نقد كتاب أصول مذهب الشيعة

لمؤلفه  الدكتور  السلفي  ناصر  بن  عبد  الله  القفاري

 

منهج تأسيسي في الإجابة

عن الشبهات المثارة ضدّ المذهب الشيعي

 

 

الجزء الثاني

أ. د. السيّد محمّد الحسيني القزويني

الاُستاذ في  الحوزة  العلمية  قسم الدراسات العليا في  قم المقدسة،

ورئيس قسم الحديث، وعضو الهيئة  العلمية في جامعة  آل  البيت  ^ العالمية.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

هوية الكتاب

اسم الكتاب:........................... نقد كتاب اُصول مذهب الشيعة

تأليف:.... أ. د. محمد الحسيني القزويني بمساعدة اللجنة العلمية

الإخراج الفني وتدقيق المصادر:........................... حسن السعدي

الناشر:.................. مؤسسة وليّ العصر # للدراسات الإسلامية

رقم الإيداع الدولي (ج2):.....................  2 ــ 30 ــ 8615 ــ 964 ــ 978

رقم الإيداع الدولي للدورة:....................  6 ــ 32 ــ 8615 ــ 964 ــ 978

الطبعة:............................................. الأولى 1434هـ ـ 2013م

عدد النسخ:..................................................... 5000 نسخة

يحق للجميع طبع الكتاب ونشره مع إعلام المؤلف والناشر قبل ذلك


 

 

 

 

اللجنة العلمية

 

 

د. فلاح عبد الحسن الدوخي

د. يحيى عبد الحسن الدوخي

د.حكمت جارح الرحمة

                                               السيّد حاتم كاطع البخاتي

 

 

 

 

تحت إشراف

أ. د. السيّد محمد الحسيني القزويني


 

 

 

 

 

الإهداء

إلى من كان رمز  الجهاد والتضحية  والفداء، إلى من أفنى حياته في الدفاع عن حريم الإسلام وإعلاء كلمته، إلى من وطّد أركان الإسلام بجهده وجهاده، إلى من كان همه الحفاظ على وحدة المسلمين وتقوية شوكتهم في وجه أعدائه، إلى ابن عم النبي’ وأخيه، أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب× نهدي هذا الجهد المتواضع والبضاعة المزجاة، راجين من الله تعالى القبول.

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الفصل الثالث

الشبهات المثارة حول أدلة الإمامة الروائية

 


 

الشبهة: حديث المنزلة لا يدل على إمامة علي ×

قال القفاري: «والفضائل الواردة في حق علي (رضي الله عنه) ليست من ألفاظ النصوص والوصايا والاستخلاف، لا في لغة العرب ولا في عرفهم ولا في شريعة الإسلام ولا في عقول العقلاء، إنما هي فضائل أدخلها هؤلاء في الدعاوى.

وقد قام ابن حزم بحصر الأحاديث الواردة في فضائل علي، فقال: وأمّا الذي صحّ من فضائل علي، فهو قول النبي (صلّى الله عليه وسلّم): (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي)... وهذا لا حجة فيه للرافضة».

وقال نقلاً عن ابن حزم أيضاً ـ حيث اكتفى القفاري بشبهته هذه بما ذكره ابن حزم، لذلك ذكر التفاصيل ـ في حاشية كتابه: «يقول ابن حزم في إثبات ذلك: وهذا لا يوجب له فضلاً على من سواه ولا استحقاق الإمامة بعده×؛ لأنّ هارون لم يل أمر بني إسرائيل بعد موسى×، وإنّما وليّ الأمر بعد موسى× يوشع بن نون، فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر، كما وليّ الأمر بعد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة.

وإذا لم يكن علي نبيّاً كما كان هارون نبيّاً، ولا كان هارون خليفة بعد موت موسى على بني إسرائيل، فصح أن كونه (رضي الله عنه) من رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بمنزلة هارون من موسى إنّما هو في القرابة فقط.

وأيضاً فإنّما قال له رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، فقال المنافقون: استقله [كذا في الأصل المحقق من الفصل، ولعلها استثقله] فخلفه، فلحق علي برسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) فشكى ذلك إليه، فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) حينئذ: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)، يريد× أنّه استخلفه على المدينة مختاراً لاستخلافه، ثم قد استخلف× قبل تبوك وبعد تبوك على المدينة في أسفاره رجالاً سوى علي (رضي الله عنه) فصحّ أنّ هذا الاستخلاف لا يوجب لعلي فضلاً على غيره، ولا ولاية الأمر بعده، كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين.

وتشبيه علي بهارون ليس بأعظم من تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى، وتشبيه عمر بنوح وموسى كما روى ذلك الإمام أحمد في مسنده: ج1 ص383 ح3632، والحاكم في مستدركه: ج3 ص21ـ 22، وروى الترمذي في كتاب الجهاد طرفاً منه: ج4 ص213.

فإنّ هؤلاء الأربعة أفضل من هارون، وكل من أبي بكر وعمر شبّه باثنين لا بواحد، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي، مع أنّ استخلاف علي له فيه أشباه وأمثال من الصحابة، وهذا التشبيه ليس لهذين فيه شبيه، فلم يكن الاستخلاف من الخصائص، ولا التشبيه بنبي في بعض أحواله من الخصائص»([1]).


أساسيات الشبهة

بناءً على ما ذكرناه فإنّ الشبهة ترتكز على الاُمور التالية:

1ـ إنّ حديث المنزلة لا يوجب فضلاً ولا استحقاقاً للإمامة، وذلك للأسباب التالية:

أ ـ إنّ النبي’ استخلف على المدينة غير علي× في ظروف مختلفة، فلا يوجب استخلافه فضلاً ولا ولاية أمر، كما لم يوجب لغيره.

ب ـ إنّ النبي’ استخلف علياً× على المدينة وقال له ما قال؛ تسليةً له عندما عاب عليه المنافقون البقاء مع النساء والصبيان.

ج ـ إنّ هارون× لم يل أمر بني إسرائيل وإنّما تولّى الأمر يوشع بن نون، فلا تكون المنزلة المذكورة في الحديث إلاّ في القرابة فقط.

2ـ تشبيه علي× بهارون ليس بأعظم من تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى× وتشبيه عمر بنوح وموسى‘، بل هذا أعظم، فليس التشبيه ببعض الأنبياء من خصائص علي×.

وللردّ على ما تقدم نبرز الأجوبة التالية:

الجواب الأول: حديث المنزلة صحيح سنداً وواضح دلالة

في البداية لابدّ أن نشير إلى أن حديث المنزلة من الأحاديث التي أجمع العلماء على صحتها، ويكفي في صحّته أنّه ورد ذكره في صحيح مسلم والبخاري، ولذا لم يتعرض القفاري إلى طريق الحديث وسنده.

إذن فالبحث مع القفاري في حديث المنزلة يتحدد في الجانب المضموني، وهو دلالة الحديث على إثبات فضيلة عظيمة للإمام علي×، وهي الخلافة والإمامة والولاية بعد الرسول الأكرم’، وأنّ هذا الأمر من خصائصه×.

ولكي يتّضح الجواب أكثر عن الشبهة في المجال المضموني، لابدّ من التسلسل في الجواب ضمن الاُمور التالية:

أولاً: اختلاف مناسبات ومضامين الحديث يدل على الفضل والخلافة

بعد أن كان حديث المنزلة من الأحاديث الثابتة، فإنّه من الصعب استقصاء ألفاظ الحديث ومتونه والمجامع الحديثية التي ورد فيها الحديث، ولكن نحاول الاقتصار على ذكر بعض ألفاظه الصحيحة والصريحة في الدلالة على مقام الخلافة والولاية والإمامة بعد رسول الله’:

تتبع وتثبت سعيد بن المسيب من صحة حديث المنزلة

أخرج مسلم في صحيحه عن يحيى بن يحيى، عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: «قال رسول الله’ لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، قال سعيد: فأحببت أن أشافه بها سعداً، فحدّثته بما حدّثني عامر، فقال: أنا سمعته، فقلت: أنت سمعته؟ فوضع إصبعيه على أذنيه، فقال: نعم، وإلاّ فاستكّتا([2])»([3])، وقد أخرج هذا المضمون من الحديث البخاري أيضاً في صحيحه بألفاظ اُخرى([4]).

وهذا الدليل كما هو واضح غير مقيد بغزوة تبوك، بل هو مطلق، وتقييده بذلك يحتاج إلى الدليل، مما يعني أن الحديث قد صدر أكثر من مرة، كما أن تتبع ابن المسيب للحديث والتثبت من صدوره عن النبي’ وتوجيه سؤاله إلى سعد بن أبي وقاص مرة اُخرى بنحو التعجّب، وتأكيد سعد لسماعه الحديث من النبي’ مباشرة بوضع أصبعيه على أذنيه، وقوله: «نعم وإلاّ فاستكّتا» كلّ ذلك واضح الدلالة على أن الصحابة والتابعين قد فهموا من الحديث إثبات فضيلة ومزية خاصّة لعلي× تميّز بها على سائر الصحابة، ولو لم يكن في الحديث فضل اختصّ به علي× فما هو الداعي لكل ما قام به ابن المسيب من التأكيد والتثبّت؟!

2ـ سعد بن أبي وقاص يفهم من حديث المنزلة بأنه فضيلة عظيمة

أخرج مسلم في صحيحه أيضاً عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهن له رسول الله فلن أسبّه؛ لئن تكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ من حمر النعم، سمعت رسول الله يقول له، خلّفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله! خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطينّ الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي علياً، فأتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولمّا نزلت هذه الآية: {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ} دعا رسول الله علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللّهم هؤلاء أهلي»([5]).

لقد توفر هذا الحديث على جهات كثيرة، كلّها صريحة في أن حديث المنزلة جاء لإثبات فضيلة عظيمة تميّز بها الإمام علي× على الصحابة، نشير إلى بعضها:

أـ قول سعد: «لئن تكون لي واحدة منهن أحبّ إلي من حمر النعم»، فإن هذه العبارة صريحة في أن سعداً فهم من حديث المنزلة فضيلة لعلي× يفتقدها هو وغيره من الصحابة، ويرى سعد أيضاً أن تلك المنزلة لا يمكن أن تقارن بأموال الدنيا وكنوزها.

ب ـ لقد قرن سعد في الفضل حديث المنزلة بحديث دفع الراية يوم خيبر وقضية المباهلة، ولا شك أنّ حديث دفع الراية «لأعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» قد فهم منه الصحابة منزلة وفضيلة عظيمة لعلي×، حتى تطاولوا للحصول عليها، وقد قال عمر بن الخطاب (رض) في تلك اللحظة: «ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذ»([6])، وقال أيضاً: «فتساورت لها رجاء أن ادّعى لها»([7])، وحديث المنزلة جاء في سياق هذه الفضيلة العظيمة التي تطاول لنيلها عمر (رض) وغيره من الصحابة، ولم يحظ بها إلاّ علي×، فكان خليقاً بالإمارة حتى فتح الله تعالى على يديه، كما أنّ تلك الفضيلة نستكشفها أيضاً من إدراج حديث المنزلة في سياق آية المباهلة وقول النبي’: «اللّهم هؤلاء أهلي».

وبناءً على هذا يتّضح أنّ ما ذكره القفاري من أنّ حديث المنزلة لا يوجب فضلاً باطل، وليس هو إلاّ إنكاراً لما هو ثابت بالقطع واليقين.

3ـ لفظ الخلافة والولاية في حديث المنزلة

أخرج أحمد في مسنده أيضاً عن ابن عباس في حديث طويل، جاء فيه قول النبي’ لعلي×: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنك لست بنبي، إنّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي ... أنت وليي في كلّ مؤمن بعدي ...»([8]).

قال الهيثمي في الزوائد في تعليقه على الحديث: «رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط باختصار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري وهو ثقة وفيه لين»([9]).

وفي لفظ آخر في كتاب ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم عن ابن عباس، قال: «قال رسول الله لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنك لست نبيّاً، إنّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي في كلّ مؤمن من بعدي».

قال الألباني في تقييمه لطريق الحديث: «إسناده حسن»([10]).

وقد صحّح الحديث الحاكم النيسابوري أيضاً في مستدركه، قال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة»، وتابعه الذهبي في التلخيص قائلاً: «صحيح»([11]).

فهذا الحديث بألفاظه المختلفة التي تضمّنت صيغة (لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي ...) هذه الصيغة صريحة في أنّ حديث المنزلة يرمي إلى إثبات أهمّ منزلة من منازل هارون من موسى، وهي الولاية والخلافة، كما سيأتي ذكرها لاحقاً، والشاهد على صراحة الرواية في إثبات منزلة الخلافة ما ذكره بعض علماء السنة، منهم الباحث أحمد محمود صبحي ـ فهو بعد أن ذكر صحة سند حديث المنزلة وأنه لا نقاش في ذلك ـ قال بناء على ثبوت تلك الصيغة: «ولا شك أن هذه العبارة تجعل من الحديث نصّاً جلياً في إمامة علي، يحسم كلّ اختلاف ويضع حداً للتفسيرات المتباينة التي استخلصتها الفرق من دلالة الحديث»([12]).

4ـ استخلاف علي× في المدينة كان أمراً ضرورياً

أخرج الطبراني عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم: «أنّ رسول الله قال لعلي حين أراد أن يغزو: إنّه لابدّ من أن تقيم أو أقيم، فخلفه، فقال ناس: ما خلفه إلاّ لشيء كرهه، فبلغ ذلك علياً، فأتى رسول الله فأخبره، فتضاحك، ثم قال: يا علي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه ليس نبي بعدي»([13]).

قال الهيثمي: «رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما ميمون أو عبد الله البصري، وثّقه ابن حبّان وضعّفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح»([14]).

إنّ ألفاظ هذا الحديث الشريف تسلّط الضوء على حقيقة مهمة تساهم في فهم طبيعة العلاقة بين استخلاف علي× في المدينة وبين مدلول حديث المنزلة، وأن ذلك الاستخلاف نابع من واقع المنزلة التي هي لعلي× من رسول الله’، وهي منزلة تضاهي منزلة هارون من موسى‘ بكل أبعادها بما في ذلك استخلافه على قومه عندما ذهب موسى× إلى لقاء ربه تبارك وتعالى، كما سيتضح لاحقاً.

وتعبير النبي’: «إنّه لابدّ أن تقيم أو أقيم»، صريح في أنّ المدينة المنوّرة التي كانت عاصمة الحكومة الإسلامية آنذاك قد أحاطت بها ظروف وملابسات خاصة اقتضت أن لا يغادرها النبي الأكرم’، كما أنّه لا يمكن السكوت عن الخطر الداهم الذي كانت تواجهه الحكومة الإسلامية من قبل الإمبراطورية الرومانية في ذلك الحين، والذي كان يتطلب من النبي’ الخروج بشخصه المبارك لتقوية عزيمة المسلمين تجاه أعتى قوة عسكرية في المنطقة، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار طول المسافة بين المدينة وتبوك التي كان من المفروض وقوع المعركة فيها واستعداد الروم لغزو الجزيرة العربية والقضاء على الرسالة الإسلامية؛ انطلاقاً من ذلك المكان.

وقد كان ذلك العام عام جدب، وقد تزامن خروج النبي’ مع صيف الجزيرة المتسم بشدة الحرارة مما أوجب تقاعس بعض المسلمين وتثبيط المنافقين لعزيمة المقاتلين في الجيش الإسلامي، كلّ ذلك جعل وجود النبي’ في تلك المعركة ضرورة لابدّ منها، وإلاّ فلا يمكن الخروج بجيش قادر على مواجهة الروم، والشاهد على ذلك تخاذل المسلمين في المرة اللاحقة عن جيش أسامة عندما كان الرسول’ مريضاً.

إذن كان الموقف الصحيح في مثل هكذا تزاحم أن يخلّف النبي’ في المدينة من يحمل خصائصه الرسالية، ويكون قادراً على ملء الفراغ الذي يخلّفه خروج النبي’ إلى غزوة تبوك، ولم يكن أحد من الصحابة يمتلك هذا المقام الإلهي إلاّ علي×، الذي كان يمثّل نفس النبي’ بصريح آية المباهلة، وكان الناطق الرسمي عن رسول الله’ من أهل بيته^ كما هو صريح الحديث الوارد في تبليغ سورة براءة عندما قال جبرائيل× للنبي’: «لن يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك»([15])، فأرجع النبي’ أبا بكر وبعث علياً× خليفة عنه وناطقاً عن السماء.

وهذا ما يميّز استخلاف علي× عن استخلاف ابن أمّ مكتوم وغيره على المدينة، إذ لم يكن استخلافهم بديلاً عن خلافة النبي’ بل كان استخلافهم، نيابة عن النبي’ في إقامة الصلاة.

أخرج أبو داود في سننه عن أنس: «أنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) استخلف ابن أمّ مكتوم يؤم الناس وهو أعمى»([16]).

وكذلك استخلاف النبي’ لسالم مولى أبي حذيفة، فقد أخرج البخاري بسنده عن ابن عمر، قال: «لما قدم المهاجرون الأولون العصبة موضع بقباء قبل مقدم رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآناً»([17]).

وأمّا استخلاف علي× فقد جعله النبي’ بديلاً شرعياً وقانونياً يضاهي استخلاف موسى× لهارون في قومه عندما ذهب إلى ربه، كما حكاه عنه القرآن في قوله تعالى: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}([18])، ولذا نجد أن النبي’ قرن في حديثه بين ضرورة بقاء علي× خليفة عنه في المدينة وبين منزلة علي منه’ كمنزلة هارون من موسى.

وممّا يسلّط الضوء على ضرورة بقاء النبي’ في المدينة أو رجل منه وهو علي× ما جاء في الحديث ذاته من أن هناك أناساً تخلّفوا عن الخروج إلى القتال وطعنوا في خلافة علي× على المدينة، حيث قالوا: «ما خلفه إلاّ لشيء كرهه»، فإنّ هذا يعني أنّ هناك أناساً تخلّفوا في المدينة يسعون لإثارة الأجواء واللغط حول خلافة علي×، مما يعني أن هناك نيّة مبيّتة لإحداث انقلاب مدني ضدّ الحكومة الإسلامية بعد أن تخلو لهم الأجواء بخروج النبي’ وعلي× الذي يتميز بقوة اليقين وحسن التدبير والشجاعة الفائقة التي لا يستطيع المنافقون والذين في قلوبهم مرض مواجهتها، وتكون هذه الحقيقة أكثر جلاءً عند مطالعة مفردات الحديث اللاحق.

والحاصل: أنّ ألفاظ الحديث المذكور واضحة في إثبات خلافة وولاية إلهية خاصة لعلي× نظير خلافة هارون لموسى‘، ومن ذلك يتبيّن بطلان الشبهة القائلة: إنّ حديث المنزلة لا يوجب فضلاً ولا استحقاقاً للإمامة.

كما تبين أيضاً بطلان ما زعمه القفاري من أن النبي’ ذكر حديث المنزلة تسليةً لعلي× عندما عاب عليه المنافقون البقاء مع النساء والصبيان؛ لأنّ هذا الزعم يتجاهل طبيعة استخلاف علي× على المدينة الذي تنصّ عليه ألفاظ حديث المنزلة.

5ـ لا تصلح المدينة إلا ببقاء علي× فيها

أخرج الحاكم في المستدرك في حديث طويل ورد فيه شكوى علي× للرسول الأكرم’، وما يترتب على بقائه في المدينة وعدم خروجه إلى القتال من القيل والقال، فأجابه النبي قائلاً: «أما قولك: تقول قريش ما أسرع ما تخلّف عن ابن عمه وخذله فإنّ لك بي أسوة، قد قالوا: ساحر وكاهن وكذاب، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي، وأمّا قولك: أتعرّض لفضل الله، فهذه أبهار من فلفل جاءنا من اليمن فبعه، واستمتع به أنت وفاطمة حتى يأتيكم الله من فضله، فإنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك» قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»([19]).

ولم يُشكل الذهبي على طريق هذا الحديث في تلخيصه إلاّ من جهة عبد الله بن بكير الغنوي وحكيم بن جبير، قال: «عبد الله بن بكير الغنوي منكر الحديث، عن حكيم بن جبير وهو ضعيف يترفّض»([20]).

وليس هذا بغريب على الذهبي الذي لا يتحمّل بطبيعته روايات فضائل علي×، فالطعن بالحديث لم يكن وفق الموازين الصحيحة، بل هو نتيجة اختلاف في الرؤية بين الناقد والراوي، وإلاّ فإن عبد الله بن بكير قد وثّقه ابن حبّان وأدرجه في كتابه (الثقات)([21]).

وفي تاريخ ابن معين قال الداوري: «سمعت يحيى يقول: عبد الله بن بكير الغنوي لا بأس به»([22]).

وقال ابن عدي: «ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً»([23]).

ولذا قال الذهبي في ترجمته لعبد الله بن بكير: «وقال الساجي: من أهل الصدق وليس بقوي»([24]).

وقال الألباني ـ بعد أن نقل قول بعض من مدحه ـ إن وصف الذهبي له بمنكر الحديث مبالغ فيه: «قال الساجي: من أهل الصدق، وليس بقوي. وذكر له ابن عدي مناكير. وهذا كلّ ما جرح به، وذكره ابن حبّان في الثقات. فقول الذهبي: منكر الحديث، لا يخلو من مبالغة، وقد قال في الضعفاء: ضعفوه، ولم يترك»([25]).

فتضعيف الذهبي له منحصر في كونه منكر الحديث([26]) وهو لا يقدح في وثاقته.

أمّا حكيم بن جبير، قال المزي في ترجمته: «وقال عبد الرحمان بن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال: في رأيه شيء، قلت: ما محلّه؟ قال: الصدق إن شاء الله»([27]).

والترمذي لم ير فيه بأساً، قال المباركفوري: «قوله: (حديث عائشة حديث حسن) قد حسّن الترمذي هذا الحديث وفيه حكيم بن جبير وهو متكلم فيه، فالظاهر أنّه لم ير بحديثه بأساً وهو من أئمة الفن»([28]).

وأمّا ما عرف من تضعيف شعبة له وامتناعه عن الرواية عنه، والذي يعتبر الأصل فيمن تكلّم فيه، فإنّما كان ذلك في فترة متأخرة وليس في كلّ الفترات، وسبب تكلّمه فيه هو حديث الصدقة المعروف([29]).

وأغلب التضعيفات فسّرت بكونه شيعياً مغالياً([30])، فالجرح ناشِ من الطعن في عقيدته عند أكثر من ضعّفوه، بسبب ما رواه من فضائل علي×، وعقيدة الراوي بشكل عام لا تضرّ في الوثاقة عند بعض علماء أهل السنة([31]).

فحديث الحاكم كسابقه صريح في ضرورة بقاء علي× في المدينة خليفة عن رسول الله’ بخلافة لا تليق إلاّ به، حيث يقول له النبي’: «فإن المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك»، كما أنّ الحديث صريح في أن الطعن بخلافة علي× على المدينة يوازي طعن قريش في نبوّة النبي’ واتهامهم له بالسحر والكهانة والكذب، وفي ضوء ذلك، قال النبي’ مباشرة: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي» بمعنى أن خلافتك من الله تعالى كنبوّتي، والطعن فيها من قبل قريش كطعنهم في مقام النبوّة، إلاّ أن علياً× ليس بنبي، وهذا ما نؤكّد عليه من أن حديث المنزلة يثبت ما كان لهارون× من المقامات إلاّ النبوّة، مما يعني أن حديث المنزلة الذي ورد في استخلاف علي× على المدينة يثبت له خلافة ربانية ومقاماً سامياً في حياة النبي’ وقبل مماته.

6ـ الخوف من إذاعة حديث المنزلة في زمن الأمويين

أخرج أحمد في المسند أيضاً عن سعيد بن المسيب، قال: «قلت لسعد بن مالك: إني أريد أن أسألك عن حديث وأنا أهابك أن أسألك عنه؟ فقال: لا تفعل يا ابن أخي، إذا علمت أن عندي علماً فسلني عنه ولا تهبني»([32])، فسأله عن حديث المنزلة في غزوة تبوك فأورد له نص الحديث.

وقد صحّح هذا الحديث كلّ من أحمد محمد شاكر([33])، وشعيب الأرنؤوط([34])، في حكمهما على الحديث المذكور.

والنقطة الملفتة للنظر في هذا الحديث هي خوف وهيبة سعيد بن المسيب من السؤال عن حديث المنزلة، وليس ذلك إلاّ للحظر والمنع الذي فرضه الأمويون في ذلك الحين على أحاديث فضائل علي×، وهذا يعني أنّ ابن المسيب لم يتردد في دلالة الحديث على إثبات فضيلة لعلي×، بل إثبات الخلافة له، وإنما كان يخشى من توبيخ سعد بن مالك له، أو امتناعه عن الإجابة على أقل تقدير، بسبب الظروف الأمنية السيئة التي كان يواجهها رواة الفضائل في زمن معاوية([35]).

7ـ حديث المنزلة في غير واقعة تبوك

لا تنحصر الروايات التي دلّت على حديث المنزلة بواقعة تبوك حتى يقوم بعضٌ بمناقشة مفاد تلك الروايات بكون علي× لم يكن الوحيد الذي خلّفه النبي’ على المدينة، بل خلّف غيره أيضاً حينما خرج منها في بعض الأزمنة، وعليه فلا دلالة للحديث على الإمامة والخلافة، نقول:

هذا الإشكال قد تكون له فائدة فيما لو انحصر صدور الحديث من النبي’ فقط في واقعة تبوك، لكن قد ورد مضمون الحديث في روايات كثيرة في غير واقعة تبوك أيضاً، وأنّ النبي’ قال ذلك في موارد كثيرة سبقت واقعة تبوك أو تلتها.

وهذه مجموعة من الروايات التي صحّ بعضها وبعضها الآخر ليس بالقوي، لكن يمكن القول إنّ بعضها يقوي بعضاً، ويشكّل قرينة على صحة صدور المضمون، أو أنها تشكّل ـ بملاحظة مجموعها ـ علماً وجزماً بصدور حديث المنزلة مطلقاً من غير أن يكون مرتبطاً بواقعة تبوك، وهذا العلم يسميه الأصوليون بالعلم الإجمالي الالتزامي، فإنّ كثرة هذه الروايات التي تتحدث عن صدور الكلام من النبي’ في مناسبات عديدة ـ لم يكن لها أي ربط بواقعة تبوك ـ من غير الممكن أن نجزم بكذبها جميعاً، بل لابدّ أن يثبت صدق بعض بنحو الإجمال، وهي كالتالي:

أ ـ حديث المنزلة في بيت أم سلمة

أخرج الحافظ ابن عساكر بسنده عن ابن عباس، قال: «أخبرنا أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي، أنا أبو بكر محمد بن المظفر بن بكران الشامي، نا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي، أنا أبو يعقوب محمد بن يوسف بن أحمد بن الدجيل، نا أبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي، حدّثني علي بن سعيد، نا عبد الله بن داهر بن يحيى الرازي، حدّثني أبي عن الأعمش عن عباية الأسدي، عن ابن عباس عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال لأمّ سلمة: يا أمّ سلمة إن علياً لحمه من لحمي ودمه من دمي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي»([36]).

ولم يقع كلام في سند هذه الرواية إلاّ من جهة داهر بن يحيى وابنه عبد الله، ولم يتكلم القوم فيهما، إلاّ من جهة أنّهما يرويان فضائل أمير المؤمنين× وأول من طعن عليهما بسبب ذلك هو العقيلي، حيث قال: «داهر بن يحيى الرازي كان ممن يغلو في الرفض لا يتابع على حديثه»([37]).

وقال الذهبي وتابعه ابن حجر: «فهذا باطل، ولم أر أحداً ذكر داهراً حتى ولا ابن أبي حاتم بلديه»([38]).

كما قال العقيلي في ابنه عبد الله: «رافضي خبيث»([39])، وقال ابن عدي في ترجمة عبد الله بن داهر: «وعامة ما يرويه في فضائل علي وهو متّهم في ذلك»([40]).

هذا ما ذكروه في تضعيف داهر بن يحيى وابنه، وقد ألمحنا في مرات عديدة إلى أن مثل ذلك الجرح لا يفي بالطعن في الراوي([41])، وقد صرّح ابن حجر في مقدمة فتح الباري في عدّة مواضع بأنّ الرفض لا يضرّ في وثاقة الرجل، وقد نقل هذا الرأي عن جملة من الأعلام، حيث قال عند استعراضه لجملة من رواة البخاري: «عباد بن يعقوب الرواجني الكوفي أبو سعيد رافضي مشهور، إلاّ أنّه كان صدوقاً وثّقه أبو حاتم، وقال الحاكم: كان ابن خزيمة إذا حدث عنه يقول: حدثنا الثقة في روايته المتّهم في رأيه عباد بن يعقوب، وقال ابن حبّان: كان رافضياً داعية، وقال صالح بن محمد: كان يشتم عثمان»([42]).

وقد ذكر الخطيب البغدادي في ترجمته للابن: عبد الله بن داهر، بسنده عن صالح بن محمد الأسدي، قال: «عبد الله بن داهر بن يحيى الأحمري الرازي: شيخ صدوق»([43]).

وأمّا الأب، فقد اعترف ابن حجر ببراءته من الطعن وحصره بابنه عبد الله، حيث قال بعد أن أورد حديث المنزلة الذي أوردناه عن ابن عساكر: «ولم أر أحداً ذكر داهراً هذا، حتى ولا ابن أبي حاتم بلديّه، وإنّما لم يذكره؛ لأنّ البلاء كلّه من ابنه عبد الله، وقد ذكروه واكتفوا به»([44]).

مضافاً إلى أنّ الطبراني قد روى الحديث وليس في سنده داهر، قال: «حدثنا علي بن العباس البجلي الكوفي، ثنا محمد بن تسنيم، ثنا حسن بن حسين العربي، ثنا يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لأمّ سلمة: هذا علي بن أبي طالب لحمه لحمي ودمه دمي هو مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي»([45]).

وهذا الحديث ضعّفوه بالحسن بن الحسين العرني([46])، ولكن ضعفه محتمل؛ فإنهم لم يجرحوه بما يُسقط حديثه، فقد تراوحت كلماتهم بين جرحٍ غير مفسّر وبين أنّ حديثه لا يشبه حديث الثقات ويروي المقلوبات والمناكير([47])، وأهم مناكيره ـ كما يتضح لمن يتابع كلماتهم ـ هي روايته لفضائل أهل البيت^، ومنها هذا الحديث الذي نحن بصدده، كما أنّهم عرّفوه بأنه من رؤساء الشيعة. هذا، وقد أخرج له الحاكم في المستدرك في أكثر من مورد وصحح له، وسكت عنه الذهبي([48]). نعم ذكر أبو حاتم أنه لم يكن بصدوق عندهم([49]) وهذه العبارة لا تعني بالضرورة أنه كذاب، مضافاً إلى أنّ أبا حاتم من المتعنّتين والمتشدّدين في الجرح والتعديل.

أمّا مضمون هذا الحديث فلا ربط له بغزوة تبوك، وإنّما هو حديث مستأنف ابتدأه الرسول الأكرم’ مع أمّ سلمة، ومن الواضح أنّ ابتداء الكلام من النبي’ بالنحو المذكور في الحديث وإدراجه مع قوله’: «لحمه من لحمي ودمه من دمي» يدلّ دلالة قوية على أنّ النبي’ كان بصدد إثبات فضيلة خاصة لعلي×.

ب ـ حديث المنزلة في قضية المؤاخاة

روى أحمد بن حنبل بإسناده عن محدوج بن زيد: «أنّ رسول اللّه (ص) آخى بين المسلمين، ثمّ قال: يا عليّ، أنت أخي، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى، غير أنّه لا نبيّ بعدي»([50])([51]).

وأخرج ابن عساكر عن أبي القاسم بن السمرقندي زيد بن أبي أوفى قال: «دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) مسجده، فقال: أين فلان ابن فلان، فجعل ينظر في وجوه أصحابه، فذكر الحديث في المؤاخاة وفيه: فقال علي: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري، فإن كان هذا من سخط علي فلك العتبى والكرامة، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): والذي بعثني بالحقّ ما أخرتك إلاّ لنفسي وأنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي وأنت أخي ووارثي، قال: وما أرث منك يا رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)؟ قال: ما ورثت الأنبياء من قبلي، قال: وما ورثت الأنبياء من قبلك؟ قال: كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم»([52])([53]).

وكذلك أخرج ابن عساكر عن محدوج بن زيد الذهلي ([54]): «إن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لما آخى بين المسلمين أخذ بيد علي فوضعها على صدره، ثم قال: يا علي أنت أخي وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي»([55]).

ج ـ حديث المنزلة بعد فتح خيبر

ذكر الخوارزمي في مناقبه عن علي بن أبي طالب×، قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم فتحت خيبر: لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمر على ملأ من المسلمين إلاّ أخذوا من تراب رجليك، وفضل طهورك، يستشفون به، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك، ترثني وأرثك، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي»([56]).

وذكر أيضاً: «وروى الناصر للحق بإسناده في حديث طويل، قال: لما قدم علي على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لفتح خيبر، قال (صلّى الله عليه وآله): لولا أن تقول فيك طائفة من أمتي ما قالت النصارى في المسيح، لقلت اليوم فيك مقالاً لا تمرّ بملأ إلاّ أخذوا التراب من تحت قدمك ومن فضل طهورك يستشفون به، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك ترثني وأرثك، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي»([57]).

ونقل ابن المغازلي عن جابر بن عبد الله، قال: «لما قدم علي بن أبي طالب بفتح خيبر قال له النبي (صلّى الله عليه وسلّم): يا علي، لولا أن تقول طائفة من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك مقالاً لا تمرّ على ملأ من المسلمين إلاّ أخذوا التراب من تحت رجليك وفضل طهورك يستشفون بهما، ولكن حسبك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي ...»([58]).

د ـ حديث المنزلة في قضية سد الأبواب([59])

روى ابن عساكر بسنده إلى جابر: «قال: جاء رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ونحن مضطجعون في المسجد، فضربَنا بعسيب([60]) في يده، فقال: أترقدون في المسجد! إنّه لا يُرقد فيه، فأجفلنا وأجفل عليّ. فقال رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم): تعالَ يا عليّ، إنّه يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي، ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ النبوّة!! والذي نفسي بيده إنّك لذَوّاد عن حوضي يوم القيامة، تذود كما يُذاد البعير الضالّ عن الماء بعصاً لك من عوسج([61])، كأنّي أنظر إلى مقامك من حوضي»([62]).

وروى ابن المغازلي في حديث طويل عن حذيفة بن أسيد الغفاري: قال: قام النبي’ خطيباً، فقال: > إنّ رجالاً يجدون في أنفسهم في أنّي أسكنت عليّاً في المسجد، واللّه ما أخرجتُهم، ولا أسكنته، إنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إلى موسى وأخيه: {أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً واجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وأَقِيمُوا الصَّلاةَ}، وأمر موسى ألاّ يسكن مسجده، ولا ينكح فيه، ولا يدخله إلاّ هارون وذرّيّته، وإنّ عليّاً منّي بمنزلة هارون من موسى، وهو أخي دون أهلي، ولا يحلّ مسجدي لأحد ينكح فيه النساء إلاّ عليّ وذرّيته، فمن ساءه فهاهنا وأومأ بيده نحو الشام»([63]).

حديث المنزلة برواية عدة من الصحابة

روى أيضاً حديث المنزلة من دون تقييد بواقعة تبوك، عدةٌ من الصحابة، منهم: علي× وابن عباس وعمر وسعد بن وقاص وأمّ سلمة وسعيد الخدري وجابر الأنصاري وغيرهم:

1 ـ حديث المنزلة عن ابن عباس

فقد أخرج الطبراني، عن سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن بن عباس: «أنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى»([64]).

قال الهيثمي: «وعن ابن عباس أن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي. رواه البزار والطبراني إلاّ أنّه قال: أنت مني بمنزلة هارون، ورجال البزار رجال الصحيح، غير أبي بلج الكبير، وهو ثقة»([65]).

وأخرج عمرو بن أبي عاصم عن ابن عباس، قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنك لست نبيّاً (إنّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ) وأنت خليفتي في كلّ مؤمن من بعدي». قال الألباني في تعليقه على الحديث: «إسناده حسن»([66]).

2 ـ حديث المنزلة عن سعد بن أبي وقاص وأم سلمة

قال أبو يعلى الموصلي: «حدثنا داود بن عمرو، حدثنا حسان بن إبراهيم، عن محمد بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن المنهال، عن عامر بن سعد، عن أبيه وعن أمّ سلمة: أن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي»([67]). رواه الهيثمي ثمّ قال: «رواه أبو يعلى والطبراني وفي إسناد أبي يعلى، محمد بن سلمة بن كهيل، وثّقه ابن حبّان وضعّفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح»([68]).

وفي السنة لابن أبي عاصم: «عن الأزرق بن علي، ثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا محمد بن سلمة ابن كهيل، عن أبيه، عن المنهال بن عمرو، عن عامر بن سعد، عن سعد وأمّ سلمة: أنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي»([69]).

وكذا أخرجه ابن حبّان عن أمّ سلمة في صحيحه، قال: «أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدثنا داود بن عمرو الضبي، قال: حدثنا حسان بن إبراهيم، عن محمد بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن المنهال بن عمرو، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه وعن أمّ سلمة: أن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي»([70])، ومضمون هذا الحديث لم يكن مرتبطاً بواقعة تبوك كما هو واضح أيضاً.

3ـ حديث المنزلة عن سعد بن أبي وقاص

أخرج ابن عساكر بسند صحيح عن عامر بن سعد بن أبي وقاص: «إنّي لَمع أبي إذ تبعنا رجل، في نفسه على عليّ بعض الشيء، فقال: يا أبا إسحاق، ما حديث يذكر الناس عن عليّ؟ قال: وما هو؟ قال: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى! قال: نعم، سمعتُ رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم) يقول لعليّ: أنت منّي كهارون من موسى، ما تنكر أن يقول لعليّ هذا، وأفضل من هذا!!»([71]).

4 ـ حديث المنزلة عن أبي سعيد الخدري

ومما لم يكن مرتبطاً بواقعة تبوك، ما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لعليّ: أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي»([72])