثيقاته وتضعيفاته ، على مجرّد
النقل من أربابهما ؛ بل المدار فيه على ذكر الراجح عنده ، بملاحظة المرجّحات
ولذا يقدّم تارة قول النجاشي على ابن الغضائري كما عرفت فيما تقدّم. ويؤّر
اُخرى كما وقع منه في سليمان المنقري ، فإنّه ذكره في القسم الثاني ، مع حكاية
توثيقه عن النجاشي وتضعيفه عن ابن الغضائري
[95].

فإنّ الظاهر أنّ منشأ ذكره فيه ، ظهور فساد حاله ، من تضعيف ابن
الغضائري ونحوه. فلا دلالة في مجرّد المخالفة فيما ذكر ، على عدم الاعتماد.

وممّا ذكرنا ، ظهر ضعف ما ذكره الفاضل الشارح في وجه الترجيح. وكذا ما
ذكره عند التعرّض له بقوله: «أحمد بن الحسين بن عبيد اللّه الغضائري ، الظاهر
أ نّه الذي كتب جزء في ذكر الضعفاء ، ولم يذكر له أصحابنا قدحا ولا ذمّا ؛
ولكن لمّا كان العلاّمة
رحمه‏الله يدخل عليه الشكّ من جرحه ، يتوهّم أ نّه يعتقد ، أ نّه
ثقة وليس كذلك ؛ لأنّ هذا المعنى من لوازم البشريّة يدخل على النفس بعض
الشك من قول الفاسق أيضا ، وظهر من كثير من الموارد ، أنّه لم يكن له قوّة
التميز.

إلى أن قال: ولهذا يقدّم العلاّمة توثيق النجاشي والشيخ ، على جرحه ، مع
أ نّه ذكر العلاّمة وغيره في الكتب الاُصوليّة: أنّ الجرح مقدّم على التعديل
[96]
يعترض عليه من لايعبأ به
[97] بأ نّه مخالف لقوله وقولهم»[98].

ففيه أوّلاً: إنّه يظهر ممّا مرّ ، أ نّه ليس حاله عنده ، بهذه المثابة قطعا ؛ بل
الظاهر من التتبّع الوافر ، جلالة شأنه عنده ، وفخامة مكانه لديه.


ويشهد عليه أمور:

أحدها: ما سمعت فيما تقدّم: من ذكر قوله في مقابل فحول علماء الرجال.

وثانيها: توصيفه في مورد من كلامه بالشيخ[99] ، وعدّه في آخر من جملة
المشائخ العظماء
[100] ونحوهما.

وثالثها: عدّه في بعض كلماته من علمائنا[101] كما يظهر ممّا ذكرناه وغيره.

ورابعها: توقّفه تارة بواسطة كلامه وتضعيفه اُخرى ، بملاحظة مقاله ، كما
يظهر ممّا سبق وما ذكره في كوكب الدم
[102].

فإنّه ذكر بعد نقل التضعيف عن ابن الغضائري وما يقتضي مدح أبي يحيى
كوكب الدم الموصلي عن الكشّي: «فإن يكن هذا تعيّن التوقّف ؛ لمعارضة قول
ابن الغضائري لماروى من مدحه ، وإن يكن غيره كان مقبولاً»
[103].

وخامسها: تقديم ذكره في بعض الموارد ، على أجلّة العلماء ، كما ذكر في
ترجمة أبان بن عيّاش ـ بعدما حكى عن العقيقي من أ نّه كان شيخا متعبّدا ، له
نور يعلوه ـ : «الأقوى عندي ، التوقّف فيما يرويه ، بشهادة ابن الغضائري عليه
بالضعف وكذا شيخنا الطوسي
رحمه‏الله»[104].


وسادسها: استرحامه له في بعض الموارد[105] والرحملة من إمارات الكاشفة
عن حسن الحال.

فظهر ممّا ذكرنا: أنّه من جملة العلماء العظام وجلّة المشائخ الفخام.

ولقد أجاد الفاضل البحراني في المعراج ، فيما ذكر من أنّ: «من تتبّع كتاب
خلاصة الأقوال ، علم جلالة قدر الرجل واعتماد العلاّمة وتأدّبه في حقّه ، عند
ذكر كلامه»
[106] (انتهى).

فشتّان بين كلامه وكلامه[107].

وأضعف منه ، ما ذكره في موضع آخر ، من أ نّه مجهول الحال[108].

وثانيا: إنّ ما استظهره من نفي قوّة التميز له ، في غاية الضعف عند المتتبّع
المتأمّل في كلماته ؛ بل لا يبعد أن يكون أعلم من النجاشي بأحوال الرجال
وتصانيفهم الذي هو من رؤساء هذا الفنّ ، وكذا من العلاّمة على الإطلاق.

ويدلّ عليه ، تقدّم زمانه على زمانهما ، ومن الظاهر كمال مدخليّة التقدّم في
الاطّلاع بأحوال المتقدّمين.

وإن قلت: إنّه لم يثبت تقدّم عصره ، على عصر النجاشي ؛ إلاّ بما ثبت نقله
عنه في كتابه ، كما يظهر من عدّة من التراجم وبما ثبت من تتلمذه عنده ، كما
يظهر ممّا ذكره في علي بن محمّد بن شيران: «من أ نّه شيخ من أصحابنا ، ثقة ،
صدوق ، له كتاب ، مات سنة عشر وأربعمائة. كنّا نجتمع معه عند أحمد بن
الحسين»
[109].

واقتضاء كلّ منهما ، لتقدّم زمانه على النجاشي ، محلّ المنع ؛ إذ من الجائز أن
يكونا متعاصرين ؛ ولكن لكثرة فضل ابن الغضائري ، نقل عنه وتتلمذ عنده ؛ مع
أ نّا لو سلّمنا التقدّم ، فلا ريب في أ نّه كان في قليل من الزمان ، كما يشهد به
حديث التتلمذ.

وأوضح منه ، ما يظهر من بعض التراجم: من أ نّهما كانا شريكين
في الاستفادة عند الغضائري
[110].

واقتضاء هذا المقدار لما ذكر ، محلّ الإنكار. نعم ، إنّه وجه وجيه لإثبات
أعلميّته عن العلاّمة ؛ لثبوت تقدّم زمانه عليه بكثير.

فإنّ الظاهر أ نّه كان في زمان شيخ الطائفة ، كما يشهد به ما ذكره في
الخلاصة ؛ من سماعه عن الحسين بن عبيد اللّه الغضائري
[111] ، وتوفّى شيخ
الطائفة كما فيها: في ليلة الثاني والعشرين من المحرّم سنة ستّين وأربعمائة
[112]
وزمان تولّد العلاّمة كما فيها أيضا: في التاسع والعشرين من شهر رمضان من
سنة ثمان وأربعين وستمائة
[113] ، والفاصلة في البين قريبة إلى مائتين.

قلت: الغرض ثبوت الأعلميّة على سبيل القضيّة الموجبة الجزئيّة ، ويكفي
في إثباته ، إثبات التقدّم على نحو تقدّم زمان المشائخ على التلاميذ ، وقد
عرفت ثبوته.

ومن الظاهر أ نّه كلّما كان الإنسان أقرب إلى المعنونين ، فإطّلاعه على
أحوالهم أكثر ، ولا نعني إلاّ هذا.

ومن هنا أنّ اطّلاع النجاشي على الأحوال ، أكثر من العلاّمة بلا إشكال ؛ بل
الخلاصة مأخوذة بتمامها منه غالبا ، كما أنّ «المنتهى»
[114] مضاه لها ، بالإضافة
إلى المعتبر
[115].

وإن قلت: إنّ وجه الأعلميّة غير منحصر فيما ذكر ؛ بل العمدة فيهما كثرة
البحث وشدّة الفحص. وهي ممّا ثبت ثبوته له بشهادة كتابه الكاشف عمّا ذكر.
وذلك بخلاف ابن الغضائري لعدم ثبوته ؛ لو لم نقل بثبوت عدمه.

قلت: إنّ النظر في المنتزع ، مضافا إلى كلماته المحكيّة عنه ، يكشف عن
حسن اطّلاعه وسعة باعه ، كما ذكر في ترجمة حسن بن أسد: «من أ نّه يروي
عن الضعفاء ويروون عنه وهو فاسد المذهب وما أعرف له شيئا أصلح منه ، إلاّ
روايته كتاب على بن إسماعيل بن ميثم وقد رواه عنه غيره»
[116].

وفي حسن بن محمّد بن يحيى بن الحسن أبو محمّد العلوي الحسيني
المعروف بابن أخي طاهر: «من أ نّه كان كذّابا يضع الحديث مجاهرة ، ويدّعي
رجالاً غرباء لايعرفون، ويعتمد على مجاهيل لايذكرون ، وماتطيب الأنفس
من روايته إلاّ فيما يرويه من كتب جدّه التي رواها عنه غيره وعن علي بن
أحمد العقيقي من كتبه المشهورة»
[117].

وكذا يظهر أمثاله من التتبّع فيها بالتتبّع فيه وفيها.

وإن قلت: إنّه قد اقتصر في كتابه على ذكر الضعفاء بخلافه ؛ فإنّه قد استوفى
حال كثير من الثقات والضعفاء. وذكرهم مسبوق بالفحص والاطّلاع ، فلا محالة
هو أعرف.

قلت: إنّه إنّما ينتهض لو فرض عدم اطّلاع ابن الغضائري على أحوال غير
المذكورين ، ومن المعلوم خلافه ؛ لظهور أنّ تخصيص كتاب بذكر نوع خاصّ
مختلط في الأنواع ، يستلزم تقدّم المعرفة به وبغيره من الأنواع. قضيّة أنّ فصل
شيء عن الشيئين ومازاد ، متوقّف على المعرفة بهما وبغيرهما ، مع أنّ الظاهر
عدم انحصار كتابه بما فيه الاقتصار.

وثالثا: إنّ ما استند إليه من تقديم العلاّمة توثيقهما على جرحه غير سديد ؛
لمنع التقديم على الإطلاق وعدم قدح غيره. فبان ممّا ذكر ، جلالته ووثاقته ؛
يشهد عليه ما ذكره في حقّه ، جملة من الأجلّة ، كما قال الفاضل البحراني
[118]
بعد استغرابه ما حكى عن بعض ، غير معروفيّته ـ : «إنّه الشيخ أبو الحسين أحمد
بن الحسين وهو من عظماء أصحابنا وأجلاّئهم»
[119].


والعلاّمة البهبهاني: «إنّه من المشائخ الأجلّة والثّقات الذين لايحتاجون إلى
النصّ بالوثاقة»
[120].

والفاضل الخاجوئي تارة: «إنّه من عظماء الدين ومن أهل الفضل والتحقيق
باليقين»
[121].

وأخرى: «إنّه كان إماميّا، عارفا، عالما، متقنا، شيخا في هذه الطائفة
والتشكيك فيه ، تشكيك في العاديّات وما يجري مجراها من الضروريّات
[122].

وأبلغ منها ، ما ذكره بعض المعاصرين: «من أنّ ساحة جلالة الرجل ، أرفع
من أن يسرع إليها خيال الإنكار. وباحة وثاقته ، أمنع من أن يركم عليها خيال
الأنظار ؛ بل هو في عالي درجة من العلم والدين وسامي مرتبة من مراتب
المشائخ المعتمدين.

هذا ، وربّما استدلّ عليه أيضا بوجوه، أقواها وجهان[123]:

أحدهما: إنّ الشيخ صدّر الفهرست بأنّ الداعي على رسمه امتثال أمره لقوله:

«ولمّا تكرّر من الشيخ الفاضل ـ أدام اللّه تأييده ـ الرغبة فيمايجري
هذا المجرى وتوالى منه الحثّ على ذلك ، عمدت إلى تصنيف هذا الكتاب»
[124].

ومقصوده منه ، «أحمد»؛ بشهادة ذكره في العبارة المتقدّمة ، ولاخفاء فيما
في كلامه من التجليل والتبجيل منه بالإضافة إليه ؛ لتعبيره عنه بالشيخ وهو
ظاهر في وثاقته ، ووصفه أيضا بالفضل داعيا له بدوام التأييد ، مصرّحا بأنّ
رسم الفهرست من باب امتثال أمره. ومع ذلك قال في آخر الخطبة:

«وألتمس بذلك القربة من اللّه تعالى وجزيل ثوابه ووجوب حقّ الشيخ
الفاضل ـ أدام اللّه تأييده ـ وأرجو، أن يقع ذلك موافقا لما طلبه»
[125].

ففي كلامه تجليل له من وجوه شتّى.

وثانيهما: إنّه ذكر شيخنا الشهيد الثاني ـ رحمه اللّه تعالى ـ في جملة كلام له
في شرح الدراية:

«وقد كفانا السلف الصالح من العلماء بهذا الشأن ، مؤونة الجرح والتعديل
غالبا في كتبهم التي صنّفوها في الضعفاء كابن الغضائري أوفيهما معا
كالنجاشي والشيخ أبي جعفر الطوسي والسيّد جمال الدين بن طاووس والشيخ
تقي ابن داود وغيرهم»
[126] وظهوره في اعتبار نفسه وكلامه ظاهر.

أقول وفيكلِّ من الوجهين نظر:

أمّاالأوّل: فلأنّ مقتضى صريح كلام الشيخ فيه ، وقوع فوته قبل زمان
تصنيفه ، فكيف يصحّ له الدعاء بدوام التأييد وغيره ، فسقط الاستدلال
بحذافيره ؛ فإنّه قال: «إنّي لما رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا من أصحاب
التصانيف ، عملوا فهرست كتب أصحابنا ولم أجد فيهم أحدا استوفى ذلك ، إلاّ
ما كان قصده أبو الحسين أحمد بن‏الحسين بن عبيد اللّه
رحمه‏الله فإنّه عمل كتابين:

أحدهما: فيه ذكر المصنّفات. والآخر: ذكر فيه الاُصول واستوفاهما على
مبلغ ما وجده ، غير أنّ هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من أصحابنا واخترم
ـ رحمه اللّه تعالى ـ  وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما
ـ على ما حكى بعضهم عنه ـ ولما تكرّر»
[127]. ـ إلى آخر ما ذكر ـ .

وظنّي أنّ المراد بالشيخ الموصوف ، شيخنا المفيد  رحمه‏الله ويوافقه الاُمور
المذكورة وغيرها.

هذا ، ولايخفى أنّ ما ذكره من عدم الاستنساخ ، مخالف للنقل عنهما
في كلمات العلاّمة غير مرّة ؛ بل قد مرّ الظفر على كتابه ممّن تأخّر ، فهو يكشف
عن عدم صحّة الحكاية المذكورة.

وأمّا الثاني: فلإبتنائه على أن يكون المقصود ب «ابن الغضائري» عنده
«أحمد» ، مع أ نّه قد جزم المستدلّ وثلّة: بأنّ المختار عنده فيه والده ، كما هو
مقتضى صريح كلامه في إجازته كما تقدّم.

نعم ، إنّه بناءً على ما نقلنا عنه ممّا يقتضي اختياره المختار ، فيتردّد كلامه
بين الأمرين. فلا يظهر شيء منه على كلا التقديرين ؛ بل يظهر عدمه على أوّل
الوجهين.

وممّا ذكرنا ظهر ضعف ما ذكره الفاضل الجزائري في الحاوي: «من أنّ
الرجل مجهول الحال»
[128].

فلا ترتاب في ردّ تضعيفه لبعض الرجال مع توثيق بعض الثقات كالشيخ
و النجاشي ، وإن قلنا إنّ الجرح، مقدّم.

هذا تمام الكلام في المرام.


 

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

والد الغضائري

 

 

أبو عبد اللّه

حسين بن عبيد اللّه الغضائري

 

وأمّا والده: فهو أيضا من أعاظم الثقات ، وأفاخم الرواة كما يشهد عليه
وجوه:

أحدها: شيخوخته لمثل الشيخ والنجاشي كما يستفاد الأوّل ممّا ذكره
فيالرجال:

«من أ نّه كثير السماع ، عارف بالرجال وله تصانيف ، ذكرناها في الفهرست ،
سمعنا وأجاز لنا بجميع رواياته»
[129].

ولا يخفى أ نّه غير مذكور فيما ذكره كما هو المصرّح به في كلام جماعة من
الأصحاب أيضا كالفاضل الإسترآبادي
[130] والتفرشي[131] والبحراني[132].

وأمّا مايقتضيه كلام ابن داود من الخلاف[133] ، فمن الخلاف.

والثاني: ممّا ذكره في رجاله: «من أ نّه شيخنا  رحمه‏الله له كتب ـ إلى أن قال: ـ
أجازنا جميعها وجميع رواياته عن شيوخه. مات 
رحمه‏الله في نصف صفر سنة
أحدى عشرة وأربعمائة
[134] وظاهر شيخوخة الإجازة ، الوثاقة ؛ ولا سيّما لمثل
هذين الشيخين الجليلين.

ثانيها: ما حكاه السيّد السند النجفي من التصريح بوثاقته عن السيّد بن
طاووس 
رحمه‏الله في كتاب النجوم[135].

ونحوه ما في الإقبال من قوله: «أخبرنا جماعة بطرقهم المرضيّات إلى
المشائخ المعظّمين محمّد بن محمّد بن النعمان والحسين بن عبيد اللّه وجعفر
ابن قولويه وأبي جعفر الطوسي وغيرهم»
[136] ؛ بل في كلامه هذا ، وجوه من
الدلالة على جلالته ووثاقته.

ثالثها: عنونه العلاّمة في الجزء الأوّل ، مصرّحا بشيخوخته وإجازته لهما[137]
و من الظاهر ، أنّ ظاهر السياق ، ثبوت الوثاقة.

رابعها: تصحيحه جملة من الطرق المشتملة عليه ، كطرق الشيخ إلى الكليني
و محمّد بن إسماعيل ومحمّد بن علي بن محبوب
[138].

خامسها: ما يظهر علوّ مقامه من الشيخين المذكورين ، لاكثار أحدهما من
الرواية
[139] والآخر من الحكاية[140].

مضافا إلى إرداف النجاشي ذكره في نبذة من المواضع بالرحملة[141] ؛ بل
صريح السيّد السند الالتزام به. ولا بأس بذكر كلامه لمناسبة المقام.

قال: «إنّ لمشايخنا الكبراء ، مشيخة يوقرون ذكرهم ويكثرون من الرواية
عنهم والاعتناء بشأنهم ويلتزمون إرداف تسميتهم بالرضيلة والرحملة لهم
البتّة ، فاُولئك ثبت ، فخماء وأثبات أجلاّء ، ذكروا في كتب الرجال ، أو
لم‏يذكروا. والحديث من جهتهم صحيح معتمد عليه ، نصّ عليهم بالتزكية ، أو
لم‏ينصّ. وهم كأبي الحسين ، علي بن أحمد بن أبي جيد ، وأبي عبد اللّه
الحسين بن عبيد اللّه الغضائري ، وأبي عبد اللّه أحمد بن عبدون المعروف بابن
الحاشر ، أشياخ شيخ الطائفة والنجاشي ـ رحمهما اللّه تعالى ـ .

وشيخنا العلاّمة الحلّي رحمه‏الله فيالخلاصة عُدّ طريق الشيخ إلى جماعة: كمحمد
ابن إسماعيل بن بزيعومحمّد بن علي بن محبوب و محمّد بن يعقوب الكليني
وغيرهم صحيحا ، اُولئك الأشياخ في الطريق واستصحّ في مواضع كثيرة عدّة
جمّة من الأحاديث وهم في الطريق»
[142].

ولكن لايخفى أنّ ما ذُكر من الالتزام ، ليس ما ينبغي ؛ لما نرى خلافه كثيرا
من النجاشي ؛ بل ذكر جدّنا السيّد العلاّمة ـ أعلى اللّه تعالى في الجنان مقامه ـ :

«مارأينا في كلامهما إردافهم بهما».

ولكن الأوّل كما أفرط، فالآخر قد فرّط ؛ لوقوع الرحملة من النجاشي
بالإضافة إلى الثاني المعنون كثيرا ، كما وقعت في موضعين من الترجمة
[143].

كما أنّ ما ذكر من ذكره الطريق إلى ابن بزيع غير صحيح ؛ لأ نّه ذكر الطريق
إلى محمّد بن إسماعيل. والطريق إليه ، الطريق الذي ذكره إلى الكليني و محمّد
ابن إسماعيل الراوي عن الفضل الذي يروى عنه الكليني محلّ خلاف معروف.

والظاهر وفاقا لكافّة المتأخّرين أ نّه النيشابوري وإليه ذهب السيّد
المشار إليه أيضا
[144] فلامسرح لكلامه.

وأمّا ما أورد عليه من خلوّ طريق الشيخ إلى الكليني عن ابن أبي جيّد وابن
الغضائري ، نظرا إلى أنّ الشيخ قال في المشيخة: «وما ذكرته في هذا الكتاب
عن الكليني فقد أخبرنا به الشيخ أبو عبد اللّه محمّد بن النعمان عن أبي القاسم
ابن قولويه ، عن محمّد بن يعقوب وأخبرنا به الحسين بن عبيد اللّه عن أبي
غالب و التَلَّعُكْبَري وأبي القاسم بن قولويه والصيمري وأبي الفضل الشيباني
وغيرهم ، كلّهم عن الكليني.

وأخبرنا به أيضا ابن الحاشر عن أحمد بن أبي رافع وأبي الحسين عن
الكليني جميع مصنّفاته
[145].

ونحوه الطريق إلى محمّد بن إسماعيل[146].

فيتّجه من الوجه الأوّل وخلافه اشتباه من المدّعي.

وما ذكر له من وجوه من الاعتذار غيروجيه دون الثاني ؛ لأ نّه إن أريد منه ،
أحمد بن الحسين ، فمسلّم؛ ولكنّه غير المدّعى. وإن أريد منه والده ، فممنوع.

ومن العجيب ماذكره المورد المذكور من اشتمال الطريق إلى محمّد بن علي
ابن محبوب ، على ابن الغضائري دون الآخرين ؛ فإنّه قال: «وما ذكرته فى هذا
الكتاب عن محمّد بن علىّ بن محبوب ، فقد أخبرني به الحسين بن  عبيد اللّه
عن أحمد بن محمّد بن يحيى عن أبيه عنه»
[147].

فليت شعري هل يزيد هذا الطريق عمّا سبقه ، عدا في اشتماله ، على
الحسين بن عبيد اللّه المذكور في الطرق السابقة ؛ فكيف حصل التفرقة.

وأيضا قوله دون الأخيرين، مبنيّ على استظهار أنّ مراد السيّد المشار إليه ،
دخول كلّ منهم في كلّ من طرقه إليهم ولادليل عليه.


سادسها: ما ذكره جماعة من الأجلاّء في حقّه كما قال السيّد المشار إليه
من: «أ نّه العالم الخبير البصير المشهور ، العارف بالرجال والأخبار ، شيخ
الشيخ الأعظم والنجاشي ، ـ إلى أن قال ـ : والعلاّمة ومن تأخّر عنه من
الأصحاب إلى زمننا هذا في كتبهم الاستدلاليّة ، قد استصحّوا أحاديث كثيرة
هو في أسانيدها ، وأمره أجلُّ من ذلك ؛ فإنّه من أعاظم فقهاء الأصحاب
و علمائهم ، وله تصانيف معتبرة في الفقه وغيره ، وفتاواه وأقواله في الأحكام
الفقهيّة منقولة ، فشيخنا الشهيد في شرح الإرشاد في باب المياه ذكر مذهب
الشيخ علي بن أبي الحسين بن عقيل ، ثمّ قال: ونقله السيّد الشريف أبو يعلى
[148]
الجعفري عن الحسين بن عبيد اللّه الغضائري
[149] (انتهى).

وفيه شيء لايخفى على المتتبّع ؛ على أ نّه ينافي كلامه هذا ، ماذكره
في موضع من عيونه ، من أنّ في طريق مضمرة الحلبي في الاستبصار ، الحسين
ابن عبيد اللّه الغضائري الممدوح ولعلّ العلاّمة لذلك عدّها في المنتهى
[150] من
الحسان.

وقال في المعراج[151]: «إنّ جلالته وعدالته ممّا لاينبغي الريب فيها»[152].

وقال في البلغة: «إنّه ثقة»[153].


وقال السيّد السند النجفي: «الأمر فيه واضح جلّي»[154].

هذا ، مضافا إلى توثيق الشهيد الثاني للمشائخ المشهورين من عصر
الكليني إلى زمانه
[155].

وممّا ذكرنا ظهر ما في حرمة الرباء من مجمع الفائدة: «من أ نّه قد وثّق
إبراهيم ، النجاشي وقبله المصنّف ، وإن ضعّفه الغضائري والأوّل أرجح وهو
ظاهر ؛ لأنّ الغضائري مع كونه واحدا، ماثبت توثيقه»
[156].

والظاهر أ نّه التباس في التباس وكذا ماجنح إليه في أوائل المشارق من
عدم ثبوت توثيقه
[157].

 


 


 

 

 

 

 

المبحث الثالث

 

في اعتبار تضعيفاته وعدمه[158]


قد ظهر ممّا مرّ أنّ فيه قولين:

وللأوّل ما تقدّم من اعتماد الأجلاّء عليه ورجوع الفحول إليه.

فقد ذكر بعض الفضلاء:[159] «أنّه قد اعتمد عليه أساطين الدين واُمناء الحق
واليقين ، العارفين بالرجال ، الواقفين بالأحوال».

وكذا ما يلوح بملاحظه كثير من كلماته المنقولة: من أ نّه كان متأمّلاً متثبّتا
في التضعيف.

فمنها ما صنعه في محمّد بن أورَمَة[160] فإنّه لم يجرحه مع اجتماع أسبابه[161] ؛
لأ نّه كان مغموزا عليه ، مرميّا بالغلوّ ، منسوبا إليه كتاب في تفسير الباطن ،
مختلط، في رواياته تخليط؛ كما قاله في الفهرست
[162].

ونقل عن ابن بابويه: أ نّه مطعون عليه بالغلوّ وكلمّا تفرّد به ، لم يجز العمل
عليه
[163].

وعلى منواله نسج النجاشي[164].

فلو كان مبادرا إلى التضعيف والجرح بأدنى سبب  لقدح فيه بها ؛ ولكنّه لمّا
كان متثبّتا متأمّلا فيه ، نظر في كتبه ورواياته كلّها متأمّلا فيها فوجدها نقيّة
لافساد فيها إلاّ ماكان في أوراق من التخليط ، فحمله على أ نّه موضوع عليه ،
فصرّح ببراءته عمّا قذف به، ولم يفعله غيره من مهرة هذا الفنّ.

فهذا وما شابهه يدلاّن على غاية احتياطه في الجرح والتعديل ، وإنّ
المسارعة إلى الجرح لاضير فيها ؛ لأنّ من جرحه، فهو عنده غير ثقة. و وثاقته
عند غيره غير قادح ، وليس هذا مختصّا به ؛ بل‏النجاشي قد جرح كثيرا من
الثقات عند آخر ؛ فإنّه جرح داود الرقّي
[165] و وثّقه شيخنا المفيد[166].

وجعفر بن محمّد بن مالك[167] و وثّقه الشيخ[168].

وجابر بن يزيد الجعفي[169].


و وثّقه ابن الغضائري[170] وأثنى عليه العقيقي[171].

وكذلك الشيخ ، جرح جماعة قد وثّقهم النجاشي[172].

أقول: ويمكن انتصاره بما ذكره في ترجمة زيد النرسي و زيد الزرّاد: «من
أ نّه قال أبو جعفر بن بابويه: إنّ كتابهما موضوع وضعه محمّد بن موسى
السمّان ، وغلط أبو جعفر في هذا القول ، فإنّي رأيت كتبهما مسموعة من محمّد
ابن أبي عمير»
[173] (انتهى).

فإنّه بعد التصريح بالوضع من مثل الصدوق المطّلع بالأحوال والمصدّق في
المقال ، لم يلتفت بهذا التضعيف ؛ بل جرى على تضعيفه بهذا الوجه العنيف.

وبما ذكره في أحمد بن الحسين بن سعيد: من أ نّه قال القميّون: كان غاليا
ومع ذلك قال: «حديثه فيما رأيته سالم واللّه أعلم»
[174].


ونحوه ما ذكره في البرقي[175] من أ نّه طعن القميّون عليه وليس الطعن فيه ؛
إنّما الطعن فيمن يرويه ، فإنّه كان لايبالي عمّن يأخذ
[176].

وكذا ما في الحسين بن شاذويه[177]: «من أ نّه زعم القميّون أنّه كان غاليا ،
رأيت له كتابا في الصلاة سديدا»
[178].

وفي الكلّ نظر:

أمّا الأوّل: فلأ نّه يظهر من التتبّع التامّ ، عدم اعتماد النجاشي عليه كلّ
الاعتماد في الجرح والتعديل ؛ بل خالفه في غير مورد.

أمّا في الأوّل: فكما قال في إبراهيم بن سليمان بن حنان[179]: «من أ نّه يروي
عن الضعفاء وفي مذهبه ضعف»
[180]. وقال النجاشي: «إنّه ثقة»[181].

وفي إبراهيم بن عمر اليماني: «من أ نّه ضعيف جدّا»[182]. وقال النجاشي:
«إنّه شيخ من أصحابنا ثقة»
[183].


وفي إسماعيل بن مهران: «من أ نّه ليس حديثه بالنقيّ ، يضطرب تارةً
ويصلح اُخرى»
[184]. وقال النجاشي: «ثقة، معتمد عليه»[185].

ونظائرها غير عزيز.

وأمّا الثاني: فكما قال في جابر الجعفي: «من أ نّه ثقة في نفسه ؛ ولكن جلّ
من روى عنه ضعيف»
[186] وقال النجاشي: «روى عنه جماعة غمز فيهم وضعّفوا
وكان في نفسه مختلطا»
[187].

نعم ، إنّه يظهر من العلاّمة كثرة الاعتماد عليه ؛ فإنّه قلّما خالفه. وما خالفه
في الغالب ، إنّما هو لتوثيق الشيخ والنجاشي ، وترجيح توثيقهما على جرحه ؛
ولكن لمّا كان النجاشي أعرف منه في هذا الفنّ ، وظهر عدم اعتماد منه إليه ،
فيصير سببا لوهن جرحه وضعف تضعيفاته ؛ بل قد مرّ أنّ العلاّمة في بعض
التراجم لم يلتفت إلى جرحه أيضا وجرى على توثيق من جرحه
[188].

ومن هنا ينقدح القدح في مقالة بعض[189] في بعض المواضع من أ نّه: «يظهر
بأدنى تأمّل ، جلالة قدر الرجل ، وكمال اعتباره عندهم ، في قوله ونقله
و جرحه وتعديله»
[190].

وفي آخر: «لم يقدح فيه ولا في كتابه أحد من الطائفة؛ بل كلّ تلقّاه
بالقبول»
[191].

وأمّا الثّاني:[192] فلأنّ ما ذكر من الاجتماع المذكور ممنوع ؛ إذ النجاشي
الذي له الرئاسة ، قد شهد بصحّة كتبه وقال: «كتبه صحاح إلاّ كتابا ينسب إليه
في ترجمة تفسير الباطن فإنّه مختلط»
[193].

واستظهر الفاضل الشارح منه: «أنّه كان في بيان ارتباط الأئمّة عليهم‏السلام باللّه
تعالى وكانوا لايفهمونه ، فنسبوه إلى ما نسبوه.

نعم ، إنّه نقل عن القميّين رميه بالغلوّ ؛ ولكن صرّح بعده بتوقّفهم فيه لما رأو
منه من الاشتغال بالصلاة من أوّل الليل إلى آخره
[194].

فالعمدة في التضعيف ، الاتّهام بالغلوّ وهو ضعيف ؛ لضعف تضعيفات القميّين
ولاسيّما بالغلوّ»
[195].

ولقد أجاد من قال[196] بعد تضعيف التضعيف: «من أنّ أجلّ علمائنا
وأوثقهم ، غالٍ على مذهبهم ولو وجدوه في قم ، لأخرجوه منه لامحالة ؛ مضافا
إلى رجوعهم عنه لما رأوا ما رأو منه ، مع أ نّه قد عدّ من جملة كتبه: كتاب الردّ
على الغلاة»
[197].


قيل:[198] «وأحاديثه في كتبه ، صريحة في عدم غلوّه وصحّة اعتقاده على
أ نّه قد ذكر من رؤية مكاتبة ، من مولانا أبي الحسن الخامس
عليه‏السلام في براءة
ساحته ممّا قذفوه به.

وأمّا الثالث[199]: فلأ نّه إنّما ينتهض ، لو كان المراد مجرّد المخالفة لبعض في
بعض الموارد ؛ ولكن من المعلوم خلافه ، إذ المراد مخالفته فيه لكثير في
كثير
[200] وهي غير بعيد ـ على ما سيجييء إن شاء اللّه تعالى ـ .

وللقول الثاني وجوه أيضا: من أ نّه مسارع إلى الجرح ، حتّى جرح كثيرا من
الأجلاّء الثقات والعلماء الأثبات كما قال في موضع من الرواشح: «إنّه مسارع
في الأكثر إلى التضعيف بأدنى سبب»
[201].

وفي آخر: «إنّه مسارع إلى الجرح حردا[202] مبادرا إلى التضعيف
شططا»
[203].

وقال العلاّمة البهبهاني بعد ما تقدّم: «وهذا يشير إلى عدم تحقيقه حال
الرجال أو كون أكثر ما يعتقده ، ليس في الحقيقة جرحا»
[204].

وقال عند الكلام في المعلّى بن خنيس ، موردا على ما ذكره ابن الغضائري:
ـ من أ نّه كان أوّل أمره مغيريّا
[205] ثمّ دعى إلى محمّد بن عبد اللّه المعروف
بالنفس الزكيّة وفي هذه الظنّة ، أخذه داود بن علي فقتله ـ «بأ نّه يظهر بالتأمّل
في كلام ابن الغضائري هنا وأمثاله ممّا هو خلاف الواقع قطعا ، أو ظنّا قريبا
منه ، فساد تضعيفاته»
[206] ، وإن كان يعتمد على اُمور لا أصل لهايجرح بسببها
البراء ، وتبعه بعض من تأخّر فذكر ما ذكر وقال: وبالجملة ، تضعيفه لايفيد ظنّا
بالإتّصاف بما هو جرح في نفس الأمر ، وإنّه ممّن لم يعرف حاله في الرجال
فلا اعتماد عليه في حال من الأحوال ، وإنّ الاعتماد على كتابه وقوله في
جرحه ، يوجب ردّ أكثر أخبار الكتب المشهورة
[207].

أقول: أمّا الأخيران فغير وجهين:


وأمّا الأوّل: فربّما يجاب عنه بما تقدّم في مستند القول الأوّل ، من الأمرين
الثانيين وقد مرّ ضعفهما.

ومن العجيب ما ذكره بعض[208] «من أ نّه[209] لمّا كان في الأكثر مسارعا إلى
التعديل ، مبادرا إلى التوثيق من غير اكتراث ومبالات ، ولذا وثّق السكوني
و النوفلي ومن يشاكلهما من العامّة ، وكان ابن الغضائري قد ضعّف أكثر من
وثّقه ، نسب إليه ما نسب وهو بريء منه»
[210].

وأعجب منه ما ذكره بعد ذكر كلاميه: «من أ نّه بظاهره يقتضي نوع سوء ظنّ
منه به ؛ ولكن بعد التأمّل في أطراف كلامه هنا ، ينكشف أنّ الأمر ليس
كذلك»
[211].

وقال بعده بفاصلة بعد ذكر ثاني الكلامين: «هذا منه قدح عظيم فيه ؛ فإنّه
يفيد أ نّه كان في جرحه وتضعيفه بعيدا عن الحقّ مفرطا في الظلم ، فكان يجرح
سليما ويقدح في بريء من غير تثبّت منه في حاله ، وتبيّن في مقاله»
[212].

مضافا إلى أنّ من الظاهر ولا أقلّ من الاحتمال ، أنّ غرضه تضعيف
تضعيفاته بلحاظ ضعف براءته التي مرجعها إلى كثرة احتياطه ، أو غيرها ممّا
ستعرف ؛ لا بلحاظ عدم مبالاته.

ومن الظاهر أنّ هذا ليس قدحا في رفعته وجلالته ؛ بل هو شاهد قوّة إيمانه
وتصلّبه في مقامه.


وظهر ممّا ذكر ، ضعف ما ذكره بعض أفاضل من عاصرناهم في الجواب عن
استفادة القدح: «بأ نّه ليس يعني بهذا قدحا في الرجل».

كيف وقد صرّح مرارا ؛ بل بالبناء على جرحه وتعديله ؛ بل تمنّيا في مثله
خلاف ذلك ، مع أنّ وضع كتابه المشهور لمّا كان لذكر الضعفاء ، لايذكر إسمه
غالبا إلاّ في مقام التضعيف. ولانقل عن كتابه المقصور على ذكر الممدوحين أو
غيره من كتبه إلاّ نادرا ، مع ظهور أنّ فيها من التوثيقات المفرطة ، ما لو انكشف
لانقلب ذلك الاحتمال في حقّه ، خيل أنّ وضع جبلّته ، كأ نّه كان على التضعيف
مهما استطاع ، من قبيل أهل اللّجاج والغرض ، بأنّ توثيقه في غاية القلّة.

واستناد السيّد إلى توثيقه في مرتبة فوقها لولم نقل بعدمه ؛ مع أنّ ما يظهر
منه ـ من منع ثبوت الكثرة ـ في غاية الفترة ، مضافا إلى أنّ دعوى ظهور
التوثيقات المفرطة مجازفة بيّنة.

والذي يختلج بالبال أن يقال: إنّ دعوى التسارع غير بعيد ؛ نظرا إلى أمور:

الأوّل:[213] إنّ الظاهر من كمال الاستقراء في أرجاء عبائره ، أنّه كان يرى
نقل بعض غرائب الأمور من الأئمّة
عليهم‏السلام من الغلوّ على حسب مذاق القميّين.

فكان إذا رأى من أحدهم ، ذكر شيء غير موافق لاعتقاده فيهم عنهم ، يجزم
بأ نّه من الغلوّ ؛ فيعتقد بكذبه وافترائه ، فيحكم بضعفه وغلوّه ، ولذا تكثر حكمه
بهما، في غير محلّهما.

ويظهر ذلك ممّا ذكره في موضع: «من أ نّه كان غاليا، كذّابا» ، كما في
«سليمان الديلمي»
[214].

وفي آخر: «من أ نّه ضعيف جدّا ، لايلتفت إليه، في مذهبه غلوّ» ،  كما في
عبدالرحمن بن أبي حمّاد
[215] ؛ فإنّ الظاهر أنّ منشأ تضعيفه بما ذكره ، غلوّه.

ومثله ما في خلف بن محمّد: «من أ نّه كان غاليا، في مذهبه ضعف ، لايلتفت
إليه»
[216].

وما في سهل بن زياد: «من أ نّه كان ضعيفا جدّا ، فاسد الرواية والمذهب ،
وكان أحمد بن محمّد بن عيسى أخرجه عن قم»
[217].

والظاهر أنّ منشأ جميعه ، ما حكاه النجاشي عن أحمد المذكور ، من أ نّه
كان يشهد عليه بالغلوّ والكذب ، أخرجه عنه
[218].

وما في حسن بن مياح: «من أ نّه ضعيف ، غال»[219].

وفي صالح بن سهل: «غالٍ ، كذّاب ، وضّاع للحديث ، لاخير فيه ، ولا في
سائر ما رواه»
[220].


وفي صالح بن عقبة: «غالٍ ، كذّاب ، لايلتفت إليه»[221].

وفي عبد اللّه بن بكر: «مرتفع القول، ضعيف»[222].

وفي عبد اللّه بن حكم: «ضعيف، مرتفع القول»[223].

ونحوه في عبد اللّه بن سالم[224].

وعبد اللّه بن بحر[225].

وعبد اللّه بن عبدالرحمن[226].

وبعد ما اختلج بالبال ما ذكر مستفيدا ممّا سطّر ، رأيت أ نّه قد تفطّن به
العلاّمة البهبهاني 
رحمه‏الله أيضا.

فقال في التعليقات: «إعلم أنّ ابن الغضائري ربّما ينسب الراوي إلى الكذب
و وضع الحديث بعد ما نسبه إلى الغلوّ. وكأ نّه لرواية ما يدلّ عليه ولايخفي ما
فيه ؛ بل قد صرّح قبله بأنّ الظاهر ، أنّ كثيرا من القدماء ، سيّما القميّين ومنهم
ابن الغضائري ، كانوا يعتقدون للأئمّة
عليهم‏السلام منزلة خاصّة من الرفعة والجلالة ،
وكانوا يعدّون التعدّي عنها ، ارتفاعا وغلوّا على حسب معتقدهم ؛ حتّى أ نّهم
جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلوّا»
[227].

ولقد أجاد فيما أفاد ، وهو من باب توافق الخيال ، وتطابق التخاطر بالبال ،
كما أ نّه ربّما يلوح أيضا ممّا ذكره شارح المشيخة:

«من أنّ الذي يظهر بالتتبّع ، أنّ جابر بن يزيد ، ثقة ، جليل ، من أصحاب
الأسرار ، والعامّة يضعّفونه ، وتبعهم بعض الخاصّة ؛ لأنّ أحاديثه تدلّ على
جلالتهم ، ولمّا لم يمكنه القدح لجلالته ، قدح في روايته.

وإذا تأمّلت فيها ، يظهر أ نّه ليس فيهم ؛ بل في قادحهم ، باعتبار عدم معرفة
الأئمّة
عليهم‏السلام كما ينبغي.

والذي ظهر لنا من التتبّع التامّ ، أنّ أكثر المجروحين سبب جرحهم ، علوّ
حالهم ؛ كما يظهر من الأخبار الدالّة على معرفة منازل الرواة على قدر
الروايات
[228].

والظاهر أنّ المراد به ، علوّها ممّا لايصل إليه أكثر العقول وقد ورد متواترا
«إنّ حديثنا صعب مستصعب»
[229].

ولهذا ترى: أنّ ثقة الإسلام وعلي بن إبراهيم والصفّار وأضرابهم ، ينقلون
أخبارهم معتمدين عليهم ، وابن الغضائري المجهول حاله وشخصه يجرحهم.
والمتأخّرون يعتمدون على قوله ، وبسببه يضعف أكثر الأخبار»
[230]. (انتهى).

وفي كلامه مواقع للنظر.


الثاني: إنّ الظاهر أ نّه كان غيورا في دينه حاميا فيه ، فكان إذا رأى مكروها
اشتدّت عنده بشاعته، وكثرت لديه شناعته ، مكثرا على مقترفه من الطعن
والتشنيع واللعن والتفضيع.

ويشهد عليه أمران:

أحدهما: سياق عباراته. فأنت ترى أنّ غيره في مقام التضعيف ، يقتصر بما
فيه بيان الضعف ، بخلافه ؛ فإنّه يرخى عنان القلم في الميدان بخبث وتهالك
ولعان ، فيضعف مؤكّدا ، كما قال في المسمعي
[231]: «إنّه ضعيف ، مرتفع القول ، له
كتاب في الزيارات ، يدلّ على خبث عظيم ، ومذهب متهافت ، وكان من كذّابة
أهل البصرة»
[232].

وقال في علي بن العبّاس: «له تصنيف يدلّ على خبثه وتهالك مذهبه ،
لايلتفت إليه، ولا يعبأ بما رواه»
[233].

وقال في جعفر بن مالك[234]: «كذّاب ، متروك الحديث جملة ، وكان في
مذهبه ارتفاع، ويروي عن الضعفاء والمجاهيل ، وكلّ عيوب الضعفاء مجتمعة
فيه
[235].

وقال في السيّاري[236]: «ضعيف ، متهالك ، غالٍ ، منحرف ، وكلّ ذلك، لعظم

جهات الضعف في نظره ، وقبح ارتكابها ومقترفه
[237].

وثانيهما: اختلاف سلوكه مع غيره في مقام التضعيف ، كما ترى تارةً ، أنّه
ربّما صدر تضعيف بعض من بعض ، وإن وقع تحسينه ونحوه من آخر ، يجري
على التضعيف مصرّا فيه ؛ كما وقع في: «عبد اللّه بن محمّد»
[238].

فإنّه ذكر الشيخ: «أنّه كان واعظا ، فقيها»[239].

والنجاشي: «أنّه ضعيف»[240].

ولمّا اطّلع ابن الغضائري على شيء من أسباب الضعف ، فذكر: «أنّه كذّاب ،
وضّاع للحديث ، لايلتفت إلى حديثه ولايعبأ به»
[241].

وأخرى ، أنّه ربّما يتردّد بعض في بعض ، لما رأى فيه من الأمرين ، يحكم
ابن الغضائري بالضعف على الإطلاق كما في صالح بن حمّاد.

فإنّه ذكرالنجاشي: «أنّه كان أمره ملتبسا يعرف وينكر»[242].

ولما رأى ابن الغضائري منكر الروايات ، أطلق في تضعيفه[243].

وثالثة ، أنّه قد يضعف بعض في الرجال ، فيضعّفه بأشدّ المقال كما في
البطائني
[244].

فإنّه ذكر الشيخ في عدّة مواضع: «أنّه واقفيّ»[245].

و العلاّمة: «أنّه أحد عمد الواقفة»[246].

وأمّا ابن الغضائري فقال كما مرّ: «علي بن أبي حمزة ، لعنه اللّه ، أصل
الوقف وأشدّ الخلق عداوةً للوليّ من بعد أبي إبراهيم 
عليه‏السلام»[247].

وإسحاق بن أحمد المكنّى بأبي يعقوب، أخي الأشتر[248].

قال النجاشي: «معدن التخليط وله كتب في التخليط»[249].

وقال ابن الغضائري: «فاسد المذهب ، كذّاب في الرواية ، وضّاع للحديث ،
لايلتفت إلى ما رواه ، ولايرتفع بحديثه»
[250].

والحسين بن حمدان. قال النجاشي: «كان فاسد المذهب»[251].

وقال ابن الغضائري: «كذّاب ، فاسد المذهب ، صاحب مقالة ملعونة ،
لايلتفت إليها»
[252].

ولقد أجاد السيّد السند النجفي في رجاله من قوله:


«أنّه إذا وجد في أحد ضعفا بيّنا ، أو طعنا ظاهرا ، سيّما إذا تعلّق بصدق
الحديث ، فإنّه يقيم عليه النوائح ، ويبلغ منه كلّ مبلغ ، ويمزّقه كلّ ممزّق ، فهذا
الإكثار والتسارع يقتضيان الوهن في جرحه»
[253].

ويمكن استفادته ممّا مرّ من الرواشح من قوله «حردا»[254].

فإنّ الظاهر أ نّه بمعنى الغضب ، كما قال في المجمع: «حرد حردا مثل غضب
غضبا وزنا ومعنىً»
[255].

والمراد ، الغضب في اللّه كما ورد مدحه في الأخبار المتكثرة.

وأمّا احتمال أن يكون بمعنى القصد كما جزم به بعض المحقّقين ، نظرا إلى
ما ذكره في الصحاح
[256] ، فبعيد في الغاية ، فتأمّل.

الثالث: كثرة تضعيفه للأجلاّء والموثّقين ، فضلاً عن غيرهم من المهملين
والمجروحين.

ومنه تضعيفه ، لأحمد بن مهران ، كما قال في كتابه: «أحمد بن مهران ، روى
عنه الكليني ، ضعيف»
[257].

مع أنّ الظاهر أ نّه من مشايخ ثقة الإسلام ، كما يشهد عليه روايته عنه
بلاواسطة في غير مورد في الكافي ؛ مضافا إلى إرداف ذكره في غير موضع ،
بالرحملة ، كما قال في باب مولد الزهراء
عليهاالسلام: «أحمد بن مهران رحمه اللّه
رفعه وأحمد بن إدريس عن عبدالجبار»
[258].

وفي باب مولد أبي الحسن موسى عليه‏السلام: «أحمد بن مهران رحمه اللّه عن
محمّد بن علي ...»
[259].

وفي باب مولد مولانا الرضا (عليه آلاف التحية والثناء): «أحمد بن مهران ،
عن محمّد بن علي ...»
[260].

وفي باب فيه نكت ونتف: «أحمد بن مهران رحمه اللّه عن
عبدالعظيم ...»
[261]. إلى غير ذلك من الموارد.

ولقد أجاد المحدّث المحقّق النوري في جملة كلام له: «وهذا الإصرار في
الترّحم عليه ، ينبى‏ء عن علوّ قدره وحسن حاله ؛ مضافا إلى كونه من مشائخه ،
فقول الغضائري ، كما في الخلاصة: «إنّه ضعيف»
[262] ينبغي أن يعدّ من قوادح
ابن الغضائري المتأخّر عنه بقرون»
[263].

هذا هو الكلام في تضعيفه.

 


 

[توثيقات ابن الغضائري]

 

وأمّا توثيقه ، فالظاهر اعتباره لما ثبت في ثالث المباحث ، من وثاقته وعدم
جريان ما دلّ على عدم اعتبار تضعيفاته ؛ بل الظاهر أنّ توثيقه في غاية
الاعتبار ، كما هو غير خفيّ على ذوي الأنظار.

ولكنّ الخطب هيّن ، لقلّة توثيقه ؛ بل نفي الوالد المحقّق الظفر بتوثيقه في غير
الحسن بن القاسم