قصة الحوار الهادئ
مع

الدكتور السلفي أحمد بن سعد حمدان الغامدي

(أستاذ الدراسات العليا بجامعة أم القرى)

 (تحليل ونقد لشبهات الدكتور الغامدي)

(الجزء الثالث)

أ. د. محمد الحسيني القزويني

الأستاذفي الحوزة العلمية قسم الدراسات العليا في قم المقدسة

ورئيس قسم الحديث وعضو الهيئة العلمية بجامعة أهل البيت ^ العالمية


 








هوية الكتاب

 

اسم الكتاب:................................ قصة الحوار الهادئ مع د. الغامدي

تأليف:............................................... أ. د. محمد الحسيني القزويني

الإخراج الفني:........................................................ محسن الجابري

الناشر:......................... مؤسسة وليّ العصر# للدراسات الإسلامية

رقم الإيداع الدولي للدورة:...... 9 ــ 33 ــ 8615 ــ 964 ــ 978

رقم الإيداع الدولي (ج3): ...... 4 ــ 36 ــ 8615 ــ 964 ــ 978

الطبعة:....................................................... الثانية 1433هـ ـ 2012م

عدد النسخ:................................................................... 5000 نسخة

يحق للجميع طبع الكتاب ونشره مع إعلام المؤلف والناشر قبل ذلك


 


 

 

 

 

 

شكر وتقدير

 

أتقدّم بالشكر الجزيل لكلّ من ساعدني في تأليف هذا الكتاب، وهم كلّ من:

أولاً: د.حاتم البخاتي.

ثانياً: د.حكمت الرحمة.

ثالثاً: د.فلاح الدوخي.

كما أتقدّم بجزيل الشكر للسيد رضا البطاط لقيامه بمراجعة الكتاب وتصحيحه.

متمنياً للجميع كلّ خيرٍ، وداعياً لهم بالتوفيق وحسن العاقبة.

 

 

 

 


 

 

 



 

 

تكملة الحوار
حول
الآيات الواردة في عدالة الصحابة

 


 

تمهيد

في هذا الجزء نكمل ما كنا قد أنهينا البحث فيه في الجزء الثاني، فقد ناقشنا في آخره بعض الآيات التي جزم الدكتور الغامدي بدلالتها على عدالة جميع الصحابة بلا استثناء، وقد تبيّن هناك أن الدلالة على ذلك غير تامة، وهنا نحاول إكمال مناقشة بقية الآيات مع متابعة مناقشة أقواله الأخرى.

الآية الثانية: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار

 قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}([1]).

هذه هي الآية الثانية التي ادّعي دلالتها على عدالة الصحابة قاطبةً، وكنا قد ذكرنا في حواراتنا أربعة نقاط رئيسة، تدل بوضوح على عدم شمول هذه الآية لجميع الصحابة، وهي مختصراً مع إضافات توضيحية يسيرة:

1ـ إنّ المراد من المعية هي المعية الروحية لا الجسمانية, فتختص الآية بمن كان مع الرسول في العقيدة والإيمان والعمل الصالح, وعرفنا أنّ الآية قد ذكرت أصنافاً عديدة لم يكونوا مع الرسول’ إيماناً وعقيدة, بل كانوا معه جسماً فقط.

2ـ إنّ الصحابة قد كفّر بعضهم بعضاً, وقاتل بعضهم بعضاً, والآية مختصة بمن كانوا رحماء بينهم، فكم من بدريّ قُتِل بيد الصحابة أنفسهم؟ بل كم قُتِل من الصحابة في حروب الناكثين والقاسطين والمارقين؟

3ـ إنّ صفة: (سيماهم في وجوههم) غير متوفرة في جميع الصحابة قاطبة، بل في بعض منهم, فهل تتخيل وجود هذه الصفة عند من طرده رسول الله’ أو عند من توعده بالنار, أو لمن زنا... إلخ؟

4ـ إنّ الآية تحصر المغفرة والأجر العظيم بمن آمن وعمل صالحاً، و(من) هنا تبعيضية، فلا تشمل جميع الصحابة بلا استثناء.

وقد أجبتم بما يلي:

قلتم: الآية شاملة للخلفاء الأربعة

أولاً: ذكرتم في ص203: بأنّ الآية تنص على أنّ الذين كانوا مع النبي’ هذه هي أوصافهم، وقلتم: نحن نرى أنّ أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً كانوا مع النبي’ في جميع الأحداث والمواقف والمشاهد, وكان الودُّ والحبُّ هو السائد بينهم... فهل هؤلاء تشملهم الآية أم لا؟

الجواب

1ـ كعادتك تغيّر الموضوع من القول بعدالة الصحابة قاطبة إلى الكلام عن أفراد معدودة, فأنت أوردت الآية مستدلاً بها على عدالة جميع الصحابة, وها أنت تتنازل عن موقفك وتتكلم عن أفراد معيّنة منهم.

2ـ نحن نتّفق معك بأنّ الآية تنصّ على أنّ الذين مع النبي’ هذه هي أوصافهم, وحيث ثبت خارجاً أنّ هذه الأوصاف غير متحققة في جميع من كان معه بأجسادهم ظاهراً, فكان لزاماً أنْ نفسّر الآية بمن كان مع النبيّ’ روحياً في عمله وعقيدته, وهذا لا ينافي كون الصحابي معه جسديّاً أيضاً, وغاية ما نقوله هو أنّ الصحبة الجسدية لوحدها لا أثر لها؛ لما ثبت من عدم تحقق أوصاف الآية لبعض من كان معه جسديّاً.

3ـ لم تثبت علاقة الحبّ والود التي ذكرتها بين الأربعة، فقد ورد في صحيح مسلم على لسان عمر مناشداً العباس وعلياً× قائلاً: «فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): ما نورث ما تركنا صدقة فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً»([2]).

وقال أيضاً: «ثمّ توفى أبو بكر وأنا ولىّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وولي أبي بكر، فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً»([3]).

ولا تنس تهديد عمر لعلي والزبير ومن معهما بإحراق الدار إن لم يبايعوا([4]), بل لا تنس أيضاً عدم بيعة علي لأبي بكر لستّة أشهر, وحتّى حينما أراد البيعة له, ذكرت الرواية أنّه كره مجيء عمر معه, فطلب منه المجيء لوحده, جاء في صحيح البخاري: «وعاشت بعد النبي (صلّى الله عليه وسلّم) ستّة أشهر, فلمّا توفيت, دفنها زوجها علي ليلاً, ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها, وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلمّا توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أنْ ائتنا ولا يأتنا أحدٌ معك, كراهية لمحضر عمر»([5]).

فهل تعدّ هذه الأمور كانت حبّاً وودّاً بينهم!!

قلتم: هل الآية تدلّ على عدالة علي فقط؟

ثانياً: ذكرتم في ص203: بأنّه من هم هؤلاء الجماعة الذين أشاد بهم القرآن, وأنّّهم مع النبيّ’ هل أبو بكر وعمر وعثمان منهم أم هم (علي) فقط.. والقرآن يذكر جماعة لا فرداً بعينه, فهل تتقلص هذه الجماعة إلى فرد واحد, أم هم فقط أبو ذر وسلمان وعمّار والمقداد؟

الجواب

1ـ لا شك في أن علياً وسلمان وعماراً والمقداد من خيرة الصحابة، والحديث عنهم ينبغي أن يحظى باحترام وتقدير وتجليل، ولا ينبغي أن يكون في القلب منهم شيء يحط من منزلتهم، ونتمنى أن تتجاوز ذلك.

2ـ نحن لم ندّع أن ثناء الآية مختص بعلي× ولا بالأربعة الذين ذكرتهم, لكننا نجزم بدخول هؤلاء الخمسة في الآية المباركة, فقد كانوا يداً واحدة, متحابين ومتآخين في الله, سيماهم في وجوههم من أثر السجود, ولا يمكن لأحد نكران ذلك, كما أنّ الآية تشمل جمعاً كبيراً من الصحابة المخلصين الذين كانوا مع الرسول’ قلباً وبدناً، أمثال حمزة بن عبد المطلب، وجعفر الطيار، ومصعب بن عمير، وعبيدة بن الحارث، وسهل بن حنيف، وسعد بن معاذ، وأبي أيّوب الأنصاري، وعبادة بن الصامت، وخزيمة بن ثابت، وغيرهم الكثير من الأبطال والشجعان الذين أرعبوا الكفار, وثبتوا على العقيدة.

 نعم، نحن نشكك بشمولها لمن يفرّ من الزحف، ويتجاسر على النبي’، أو من يعصي أوامر النبي’، أو من يموت على غير ملّة النبي’، كما لا نشكك في عدم شمولها لمن يطرده النبي’، أو من يصرّح النبيّ بدخوله النار, أو من يقاتل خليفة زمانه عامداً عالماً, أو من يقتل الأبرياء من المسلمين, أو من يزني بأعراض المسلمين مع كونه والياً لخليفة المسلمين!

وهكذا، فكما أنّ الآية شاملة لكوكبة مضيئة من الصحابة, كذلك نعتقد أنها لا تشمل عدداً منهم لم يفوا بما عاهدوا الله عليه, فساءت سيرتهم ولابسوا الفتن، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العظيم.

قلتم: المعيّة تشمل الخلفاء والمراد بها الجسمية والروحية

ثالثاً: ذكرتم في ص204: بأنّ الخطاب واضح الدلالة في أنّ المقصود هم الذين معه بأجسامهم وأرواحهم, والذين عاشوا معه واشتهرت معيتهم له بالإيمان والنصرة والمحبة, أولهم الخلفاء الأربعة... وإنّني على يقين أنّ تعظيم هؤلاء وحبّهم لا يجتمع مع دعوى الوصيّة المكذوبة؛ لأنّهما عقيدتان متضادتان.

الجواب

1ـ دعوى أنّ الوصية مكذوبة هي دعوى باطلة, وسيأتي الكلام عنها في مبحث الوصيّة, وستجد أنّها ليس كما وصفت.

2ـ ما هو الدليل على أنّ كلّ من كان معه بجسده كان معه بروحه أيضاً؟ فهذا هو محور النقاش, فأنت ما زلت تتبع المصادرة في الحوار, وتتبع ما هو مسلّم عندك وتحمّله على الآية المباركة, فأنت تفرض عقيدتك على الآية، وفي ضوء ذلك تفسرها، بينما المفروض أن عقيدتك تستوحيها من الآية بلا مسبقات قبلية, فالآية تقرّر أنّ من كان بهذه المواصفات سيرضى الله عنه, وأنت تدّعي وتستدل على دعواك ـ بما في كتبكم ـ بأنّ هؤلاء هم من تنطبق عليهم هذه المواصفات, فأنت تستدلّ بعين المتنازع عليه، وهو منك أمر غريب!

3ـ كلّ صحابي ثبت واستمر على الحقّ، ومدحه القرآن أو مدحه النبي’ فهو محلّ تقدير وتجليل عندنا نحن الشيعة, فلا توجد عندنا مصلحة في حبّ حمزة أو عمّار أو سهل بن حنيف أو حبّ جعفر الطيار أو المقداد, بل نحبّ هؤلاء لله وفي الله, فقد ثبت عندنا أنّ هؤلاء ثبتوا على ما عاهدوا الله عليه، فلهم مكانة في القلب لا يعلمها إلاّ الله.

قلتم: الأصناف العشرة في المنافقين لا في الصحابة

رابعاً: ذكرت قولنا: «ولم يكن كل الصحابة على هذا الخط بدليل الأصناف العشرة التي قدمنا عناوينها([6])...». وكنا نقصد أنه لم يكن كلّ الصحابة ـ الذين رأوا النبي’ ورآهم وآمنوا به ظاهراً ـ على خطّ النبي’ في العقيدة والإيمان والعمل الصالح؛ لأنّ فيهم منافقين, ومرضى قلوب, وغيرهم ممّن تقدم ذكرهم.

وأجبتم في ص204ـ 205، فقلتم: ما زال هذا الخيال العجيب يمتلك مشاعرك وتفكيرك!! الأصناف العشرة في المنافقين, وليست في المؤمنين, فقد لقوه ولم يؤمنوا به! نعم ادعوا الإيمان وفرق بين كلمة آمن و(ادعى)...

ثمّ ذكرتم ما مضمونه: كيف يمدح الله الذين مع النبي’ مطلقاً ويخدع الناس ويغرّر بهم ونحن نرى هؤلاء معه في حلّه وترحاله وسفره وإقامته وحربه وسلمه، وليس لدينا مجهر يكشف ما في القلوب؛ حتى نستطيع أن نميز ما بداخلها؟

الجواب

1ـ لقد بيّنا انحرافات بعض الصحابة، وذكرنا أقوالاً لعلماء أهل السنّة في انحراف ذلك البعض, لكن مع ذلك ما انفك عنك خيال عدالة الصحابة أجمع, الذي تملّك مشاعرك وتفكيرك!!

2ـ بيّنا بصورة جليّة ـ في بحوث سابقة ـ بأنّ المنافقين كانوا موجودين في مجتمع الصحابة, ورأوا النبي وآمنوا به ظاهراً, فهم معدودون من الصحابة؛ لأنّ الله تعالى لم يكشف أسماء جميع المنافقين, وقد صرّح القرآن بأنّ الرسول الكريم’ لا يعرفهم أيضاً: {وَمِنْ أهل الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}، فإذا كان الرسول’ هو بنفسه لا يعلمهم, فكيف عرفتموهم وميزتموهم عن غيرهم؟

 وكيف يمكن أنْ نقول بعدالة جميع من رأى النبي’ مع علمنا الذي لا يشوبه شك، أنّ منهم منافقين مستورين غير معروفين؟ فهل ترى أنّ المنافقين كانوا أشدّاء على الكفار, رحماء بينهم, سيماهم في وجوههم من أثر السجود؟ فإذا كنت لا ترى ذلك, فهل تدلّنا على المنافقين الذين لم يعرفهم النبي’ لنخرجهم من الآية؟ وهل تخبرنا كيف يمكن أن نجزم بأنّ أسماء الصحابة الموجودة الآن في كتبكم لا يوجد فيها من المنافقين الذين كانوا غير معلومين؟!

3ـ مع غض النظر عن النقطة أعلاه, فإنّ عدداً لا بأس به من الصحابة يتعذر شموله بالآية؛ لثبوت انحرافه خارجاً, فهل المغيرة مثلاً داخل في الآية مع فعلته المشينة مع أم جميل؟ وهل الزبير داخل في الآية مع قتاله لعلي× وهو ظالم له؟ وهل جيش السيدة عائشة داخلون في الآية، مع قتالهم خليفة زمانهم، بعد أن لاحت لهم علائم النبوة، حينما نبحتهم كلاب الحوأب؟ وهل طريد رسول الله’ مشمول بهذه الآية؟ وهل الذين قال عنهم النبي’: أولئك العصاة، داخلون في الآية؟ وهل معاوية الذي يموت على غير ملّة النبي’ مشمول في الآية؟ وهل بسر بن أرطاة مشمول بالآية؟([7]).

كلّ تلك المواقف بيّناها مسبقاً بأدلة صحيحة من كتب أهل السنّة, فهل لك أن تجيب عليها؟!

4ـ لقد ذكرتم: إذا لم يكن الثناء في الآية شاملاً لجميع الصحابة فإن ذلك يستلزم الخداع والتغرير بالمؤمنين! فنقول: لا ندري أين هذا الخداع من الله تعالى للمؤمنين؟ فالآية قد صرّحت بأن بعضاً من الصحابة فقط سينالون المغفرة والأجر العظيم: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}, و(من) هنا تبعيضية, فمن بقي على الإيمان والطريق المستقيم والعمل الصالح شملته مغفرة الله, ونال أجره, فأين التغرير؟!

المشكلة تكمن في انطلاقتك في تفسير الآية, فأنت تنطلق من أرضية غير صحيحة, وهي القول بعدالة الصحابة أجمع, لذلك تُحمّل الآية عقيدتك, وترى أنّ تفسيرها بغير ذلك يستلزم التغرير, ونسيت أو تناسيت كلّ الوقائع الثابتة التي تدل على انحراف عدد من الصحابة بما لا يسنجم مع عدالتهم.

قلتم: إغاظة الكفار لا تتمّ بأربعة صحابة

خامساً: قلتم في ص205: في الآية نجد قوله تعالى: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} إن الله تعالى قد جعل هذه التقوية([8]) لعلّة، وهي: إغاضة الكفّار, فهل يغيض الكفار أربعة أشخاص: (أبو ذر والمقداد وسلمان وعمار) أم علي فقط, أم جموع كثيرة أخافوا الكفر وأهله..؟

الجواب

1ـ لا شكّ أنّ هؤلاء الأربعة كانوا من خيار الصحابة, فهم مع علي× لا يشك أحد في إغاضتهم للكفار، إلاّ من يقرأ التاريخ بعين واحدة!

2ـ لم نقل انحصار الصحابة العدول بهؤلاء الأربعة, فقد ذكرنا كثيراً من الصحابة المخلصين العدول الذين جاهدوا وقاتلوا دفاعاً عن الشريعة المحمّدية, ومنهم من استشهد بين يدي الرسول’, وبعضهم استشهد في حروب الحقّ مع إمام الهدى علي بن أبي طالب×.

3ـ ليتك تخبرنا هل أنّ من يفرّ من الزحف هو وأصحابه قد أغاظ الكفّار!! وهل تحسب هذه الآلاف التي فرّت يوم حنين من الذين أغاظوا الكفار، وكانوا أشداء عليهم؟

 جاء في صحيح البخاري عن أبي قتادة قال: «لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يَختِلُه فرفع يده ليضربني...، ثم أخذني فضمني ضماً شديداً حتّى تخوفت، ثمّ ترك فتحلل, ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمتُ معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله، ثمّ تراجع الناس إلى رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)»([9]).

والغريب بالأمر أنّ الخليفة عمر يعزو هروبه إلى أمر الله! والله تعالى يقول: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شيئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}([10]).

لقد ولّوا مدبرين، مع بيعتهم لرسول الله’ تحت الشجرة على عدم الفرار!

وكان عدد المسلمين في تلك المعركة اثني عشر ألفاً([11])، وفرّ الجميع ولم يثبت منهم إلاّ نفر قليل منهم عليّ بن أبي طالب×.

 قال ابن قتيبة: «وكان الذين ثبتوا مع رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يوم حنين بعد هزيمة الناس: عليُّ بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب آخذ بحكمة بغلته وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابنه والفضل بن العباس بن عبد المطلب وأيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن مولاة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وحاضنته»([12]).

كما أنّ عمر وعثمان كانوا من الفارّين يوم أحد مع جملة من فرّ من الزحف في تلك المعركة, قال الفخر الرازي: «ومن المنهزمين عمر، إلاّ أنه لم يكن في أوائل المنهزمين ولم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، ومنهم أيضاً عثمان انهزم مع رجلين من الأنصار يقال لهما سعد وعقبة، انهزموا حتّى بلغوا موضعاً بعيداً, ثمّ رجعوا بعد ثلاثة أيام، فقال لهم النبي (صلّى الله عليه وسلّم): لقد ذهبتم فيها عريضة»([13]).

وفي رواية الواقدي: «لمّا صاح إبليس: أنّ محمّداً قد قتل، تفرّق الناس، فمنهم من ورد المدينة، فكان أوّل من وردها يخبر أنّ محمّداً قد قتل، سعد بن عثمان أبو عبادة، ثمّ ورد بعده رجال حتّى دخلوا على نسائهم, حتى جعل النساء يقلن: أعَن رسول الله تفرون! ويقول لهم ابن أم مكتوم: أعن رسول الله تفرون؟ يؤنب بهم، وقد كان رسول الله خلّفه بالمدينة يصلّي بالناس، ثمّ قال دلّوني على الطريق ـ يعنى طريق أحد ـ فدلّوه، فجعل يستخبر كلّ من لقي في الطريق حتّى لحق القوم، فعلم بسلامة النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، ثمّ رجع، وكان ممّن ولّى: عمر وعثمان والحارث بن حاطب وثعلبه بن حاطب وسواد بن غزية وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان وخارجة بن عمر بَلَغ ملل([14])، وأوس بن قيظي في نفر من بني حارثة بلغوا الشقرة، ولقيتهم أم أيمن تحثي في وجوههم التراب, وتقول لبعضهم: هاك المغزل فاغزل به، وهلم»([15]).

فهل يقال: إنّ مثل هؤلاء أشدّاء على الكفّار, وأن الله يغيظ بهم الكفار؟ وما قد يجاب بأنّ هؤلاء قد غفر الله لهم بعد ذلك، لا ينفع في المقام؛ لأنّنا بصدد البحث عن شمول آية: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ..} لأمثال هؤلاء, وقد تبيّن أنّ هذه الآية غير شاملة لهم, لعدم تحقق تلك الصفات فيهم.

هذا، وأنّ عمر وأبا بكر كانا من الفارّين يوم خيبر أيضاً:

فعن عليّ×: «سار النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) إلى خيبر فلما أتاها بعث عمر (رضي الله تعالى عنه) وبعث معه الناس إلى مدينتهم أو قصرهم، فقاتلوهم فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه، فجاءوا يُجبّنونه ويُجّبنهم...».

أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي([16]).

وعن جابر رضي الله عنه: «أنّ النبي دفع الراية يوم خيبر إلى عمرL فانطلق فرجع يُجبّن أصحابه ويجبنونه».

أخرجه الحاكم وصححه([17]).

وأخرج ابن أبي شيبة, عن عبد الله بن بريدة الأنصاري الأسلمي, عن أبيه قال: «لمّا نزل رسول الله (ص) بحضرة خيبر فزع أهل خيبر، وقالوا: جاء محمد في أهل يثرب، قال: فبعث رسول الله (ص) عمر بن الخطاب بالناس، فلقي أهل خيبر، فردوه وكشفوه هو وأصحابه! فرجعوا إلى رسول الله (ص) يُجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه! قال: فقال رسول الله (ص): لأعطين اللواء غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله...»([18]).

وأخرج البيهقي, عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي, عن أبيه, عن سلمة بن عمرو بن الأكوع, قال: «بعث رسول الله أبا بكرL إلى بعض حصون خيبر، فقاتل ثم رجع، ولم يكن فتح وقد جهد! ثم بعث الغد عمرL فقاتل ثم رجع، ولم يكن فتح! فقال رسول الله: لأعطيّن الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، يفتح على يديه، ليس بفرار.

قال سلمة: فدعا رسول الله علي بن أبي طالبL ـ وهو يومئذ أرمد ـ فتفل في عينه، وقال: خذ هذه الراية، فامض بها حتى يفتح الله عليك فخرج بها والله يأنح([19]), يقول: يهرول هرولة, وأنا لخلفه نتبع أثره, حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن، فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن, فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: عليتم([20]) وما أنزل على موسى، فما رجع حتى فتح الله على يديه»([21]).

وأخرج ابن أبي شيبة, عن المنهال, والحكم, وعيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, قال: «قال علي: ما كنت معنا يا أبا ليلى بخيبر؟ قلت: بلى والله، لقد كنت معكم، قال: فإن رسول الله (ص) بعث أبا بكر فسار بالناس فانهزم حتى رجع إليه، وبعث عمر فانهزم بالناس حتى انتهى إليه! فقال رسول الله (ص): لأعطيّن الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله له، ليس بفرار. قال: فأرسل إلي فدعاني فأتيته ـ وأنا أرمد لا أبصر شيئاً ـ فدفع إلي الراية، فقلت: يا رسول الله! كيف وأنا أرمد لا أبصر شيئاً؟ قال: فتفل في عيني، ثم قال: اللهم اكفه الحر والبرد. قال: فما آذاني بعد حر ولا برد»([22]).

 قلتم: تفسيركم للآية يفضي لتشكيك الكافر بالقرآن

كنا قد قلنا: إنّ الله سبحانه يذكر من سماتهم أنّهم {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ}، فهل كان الصحابة عامّة موصوفين بهذا الوصف، أو أنّهم قاتل بعضهم بعضاً؟ فكم من بدريّ قُتِل بيد الصحابة، فهذا هو مقتل الخليفة الثالث وحروب الناكثين والقاسطين والمارقين، قتل فيها كثير من الصحابة بيد الصحابة أنفسهم.

وأجبتم على ذلك في ص205ـ 206 بأمور:

الأول: ما ملخصه: أنّ الكافر لو وقف عند هذه الآية وقرأ المذهب الشيعي لا ستطاع التشكيك بالقرآن والإسلام من خلال قولكم: إنّ الصحابة قاتل بعضهم بعضاً، وكم من بدري قتل بيد الصحابة! فأين الرحمة في الآية؟ فإمّا أنّ القرآن غير صادق, وإمّا أنّ الصحابة الذين وصفهم القرآن غير هؤلاء الذين قرأنا عنهم في كتب الشيعة, أرأيت كيف تفعل العقائد الضالة بدين الله؟

الجواب

1ـ إنّ الصحابة الذين أشرنا إليهم بالانحراف وعدم الثبات لم نقرأ عنهم في كتب الشيعة فقط, بل سبقتنا كتب السنّة في ذكر انحرافاتهم, وها هم علماء أهل السنّة يقرّون بذلك:

1ـ قول ابن تيمية:

قال في مجوع الفتاوى: «وكذلك لبعضهم في قتال بعض، ولعن بعض، وإطلاق تكفير بعض، أقوال معروفة»([23]).

وقال في منهاج السنّة وهو يتحدّث عن عليّ×: «فإن كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبّونه ويقاتلونه»([24]).

2ـ قول الذهبي:

قال في السير متحدِّثاً عن أتباع معاوية: «وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة، وعدد كثير من التابعين والفضلاء، وحاربوا معه أهل العراق، ونشأوا على النصب، نعوذ بالله من الهوى»([25]).

وقال في (الرواة الثقات): «ولو فتحنا هذا الباب على نفوسنا لدخل فيه عدة من الصحابة والتابعين والأئمّة، فبعض الصحابة كفر بعضهم بتأويل ما، والله يرضى عن الكل ويغفر لهم، فما هم بمعصومين، وما اختلافهم ومحاربتهم بالتي تلينهم عندنا»([26]).

3ـ قول التفتازاني:

قال في شرح المقاصد: «إنّ ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ، والمذكور على ألسنة الثقات، يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحق، وبلغ حدّ الظلم والفسق، وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد، وطلب الملك والرياسة، والميل إلى اللذات والشهوات؛ إذ ليس كلّ صحابي معصوماً، ولا كلّ من لقي النبي (صلّى الله عليه وسلّم) بالخير موسوماً، إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنّهم بأصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا يوجب التضليل والتفسيق؛ صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة، سيما المهاجرين منهم والأنصار، والمبشّرين بالثواب في دار القرار»([27]).

وحينئذٍ نطرح عليك نفس السؤال السابق: فلو أنّ كافراً قرأ هذه الآية, ثمّ اطلع على كتب أهل السنّة, وقرأ قول ابن تيمية والذهبي والتفتازاني، أفلا يقول أين الرحمة إذن؟ لا شك في أنه سيدور الأمر عنده بين أمرين: إما أن القرآن غير صادق أو أن عنوان الصحابة الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة لا يشمل مثل هؤلاء الذين قد قرأ عنهم في كتب أهل السنة. والتشكيك في القرآن إنما يكون فيما لو اعتقد هذا الكافر بمبدئك القائل: إن كل الصحابة رحماء عدول.

 وهنا نُذكّرك بقولك الذي ختمت به، وهو: >أرأيت كيف تفعل العقائد الضالة بدين الله<؟!

2ـ في الحقيقة أنّ كلامك فارغ من أي محتوى؛ لأنّه مبنيٌ على القول بعدالة الصحابة أجمع, والتي تؤدّي إلى تعارض الآية مع الوقائع التاريخية الثابتة, فهذا الكافر الذي تتحدّث عنه إنْ كان يحمل فهماً سقيماً مسبّقاً فسينتهي إلى ما قلتم به, أمّا إذا كان خالي الذهن, ويقرأ الآية, ويقرأ عقيدة السنّة في الصحابة, ثم يليها بقراءة عن عقيدة الشيعة في الصحابة، فلا شكّ أنّه لو أراد الإسلام لاختار عقيدة الشيعة؛ لأنها تنسجم مع القرآن والوقائع التاريخية, أما عقيدة السنّة, فهي تؤدّي إلى أنّ القرآن يصف من يكفِّر بعضهم بعضاً ويقاتل بعضهم بعضاً بأنّهم رحماء بينهم! والمحصلة أنه لا يمكن لهذا الكافر أن يؤمن بالقرآن؛ لأنّه يراه يتكلّم خلاف الواقع حسب عقيدة السنّة.

قلتم: الخلاف وقع في خلافة علي دون من قبله

ثانياً: قلتم: لو قال ناصبي: إنَّ القرآن وصف الصحابة بأنّهم {رحماء بينهم}, وقد رأينا هذه الرحمة في عهد الخلفاء الثلاثة, أو الخليفتين الأوّلَين, ولم نرها في خلافة الرابع فقط, رأينا علي بن أبي طالب وطلحة والزبير ومعاوية قد تقاتلوا واستباح بعضهم دماء بعض, ولم نرَ الرحمة فيهم, ممَّا يُشكّكنا في دخول هؤلاء في المدح؟! وهذا يؤكّد لنا أنَّ هؤلاء لم يشملهم معنى الآية!

أليس معتقد الشيعة في اتّهام الصحابة بأنّه قتل بعضهم البعض الآخر، وأنَّه لا ينطبق على جميعهم هذا الوصف؟ هذا هو السبب في مثل هذا السؤال؟! فما هو جوابكم؟!

وخلاصة كلامكم بوضوح: أن قول الشيعة بأن الآية لا تشمل بعض الصحابة؛ لأنهم تقاتلوا فيما بينهم فلا يكونون على ما قاله الله تعالى: رحماء بينهم، هذا القول يلزم منه خروج الإمام عليّ من الآية؛ لأنه تقاتل مع طلحة والزبير ومعاوية.

الجواب

1ـ الاعتقاد بأن الصحابة قد قتل بعضهم بعضاً وكفّر بعضهم بعضاً غير مختص بالشيعة, بل يعتقد به أهل السنّة أيضاً،كما مرّ.

2ـ إنّ كون القرآن وصف الصحابة جميعاً بأنّهم رحماء بينهم, هو أوّل الكلام, وهو محلّ البحث والخلاف, فإنّ القرآن وصف من كانوا مع رسول الله روحياً بإيمانهم وعقائدهم وأعمالهم، ولم يصف المنافقين ولا مرضى القلوب ولا غيرهم ممّن كان مع النبي’ جسداً لا روحاً, بل إنّ الآية ختمت القول بأنّ المغفرة والأجر تختص بالبعض الذين آمنوا وعملوا الصالحات, فكلّ من غيّر وزاغ أو انحرف هو غير مشمول بالآية بقرينة ذيلها.

3ـ حينما نقول، وكذا يقول أهل السنّة: إنّ الصحابة كفّر بعضهم بعضاً, وقاتل ولعن بعضهم بعضاً, فليس المقصود منه أنّ الصحابة بلحاظ الأفراد فرداً فرداً, فليس كلّ فرد كفّر الآخر ولعن الآخر, ولا آخالك تفهم الكلام بهذه الطريقة, وحينئذٍ ينتج أنّ الصحابة الذين ثبتت الرحمة بينهم والمداومة على الإيمان والعمل الصالح هم المشمولون بالآية دون غيرهم.

4ـ إنّ الناصبي المفترض ـ والذي تحبّ نقل قوله دائماً!! ـ لا حجّة له في ذلك؛ لأنّ عدم التراحم هنا هو بين فئتين لا بين أفراد الفئة الواحدة, فيمكنه القول: إنّ الفئة الحقّ هي المشمولة بالآية دون غيرها؛ لأن تلك باغية وخارجة على خليفة زمانها, والذي يقاتل دفاعاً عن الدين وصوناً لكلمة المسلمين تنطبق عليه هو وأصحابه تلك المواصفات, بخلاف من يقاتل لتفريق كلمة المسلمين وإضعاف شوكتهم.

على أنّك عدّت إلى المصادرة تارة أخرى, فكلامك مبنيٌ على أنّ كلّ الصحابة رحماء بينهم, مع أنّ هذا الكلام هو محلّ البحث والحوار.

وخلاصة الجواب: أنّ فهم الناصبي ـ الذي ذكرته ـ سقيم جداً؛ لأن تقاتُل صاحب الحق، مثل عليّ×، مع الباغي والظالم مثل معاوية، لا يخرج صاحب الحق عن كونه رحيماً مع أصحابه وأفراد فئته المحقة، وإن كان شديد المراس وغير رحيم مع ذلك الباغي.

قلتم: كل الصحابة كانوا رحماء فيما بينهم

ثالثاً: ذكرت في ص206ـ 209 كلاماً طويلاً أردت أن تبين فيه أنّ أهل السنّة يرون أنّ كلّ الصحابة كانوا رحماء بينهم، وملخص كلامك:

1ـ إنّ الصحابة عاشوا متحابين فيما بينهم خلال فترة وجود الرسول’ وإلى الشطر الأخير من خلافة عثمان.

2ـ إنّ الفتنة حصلت في سنة 35 هـ وأدّت إلى مقتل الخليفة عثمان, وكانت بسبب رجل يهودي اسمه عبد الله بن سبأ، وانتهيت بكلامك إلى تبرئة الصحابة من تعمّد القتال!

الجواب

1ـ أما ما يتعلّق بالفتنة ومقتل عثمان, فقد تقدّم البحث فيها سابقاً, وعرفنا هناك أنّه لا مجال للتأويل, مضافاً إلى أنّ كلامك يؤدّي إلى تسفيه عقول الصحابة وأنها أسيرة أفكار رجل يهودي استطاع تغيير عقائدهم وإثارة القتال بينهم بحيث سالت أنهار من الدماء([28])!

2ـ حتّى لو افترضنا أنّهم كانوا متحابين في فترة الرسول’, وكذا في فترة الخلفاء الثلاثة, فلا يعني ذلك أنّ الآية شاملة لجميع الصحابة, بدليل حركة الردّة التي حصلت بعد وفاة الرسول! فهل المرتدون مشمولون بالآية أم لا؟ وماذا لو أنّ بعضهم انحرف متأخراً ولابس الفتن, فهل يبقى مشمولاً بالآية؟ ثمّ لو فرضنا أنّ مقتل عثمان وحروب علي× لم تكن عمدية, فهل القاتل للصحابي هو رحيم به؟ ثمّ ما بال هذه الرحمة التي بينهم تؤدّي إلى دفن عثمان في مقبرة اليهود, وعدم السماح بدفنه في مقابر المسلمين؟!!

وكيف تفسّر الرحمة مع نفي الخليفة عثمان لأبي ذر! وضربه لعمّار وابن مسعود! فهل كانت بتأثير ابن سبأ أيضاً أم أنّها رحمة تحتاج إلى قواميس جديدة لنفهم كنهها وحقيقتها؟!!

على أنّه حتّى في فترة الرسول’ لم تكن جميع القلوب صافية ونقية, مع أنّه كان يتمتع بينهم بهالة من القداسة والاحترام, إلاّ أنّ ذلك لم يمنع من حصول التنابذ والتناحر والتكذيب والتفسيق, فقد جاء في البخاري عند الحديث عن حادثة الإفك: «فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج ـ وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية ـ فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) قائم على المنبر...»([29]).

ثمّ ما تقول في حادثة الإفكّ نفسها, فهل اتّهام الصحابة لعائشة بالفاحشة هو نوع من التراحم بينهم؟ ([30]).

بل إنّ الصحابة، ومن شدّة الرحمة بينهم ـ كما تزعم !ـ تضاربوا بالجريد والنعال والأيدي! فقد جاء في صحيح البخاري عن أنس، قال: «قيل للنبي (صلّى الله عليه وسلّم): لو أتيت عبد الله بن أبي. فانطلق إليه النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وركب حماراً، فانطلق المسلمون يمشون معه وهي أرض سبخة, فلمّا أتاه النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم)، فقال: إليك عنى، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمارُ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجلٌ من قومه فشتمه، فغضب لكلّ واحد منهما أصحابُه, فكان بينهما ضرب بالجريد والنعال والأيدي، فبلغنا أنها أنزلت: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}»([31]).

وما أنْ غمضت عين الرسول, حتّى بدأ الخلاف يتّسع, بل إنّ الخلاف بدأ والرسول على فراش الموت حين قالوا تلك العبارة: «إنّ النبي غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا! فاختلفوا وكثر اللغط, قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع»([32]).

فالنبي’ طردهم في آخر لحظات حياته؛ لاختلافهم بين يديه؛ ومنعه من كتابة الكتاب, فلمّا غمضت عينيه تسارعوا إلى سقيفة بني ساعدة, ولا يخفى عليك ما جرى فيها من الاختلاف وجرّ السيوف, وتلا ذلك غضب فاطمة بنت الرسول’ على أبي بكر، وموتها وهي غاضبة وواجدة عليه, وما جرى بين علي وعمر وأبي بكر, فلا ندري عن أيّ تراحم بينهم تتكلم؟!!

ونختم برواية ابن عبّاس، والتي تعبر عن موقفٍ صريحٍ من الصحبة, فقد جاء في مجمع الزوائد: «وعن ابن عباس قال: يقول أحدهم أبي صحب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم), وكان مع رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم), وَلَنعلٍ خَلِقٍ خير من أبيه. رواه البزار ورجاله رجال الصحيح»([33]).

لذا فنحن نجزم بأنّ الآية لا يمكن أنْ تشمل جميع الصحابة, بل هي مختصّة بثلّة من المؤمنين الأتقياء الصالحين, الذين ثبتوا على الحقّ ووفوا فيما عاهدوا الله عليه.

قلتم: ما يعتذر فيه لعلي يعتذر فيه لسائر الصحابة

رابعاً: قلتم في ص209ـ 210: هذا القتال قد شارك فيه عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)؛ فهل يُقال: إنّه ليس ممّن قال الله عز وجل فيهم: {رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} وأنّه قد قتل الصحابة؟!

ما يعتذر به لعليL يعتذر به لإخوانه وإنْ كنّا نعتقد أنّهL أحقّ من الآخرين؛ لكنّا لا نؤثم الآخرين، ولا ندّعي أنّهم تعمّدوا القتال!...وما وقع من فتنة لعلّ الله يعفو عنهم ويغفر لهم..

الجواب

عجباً لهذا المنطق الذي يساوي بين المحقّ والمبطل, فعليّ والذين معه كانوا على الحقّ بتصريح رسول الله’, وباعتراف علماء أهل السنّة, فكيف تقول: ما يُعتذر به لعليّ يعتذر به لإخوانه؟!

فعليّ وفريقه كان مع الحقّ, وهو وفريقه مشمول بالآية؛ لأنّ {رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} تنطبق عليه, وأمّا الفريق الآخر, فهو فريق باغ وضال ومنحرف عن الحق، الذي تجلى ضياؤه مراراً في معركة الجمل, تارة في نباح كلاب الحوأب, وأخرى في اعتزال الزبير!

 أما في معركة صفّين فقد حصحص الحقّ جليّاً أيضاً حين قُتل عمّار بن ياسر على يد الفئة الباغية الداعية إلى النار, فعلي لم يقتل الصالحين, ولم يشقّ عصا المسلمين, ولم تعرف عنه خطيئة طيلة حياته, بل قاتل من زاغوا وانحرفوا عن الحقّ, فقتاله لهذه الفئة دليل واضح على عدم شمولها بالآية المباركة, ودليل قوي على ثبات علي ومن كان معه على الحق.

ثمّ نراك قد ذكرت في آخر كلامك ما نصّه: «وما وقع من فتنة لعلّ الله يعفو عنهم ويغفر لهم» فاستخدمت كلمة (لعلّ) التي تفيد الترجي ولم تجزم بالمغفرة لهم, أفلست تدّعي أنّ دلالة الآيات صريحة في عدالتهم وشمولهم بالمغفرة، فما لك لا تجزم بذلك؟

قلتم: حديث قتال الناكثين والقاسطين والمارقين ضعيف

خامساً: قلتَ في ص210: أشرت إلى قتال: «الناكثين والقاسطين والمارقين< وكأنّك تشير إلى حديث عن عليL أنّه قال: «عهد إليّ النبي أنْ أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين< مسند أبي يعلى: 1/397».

فهذا الحديث كغيره من الأحاديث التي تستدلّ بها الشيعة الاثنا عشرية والتي لا تصحّ.

الجواب

1ـ إنّ الشيعة عادة تحتجّ بالأحاديث الصحيحة عند أهل السنّة, ولا تحتجّ بالموضوع والضعيف, والقارئ يمكنه المراجعة والحكم, وسيرى بأمّ عينيه حقيقة الأمر.

2ـ نحن لم نذكر الحديث أعلاه, بل أشرنا إلى الحروب الثلاثة التي جرت, والتي لا ينكرها أحد, مع الإقرار فيها بأنّ عليّاً كان مصيباً وعلى الحق بخلاف الفئات الأخرى, فالحديث أعلاه، سواء أكان صحيحاً أم غير صحيح، فسوف لن يغيّر من الواقع شيئاً؛ لأنّ الحروب قد جرت مع الخوارج الذين مرقوا عن الدين كما يمرق السهم من الرمية([34])، وجرت مع طلحة والزبير الّلذينِ نكثا بيعة الإمام علي×, وكذلك جرت مع معاوية وابن العاص ومن والاهما حيث قسطوا ومالوا عن الحقّ, ولم يدخلوا تحت طاعته, فَسُمّوا بالقاسطين، وكانوا الفئة الباغية التي تدعو إلى النار!

3ـ إنّ الحديث أعلاه حديث صحيح وليس ضعيفاً كما تدّعي, وله طرق كثيرة, نشير إليها بنحو من الاختصار:

روى حديث الناكثين عدّة من الصحابة:

1ـ علي×.

2ـ عمّار بن ياسر.

3ـ عبد الله بن مسعود.

4ـ أبو أيّوب الأنصاري.

5ـ أبو سعيد الخدري.

حديث علي

أما حديث عليّ× فله عنه عدّة طرق:

الطريق الأول: قال البزّار: «حدثنا عباد بن يعقوب، قال: نا الربيع بن سعد، قال: نا سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة، عن علي، قال: عهد إليّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين»([35]).

الطريق الثاني: قال الطبراني: «حدثنا موسى بن أبي حصين، قال: نا جعفر بن مروان السمري، قال: نا حفص بن راشد، عن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، قال: سمعت علياً يقول: أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين»([36]).

الطريق الثالث: قال الخطيب البغدادي: «أخبرني الأزهري، حدثنا محمد بن المظفر، حدّثنا محمد بن أحمد بن ثابت، قال: وجدت في كتاب جدي محمد بن ثابت، حدثنا أشعث بن الحسن السلمي، عن جعفر الأحمر، عن يونس بن أرقم، عن أبان عن خليد العصري، قال: سمعت أمير المؤمنين عليا يقول يوم النهروان: أمرني رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بقتال الناكثين، والمارقين، والقاسطين»([37]).

الطريق الرابع: قال ابن عساكر: «أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أبو سعد الأديب، أنا السيد أبو الحسن محمد بن علي بن الحسين، نا محمد بن أحمد الصوفي، نا محمد بن عمرو الباهلي، نا كثير بن يحيى، نا أبو عوانة، عن أبي الجارود، عن زيد بن علي بن الحسين بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي، قال: أمرني رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين»([38]).

الطريق الخامس: قال ابن عساكر: «أخبرنا أبو سعد إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك الفقيه وأبو نصر أحمد بن علي بن محمد بن إسماعيل، قالا: أنا أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله بن خلف، أنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن تميم الحنظلي بقنطرة برذان، نا محمد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثني عمّي عمرو بن عطية بن سعد، عن أخية الحسن بن عطية بن سعد، عن ابن عطية، حدثني جدي سعد بن جنادة، عن علي، قال: أمرت بقتل ثلاثة: القاسطين، والناكثين، والمارقين، فأما القاسطون فأهل الشام، وأما الناكثون فذكرهم، وأما المارقون فأهل النهروان، يعني الحرورية»([39]).

ولاحظ الرواية: قال: «وأمّا الناكثون فذكرهم»!! فلماذا لم تذكروهم مادام الإمام علي قد ذكرهم!!

حديث عمّار بن ياسر

 قال أبو يعلى: «حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الخليل بن مرة، عن القاسم بن سليمان، عن أبيه، عن جده قال: سمعت عمار بن ياسر يقول: أمرت أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين»([40]).

حديث عبد الله بن مسعود

الطريق الأول: قال الطبراني: «حدثنا هيثم, نا محمد بن عبيد المحاربي, ثنا الوليد, عن أبي عبد الرحمن الحارثي, عن مسلم الملائي, عن إبراهيم, عن علقمة, عن عبد الله بن مسعود, قال: أُمر عليّ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين»([41]).

الطريق الثاني: قال الطبراني: «حدثنا محمد بن هشام المستملي, ثنا عبد الرحمن بن صالح, ثنا عائذ بن حبيب، ثنا بكير بن ربيعة, ثنا يزيد بن قيس, عن إبراهيم, عن علقمة, عن عبد الله، قال: أمر رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين»([42]).

حديث أبي أيّوب الأنصاري

الطريق الأول: قال الطبراني: «حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا محمد بن الصباح الجرجرائي، ثنا محمد بن كثير، عن الحارث بن حصيرة، عن أبي صادق، عن مخنف بن سليم، قال: أتينا أبا أيوب الأنصاري ـ وهو يعلف خيلاً له بصعنبى([43]) ـ فَقِلْنا: عنده، فقلت له: أبا أيوب، قاتلت المشركين مع رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ثم جئت تقاتل المسلمين، قال: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) أمرني بقتال ثلاثة: الناكثين والقاسطين والمارقين, فقد قاتلت الناكثين، وقاتلت القاسطين، وأنا مقاتل إنْ شاء الله المارقين، بالشعفات، بالطرقات، بالنهراوات، وما أدري ما هم»([44]).

الطريق الثاني: قال الخطيب البغدادي: «أخبرني الحسن بن علي بن عبد الله المقرئ، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن جعفر المطيري، حدثنا أحمد بن عبد الله المؤدب ـ بسر من رأى ـ حدثنا المعلى بن عبد الرحمن ـ ببغداد ـ حدثنا شريك عن سليمان بن مهران الأعمش، قال: حدثنا إبراهيم عن علقمة والأسود، قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفين، فقلنا له: يا أبا أيوب: إن الله أكرمك بنزول محمد (صلّى الله عليه وسلّم) وبمجيء ناقته؛ تفضلاً من الله؛ وإكراماً لك، حتى أناخت ببابك دون الناس، ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلاّ الله؟ فقال: يا هذا، إن الرائد لا يكذب أهله، وإن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) أمرنا بقتال ثلاثة مع علي: بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين. فأمّا الناكثون فقد قابلناهم: أهل الجمل: طلحة والزبير، وأمّا القاسطون، فهذا منصرفنا من عندهم ـ يعني معاوية، وعَمْراً ـ وأما المارقون فهم أهل الطرفاوات، وأهل السعيفات، وأهل النخيلات، وأهل النهروانات، والله ما أدري أين هم، ولكن لا بد من قتالهم إن شاء الله»([45]).

الطريق الثالث: قال الحاكم: «حدثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي، ثنا الحسن بن علي بن شبيب المعمري، ثنا محمد بن حميد، ثنا سلمة ابن الفضل، حدثني أبو زيد الأحول، عن عقاب بن ثعلبة، حدثني أبو أيوب الأنصاري ـ في خلافة عمر بن الخطابL ـ قال: أمر رسول الله علي بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين»([46]).

الطريق الرابع: قال الحاكم: «حدثناه أبو بكر بن بالويه، ثنا محمد بن يونس القرشي، ثنا عبد العزيز بن الخطاب، ثنا علي بن غراب بن أبي فاطمة، عن الإصبع بن نباتة، عن أبي أيوب الأنصاريL قال: سمعت النبي يقول لعلي بن أبي طالب: تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بالطرقات والنهروانات وبالشعفات. قال أبو أيوب: قلت: يا رسول الله مع من تقاتل هؤلاء الأقوام؟ قال: مع علي بن أبي طالب»([47]).

حديث أبي سعيد الخدري

قال ابن عساكر: «أخبرنا أبو سعد إسماعيل بن أبي صالح, وأبو منصور أحمد بن علي بن محمد، قالا: أنا أحمد بن علي بن عبد الله، أنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، نا الحسن بن الحكم الحبري، نا إسماعيل بن أبان، نا إسحاق بن إبراهيم الأزدي، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: أمرنا رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فقلنا: يا رسول الله أمرتنا بقتال هؤلاء, فمع من؟ قال: مع علي بن أبي طالب, معه يقتل عمّار بن ياسر»([48]).

النتيجة

إن عدد الصحابة الذين رووا الحديث هم خمسة, وعدد الطرق إليهم فيما خرّجناه هي ثلاثة عشر طريقاً, من غير المتابعات في الطريق الواحد, وهذه الطرق تحقق التواتر, ولا أقل من كونها مستفيضة، ولو تنزلنا عن ذلك، فلا أقل من أنّ الحديث حسن؛ لتقوّي بعض الطرق ـ إن لم نقل كلها ـ لبعضها الآخر, وسنقف فقط عند الطريقين الذين ذكرتهما في الكتاب:

الطريق الأول: قلتَ ص210: فهذا الحديث رواه أبو يعلى بسند لا يصح, فيه الربيع بن سعيد مجهول... وأورده الهيثمي، وقال: «رجاله رجال الصحيح, غير الربيع بن سعيد، وثقه ابن حبان<... وقول الهيثمي فيه قصور, وابن حبّان متساهل في التوثيق.

أقول: أمّا الربيع الذي ذكرته، فهو ليس ابن سعيد, بل هو ابن سعد, وقد وهم فيه الهيثمي؛ لأنّه قال: «رواه البزار والطبراني في الأوسط وأحد إسناديّ البزار رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعيد ووثقه ابن حبان»([49]).

فهو ناظر إلى مسند البزار إذن, وفي مسند البزار جاء: «حدثنا عباد بن يعقوب، قال: نا الربيع بن سعد، قال: نا سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة، عن علي قال: عهد إلي رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين»([50]).

فالراوي هو الربيع بن سعد الجعفي, والربيع هذا:

قال ابن معين: «الربيع بن سعد الجعفي يروي عنه حسين الجعفي ومروان ووكيع وهو ثقة»([51]).

وقال أبو حاتم: «لا بأس به»([52]).

وقال ابن شاهين: «الربيع بن سعد الجعفي ثقة، يروي عنه حسين الجعفي ومروان ووكيع قاله يحيى. وقال ابن عمار: الربيع بن سعد ثقة كوفي»([53]).

وقد ذكره ابن حبّان في ثقاته باسم الربيع بن سعيد الجعفي, وذكر أنّ مروان ووكيع رويا عنه, ثمّ قال: «وقد قيل ابن سعد»([54]).

ومن الغرائب أنّ الذهبي قال في الميزان: «الربيع بن سعد الجعفي, كوفي لا يكاد أن يعرف<([55])، لكنه ذكره في تاريخ الإسلام, وقال: >قال أبو حاتم: لا بأس به»([56]).

فالربيع ثقة إذن ويكون السند معتبراً.

ومن هنا نرى الزرقاني في شرح المواهب اللدنية قال: «سند جيّد»([57]).

ولو تنزلنا وقلنا إنّ الربيع مجهول الحال كما ذكرتم, فهو صالح للشواهد والمتابعات, كما لا يخفى, فلننظر إلى السند الثاني الذي ذكرتموه, لنرى إمكانية التعاضد من عدمه.

الطريق الثاني: قلتم: ورواه أبو يعلى, ورواه عن عمّار بن ياسر وفيه: الخليل بن مرة، قال البخاري: «منكر الحديث<. وقال ابن حبّان: «يروي عن جماعة من البصريين والمدنيين من المجاهيل<. وقد أطال ابن عدي في ترجمته وأورد له مناكير.

أقول: الخليل بن مرة:

قال أبو زرعة: «هو شيخ صالح»([58]).

وقال ابن عدي: «وهو شيخ بصري, وقد حدّث عنه الليث, وأهل الفضل, ولم أر في أحاديثه حديثاً منكراً قد جاوز الحد، وهو في جملة من يكتب حديثه، وليس هو متروك الحديث»([59]).

وقال عمر بن شاهين: «الخليل بن مرة ثقة. قال أحمد بن صالح: ما رأيت أحداً يتكلم فيه, ورأيت أحاديثه عن قتادة, ويحيى بن أبي كثير صحاحاً؛ وإنّما استغنى عنه البصريون؛ لأنه كان خاملاً, ولم أر أحداً تركه وهو ثقة»([60]).

هذا ما ذكره في تاريخ أسماء الثقات, أمّا في كتابه (ذكر من اختلف من العلماء ونقاد الحديث فيه) فإنّه نسب القول إلى أحمد بن حنبل وليس أحمد بن صالح([61]), فيكون على هذا النقل أنّ أحمد بن حنبل يرى وثاقة الخليل بن مرة.

وقال الذهبي: «الخليل بن مرة الضبعي نزيل الرقة عن أبي صالح وعكرمة وعنه بن وهب ووكيع، قال أبو حاتم: ليس بالقوي، كان أحد الصالحين, توفي160 هـ »([62]).

ومن خلال ذلك نستنتج أنّ الرجل لم يُتّهم في صدقه, وغاية الجرح تتمثل في قول البخاري إنّه منكر الحديث, وهذا القول ردّه ابن عدي حين قال: «ولم أر في أحاديثه حديثاً منكراً قد جاوز الحد، وهو في جملة من يكتب حديثه، وليس هو متروك الحديث»([63]).

وإذا أضفنا أنّ أبا حاتم لم يضعّفه, بل وصفه بعدم القوة, ومعناه أنّه ليس بالقوي الثبت كما فسره الذهبي([64])، وأبو حاتم متشدّد كما هو معلوم([65]), وأنّ أحمد بن حنبل أو ابن صالح قد وثقه وكذلك ابن شاهين, وأنّ أبا زرعة، قال عنه: شيخ صالح, وإذا ما عرفنا أنّ الذهبي قال: «يعجبني كثيراً كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يبيّن عليه الورع والمخبرة، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنّه جرّاح»([66]).

فنخلُص من هذا الاختلاف: أنّ حديث الرجل لا ينزل عن عداد الأحاديث الحسان, ولا أقل من قبوله في الشواهد والمتابعات, لذا رأينا أنّ الشيح حمزة أحمد الزين حسّن له في تحقيقه على (مسند أحمد)([67]), كما أنّ الشيخ الألباني ضعّفه لكنه قبله في الشواهد والمتابعات, فقال عنه في صحيحته عند التعليق على حديث: «إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين...<: «قلت: فقد صح الإسناد إلى الخليل وهو وإن كان ضعيفاً كما ذكرنا، فليس ذلك لتهمة في صدقه، وإنما لضعف في حفظه، وكذلك شيخه يزيد ابن أبان الرقاشي، وقد قال فيه ابن عدي: له أحاديث صالحة عن أنس وغيره، وأرجو أنه لا بأس به لرواية الثقات عنه. وقال في الخليل: لم أر في حديثه حديثاً منكراً قد جاوز الحد وهو في جملة من يكتب حديثه، وليس هو متروك الحديث. قلت: فمثلهما، وإن كان لا يحتج بحديثهما ولكن يستشهد به»([68]).

وحينئذٍ سيكون الحديث حسناً لغيره بمجموع هذين السندين, ولا تنس أنّه يوجد أكثر من عشرة أسانيد أخرى للحديث, فالقول بضعفه وعدم تعاضد طرقه لا يصدر ممن يدعي العلم.

تصريحات العلماء بأن علياً قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين

1ـ الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حيث قال عن الإمام علي×: «صاحب القلب العقول، واللسان السؤول، والأذن الواعي، والعهد الوافي، فقّاء عيون الفتن، ووقي من فنون المحن، فدفع الناكثين ووضع القاسطين ودمغ المارقين، الأخيشن في دين الله، الممسوس في ذات الله...»([69]).

2ـ الحافظ ابن حجر العسقلاني: يظهر جليّاً أنّ الحافظ يعتقد بصحة الحديث؛ لذا نراه يقول في (تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير): «قوله [أي الرافعي]: ثبت أن أهل الجمل وصفين والنهروان بغاة: هو كما قال, ويدلّ عليه حديث عليّ: أُمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، رواه النسائي في الخصائص والبزار والطبراني، والناكثين أهل الجمل؛ لأنهم نكثوا بيعته، والقاسطين أهل الشام؛ لأنهم جاروا عن الحقّ في عدم مبايعته، والمارقين أهل النهروان؛ لثبوت الخبر الصحيح فيهم أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وثبت في أهل الشام حديث عمّار تقتله الفئة الباغية، وقد تقدّم»([70]).

3ـ الخطيب الخوارزمي: حيث قال في مناقبه, وهو يذكر ألقاب الإمام×: «الألقاب: أمير المؤمنين، ويعسوب الدين والمسلمين، ومبير الشرك والمشركين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ومولى المؤمنين، وشبيه هارون، والمرتضى، ونفس الرسول، وأخوه، وزوج البتول...»([71]).

فتبيّن أنّ وصف علي× بقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ليس من متفردات الشيعة, بل وصفه بها علماء السنّة أيضاً, ومن قبلهم ذكره الرسول الأعظم’.

قلتم: حديث الناكثين لم يساو في الوصف بين المخالفين لعلي

 أضفت في طبعتك الجديدة ص221 ما نصّه: «ثمّ لو صحّ الحديث, فليس كلّ من قاتلهمL مارقاً, بل فيهم الناكث: أي للبيعة, والقاسط: أي الظالم, والمارق: وهم الخوارج، فالحديث لم يسوِّ بين المخالفين لعليL, ولو كان عليّ وصيّاً من الله عزّ وجلّ لكان الحكم على جميعهم بحكم واحد وهو: (المارقون)».

الجواب

1ـ يبدو أنّك راجعت طرق الحديث فأيقنت في داخلك انّه صحيح فحاولت الاستدراك, وهذا أمر جيّد على كل حال.

2ـ إن استدلالك بعدم تسوية أوصاف الذين قاتلهم عليّ في الحديث، على عدم كون عليّ وصياً، غريب جداً، فلا توجد ملازمة بين كونه وصياً واقعاً وبين ضرورة وحدة الأوصاف، وأنه ينبغي أن يحكم عليهم بالمارقين فقط، فلم نفهم وجهاً لتلك الضرورة! فلماذا يجب أن يحكم على الطوائف الثلاثة بالمارقين فيما لو فرض أن علياً وصيٌ؟ ولماذا الوصية تفترض وحدة الحكم؟

فما بيّنه الحديث من أوصاف للطوائف إنما جاءت لإبراز السمة الظاهرة في هذه الطوائف الثلاث, فالسمة البارزة لطلحة والزبير هي نكثهم للبيعة، والسمة البارزة لمعاوية وأصحابة أنّهم قسطوا ومالوا وانحرفوا عن الحق، والسمة البارزة للخوارج مروقهم عن الدين, فليس الجميع بمرتبة واحدة حتى يكون عنوانهم المارقين فقط، فأيّ علاقة لهذه الأوصاف بالوصيّة؟!

ثمّ لسائل أن يسألك, بأنّه لماذا وصف معاوية وأصحابه في بعض الأخبار بأنّهم الفئة الباغية, ولم يوصف طلحة والزبير بذلك مع أنّهما بغاة أيضاً بخروجهما على خليفة المسلمين, فلماذا لم يسمّهما معاً بالبغاة؟ لا شكّ في أنّ الجواب سيكون أنّ السمات البارزة لهذه الفرق الثلاثة هي ما ذكره الحديث أعلاه.

على أن ما تقوله يستلزم أيضاً أن لا يكون علياً× خليفة للمسلمين في زمانه؛ فإن الطوائف الثلاثة أيضاً لا بد أن تحكم بوصف واحد وهو المارقون، والحال أن الحديث لم يساو بين تلك الأوصاف.

3ـ إنّ الحديث يدل على أنّ عليّاً لم يكن مجتهداً في حروبه، بل متّبعاً للنصّ النبوي, بينما الفرق الثلاثة كانت تخالف النصّ النبوي, وأنّ انحرافهم ثبت بالنصّ, فالحديث يبيّن أنّ طلحة والزبير ناكثان للبيعة وأنّ عليّاً كان مأموراً بقتالهم, فهل تعدّهم مأجورين، وهل ما زلت متمسّك بعدالة جميع الصحابة؟ والأمر يجري على معاوية وأصحابه كذلك.

الأوصاف في الآية مختصة ببعض الصحابة

ذكرنا بأنّه لو افترضنا وجود هذه السمات في عامّة الصحابة، لكنّ ذيل الآية يشهد على أنّ الثناء على قسم منهم، بقوله سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمَاً}.

فلفظة (من) في قوله: (منهم) للتبعيض، وما يقال من أنّ (من) بيانيّة غير صحيح; لأنّها لا تدخل على الضمير مطلقاً في كلامهم وإنّما تدخل على الاسم الظاهر كما في قوله: {فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الاَْوْثَان}([72]).

وقد أجبت على ذلك بثلاثة أمور:

قلتم: هل الآية مختصّة بعلي والأربعة أبي ذر و...

الأوّل: قلت في ص211: من هم الصحابة الذين توافرت فيهم عندكم, هل توافرت في أبي بكر وعمر وعثمان والمشهورين معهم؟ أم لم تتوافر إلاّ في عليّ أو فيه وفي الأربعة أبي ذر وسلمان وعمار والمقداد؟

الجواب

 عرفنا من خلال ما تقدّم, أنّ الآية تشمل عدداً كبيراً من الصحابة الذين وفوا لدينهم ولعهدهم مع نبيّهم, فلا داعي للتكرار, إذ نراك تكثر من التكرار في مسألة عدالة الصحابة الأربعة, ويتّضح للقارئ جليّاً أنّ هؤلاء الأربعة الذين تحاول أن تحط من قدرهم قد سببوا لك إرهاقاً كبيراً, خصوصاً أنّ مواقفهم كانت جليّة وواضحة في وقوفهم مع علي×, ومعاداتهم لأعدائه, مستقين ذلك من أقوال الرسول الأكرم’ في أنّ علياً مع الحقّ والحقّ معه, على أنّه ذكرنا مراراً بأنّنا لا نقتصر على عدالة الأربعة فقط, بل هناك المئات من العدول الذين ثبتوا ولم يغيّروا ولم يبدلوا.

قلتم: المعيّة في الآية لم تقيّد بـ (من) فتفيد العموم

الثاني: قلتم في معرض ردك على قولي أنّ (من) تفيد التبعيض:

نعم، هذا الوعد يفيد التبعيض, لكن الثناء السابق لم يقيّد بـ (من) فهل يعني أنّك تقرّ بعمومها, أم أنّك أخرجتها بتأويل آخر, وهو أنّ المعيّة يراد بها المعيّة الروحية!؟

الجواب

 نحنُ إنّما ذكرنا عدّة وجوه للآية فأيّهما يتمّ فهو يخرج مدلول الآية من شمولها للصحابة جميعاً, ولم نقل إنّ الوجوه مجتمعة تخرج الآية من مدلولها, بل يكفي تمامية وجه واحد ممّا ذكرنا، على أنّ كون (من) تبعيضيّة لا يلازم القول بعموم الآية كما تريد إثباته هنا, فإنّ ذيل الآية يفيد أنّ الله وعد هؤلاء الذين كانوا معه بهذه الصفة, وكونهم أشداء على الكفار ورحماء بينهم... وعدهم بالمغفرة والأجر بشرط البقاء على الإيمان والعمل الصالح، وهذا أشدّ وآكد في تخصيص الصحابة العدول بمجموعة معيّنة وعدم شمول الآية لجميعهم, فالآية تؤكّد على أنّ العمل الصالح والإخلاص في فترة معيّنة لا يلازم المغفرة والأجر من دون بقاء على ذلك.

ثمّ لو تنزلنا عن المعيّة الروحية, فأيضاً لا تدلّ الآية على العموم؛ إذ لا ملازمة بين كون (من) تفيد التبعيض وبين عموم الآية وشمولها لجميع الأفراد, إذ مع ملاحظة الواقع الخارجي الذي كان عليه الصحابة يتّضح أنّ المراد من المدح هو مدح مجتمع الصحابة على نحو الإجمال, فالمجتمع الصحابي صفته العامة أنّهم رحماء بينهم أشداء على الكفار وسيماهم في وجوههم, أمّا الأفراد بنحو الاستغراق واحداً واحداً فهم غير متحلين بهذه الصفات، فمنهم من تشمله الآية ومنهم من لا تشمله, ولذا جاء ذيل الآية مُقيِّداً مَن تشمله المغفرة والأجر بمن آمن وعمل صالحاً, فذيل الآية قرينة واضحة على عدم إرادة جميع الأفراد.

قلتم: من هم الموعودون بالمغفرة في الآية

الثالث: قلت: الآية وعدت بعضهم بالمغفرة والأجر العظيم, فمن هم الذين تعتقد أنّه تشملهم من الصحابة؟

الجواب

 نقول: الآية تشمل كثير من الصحابة المخلصين, فهي تشمل مثل عليّ وحمزة وجعفر وسهل بن حنيف والأربعة الذين يزعجك ذكرهم (أبو ذر, والمقداد وعمار وسلمان)، وتشمل الشهداء الذين ضحّوا بأنفسهم مع النبي’, وتشمل الكثير ممّن وقفوا مع علي مواقف مشرّفة, وقد تقدّم ذكر جماعة بأسمائهم فيما سبق, فلا نعيد.

لكن هذا خروج عن محلّ البحث, فأولاً وقبل أنْ توجّه الأسئلة, لا بدّ أن تجيب: هل الآية بعد هذا البيان شاملة لجميع الصحابة؟ ولا يمكن الاجابة بنعم إلاّ مكابرة.

فتبيّن أنّ دليلكم الثاني على عدالة الصحابة غير تام أيضاً.

تتميم

 قلتم: (من) بيانية لا تبعيضية

 تراجعتم في طبعتكم الجديدة عن القول بأنّ (من) في الآية تفيد التبعيض, وذكرتم في ص222ـ 223 بأنّ السياق يأبى أن تكون (من) تبعيضية، فالصفات في صدر الآية صفات إيمان وعمل صالح...

ثمّ أخذت تذكر أقوال بعض المفسرين بأنّها بيانية، ثمّ ذكرت أنّ أهل اللغة قرروا ذلك أيضاً, فذكرت أنّ ابن هشام استشهد بقول ابن الأنباري بأنّها بيانية.

الجواب

1ـ لا نرى مبرراً لهذا التطويل, ولا لهذا الاستشهاد؛ لأنّه اتّضح جليّاً من البحث أنّه ليس كلّ الأصحاب بالصفات التي ذكرها القرآن، والواقع يشهد لذلك, فهم غير مشمولين جميعاً، فثمة منهم كان فرّاراً من الزحف فهو لا يغيظ الكفّار كما لا يخفى، ومنهم القاتلون للأبرياء بخروجهم على خليفة زمانهم، فهم ليسوا رحماء مع الفريق الآخر.

وسواء فسّرنا (من) بالبيانيّة أو بالتبعيضيّة فهي لا تنفع بشيء؛ لأنّها إنْ كانت بيانية فقد دلّت الآية على أنّ أولئك الذين وقفوا مع النبي’ وقفات مشرّفة وانطبقت عليهم الصفات التي وردت في الآية، هم الذين وعدهم الله بالمغفرة والأجر العظيم, فالآية تتحدّث عمّن كانوا مع النبي’ روحاً وجسداً وغير شاملة لجميع الصحابة، فهناك إذن قرينة ـ ولنُسمّها بالقرينة العقلائيةـ تقيّد إطلاق الآية وتخصّ الصحابة فيها بمن كان مع النبي’ روحاً وبدناً.

وإن قلت: إنّها تبعيضيّة, فهي عندئذٍ تبيّن أنّ هؤلاء الذين كانوا بتلك الصفات يشترط في حصولهم على المغفرة الثبات على الإيمان والعمل الصالح, فهي تؤكّد على توفر شرطين أساسيين وهما: الإيمان والعمل الصالح, قال النحاس: «ويجوز أن تكون للتبعيض أي: وعد الله الذين ثبتوا على الإيمان منهم، مغفرة وأجراً عظيماً»([73]).

2ـ ثمّ لو تنزلنا عن جميع ذلك, فالآية لا تفيد العموم على ما قدّمنا, فإنّ الواقع الخارجي أثبت بالدليل القاطع انحراف عدد غير قليل من الصحابة تسبّبوا بقتل الآلاف من المسلمين, فالواقع الخارجي يشكّل قرينة على كسر الشمول، فلا يمكن أن تكون الآية ناظرة لهؤلاء؛ لعدم تحقق المواصفات فيهم، فتحمل الآية حينئذٍ على أنها ناظرة للمجتمع الإسلامي في ذلك الوقت على نحو الإجمال لا على نحو الاستغراق الأفرادي.

3ـ إنّ القول بشمولها لجميع الصحابة الذين كانوا موجودين معه’ تصطدم بعقبة كبيرة يرفضها جميع المسلمين, ألا وهي شمول الآية للمرتدين بعد وفاة رسول الله’، وهذا لا يقبله ولا يرتضيه مسلم؛ فمن غير المعقول أن تكون الآية شاملة لهم, وكذلك على القول بشمولها للجميع، فسوف يقع في دائرة هذا الشمول حتى من كان منافقاً غير ظاهر النفاق.

فإن قلت: إنّ من ارتدّ غير مشمول بالآية، فهذا إذعان منك بعدم شمول الآية لجميع الصحابة ولو بنحو جزئي؛ فإن هذا يكفي في عدم الاعتقاد بشمول الآية لكل فرد من الصحابة بعينه, وإن قلت: إنّها شاملة للجميع، لزم شمولها للمرتدين بعد وفاة النبي, وللمنافقين المستور حالهم.

4ـ لم يجمع المفسرون على أنّ (من) بيانية كما ادعيت، حيث قلت: «فهؤلاء أعلام المفسرين من جهابذة اللغة وأئمّة التفسير كلّهم يقررون أنّ {منهم} بيانية..».

فهذا الكلام تغرير بالقارئ, ولا يناسب الأمانة العلمية, فها هو ابن الجوزي يقول: «في (من) قولان: أحدهما:... والثاني: أن يكون هذا الوعد لمن أقام منهم على الإيمان والعمل الصالح»([74]).

وتقدّم أنّ النحاس قال: «ويجوز أن تكون للتبعيض أي وعد الله الذين ثبتوا على الإيمان منهم، مغفرة وأجراً عظيماً»([75]).

وقد تقدم منا في حوارتنا، أن استعمالها في البيان مع دخولها على الضمير، ليس استعمالاً صحيحاً، كما أشار لذلك عبد العزيز الدهلوي([76]).

على أنّ الدافع لأهل السنّة إلى القول بأنّها بيانيّة هو تبنّيهم المسبق لعدالة جميع الصحابة؛ ولذا نرى ابن عطيّة يقول: «هي لبيان الجنس وليست للتبعيض؛ لأنّه وعد مرج للجميع»([77]). فعلّل كونها بيانية بأنّها وعد مُرْج للجميع, ولم يستفد أنّ الوعد للجميع بعلة أن (من) بيانية, وهو ظاهر.

5ـ أوردت استشهاد ابن هشام بكلام ابن الانباري, وعند مراجعتنا لكلامه فهمنا جيّداً مغزى استشهادكم به, فإنّ ابن الأنباري قال: «إنّ بعض الزنادقة تمسّك بقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً} في الطعن على بعض الصحابة»([78]).

وهذا الأمر ليس بغريب منكم, وعلى أي حال، هنا لدينا تساؤلان:

الأول: ما رأيك فيمن لم يقل بعدالة جميع الصحابة من بعض علماء أهل السنّة؟ فهم بلا شك يطعنون ببعض الصحابة؛ لذلك لا يعتقدون عدالة الجميع فرداً فرداً, ومن هؤلاء العلماء: ابن العماد والمازري والتفتازاني وغيرهم, فهل هم زنادقة بنظرك؟!

الثاني: هل استفاد هؤلاء العلماء من عموم وإطلاق الآيات القرآنية شمولها لجميع الصحابة ومع ذلك خالفوها, أم لهم رأي آخر في الموضوع؟!

قلتم: على فرض التبعيض، فمن هم المرادون بالاية؟

وقلت في ص224: هب أنّها للتبعيض, فمن هم هؤلاء البعض الذين نوّه الله بذكرهم...

الجواب

هذا تكرار مملّ وقد تقدّم جوابه مراراً فلا نعيد.

الآية الثالثة: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا...

 قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأموالهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} إلى أن قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}([79]).

من دون شك، أنه لا يوجد مسلم إلاّ وفي قلبه حبٌّ للمهاجرين والأنصار، الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل نصرة هذا الدين, كما لا شكّ أنّ للهجرة والجهاد بالغ الأثر في توسيع رقعته ونشره في أرجاء الأرض, إلاّ أنّ الكلام كلّ الكلام في تقديس وتعديل كلّ من رأى النبي’ وعدم جواز البحث عن حاله مهما فعل وارتكب! فهذا لا يقرّه عقل ولا يرتضيه دين.

المراد من الآية

الآية المباركة في صدد مدح المهاجرين الذين جاهدوا في سبيل الله وضحّوا بأموالهم وأنفسهم، وكذلك الأنصار الذين آووا ونصروا, وقد تقدّم بيان ما يتعلق بالآية, ومن هم المشمولون بها من المهاجرين والأنصار، وأوضحنا أنّ الآية تتكلم عن السابقين من المهاجرين، وكذلك تخص الأنصار بمن أوى ونصر، فلا نعيد.

وعند النظر إلى وقائع الأحداث، وما حصل من فتن, نستنتج أنّ الآية ناظرة إلى السابقين من المهاجرين وإلى الأنصار الذين آووا ونصروا بصورة إجمالية, ولم يكن نظرها لحاظ كلّ فردٍ من الصحابة, فكلّ من ثبت انحرافه بدليل معتبر خرج من الآية, ولذا لا بدّ هنا من التركيز على أمرين مهمّين:

الأوّل: أنّ الآية أجنبيّة عن القول بعدالة جميع الصحابة، الذي هو محلّ البحث, فسواء قلنا بشمول الآية لجميع المهاجرين والأنصار, أو لفئة خاصّة منهم, فهي لا تفيد عدالة جميع الصحابة الذين هم أكثر بكثير من المهاجرين والأنصار, وقد تقدّم بيان أنّها لا تشمل الجميع، فراجع.

قلتم: إذا اطلق الله فلا قيد وإذا قيّد فلا إطلاق

الثاني: نراك تتّهمنا كثيراً بأنّنا نستدرك على الله عز وجل، فالله تعالى يطلق الكلام ونحن نقيّده, وتقول: بأنّه إذا أطلق فلا قيد, وإذا قيّد فلا إطلاق, وأنّ هذا هو الأدب مع الله سبحانه وتعالى.

الجواب

1ـ من المعروف لكلّ طالب علم فضلاً عن العالم المحقّق أنّ هناك بحثاً أصوليّاً معروفاً في تقييد السنّة وتخصيصها, بل ونسخها للقرآن الكريم، فهل يأتي كلامك هنا بأنّ الأدب مع الله أنّه إذا أطلق فلا قيد، وإذا قيّد فلا إطلاق؟!!

2ـ إنّ النبيّ’، الذي نزل عليه القرآن ونقله لنا عن الله سبحانه وتعالى, هو بنفسه لم يتمسّك بالعموم والإطلاق المدّعى في الآيات الواردة في الصحابة, فكيف ذلك وقد ذمّ الكثير منهم وصرّح بدخول بعضهم النار, ووسم البعض منهم بالعصاة؟

 ونكتفي هنا بذكر مثال على صحابي كبير, وهو الزبير، حيث قال له الرسول’، على ما صحّ عندكم: «ستقاتل هذا [يعني عليّاً] وأنت ظالم له»([80]), فهل الظالم مشمول بالمغفرة والأجر والرضا الإلهي؟! وهل هو متأوّل مجتهد وله أجر مع وجود النصّ النبوي على خلاف رأيه وموقفه؟!

3ـ إنّ القرآن بنفسه أطلق وقيّد, وعمّم وخصّص, بل وحكم ثمّ نسخ, وهذا يعرفه كلّ مبتدئٍ بعلوم الدين؛ لذا لا يستنبط الفقهاء الحكم الشرعي إلاّ بعد جمع كلّ ما يتعلّق به من القرآن, وكذا من السنّة ليتعرفوا على حقيقة الحكم أهو عام أم مخصص أو منسوخ وهكذا, فالقرآن والسنّة هما منظومة متكاملة في العقيدة والأحكام والآداب والسلوك ولا يمكن التمسّك بآية أو رواية دون النظر إلى ما يتعلّق بمدلولها في باقي الآيات والروايات.

4ـ إنّ المتأمل في القرآن الكريم وكذا السنّة المباركة, يلحظ أنّ هناك قواعد كليّة ومبادئ عامة لا يمكن إغفالها في كلّ استدلال, فمثلاً أنّ الله تعالى يقرر أنّ مبدأ: أكرمكم عند الله أتقاكم, فلا يصحّ عندئذٍ لأيّ شخص أن يدّعي أنّ فلاناً غير المتّقي هو أكرم عند الله من فلاناً المتقي باعتبارات معيّنة, فهذا خلافٌ صريحٌ لهذه القاعدة القرآنية المباركة, وكذا قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} فلا معنى للقول بعد هذا إنّ الله رضى عن فلان مع كونه فاسقاً, نعم وردت آيات أخرى تؤكّد أنّ المغفرة تشمل من تاب من الفاسقين, وهكذا، فالقرآن وكذا السنّة وضعت قواعد عامّة لا يمكن التنصل عنها وإغفالها في أيّ أمر كان.

5ـ تبيّن من خلال ذلك, أنّ ما نسبته إلى الشيعة من تقييد كلام الله تعالى عار عن الصحّة, فإنّ الشيعة متّبعة للقرآن والسنّة, وتعمل وفق القواعد التي أقرها القرآن وكذا السنّة، فهي لم تخبر بعدالة الصحابة أجمع؛ بل إنّ النبي’ قد بيّن مراراً أنّ الصحابة ليسوا عدولاً جميعاً؛ من خلال أحاديث الحوض وغيرها, فالتقييد لإطلاق الآية إنّما هو تقييد من القرآن ومن السنّة.

6ـ إنّ الواقع التأريخي أثبت انحراف مجموعة من الصحابة بأفعال يندى لها جبين البشرية, بحيث يقطع كلّ من يعرف مبادئ الإسلام بأنّ هؤلاء غير مشمولين بالمدح الإلهي, فكيف يعقل أن يشمل من يسخر من النبي’ ويحاكيه في مشيته استهزاءً به؟! أم يشمل والي المؤمنين الذي قضى أيّاماً عديدة على صدر أم جميل([81]) ؟! أم يشمل بسر ابن أرطاة الذي لم يسلم من سيفه حتى الأطفال الصغار([82]) ؟! أم يشمل طلحة والزبير الذين شرخا في الإسلام شرخاً لا زلنا نعاني تبعاته إلى اليوم، وأُزهقت بسببهم آلاف الأرواح البريئة؟!

الوصية لا تنسجم مع تعديل الصحابة

مضافاً لما تقدّم, فقد وجدناك تكرر كثيراً أنّ الشيعة لا يمكن أن تقول بعموم آيات عدالة الصحابة؛ لإيمانها بالوصيّة المكذوبة, فالآيات عندهم تشمل أربعة لا غير (عمّار وابو ذر وسلمان والمقداد).

الجواب

1ـ إنّ الوصيّة ليست مكذوبة كما تدّعي, بل وردت بها روايات عامّة وروايات خاصّة، وسيتم التطرق للروايات الخاصة عند الحديث عن ردّك عليها في محله فانتظر([83]).

2ـ نحن لم ندّع أنّ الاعتقاد بعدم عدالة الصحابة أجمع مرتبط بمسألة الوصيّة فقط, بل أثبتنا لك ذلك بذكر انحراف عدد لا بأس به من الصحابة، في سلوكهم وأفعالهم، فإنّهم لا بسوا الفتن, وشقّوا عصا المسلمين, وسفكوا دماء الأبرياء، فلا يمكن أن تشملهم الآيات, وقد تقدّمت الأشارة قريباً لذلك, كما تقدّم توثيق الكثير من الأحداث أثناء البحث، فلا نعيد.

3ـ لم ندّع أنّ الذين كانوا يعتقدون بالوصية هم أربعة فقط، بل الكثير من المهاجرين والأنصار كانوا لا يشكّون في أنّ الخلافة لعلي×([84]), ولم ندّع أنّ الصحابة العدول هم أربعة فقط, وقد عرفنا من خلال البحث أنّ هناك الكثير من الصحابة ممن أخلصوا واستمروا على إخلاصهم، وهم الذين تشملهم الآيات القرآنية، فلا نعيد.

وبهذا البيان تتضح الأجوبة على جلّ وأهمّ ما أوردتموه حول الآية الكريمة, واتّضح أيضاً أنّ الآية غير شاملة لجميع الصحابة.

الآية الرابعة: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل

قال سبحانه وتعالى:{لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}([85]).

هذه الآية الرابعة التي ادعي دلالتها على عدالة الصحابة جميعاً بلا استثناء، ببيان أن الآية قد فاضلت بين فريق من الصحابة قاتل وأنفق في سبيل الله قبل فتح مكة، وبيّن من فعل ذلك بعد الفتح، ثم وعد الله تعالى كلا الفريقين بالحسنى، وهذا الوعد من الله تعالى وقع لأشخاص بعينهم، فهو يكشف عن أنّ الله تعالى قد علم منهم أنهم سيكونون على خير عاقبة، وبهذا فكل الصحابة مشمولون بالوعد الإلهي، والنتيجة ثبوت عدالتهم جميعاً.

والاستدلال بهذه الآية لا يتم؛ لعدّة أمور، وأحدها على سبيل البدل يكفي في نقض الاستدلال:

الأول: أنّ هذه الآية لا تنظر إلى جميع الصحابة قاطبة، لأنّها تتحدث عن وجود صفتين: هما الإنفاق والقتال معاً، ومفادها بيان عدم تساوي الأجر والثواب بين من ثبتت له هاتان الصفتان قبل الفتح مع من ثبتت له بعد الفتح، ضرورة أنه قبل الفتح تكون المثوبة أكبر، لكن الله تعالى قد وعد الجميع بالمثوبة والأجر.

ومن المعلوم أن كثيراً من الصحابة لم يكونوا قد جمعوا هاتين الخصلتين معاً، لا قبل الفتح ولا بعده، بل لم تثبت لهم واحدة منها، فكم من رأى النبي’ وأسلم على يديه بعد الفتح، عام الوفود، ورجع إلى بلاده دون أن يقاتل أو ينفق، وكم شخص كان ضمن المؤلفة قلوبهم الذين لم ينفقوا بلا شك.

ثم إنّ القول بأنّ ثمة أشخاصاً معينين من الصحابة لا شك في شمول الآية لهم، فهذا أيضاً لا يمكن إثباته من هذه الآية إلا إذا ثبت بدليل روائي أنهم قد أنفقوا وقاتلوا معاً قبل الفتح أو بعده، هذا إذا لم يكن الثابت تاريخياً هو العكس، بأن كانوا فرارين في الزحف والحروب، وكانوا يجبّنون الناس من القتال، ولم يعرف عنهم أنهم قتلوا شخصاً واحداً أو حتى جرحوه! كما تجدر الإشارة إلى أن الإنفاق، بقرينة عطفه على القتال، هو الذي يقع في طريق الجهاد لا الإنفاق كيفما كان.

الثاني: لا يمكن شمول هذه الآية لمن قاتل وأنفق ظاهراً لكنه باطناً كان غير مقتنع بنبوة النبي’، أو كان ينتظر من قتاله وإنفاقه شيئاً آخر، حالاً أو مستقبلاً، فلا يمكن الجزم بأن كل من حاز على تينك الخصلتين فهو مما وعده الله بالحسنى.

الثالث: الآية كما ذكرنا في حورانا معكم تدل على شمول الوعد بالمثوبة الحسنى من الله تعالى لمجموعة خاصة ممن قاتلوا وأنفقوا قبل أوبعد الفتح، لكن ذلك مقيد بحسن العاقبة وأن خاتمتهم كانت إلى خير، وإلا فالوعد لا يشملهم.

وقد ثبت أنّ بعض من قاتل مع النبي’ قد صرح النبي’ بدخوله النار؛ فلم يثبت على العمل الصالح, فعن أبي هريرة قال: «شهدنا مع رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) فقال لرجل ممّن يدّعى الإسلام, هذا من أهل النار, فلمّا حضر القتال, قاتل الرجل قتالاً شديداً فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله, الذي قلت: إنّه من أهل النار، فإنّه قد قاتل اليوم قتالاً شديداً, وقد مات, فقال النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم): إلى النار. قال: فكاد بعض الناس أن يرتاب, فبينما هم على ذلك, إذ قيل إنّه لم يمت ولكن به جراحاً شديداً فلمّا كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه, فأُخبر النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) بذلك، فقال: الله أكبر أشهد أنّي عبد الله ورسوله، ثمّ أمر بلالاً فنادى بالناس أنّه لا يدخل الجنّة إلاّ نفس مسلمة، وأنّ الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر»([86]).

وفي البخاري أيضاً عن سهل, أنّ النبي’ قال بعد موت الرجل: «إنّ العبد ليعمل عمل أهل النار وانّه من أهل الجنّة، ويعمل عمل أهل الجنّة وانّه من أهل النار، وإنّما الأعمال بالخواتيم»([87]).

وها هي عائشة تصرّح ببطلان جهاد زيد ابن أرقم بسبب فتوى له، قال الآمدي: «وقالت عائشة: أخبروا زيد بن أرقم أنّه أُحبط جهاده مع رسول الله بفتواه بالرأي في مسألة العينة»([88]). وليس من الصحيح أن السيدة عائشة كانت تفهم شمول الآيات القرآنية المادحة والواعدة بالأجر لجميع الصحابة ومع ذلك تدعي أن أحدهم أحبط جهاده!

الرابع: أحد ركائز الاستدلال في شمول الآية لجميع الصحابة دعوى أنها وعدت وبشرت أشخاصاً بأعيانهم، ويمتنع مع ذلك أن تكون الآية مقيدة بحسن العاقبة.

فقلتم: في ص216ـ 217 ما حاصله: إنّ الآية خاطبت قوم بأعيانهم بذكر صفاتهم, ووعدتهم بالحسنى، أي الجنّة, وفي ذلك بشارة لهم بأنّهم يعيشون على الإيمان ويموتون عليه, وإمّا إذا جاءت الآية مطلقة ولم تخاطب قوماً بأعيانهم فذلك بشرط الاستمرار على الصفة... وذكرتم أنّ تقييد الآية غير لائق بكم؛ لأنّه استدراك على الله عز وجلّ, وأنّه جرأة على الله وأنّه من التقدّم بين يدي الله عز وجلّ.

أقول: هذا الكلام واهٍ جداً، لأمرين:

 أولهما: أن الآية لم تخاطب شخصاً محدداً أو أشخاصاً، فلم تذكر أن علياً الذي قاتل وأنفق له الحسنى، أو أن عمر وعثمان وخالداً الذين قاتلوا وأنفقوا لهم الحسنى أيضاً حتى تقول إن الإطلاق يمتنع عن التقييد، كما لم يقل الله تعالى: أنتم الصحابة جميعاً موعودون مني بالحسنى، بل الآية ذكرت وصفاً وعنواناً عاماً، وهو وصف من قاتل ومن أنفق، في قضيةٍ موضوعها تحقق الصفتين ومحمولها ترتب الثواب والأجر، فمفادها: كل من كان مقاتلاً ومنفقاً في الجهاد فهو موعود بالثواب والأجر. وهذا الوصف كما ترى لا يشبه القضية العينية، فلا يوجد مبرر عقلي أو عقلائي لمنع تقييد اطلاق الآية بالاستمرار على العمل الصالح.

وهذا ليس غريباً منك؛ فأنت مشبع بأفكار وقبليات ومسبقات لطالما حاولت أن تفسر جميع النصوص في إطار تلك القبليات التي تحملها في ذهنك، فلم تكن حيادياً وموضوعياً مطلقاً.

وهذه الآية لا تختلف عن آيات كثيرة في القرآن، علقت الوعد على أوصاف محددة، ولا يمكن القول إنها مطلقة من كل قيد، كما قال تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا }([89])، فهذه الآية أيضاً لا يمكن من خلالها إثبات أن زيداً من الناس مصداقاً لها حتماً، لأن العام ـ كما قيل في علم الأصول ـ لا يثبت موضوعه، كما أن هذه الآية يدخل في عمومها الكثير ممن جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، فان كانت الآية السابقة عينية فهذه عينية أيضاً, فهل تلتزم هنا أنّ كلّ من آمن وعمل صالحاً سيدخل الجنة بدون استثناء، وفقاً للوعد الإلهي فيها، بغض النظر عن بقيّة أعماله ومن دون النظر إلى خاتمته؟

ثانياً: أن الآية في مقام المفاضلة بين الأجر، وهذا هو محط النظر فيها، ولا يمكن إثبات الإطلاق والشمول فيها لكل أفراد الصحابة؛ لأنها ليست في مقام النظر إلى الأفراد، وهذا شائع في علم الأصول، فراجع.

قلتم: الموعود بالحسنى يختلف عن الذي انسلخ من آيات الله

قلتم ص218: في تعليقكم على قولنا: «وقد دلّ الذكر الحكيم أنَّ رجالاً مؤمنين انقلبوا على أعقابهم..< قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا...} فمن وعده الله بالحسنى ليس بأفضل من هذا الرجل..

وقلتم: إنَّ هذا القول من أفسد الأقوال وأبعدها عن معنى الآية التي نحن بصددها, وذلك من عدّة أوجه:

1ـ إنَّ الآية التي في الصحابة قد وعدتهم بأعيانهم, فإنّ الصفة التي ذكرها تتمثل في أشخاص بأعيانهم وعدوا بجنَّات النعيم.

2ـ إنَّ الذي انقلب على عقبيه لم يسبق له من الله وعد بالجنَّة بشخصه، وإلاَّ فلو وعده الله بشخصه لتحقق وعد الله سبحانه.

3ـ لو اتبعنا قاعدتكم هذه في بقية الآيات فأخرجناها عن معناها, واعتقدنا أنْ لا وعد ولا ثناء على أحد من الصحابة, وأنَّهم جميعاً معرضون للردّة رغم دلالة الآيات على نجاتهم وإيمانهم, ومطابقة الأحاديث لمعنى الآيات بالثناء على أهل بدر, وأهل بيعة الرضوان, لو فعلنا ذلك لشككنا في جميع الصحابة, ولأمكن للكفار والمنافقين أن يشككوا في إيمان جميع الصحابة. وهذا من الأسباب التي جعلت مذهب التشيع بوابة مفتوحة لكلّ طاعن وزنديق, وإنْ كنَّا لا نصف الشيعة بذلك, لكن المذهب قابل لذلك.

الجواب

1ـ اتضح مما تقدم فساد الاستدلال بالآية المباركة بزعم أنها ذكرت قوماً بأعيانهم ويمتنع التقييد، فلا نعيد.

2ـ مرادنا من التشبيه بمن أوتي الآيات وانسلخ منها, أنّ الشخص قد يصل مرتبة عالية في العلم والعمل, لكن ذلك غير عاصم له من الانحراف, وقد اتّضح أنّ صحابياً قد قاتل بين يدي رسول الله’ ولكن كان مصيره النار, وأنّ آخر قد أحبط الله جهاده مع رسول الله’، على ما صرّحت به السيّدة عائشة([90]).

على أنّ بعض الآراء السنيّة ترى أنّ الآيات التي أوتيها ذلك الشخص، وهو بلعم بن باعورة، هي النبوّة([91])! فعجباً لأمّة تجيز الانحراف على الأنبياء, وتقبل وترضى أن يكون ختامهم سوء, ولا تقبل ذلك على بعض الصحابة!!

3ـ ويتضح من مجموع ما تقدم واقعية المذهب الشيعي وموضوعيته, فليس هو بوابة لهدم الدين، كما زعمت؛ لأنّ من يفسّر القرآن على رأيكم، ثمّ يقرأ تاريخ الصحابة وما حصل بينهم، سوف يشكّك في كون هذا القرآن من الله؛ لأنّه يخالف الواقع, ومن هنا يتّضح أيّ مذهب يكون بوابة لهدم الدين؟!

وأخيراً نقول: إنَّ هذه العقلية التي أضحت رهينة وأسيرة لمرتكزات غير صحيحة، لن تدرك الواقع على ما هو عليه ما لم تقرر الانعتاق من ذلك الأسر؛ لتزيح عنها الظلام، وترى الواقع بعين العدل والإنصاف، نسأل الله لكم الرشاد والتوفيق.

الآية الخامسة: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم

قال سبحانه وتعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأموالهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُـرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمان مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمان ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}([92]).

ذكرنا لكم أنّ الآية لا تشمل جميع الصحابة, بل هي في صنف خاص من المهاجرين والأنصار؛ وذلك لأنّها قيّدت المهاجرين بثلاث قيود: الفقر, والإخراج من الديار, ونصرة الله ورسوله’, كما أنّها قيّدت الأنصار بثلاث قيود: الذين تبوّءوا الدار والإيمان, يُحبّون من هاجر إليهم..., ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.

وهنا نودّ إضافة شيء مهم وهو: من الواضح والمعروف أنّ كتاب الله كتاب متكامل غير متناقض, ويفسّر بعضه بعضاً, فلو كانت الآيات السابقة شاملة لجميع الصحابة, وغير مقيّدة بحسب زعمكم! فما معنى أن يقيّد المهاجرين والأنصار هنا بعدّة قيود, فمادام جميعهم قد وقع الثناء عليهم وجميعهم (رضي الله عنهم) ووعدهم بالجنّة, فهل القرآن متناقض؟! أم أنّه يفسر بعضه بعضه, وما يتوهم فيه من الإطلاق في الآيات السابقة غير صحيح!

فالنظرة الشاملة للقرآن, تدلّك أنّ تفسير الشيعة لآيات القرآن هو أدقّ وأصحّ ممّا يدّعيه أهل السنّة.

هذا، وقد أجبتم على ما أوردناه حول الآية بعدّة أمور منها:

قلتم: هل الخلفاء الثلاثة مشمولون بالآية؟

1ـ قلتم في ص220: هل وجد من المهاجرين من تمتّع بهذه الصفات... وهل أبو بكر وعمر وعثمان وبقيّة عظماء الصحابة منهم..وإذا كانوا فيهم فقد تحقق فيهم قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} وهو وصف ثناء ومدح ثابت إلى أن يلقوا الله...

الجواب

أوّلاً: من الواضح أنّك تختصر الصحابة بمجموعة معيّنة لا تتجاوز عدد الأصابع, وتسمّيهم بعظماء الصحابة, وهذه دعوى لا دليل عليها لا من القرآن, ولا من السنّة, ولا يساعد عليها التاريخ, فهل من يفرّ من الزحف, أو من يقاتل خليفة زمانه, ويهرق دماء الأبرياء, يكون من عظماء الصحابة!

ثانياً: هذه الآية ـ كسابقتهاـ لم تسمّ أشخاصاً بأعيانهم، بل أعطت مواصفات, فمن توفرت فيه هذه المواصفات, كان مشمولاً بها وهو محلّ احترام وتقدير, فعليك أن تلاحظ الصفات التي ذكرتها الآية, ثمّ تبحث عن مصاديقها في الواقع، وقد قلنا في الآية السابقة: إن إثبات المصداق الخارجي بنفس عموم الآية ممتنع وغير صحيح؛ لذا فلا يمكن قبول ما ذكرته من أسماء للصحابة بأنهم هم محط نظر الآية, بل عليك إثبات أن تلك الصفات موجودة فيهم مسبقاً بدليل آخر غير الآية؛ لكي تدعي ثانياً أنهم مشمولون بهذه الآية، ومن ثم ترتّب على ذلك أنهم هم الصادقون.

على أنه يوجد الكثير من الصحابة ممّن ضحى بكلّ شيء من أجل الدين والرسالة, فمثلاً كان بنو جحش من مقدّمة المهاجرين, وكانوا من الفقراء، هاجروا جميعاً بنسائهم إلى المدينة، وتركوا بيوتهم وقد استولى عليها أبو سفيان, فما المانع من شمولهم بالآية, أم أنّ الآية بنظرك لا تستقيم إلاّ إذا شملت من هم في ذهنك فقط؟

قلتم: الله أمر الصحابة أن يكونوا مع المهاجرين

2ـ قلتم: إنّ الله عزّ وجلّ قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}([93]). وهذا أمر من الله للصحابة عموماً ممّن لم يكن منهم أن يكون معهم, فإنّ الله سبحانه قد أخبرهم أنّ هؤلاء المهاجرين الأولين (صادقون) فعرفوهم، ثمّ أمرهم أنْ يكونوا معهم؛ ممّا يؤكد أنّهم سيعيشون على الحقّ والصدق. وقد كان علي بن أبي طالبL منهم, عاش معهم ولم يخرج عنهم.

الجواب

أوّلاً: أنّ الآية قيّدت المهاجرين بثلاث قيود ومع تحقق هذه القيود ينطبق عليهم وصف الصادقين, ومن لا تنطبق عليه الصفات والقيود غير مشمول بالآية أساساً, فالله تعالى يصدّق إيمانهم فيما لو كانوا على الصفات المذكورة.

ثانياً: قد اختلف في تفسير آية: { وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} وأحد الآراء المذكورة في كتب التفسير عندكم أن المقصود منها هو ما ذهبتم إليه من أنها تخاطب من آمن بالله من أهل الكتاب: أي، يا أهل الكتاب كونوا مع المهاجرين والأنصار واصدقوا مثل صدقهم، فقد ذكر ابن أبي حاتم في تفسيره خمسة احتمالات في دلالة الآية([94]).

لكن الأقرب لظاهر الآية أن يكون المعنى ـ كما اختاره صاحب الكشاف ـ كونوا مع الذين صدقوا في دين الله، نيةً وقولاً وعملاً، أو مع الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم لله ورسوله على الطاعة([95])، وهذا خطاب ـ كما ترىـ لجميع المؤمنين، سواء أكانوا في عصر النبي’ أم بعده، فليس نظر الآية مقتصر على عصر المهاجرين والأنصار.

على أننا نعتقد أن الصادقين هنا لا بد وأن يكونوا متصفين بالعصمة، بملاحظة أن الله تعالى لم يقيد الصادقين بقيد خاص، فيلزم أن يكونوا معصومين في أقوالهم وأفعالهم, فإنّ الكون معهم يعني اتّباعهم والاقتداء بهم، ولا يمكن صدور الأمر باتّباع من يجوز عليه الخطأ والزلل, وكذلك تدلّ على وجود الصادقين في كلّ زمان ولا يمكن اختصاصهم بزمن معيّن؛ لأنّ الأمر جاء لجميع المؤمنين في جميع أزمانهم وأماكنهم بأن يكونوا مع الصادقين, فلا بدّ من وجود الصادقين في كل زمان ليتمكن المؤمنون من الكون معهم والرجوع إليهم.

 ولهذه النكتة المهمة وهي عصمة الصادقين ووجودهم في كل زمان توجه الفخر الرازي، ولم ينكر ذلك، إلاّ أنّه فسر الصادقين بمجموع الأمّة, ولم يفسره بشخص المعصوم([96]), وهذا غير صحيح؛ لأنّه يلزم منه اتّباع الإنسان لنفسه واتحاد التابع والمتبوع, فإنّ جزء الأمّة عليه اتّباع جميع الأمّة وهو داخل فيها, مع أنّ الآية ظاهرة في تغاير التابع والمتبوع، فتأمل.

ثالثاً: صحيح أنّ عليّاً× قد عاش معهم, لكن لم يكن على وئام مع جميعهم, وكان كلّ هدفه الحفاظ على وحدة المسلمين, مراعياً بذلك مصلحة الإسلام العليا, ولذلك لم يدّخر وسعاً في بيان الأحكام وحلّ المعضلات التي كانت تواجه الخلافة آنذاك, وقد بيّنا مراراً أنّه كان على خلاف مع أبي بكر وعمر, كما أنّه أشار إلى إمامته وخلافته في حدود ما وسعه ذلك.

قلتم: هل الأنصار الذين آووا مفلحون؟

3ـ قلتم في ص220: الأنصار الذين آووا: هل تحقّق فيهم حكم الله عز وجلّ, ووعده بأنّهم (مفلحون) وهل وجد من توافر فيهم هذه الصفات منهم أم لا؟

الجواب

لطالما استخدمت أسلوب المماطلة بالحوار, فبعد أن تعييك الحيلة في إثبات أنّ الآيات تشمل جميع الصحابة، تحوّل الحوار إلى مجموعة أسئلة لا قيمة علميّة لها؛ لأنّ الغرض منها هو الفرار من الموضوع, وحيث إنّ القارئ عرف جيّداً عقيدتنا بعدالة الصحابة التي تستند على احترام وإجلال الكثير من الصحابة، وقد أشرنا إلى بعض منهم سابقاً, فلا تبقى قيمة لأسئلتك هذه, لكن يبقى السؤال الأساس لا نرى جواباً له منكم وهو: أين الدليل على عدالة جميع الصحابة من القرآن؟! فكلّ الآيات المتقدّمة، حتى لو سلّمنا بدلالاتها المدّعاة جدلاً فهي تتكلّم عن المهاجرين والأنصار فقط, أما إثبات شمولها لجميع الصحابة فهو أمر صعب جداً.

أمّا نحن فبحمد الله عقيدتنا واضحة في مسألة عدالة الصحابة, وأدلّتنا على ذلك جليّة, وكلّ من يقرأ هذا الكتاب سيصل إلى نتيجة قطعيّة بأنّ نظرية عدالة الصحابة أجمع لا نصيب لها من الصحّة, والقرآن والروايات والتاريخ على خلافها.

قلتم: كيف نميز بين الأنصار والمنافقين؟

4ـ قلتم في ص220: هل يمكن معرفة الأنصار وتمييزهم عن المنافقين أم لا يمكن...؟

الجواب

عرفنا فيما سبق أنّ مجموعة من المهاجرين والأنصار قد ثبتوا على الدين الحقّ, ولم يُبدّلوا ولم يُغيّروا, كما أنّ عدداً منهم قد استشهد بين يدي النبي’ في حروبه, ونحن نُجلّ جميع أولئك, ونحبّهم في الله؛ لذلك نحن لا نرى كلّ الأنصار أو كلّ المهاجرين منحرفين كما تدّعي, بل ثبت عندنا عدالة عدد كبير منهم وقد أشرنا إلى بعضهم سابقاً, والسؤال الذي تفضلت به, لا بدّ أن يوجّه إليك؛ لأنّه على مبناكم من أن كلّ من رأى النبي’، ولو لم يره النبي’، فهو عادل ومحلّ احترام وتقدير مهما فعل؛ لأنّه متأول في ذلك. وعلى هذا المبنى الضعيف، كيف تفرّقون بين المنافق وغيره، مادام الصالح والطالح سواء، والكل مغفور لهم؟ فمن الطبيعي أنّه لا يمكن التمييز بين المنافق ما لم ينكشف وغيره؛ فالجميع عدول ببركة الرؤية السحرية للنبي’ ولو للحظة قصيرة.

قلتم: هل صار الصحابة غير مفلحين بسبب الوصيّة؟

5ـ قلتم في ص221: بعد أن توفي النبي’ هل بقي هؤلاء صادقين مفلحين أم تغيّروا بسبب الوصيّة.

الجواب

لا تعتقد الشيعة أن جميع الصحابة قد أنكروا الوصيّة، كما تحاول أن توهم القارئ مراراً, وتقدّم ما يدلّ على ذلك, ومن توفرت فيهم الصفات القرآنيّة والشرائط المذكورة فهم عندنا محلّ تقدير وإجلال, لكنّ الآية تتحدّث عن ثلّة لا عن مئة ألف صحابي!

قلتم: كيف تعرف الدين من دون الصحابة؟

6ـ قلتم: إذا سددت على نفسك باب الثقة فيهم, هل تستطيع أن تعرف الدين, القرآن الذي كتبوه والسنّة التي نقلوها؟

الجواب

لم ندّع أنّ جميع الصحابة منحرفون, بل نؤمن بعدالة ووثاقة عدد كبير منهم, على أنّ معرفة الدين والقرآن لا تقتصر على طريق الصحابة, بل نرى أن أهل البيت^ هم من يستطيع بيان حقائق الدين الواقعية؛ لأنهم هم الذين يمثلون المرجعية الدينية للمسلمين بعد وفاة النبي’، وتلك المرجعية الدينية نرى أنّها ثابتة بالقطع واليقين؛ للروايات الصحيحة التي نقلتها كتب الفريقين، ولما جاء في الذكر الحكيم من الآي العديدة التي تدل على ذلك.

قلتم: هل الدين الذي نشره الصحابة حقّ أم باطل؟

7ـ قلت في ص221: إذا فقدنا الثقة فيهم, فهل الدين الذي نشروه وفتحوا به البلاد وهدوا به العباد, هل هو دين حقّ أم باطل؟ وهل هذه البلدان التي فتحوها وأسلم أهلها على أيديهم بلدان إسلامية أم لا؟

الجواب

لا شك في أن الدين إذا كان المقصود به مجموع الاعتقادات الأساسية، والتي أحدها الإيمان بالله تعالى وبرسوله’، فنحن نعتقد أن كل من تشهد الشهادتين فهو مسلم محترم الدم والعرض والمال، وهذا المعنى من الدين هو حق بلا شك، بغض النظر عمن شارك في الفتوحات الإسلامية، وساهم في نشره.

وأمّا ما يتعلق بخصوص من شارك في تلك الفتوحات فإنه لا يلزم أنّ كل من أشترك فيها كان مخلصاً لله في جهاده, وإن كان العمل لذاته هو عمل محبوب عند الله, لكنّ الأجر والثواب مترتب على نية المرء, ولا يكفي العمل إذا كان لغير وجهه, وقد ذكرنا أنه جاء في صحيح البخاري: «أنّ الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر»([97]).

الآية لا تشمل الطلقاء والأعراب والمتهمين بالنفاق

كنا قد ذكرنا في حوارتنا معكم بأنّ الاستدلال بهذه الآية على أنَّ القرآن أثنى على الصحابة جميعاً، والذين ربَّما جاوز عددهم المائة ألف؛ إنما كان غفلة عن مفاد الآيات, فأين الثناء على لفيف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم، من الثناء على الطلقاء والأعراب وأبناء الطلقاء والمتهمين بالنفاق؟! وبكلمة أوضح: على تقدير أن مديح الآية يشمل جميع الصحابة، فهل يعقل أن تشمل مثل الطلقاء وأبنائهم، والأعراب، والمتهمين بالنفاق؟

وقد أجبتم بعدّة أمور، نذكر خلاصتها:

قلتم: سورة الحشر ذكرت ثلاثة أقسام

أوّلاً: قلتم: إنّ هذه الآية الخامسة من سورة الحشر قد ذكرت ثلاثة أقسام: مهاجرين وأنصاراً وأتباعاً!

الجواب

ما ذكرتموه ليس بمهم، فلم يكن هنا في كلامك شيء جديد، فالآية قد ذكرت أقساماً ثلاثة، وكل قسم ذكرت معه أوصافاً وشروطاً، والمدح والثناء إنما كان وفق تلك الأوصاف والشروط لا مطلقاً.

قلتم: الأمّة بأسرها اختارت تعظيم الصحابة

قلتم: إن الأمة بأسرها اختارت تعظيم الصحابة, وهي أكثر من مليار مسلم, والشيعة لا تمثل إلاّ جزءاً يسيراً، وقد اختاروا تكفير جميع الصحابة أو تضليلهم باستثناء أربعة أشخاص؛ لأنّ هؤلاء لم ينفذوا الوصية الموهومة... فمن هو الصادق يا ترى؟

الجواب

1ـ لا دليل يدل على أنّ الفريق الأكثر يمثّل الحق دائماً وكيفما كان, بل المعيار في الحقانية هو صحة دليل كلّ فريق, والكثرة بما هي كثرة غير نافعة بشيء في هذه الأمور, لذا قال الله سبحانه وتعالى: {وَأكثرهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}([98]) وقال: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}([99]).

2ـ إنّ القول بعدالة جميع الصحابة من عدمه غير مرتبط بمسألة الوصية فقط, بل إنّ هناك انحرافات عديدة وقعت منهم لا تمت للوصيّة بصلة, فما علاقة الوصيّة بفسق المغيرة بن شعبة حين وجد مستبطناً لأمّ جميل؟([100]), ثم ما علاقة الوصيّة بخالد بن الوليد حين قتل الصحابي مالك بن نويرة ونزا على زوجته؟([101])، وما علاقة الوصيّة بلعن رسول الله’ للحكم وطرده من المدينة؟([102])، وما علاقة الوصيّة بالفئة الباغية التي ترأسها معاوية؟ وما علاقة الوصيّة بعصيان الصحابة للنبي’ في مسألة الإفطار؟([103])، وما علاقة الوصيّة بفرار الخليفة عمر يوم أحد, وما علاقة الوصيّة بشكّ الخليفة عمر يوم الحديبية بالنبوة؟([104]), وما علاقة الوصيّة بفرار الصحابة يوم حنين؟([105]), وما علاقة الوصيّة بمن سرق وزنا وقتل الأبرياء؟.

 فمسألة عدالة الصحابة أجمع غير متوقفة على مسألة الوصيّة، كما هو واضح.

3ـ نعيد ـ وأعدنا مراراً ـ إنّ الوصيّة ليست موهومة كما تدّعي, بل عليها أدلة واضحة؛ وسوف يأتي الحديث عن الوصية لاحقاً، فانتظر.

قلتم: الخلاف مع الشيعة ليس في الطلقاء والأعراب

ثالثاً: ذكرتَم أنّ الخلاف مع الشيعة ليس في الطلقاء والأعراب المتهمين بالنفاق، وإنّما في جميع الأصناف الثلاثة، فأين في كتب الشيعة تزكية لأحد هذه الأصناف بأعيانهم, فيسمّى أبو بكر بعينه, وعمر بعينه, وعثمان بعينه, وإخوانهم الآخرون.

الجواب

1ـ لا يقتصر الصحابة على من ذكرت، فليس من الصحيح اختزال الصحابة في شخصية أبي بكر وعمر وعثمان، أفليس جعفراً الطيار صحابياً, وحمزة صحابياً, وسهل بن حنيف صحابياً, وأبو ذر صحابياً, والمئات الذين قاتلوا مع علي في حروبه من البدريين والمهاجرين والأنصار كلّهم من الصحابة؟

 فلماذا تختزل الصحابة بأفراد معيّنين! على أنّ الخليفة عثمان قتله الصحابة أنفسهم, ومنعوا من دفنه في مقبرة المسلمين, فدفن في حش كوكب, وهي مقبرة مخصصة لدفن اليهود!!

2ـ ثمّ هل لك أن تعترف أنّ في الطلقاء جماعة غير عدول وتتنازل عن المناط في عدالة الصحابة وهي الرؤية؟ فإذا أقررت بأنّ الصحابة العدول غير شاملين للطلقاء وأبنائهم, فستكون خطوتَ خطوة إيجابية نحو توحيد النظر والاعتماد على الأدلّة العلمية.

3ـ إنّ النفاق غير منحصر بالأعراب, بل وجود المنافقين بدأ من العصر المكّي ثم المدني، على ما تقدّم بيانه.

قلتم: الطلقاء والأعراب قد يكون بعضهم عدولا

رابعاً: قلتم: الطلقاء وأبناء الطلقاء والأعراب إذا حسُن إيمانهم واستقامت أخلاقهم فلا يمنع القول بعدالتهم...

الجواب

ونحن نقول ذلك أيضاً، فكلّ من يثبت منهم أنّه قد حسن إسلامه، واستقامت سيرته، وأخلص النيّة والعمل، فهو عادل له احترامه وتقديره.

قلتم: المتهمون بالنفاق ليسوا من الصحابة

خامساً: قلتم: المتهمون بالنفاق ليسوا من الصحابة, ولا يطلق أهل السنَّة عليهم هذا الوصف، ولا يخفى المنافق من المؤمن إلاّ عند جاهل أو سيئ النية، فأين في دواوين الأمّة المسلمة وصف منافق واحد بأنّه مؤمن؟

إنَّ هذه الدعوى: أنَّ الآيات تُعدّل مُتّهمين بالنفاق، من أقبح الدعاوى.

الجواب

1ـ لقد خفي المنافقون حتى على النبي’ بنصّ القرآن: {وَمِنْ أهل الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}([106])، فماذا يعني اتهامك لمن يخفى عليه المنافقون بالجهل وسوء النيّة؟!

2ـ كلّ من تظاهر بالإسلام من المنافقين، ولم ينكشف حاله، فهو صحابي، على مبناكم, وتكنّون له الاحترام والتقدير، وهذا من نتائج نظرية عدالة الصحابة أجمعين أكتعين!!

3ـ دواوينكم مملوءة بذكر أعداد الصحابة؛ اعتماداً على الرؤية فقط, من دون تفحص عن الحال, وهذا يعني أنّها لم تفرز المنافق من غيره!

4ـ نحن لا نقول إنّكم تصفون المنافق بالإيمان, لكن نقول إنّ لازم قولكم بعدالة كلّ من رأى النبي’، بضميمة أنّ الكثير من المنافقين لم ينكشف حالهم, يكون ـ بلا شك ـ أن مجموعة من المنافقين واقعاً، هم عندكم من الصحابة العدول.

5ـ تعريفكم للصحابي وتعديله على ضوء رؤيته للنبي’ فحسب، يؤدي إلى القول بأنّ مدح القرآن لمن كانوا مع النبي’ هو مدح حتى للمنافقين منهم, فالدعوى هي دعواكم وليست دعوانا؛ لأنّنا لا نرى أنّ القرآن يمتدح الجميع, بخلاف رأيكم. فتدبر!!

قلتم: القرآن قسّم المؤمنين إلى مهاجرين وأنصار ومتّبعين بإحسان

قلتم في رسالتكم: أرأيت هذا التقسيم العجيب لطوائف المؤمنين: مهاجرون، أنصار، متّبعون يحبّونهم ويدعون لهم ولا يكرهونهم.

أين مكان الإمامية هنا؟ وأين مكان أهل السنّة؟

الجواب

قد أجبنا على قولكم: (مهاجرون)، بأنّ الصحيح: المهاجرون الأولون السابقون، وقولكم (أنصار): بأنّ الصحيح والسابقون الأولون من الأنصار.

وقولكم (متّبعون يحبّونهم..) والصحيح: {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا..}.

وأجبنا على قولكم: «أين مكان الإمامية هنا, وأين مكان أهل السنّة؟» بأنّ الطائفتين لا يشملهما خطاب الآية المباركة؛ لأنّ المراد بالتابعين هم بقية الصحابة في عصر النبوّة.

 على أنه لا يوجد تناقض بين الطائفتين، كما تحاول إبراز ذلك، فأهل الشيعة وأهل السنة كلاهما من المسلمين الأوائل، نعم يختلفون في مسألة خلافة علي× والقول بوصايته ومرجعية أهل البيت الدينية والسياسية بعد وفاة النبي’, فلا يصحّ مع هذا إبرازهما على أنّهما طائفتين متناقضتين.

وأجبتم على كلامنا بعدّة أجوبة ذكرتموها في كتابكم نشير إلى أهمّها:

قلتم: عقيدة الشيعة لا تنسجم مع عدالة الصحابة

أوّلاً: ذكرتم بأنّ تصحيحنا للمقصود من المهاجرين والأنصار في الآية: بأنّه لا بأس به, وتساءلت بأنّه هل يمكن أن تذكر لنا من هم هؤلاء المهاجرين السابقين والأنصار السابقين؟ ثمّ ذكرت كلاماً مفاده: أنّ عقيدة الشيعة تضاد عقيدة أهل السنّة, ولا يمكن للشيعي أن يعرف الفضل لهؤلاء إلاّ على سبيل التقيّة, والخلاف بين الشيعة والسنّة أساسي وليس فرعياً.

الجواب

تقدّم مراراً بأنّنا نجلّ الكثير من المهاجرين والأنصار، وذكرنا لك أسماء كوكبة من الرعيل الأول، فلا نعيد.

 ولا نرى أنّ في العقيدتين تضاداً، كما تقول, فإنّ الشيعة والسنّة يشتركون بجملة كبيرة من العقائد والفروع, فالكلّ يؤمن بالله, والنبي محمد’, وباليوم الآخر, ويؤمن بالصلاة, والصوم, والحج, والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, بل لعلّ الخلافات الفقهية بين الشيعة والسنّة هي أقلّ ممّا بين المذاهب الأربعة أنفسهم, فلو نُزع الغلّ من بعض القلوب لأمكن أن نوحّد الرؤى في كثير من الأمور, ويعيش المسلمون في وئام وسلام, فكلّ إنسان يؤمن بما أملاه عليه الدليل والبرهان, والكلّ محترم عند أخيه, وحق التعايش يضمن للجميع الحرية شريطة عدم التجاوز وإهانة الغير.

 فبدلاً من محاولة توسيع رقعة الخلاف, علينا أن نسعى لتضييقها بقدر ما نستطيع, فمسؤوليتنا جسيمة أمام الله تعالى, وهذا التراشق المستمر لا يؤدي إلاّ إلى تفريق المسلمين, وتفتيت قوتهم, بل ويجعلهم أضحوكة أمام خصومهم الحقيقيين, فنتمنى أن تكون هذه الكتب قد كتبت ضدّ من يكذّب بأصل الدين, ولا يؤمن بالنبي محمد’, ويتربص بالمسلمين الدوائر, نسأل الله أن يأخذ بأيدينا وأيديكم إلى ما فيه خير وصلاح, {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}.

قلتم: عجبا كيف تنسجم الأخوّة مع الكره؟

ثانياً: كنا قد ذكرنا قولك في تفسير الصنف الثالث من الآية: {والذين جاءوا من بعدهم... الآية} حيث فسرتم هذا الصنف الثالث الذي تعرضت له الآية بأن المقصود منه: متبعون: يحبون الصحابة ويدعون لهم ولا يكرهونهم، فأين مكان الإمامية هنا، وأين مكان أهل السنة؟

ونحن كنا قد تحفّظنا على هذا التفسير، وقلنا إن الصحيح أن الآية ذكرت: { الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ }، فقلتم: هذا تصحيح عجيب، وهل يمكن أن يعتقد إخوّته لهم, ثمّ يدعو لهم بالمغفرة, وهو يكرههم, أليس هذا دليلاً على أنّ قلوب الشيعة قد حرمت من حبّ عظماء الأمّة... لأنّ عقيدة الوصيّة تلاحقهم عند كلّ موقف؟!

الجواب

إنّما العجب في جوابكم!! فنحن إنّمّا صحّحنا العبارة؛ التزاماً منا بالقيود التي ذكرها القرآن, ولم ندّع أنّ الأخوة والدعاء لا تلازم المحبّة, على أنّ الشيعة يحبّون الصحابة الذين توافرت فيهم الشروط القرآنية, ويدعون لهم بالمغفرة, ويثمنون جهودهم, وكلماتك لا تمثل سوى دعاوى ليس عليها دليل, وعقيدة الوصيّة لا تتنافى مع حبّ الصحابة المخلصين الذين ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الدين.

قلتم: دعوى عدم دخول الطائفتين في الآية مردودة

ثالثاً: ذكرت في ص225 بأنّ دعوى الطائفتين غير داخلتين بالآية مردودة, وأوردت أقوال بعض المفّسرين على أنّ المراد من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ} هم التابعون لهم إلى يوم القيامة, وقلتَ: إنّ بعض المفسّرين ذكر أنّ المراد بالذين جاءوا من بعدهم في عصر النبوّة، ولكن الجمهور في خلاف ذلك, وهو الذي يظهر لنا صحّته.

الجواب

1ـ إنّك اعترفت بأنّ بعض مفسري أهل السنّة يرى عدم شمولها للطائفتين, واختصاصها بعصر النبوّة.

2ـ على فرض شمولها لجميع التابعين إلى يوم القيامة، فسوف لن يتغيّر من الواقع شيئاً؛ لأنّنا قررنا أنّ الآية غير شاملة لجميع الصحابة, بل ولا لجميع المهاجرين والأنصار, بل هي مخصوصة بمجموعة منهم، ضمن شرائط معيّنة، قد ذكرناها سابقاً, ومن هنا فإنّ التابعين الذين يدعون لإخوانهم، الذين سبقوهم بالإيمان، إنما يدعون لمجموعة خاصة منهم، ممن حاز على تلك الشرائط والصفات، وموقف الشيعة من هؤلاء موقف الحبّ والود والدعاء لهم بكلّ خير, فالآية شاملة للشيعة أيضاً ولا تقتصر على أهل السنة، مع فارق أن أهل السنة يدعون للجميع بلا استثناء، سواء عادلهم أم فاسقهم.

قلتم: الوصيّة غير صحيحة في كتب الفريقين

ثالثاً: ذكرتم في ص226: بأنّه يستحيل أنْ يلتقي الطائفتان مع تصديق (خرافة الوصيّة)... ثم ادعيتم بأنّ الوصيّة لا تصحّ، لا من كتب السنّة ولا من كتب الشيعة ولا من تاريخ الصحابة؛ لأنهم عاشوا متحابين, ولا من معرفتنا من علي، فإنّه ليس جباناً ولا خائناً لربّه ولا لرسوله’ بحيث يجبن عن إعلان الحق...

الجواب

1ـ إنّ الوصيّة في كتب الشيعة فاقت حدّ التواتر, فإنكار صحّتها غير ممكن.

2ـ إنّ الوصيّة في كتب السنّة أيضاً ثابتة وصحيحة, وجاءت أحياناً بلفظ الوصيّة وأخرى بألفاظ عامّة، كحديث الثقلين والسفينة وغيرها, وهناك أخبار عديدة وردت في علي× لا تقبل تفسيراً آخر غير تنصيبه إماماً وخليفة على المسلمين, وسيأتي بحث الأخبار المصرّحة بلفظ الوصيّة لاحقاً، فانتظر([107]).

3ـ ما ذكرته عن الإمام علي× من أنه لم يصرّح بحقه! غير صحيح، فعلي×، مع حرصه الشديد على وحدة المسلمين وعدم تفريق كلمتهم؛ حفاظاً منه على كيان الإسلام, إلاّ أنّه لم يسكت عن بيان حقّه, وأنّ الخلافة له دون غيره, وقد تقدّم بيان ذلك، فلا نعيد([108]).

قلتم: لو كانت هناك وصية لا يمكن أن يُجمع الصحابة على نفيها

رابعاً: ذكرتم كلاماً طويلاً جاء فيه أنّه لو كانت هناك وصيّة بمعنى الإمامة، فلماذا يجمع قرابة عشرة آلاف صحابي على كتمها أو الامتناع عن تنفيذها...؟ ولماذا يوصي أبو بكر إلى عمر فيطيع الناس أبا بكر وقد عصوا الرسول من قبل, ثمّ عمر يوصي إلى ستّة ولا يستنكر مستنكر... وعلي يقبل أن يدخل ضمن مرشحين للخلافة ولم يعترض؟... ثمّ ذكرت أنّ فاطمة طالبت بنصيبها من الإرث ولم تغضب على اغتصاب الإمامة... ثم هذا علي بقي مع الصحابة مؤتماً بهم, ومستشاراً لهم, مزوجاً منهم, ومتزوجاً من سبيهم, مسمياً أولاده بأسمائهم...

الجواب

1ـ كلامك يتضمن مجموعة من الدعاوى، وكلها فاقدة للدليل والإثبات العلمي, فعليك أن تأتي بدليلك على ما تقول؛ ليتمّ مناقشته.

2ـ اعتمدت في كلّ كلامك على عقيدتك المسبقة, وما تناولته كتب أهل السنّة فقط, وكنا قد ذكرنا مراراً أنّها حجّة عليكم وليست بحجّة علينا، كما أننا ذكرنا سابقاً أن الإمام× لم يسكت عن حقه، وقد بيّن الظلم الذي لحقه، فراجع ما ذكرناه.

أما ما يؤيد ذلك من كتبنا، فهو ما ذكره المفيد من تصريح علي× بغصب الخلافة منه, ولوعته من ذلك, ومن انتقالها إلى عمر, ثمّ ما جرى بعد وفاة عمر من الشورى، قال في الإرشاد: «وروى جماعة من أهل النقل من طرق مختلفة، عن ابن عباس، قال: كنت عند أمير المؤمنين× بالرحبة، فذكرت الخلافة، وتقدّم من تقدم عليه فيها، فتنفس الصعداء، ثم قال: أَمَ واللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ ولا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ، لَكِنِّي سَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً، وطَوَيْتُ دُونَهَا كَشْحاً، وطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ ويَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، ويَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ، فَرَأَيْتُ الصَّبْرَ عَلَى‏ هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرْتُ وفِي الْعَيْنِ قَذًى وفِي الْحَلْقِ شَجًا مِنْ أَنْ أَرَى تُرَاثِي نَهْباً. إِلَى أَنْ حَضَرَهُ أَجَلُهُ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى عُمَرَ، فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا.

شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا

  ويَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرٍ

فَصَيَّرَهَا واللَّهِ فِي نَاحِيَةٍ خَشْنَاءَ، يَجْفُو مَسُّهَا، ويَغْلُظُ كَلْمُهَا، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرِقَ وإِنْ أَسْلَسَ لَهَا عَسَفَ، يَكْثُرُ فِيهَا الْعِثَارُ ويَقِلُّ مِنْهَا الاعْتِذَارُ، فَمُنِيَ النَّاسُ، لَعَمْرُ اللَّهِ، بِخَبْطٍ وشِمَاسٍ وتَلَوُّنٍ واعْتِرَاضٍ، إِلَى أَنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَجَعَلَهَا شُورَى بَيْنَ جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ، فَيَا لَلشُّورَى ولِلَّهِ هُمْ، مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الأَوَّلَيْنِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ الآنَ أُقْرَنُ بِهَذِهِ النَّظَائِرِ، لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا، وطِرْتُ إِذْ طَارُوا، صَبْراً عَلَى طُولِ الْمِحْنَةِ وانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَمَالَ رَجُلٌ لِضِغْنِهِ وصَغَا آخَرُ لِصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وهَنٍ، إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ‏ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ ومُعْتَلَفِهِ، وأَسْرَعَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خَضْمَ الإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ، إِلَى أَنْ نَزَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ وأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، فَمَا رَاعَنِي مِنَ النَّاسِ إِلا وهُمْ رَسَلٌ إِلَيَّ كَعُرْفِ الضَّبُعِ يَسْأَلُونَنِي أَنْ أُبَايِعَهُمْ، وانْثَالُوا عَلَيَّ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وشُقَّ عِطْفَايَ، فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ ومَرَقَتْ أُخْرَى وقَسَطَ آخَرُونَ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ:‏{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ولا فَساداً والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏}، بَلَى واللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا ووَعَوْهَا ولَكِنْ حُلِّيَتْ دُنْيَاهُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ورَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا، أَمَا والَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْ لا حُضُورُ النَّاصِرِ ولُزُومُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ ومَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الأَمْرِ أَلا يَقِرُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ أَوْ سَغَبِ مَظْلُومٍ، لأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، ولَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا، ولأَلْفَوْا دُنْيَاهُمْ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ<([109]).

فهذه كلمات علي×ـ بالإضافة إلى ما ذكرنا سابقاً ـ تتنافى مع ما ذكرته أنت من قبول علي× وسكوته, وعيشه معهم, مؤتماً بهم, مستشاراً لهم.

 والذي دفعك إلى هذا؛ عدم تمييزك بين التضحية في سبيل حفظ الإسلام والدين وتقديم المصلحة العليا على الحقّ الفردي, وبين القبول بالواقع برضاً وطاعة. فعلي× لم يكن راضياً, ولم يكن ساكتاً, لكنّ الظرف آنذاك أجبره أن يضحّي بحقه، وأن يتكلّم في حدود بيان الحقّ من دون أن يفرق كلمة المسلمين أو يضعف وحدتهم, وقد عرفنا مراراً ما جرى بينه وبين الشيخين من خلاف شديد موثقاً من كتبكم، فلا نعيد. كما تقدّم مفصلاً ما يتعلق بسكوت الإمام من عدمه، فراجع([110]).

3ـ ما يتعلّق بالسيدة فاطمة÷, فقد تقدّم([111]) أنّها طالبت بالإمامة, ولم تسكت, ولم تبايع أبا بكر, حتّى ماتت وهي غاضبة عليه.

4ـ ذكرنا مراراً أنّ عامّة المهاجرين والأنصار كانوا لا يشكون في أنّ الخلافة لعلي×, فقولك بسكوت عشرة الآلاف من الصحابة لا نصيب له من الصحة.

5ـ تقدّم إشهاد علي للناس على توليته من قبل الرسول’, وشهد له ناس كثير من الصحابة بذلك.

6ـ كررنا مراراً أنّ مسألة عدالة الصحابة غير متوقفة على مسألة الوصيّة فقط, وبيّنا عصيان الكثير من الصحابة بأمور أخرى, كما لا يخفى عليكم.

7ـ ما يتعلق بتسمية الأسماء والزواج، تقدّم بيانه([112]).

قلتم: الوصيّة إن كانت بمعنى الإمامة فهي مكذوبة

خامساً: أجبت على كلامنا بأنّ أهل السنّة خالفوا وصيّة النبي’ في أهل بيته، بما حاصله: أنّ الوصية إنْ كان المراد منها الإمامة فهي مكذوبة, وإن كان مرادكم أنّهم يكرهون أهل البيت ولا يعرفون فضلهم فهذه دعوى باطلة.

الجواب

1ـ الوصيّة حقيقة ثابتة, وليست خرافة, وسيأتي بيان ذلك.

2ـ حبّ أهل البيت لا يجتمع مع حبّ أعدائهم وقتلتهم, فالحبّ الذي تذكرونه هو حبّ نظري افتراضي فقط، وليس له نصيب من الواقع, يقول العلامة السقاف: «وقد نصّ على محبة العترة جمهور أهل السنة والجماعة، لكنَّها بقيت مسألة نظريَّةً، لم يُطبِّقها كثيرون، فهي مفقودة حقيقة في أرض الواقع، وهذا ممَّا يؤسَف له جد الأسف، وقد حاول النواصب، وهم المبغضون لسيدنا علي رضوان الله عليه ولذريـته ـ وهم عترة النبـي (ص) الأطهار ـ أنْ يصرفوا الناس عن محبـة آل البيـت، التي هي قُربـة من القُرَب، فوضعوا أحاديث في ذلك، وبنوا عليها أقوالاً فاسـدة، منـها: أنّهم وضـعوا حديث: (آل محمد كل تقي)، وحديث: (أنا جدّ كلِّ تقي)... ونحو هذه الأحاديث التي هي كذب من موضوعات أعداء أهل البيت النبوي...»([113]).

قلتم: الفتن التي حدثت لم تكن عن عمد

سادساً: قلت: إنّ الأحداث التي وقعت في صدر الإسلام فهي فتن, لم يتعمدها من شارك فيها من الصحابة.

الجواب

أثبتنا سابقاً أنّ الصحابة كانوا عامدين في قتالهم لعلي×, حتّى بعد أن لاحت لهم علائم النبوة, فهم مبغضون له×, وقد ثبت أيضاً أنّ عليّا كان يُسَبّ على المنابر من قبل معاوية وأتباعه من بني أميّة، فلا نعيد.

قلتم: الشيعة كيف يحترمون الصحابة وهم يعتقدون بخيانتهم؟

كنا قد ذكرنا لكم ـ كخلاصة لبحث الآيات المادحة ـ: إلى هنا تبيّن مفاد الآيات، وأنها لا تفيد مدحاً وثناءً لجميع الصحابة فرداً فرداً، بل الثناء مختص بمن اجتمعت فيه مواصفات خاصة, واتضح أنّ الإمامية لا تخالف هذه الآيات, ولا تبغض الصحابة كما تُصوّرْ ذلك، ولكنها لا تعتقد بعدالة الكلّ، وترى إنّ وزانهم كوزان التابعين.

وأجبتم في ص229 بما حاصله: أنّ هذه الدعوى لا يمكن قبولها مادامت الشيعة تعتقد بخيانة الصحابة, وأنّهم خالفوا وصيّة رسول الله’... وقلتم: لو اعتقدتم عدالتهم لقبلتم رواياتهم, ولو قبلتم رواياتهم لانتقضت عقائدكم.

الجواب

 الشيعة لا تعتقد بخيانة الصحابة جميعاً، وقد عرفنا أّنّه لا دليل على عدالة الصحابة أجمع، فنحن نعتقد بعدالة جمعٍ كبير منهم، لكن ليس جميعهم؛ لذا من صحت راوية عادلهم فلا مانع من التمسك بها, ولا يلزم من ترك رواية فاسقهم انتقاض العقيدة. أما إمامة أهل البيت^ فهي ثابتة بالقرآن والروايات الصحيحة عند الفريقين.

آيات آخرى أدعي دلالتها على عدالة الصحابة

إلى هنا انتهينا من بحث الآيات التي وردت في رسالتك وصارت محلاً للبحث والحوار بيننا, واتّضح أنّها لا تدلّ على عدالة جميع الصحابة, بل ولا على عدالة جميع المهاجرين والأنصار، فرداً فرداً.

 ورأيناك قد أضفت آيات جديدة في كتابك لم تكن مطروقة ضمن البحث الذي دار بيننا, وقد وضعتها في الكتاب بعد الانتهاء من بحث الروايات, ولكي يكون البحث متسلسلاً بصورة منطقيّة, ارتأينا أن نقدّم البحث عنها لتكون ضمن سلسلة الآيات السابقة, ثمّ نعود بعد ذلك لبحث الروايات.

الآية الأولى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا

 قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}([114]).

الكلام يقع في أمرين

الأول: ما يتعلّق بدلالة الآية.

الثاني: الإشكالات حول الآية.

الأمر الأول: دلالة الآية

 من الواضح الجليّ لكلّ مسلم أنّ الآية تمتدح الأمّة الإسلامية جمعاء, وتصفها بالأمّة الوسط, أي الأمّة المعتدلة في كلّ شيء, فلا إفراط ولا تفريط, ولا تقصير ولا مغالاة, فهي أمة وسط لا تدعو للمادية المحضة ولا للرهبنة، بل تدعو إلى كمال الروح وإلى المادة معاً، كلٌّ بقوانين مقننة, فسعادة الإنسان تتحقق بجمعه كلا الكمالين, الكمال الروحي والكمال المادي, فالآية تبيّن أنّ الأمّة الإسلامية أمّة وسط ومعتدلة في كلّ شيء, ولا يوجد في الآية أي نظر إلى أشخاص معيّنين, بل هي ناظرة إلى عنوان الأمّة بما هي أمّة؛ إذ من الواضح أنّ الأمّة تضمّ كثيراً من الأفراد الذين لا ينطبق عليهم الوسط, فالوسطية هو نعت ووصف للأمّة كاملة, وهي تشمل مجتمع الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وإلى يومنا هذا.

قال الجصّاص: «هو خطاب لجميع الأمة: أولها وآخرها، من كان منهم موجوداً في وقت نزول الآية ومن جاء بعدهم إلى قيام الساعة، كما أن قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة: 87] ونحو ذلك من الآي خطاب لجميع الأمة، كما كان النبي (صلّى الله عليه وسلّم) مبعوثاً إلى جميعها: من كان منهم موجوداً في عصره ومن جاء بعده، قال الله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} [الأحزاب: 45]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. وما أحسب مسلماً يستجيز إطلاق القول بأن النبيّ× لم يكن مبعوثاً إلى جميع الأمة أولها وآخرها، وأنه لم يكن حجة عليها وشاهداً، وأنه لم يكن رحمة لكافته»([115]).

وحينئذٍ, حتّى لو فسرنا الوسطيةّ بالعدالة, فلا يمكن أن تدلّ هذه الآية على عدالة جميع الصحابة؛ لأنّها شاملة لجميع الأمّة بالخطاب, فالاستدلال بها يفضي إلى القول بعدالة جميع أفراد الأمّة الإسلامية! فإنْ كانت تدل على العدالة, لزم عدالة الجميع عندئذٍ, وهو باطل بالبداهة, وإن قلنا إنّها لا تدلّ فلا نزاع بيننا.

نعم, كلّ مجتمع فيه العدول, وفيه الفساق والمنحرفين, ومجتمع الصحابة كغيره من المجتمعات, ضمّ نخباً من الصحابة يتزيّن ويفخر التاريخ بذكرهم, فقولنا بعدم دلالتها على عدالة الصحابة جميعاً لا يعني نفي القول بعدالة الكثير منهم, فنحن نعتقد أنّ في الصحابة عدولاً وكذا فيهم غير العدول, وقد وافقنا جملة من علماء أهل السنّة على ذلك، كما تقدم.

الأمر الثاني: الإشكالات حول الآية:

ذكرت كلاماً طويلاً في ص 238ـ 240 حاصله:

قلتم: المفسرون فسروا الوسط بـ (العدل)

1ـ إنّ المراد من الوسط: العدل، وقلتم: وقد أجمع المفسرون على هذا المعنى: أنّهم فسّروا الوسط بالخيار والعدل.

الجواب

دعوى الإجماع مجازفة لا ينبغي صدورها منك, قال الطبري: «وأنا أرى أنّ الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل وسط الدار، محرك الوسط مثقله، غير جائز في سينه التخفيف، وأرى أن الله،تعالى ذِكْرُه، إنما وصفهم بأنهم وسط؛ لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصيرَ اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها»([116]).

وقال النسفي: «{أمّة وسطاً}: خياراً، وقيل: للخيار وسط؛ لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل، والأوساط محمية، أي: كما جعلت قبلتكم خير القبل جعلتكم خير الأمم أو عدولاً؛ لأنّ الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض، أي: كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب، جعلناكم أمّة وسطاً بين العلو والتقصير، فإنكم لم تغلو غلو النصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزنا وعيسى بأنه ولد الزنا»([117]).

فالنسفي فسّر الخيار والعدل بمعنى الوسطية, فالخطاب موجّه للأمّة كأمّة, لا بلحاظ الأفراد فرداً فرداً.

وربّ قائل يقول: إنّ هذا في النتيجة مدح للأمّة, ولا بدّ أن يدخل فيه مجموعة من الأفراد, وإلا سيكون خالياً من محتواه, فإنّ الأمّة مجموعة من الأفراد, وإذا كان الخطاب يشمل مدحاً للأفراد كان للصحابة منه نصيب, وبذا يبطل قول الشيعة بعدم عدالة الصحابة!

نقول: هذا الكلام صحيح فيما إذا كانت الشيعة تعتقد بعدم عدالة الصحابة فرداً فرداً, فسيكون المجتمع الأوّل حينئذ خالياً من أهل الخير والعدول, إلاّ أنّ هذا القول وهمٌ، وفي أذهان أهل السنّة فقط, ولا نصيب له من الواقع, فإنّ الشيعة تجلّ الكثير من الصحابة, وغير متوقف الأمر على أربعة أشخاص، كما يدّعى, فكيف لمتجرئ أنْ يقول إنّ الشيعة تؤمن بعدالة أربعة, مع أنّ الشهداء الذين سقطوا بين يدي الرسول يفوق ذلك العدد بكثير, والشهداء محلّ تقدير واحترام وإجلال, وكيف له أن يتجرّأ ويقول ذلك وأنّ أكثر من ثمانمائة من الصحابة كانوا مع علي في حروبه! وهكذا فإنّ الشيعة تحترم وتقدّر جهود الكثير من الصحابة, إلاّ أنّها لا تقول بعدالة كلّ صحابي, بل فيهم الطالح وفيهم المؤمن الورع التقي.

قلتم: هل يدخل في خطاب الآية خيار الصحابة؟

2ـ قلتم: إنّ هذا الخطاب كان موجهاً لجيل الصحابة, فهل يدخل فيه هذا الجيل المؤمن أم لا، وخاصّة خيارهم أبا بكر وعمر وعثمان وعليّ وسعد بن أبي وقّاص والزبير بن العوام... الخ أفاضل الصحابة أم لا؟

الجواب

هذه الدعوى أشبه بالمصادرة([118]), فإنّك تريد أن تثبت بعموم خطاب الآية أنها شاملة لخيار الصحابة، مع أن هذا يتوقف على إثبات أن هؤلاء الخيار هم فعلاً كذلك، لكن من خارج الآية، أي بدليل آخر، ونحن نتكلّم عن خصوص الآية بما هي, وهل تدلّ بذاتها على عدالة جميع الصحابة وأنهم أخيارٌ أم لا؟ فلو افترضنا مسبقاً عدالة الصحابة؛ فلا معنى لأن نستدل بهذه الآية على عدالتهم وكونهم أخياراً, وقد عرفنا فيما تقدّم أنّ الآية غير ناظرة إلى الأفراد, بل هي توصف الأمّة بصورة عامّة.

قلتم: ما هو الدليل على عدم دخول خيار الصحابة في الآية؟

3ـ ذكرت بأنّه لو قلتم بدخولهم ـ أي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد و... ـ فقد وافقتم الأمّة، وإنْ قلتم: لا، فما هو الدليل؟

الجواب

هذه مصادرة ثانية، فالأصل عدم ثبوت عدالة الشخص أو فسقه، ونحن نتحاور على الدليل على العدالة، فالسؤال يوجه لك, وعليك بإتيان الدليل على العدالة, والآية أجنبية عن تحديد الأفراد وتشخيصهم.

 وبعبارة أخرى: نحن نتحاور في الآية ومقدار دلالتها على عدالة الصحابة, وعرفنا أنّها ناظرة إلى الأمّة الإسلامية بصورة عامّة, وغير ناظرة إلى الأفراد, فلا يمكن إدخال فرد معيّن إلاّ بدليل خاص؛ لأنّ الأصل عدم العدالة, وإذا دلّ دليل من الخارج صار الاستدلال به لا بالآية.

قلتم: الصحابة لم يرووا الوصية وعلي أنكرها

4ـ ذكرتم: بأنّه إذا كان الدليل على عدم شمول أبي بكر وعمر وعثمان في الآية هو دليل الإمامة، قلنا: من روى هذا الحقّ، فإنْ قلتم: الصحابة، قلنا: هم رووا أنّه لم يوص إليه بشيء، وإنْ قلتم: علي روى ذلك، قلنا: قد روى أنّه لا حقّ له, وروايات إبطال الوصيّة أصحّ سنداً من تلك التي تزعم إمامته...

الجواب

أـ إقحامك للإمامة هنا إقحام غير موفّق؛ لأنّ الآية أساساً غير ناظرة للأفراد, فلا نحتاج إلى دليل خاص ـ كدليل الإمامة ـ لإخراجهم, بل نحتاج إلى دليل لإدخالهم، باعتبار أنّ الأصل عدم العدالة، كما تقدّم, فالآية أجنبيّة عن شمول الأفراد, وإذا حاولتم إدخالهم بدليل آخر فسيكون الكلام في ذاك الدليل، ولا دخل لهذه الآية به.

ب ـ أمّا الإمامة فقد رواها الصحابة ورواها أهل البيت^ ورواها علي×, وهي مروية في كتب الشيعة والسنة، بأدلّة صحيحة ومعتبرة, نعم في خصوص كتب أهل السنة يوجد أيضاً ما دل على نفي الإمامة، ولكن هذا النفي قد انفردوا به؛ ولهذا لا يمكن تقديمه على ما روي من الفريقين؛ لأنّ ما انفردتم به حجّة عليكم دون غيركم.

وبعبارة ثانيّة: إنّ ما نستدلّ به على الإمامة إنّما هو ثابت في كتبنا وكتبكم، فيكون حجّة علينا وعليكم, أما ما يخالف الإمامة ـ كما تدعي أنت وجوده ـ فهو في كتبكم فقط، ولا يمكنكم الاحتجاج به على غيركم لنفيها؛ إذ أن الأدلة المجمع عليها تثبت الإمامة، فليس من الصحيح ادعاء كذبها، أو أنها معارضة بما دل على نفيها من رواياتكم فقط.

قلتم: الثناء على الأمّة يتنافى مع كون أوّلها فاسقين

5ـ ذكرتم بأنّه كيف يُثني الله تعالى على الأمّة واصفاً إياها بالخير والعدل، ثم يكون أوّلها فسقة ظلمة؟

الجواب

كلامك مبني على القول بفسق جميع الصحابة, وهذا محض افتراء لا يقول به أحد, وتقدّم بيانه في الجواب رقم واحد، فراجع.

قلتم: القول بعدالة أربعة من الصحابة فقط فيه اتّهام لله

6ـ ذكرت، موهماً القارئ، بأنّنا نقول بعدالة أربعة من الصحابة فقط, وأنّ هذا يستلزم اتّهام الله تعالى؛ لأنّه أثنى بلفظ الكثرة, فينخدع الناس بتعظيمهم وتعديلهم, وهم على خلاف ذلك!

الجواب

 تقدّم ما يتعلّق بذلك في رقم واحد أيضاً، فراجع.

الخلاصة

تبيّن أنّ هذه الآية كسابقاتها لا تدلّ على عدالة جميع الصحابة, ويبقى القول بعدالة الجميع قاطبة محض ادعاء لا دليل عليه, بل القرآن والسنّة والواقع على خلافه.

الآية الثانية: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم

 قال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}([119]).

قلتم: هل تحقّقت نعمة الامتنان بالتزكية أم لا؟

ذكرت في ص240: بأنّ الآية امتنان على الأمّة وفي مقدمتهم الجيل الأول, ومن أنواع الامتنان أنّ رسول الله يزكّيهم, أي يطهرهم, فهل تحقّقت هذه النعمة، فزكّاهم أم لا؟!

الجواب

1ـ هذه الآية تتحدّث عن وظائف النبي’، ومنها التزكية, بأنْ يعلّمهم الأخلاق الفاضلة ليتحلّوا بها, ويزجرهم عن الأمور الرذيلة لكي يجتنبوها, ولا شك في أنه قد تحلّى بالإيمان وحسن الخلق قومٌ منهم, في حين لم يتحلّ آخرون, بل منهم من ارتدّ بعد وفاته’, والبعض أساء له في حياته, والبعض قتل الأبرياء بغير حقّ, والبعض اتّهم السيدة عائشة بالفاحشة, والبعض ارتكب الزنا, والبعض شرب الخمر, فهل تعدّ هؤلاء ممّن تحققت بحقّهم التزكية حتماً، ومع ذلك قاموا بهذه الأفعال؟

فاستدلالك غريب وأجنبي عن مفاد الآية, وإليك بعض أقوال المفسّرين في معنى {ويزكيكم}:

قال مقاتل: «{وَيُزَكِّيكُمْ}: يعني ويطهركم من الشرك والكفر»([120]).

قال الواحدي: «{وَيُزَكِّيكُمْ}: أي يعرضكم لما تكونوا به أزكياء من الأمر بطاعة الله تعالى»([121]).

وقال الثعلبي: «{وَيُزَكِّيكُمْ} أي يُعلّمون من الأحكام وشرائع الإسلام»([122]).

وقال البيضاوي: {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ}: يحملكم على ما تصيرون به أزكياء»([123]).

وقال الثعالبي: «{وَيُزَكِّيكُمْ}، أي: يطهركم من الكفر، وينميكم بالطاعة»([124]).

وقال أبو السعود: «{وَيُزَكِّيكُمْ} عطف على (يتلو) أي: يحملكم على ما تصيرون به أزكياء»([125]).

وقال الآلوسي: «{وَيُزَكِّيكُمْ}: أي: يطهركم من الشرك، وهي صفة أخرى للرسول، وأتى بها عقب التلاوة؛ لأن التطهير عن ذلك ناشئ عن إظهار المعجزة لمن أراد الله تعالى توفيقه»([126]).

وكما ترى, فإنّ هذه التفاسير تؤكّد أنّ النبي’ يقوم بوظيفة التزكية، من خلال تعليمهم التوحيد والأحكام وشرائع الإسلام, أمّا العمل بهذه التعاليم وتحول الإنسان إلى إنسان طاهر عامل بما يرضي الله, فذلك يعود إلى الأشخاص أنفسهم, فمنهم من صلح عمله, ومنهم من ساء, قال تعالى: {فإن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغُ الْمُبِينُ}([127]). وقال: {إِنْ أَنْتَ إلاّ نَذِيرٌ}([128]). وقال:{فإن اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}([129]).

والخلاصة: أنه لا ملازمة بين القيام بوظيفة تزكية النفوس وبين تحقق نتائج تلك التزكية حتماً في نفوس كل فرد منهم.

2ـ إنّ الآية غير مختصّة بجيل الصحابة, بل شاملة للأمّة أجمع، فالنبي’ بُعث لكلّ الأمّة, ولم يُبعث لجيل دون جيل, فهل ترى أنّ الآية تدلّ على عدالة جميع أفراد الأمّة؟! مع أنّنا نرى فسّاق الأمّة وجهّالها أكثر من عدولها ومتعلميها, فهل تنسب هذا النقص والخلل إلى الرسول’ أم إلى الأمّة, فكما نرى اليوم أنّ هناك تقصيراً في إيمان الأمة وأعمالها الصالحة, والكثير من أفرادها، مع كونه مسلماً, إلاّ أنّه غير ملتزم بالشرع الحنيف, فكذلك الصدر الأوّل، فيهم العدل الملتزم بتعاليم الله, وفيهم المنحرف, فالنبيّ’ قام بوظيفته على أتمّ وجه, لكن لا يلزم من ذلك أنّ الأمّة ستلتزم بكلّ تعليماته, ولذا نرى القرآن يصرّح ويقول: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}([130]) ويقول: {وَأكثرهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}([131]), ويقول: {لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أكثركُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}([132]).

الآية الثالثة: كنتم خير أمة أخرجت للناس

قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أهل الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأكثرهُمُ الْفَاسِقُونَ}([133]).

قلتم: إجماع المفسرين على دخول الصحابة في هذه الآية

ذكرتم في ص241: بأنّ المفسرين أجمعوا على دخول الصحابة في هذه الآية؛ لأنّهم بين من خصّها بالمهاجرين من مكّة إلى المدينة, وبين من قال إنّ ذلك جميع الأمّة, والظاهر أنّ الجيل الأول كان له النصيب الأوفر... والله قد أطلق الثناء بضمير الخطاب, فهل يعقل أن يثني على الأمّة مخاطباً أولها بقوله: {كنتم} ولا يشمل الخطاب إلاّ أربعة, والبقيّة إما كفّار مرتدّون, وإمّا ظلمة فسّاق.

الجواب

1ـ ما يتعلّق بعدالة جميع الصحابة, تكلّمنا عنه كثيراً, ولم نخصّ العدول بأربعة, وقد تقدم في آية {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} ما يتعلّق بالموضوع، في النقطة رقم (1) فراجع, ومعه لا يبقى لاستدلالك محل؛ لأنه مبني على القول بفسق أو كفر جميع الصحابة، وهو باطل.

2ـ إنّ الخطاب سواء جاء موجّهاً إلى الأمّة بكاملها, أو كان مختصّاً بالمهاجرين, فهو لا يدلّ على عدالة جميع الصحابة, ولا عدالة جميع المهاجرين؛ وذلك لأنّ الخطاب غير موجّه للأفراد فرداً فرداً, بل المقصود أن الأمّة بمجموعها هي أفضل الأمم ـ وأقول بلحاظ المجموع لا الجميع ـ وذلك لا ينافي وجود فسقة ومنحرفين فيها كما هو حالها اليوم, على أنّ الراجح عندنا هو شمولها للأمّة وعدم اختصاصها بالمهاجرين, وهو الذي ذهب إليه ابن كثير([134])، فواضح أنّها لا تدلّ على عدالة الصحابة قاطبة, ولا عدالة جميع المهاجرين, لأنّه حتّى لو قلنا بشمولها للأفراد, فسيكون لازم القول بعدالة جميع المهاجرين هو القول بعدالة جميع أفراد الأمة, وهو خلاف الواقع, ولا يلتزم به أحد.

3ـ إنّ الآية الكريمة اشترطت شرطين في كون الأمّة أفضل الأمم, ولم تطلق, وهذان الشرطان هما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والإيمان بالله, فإذا انتفى أحد هذين الشرطين انتفت الخيرية والأفضلية, قال القرطبي: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}: مدح لهذه الأمّة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتواطئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح, ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سبباً لهلاكهم»([135]).

فالآية، إذن, لا تحكم بعدالة أحد، وليست هي في مقام بيان تلك العدالة، بل تقرر شرطاً مهمّا لو عمل به الصحابة أو التابعون أو الذين يأتون بعدهم لصاروا خير الأمم؛ ولهذا عبرت الآية بلفظ: {كنتم}، فأين هذا الكلام من تعديل جميع الصحابة أو جميع المهاجرين؟

ولعلّك تقول: إنّ هذا الوصف قد تحقق في المهاجرين، فهم مشمولون بالآية.

قلنا: إنما الكلام في تحقق الوصف في الجميع، وهو يحتاج إلى دليل, وكلامنا عندئذ سوف يكون مع ذاك الدليل, وموضوعنا الفعلي هو دلالة الآية على عدالة جميع الصحابة, واتّضح عدم تماميته.

الآية الرابعة: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح

قال تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}([136]).

قلتم: هذا الوعد الإلهي غير مختص بأربعة صحابة

ذكرتم في ص242: بأنّ الآية نصّت على فضل من قاتل من الصحابة، وأنفق من ماله لنصرة دينه قبل فتح مكّة, أو حادثة الحديبيّة على قول, وعلى من فعل ذلك بعد الفتح, مع وعد كلّ منهما بالحسنى وهي الجنّة.

ثم تساءلتم: هل هذا الوعد لجماعة كبيرة أم لأربعة فقط؟ وهل يدخل فيها أبو بكر وعمر وعثمان أم لا!؟ وإنْ قيل لا, فما هو الدليل؟ ثمّ لو قال شخص إنّهم غير داخلين لا هم ولا عليL فما هو الجواب؟ فإنْ قيل: الدليل من السنّة أنّ عليّاً منهم, قيل: وكذلك السنّة تدلّ على أنّ هؤلاء منهم؟

الجواب

نحن في كثير من إشكالاتك وكلماتك مضطرون لمسايرتك فيها، مع أن التكرار الممل أمسى صفة لها، وهي مرتكزة في جُلها على أسس هشة، أبرزها أن الشيعة يبغضون ويكرهون كل الصحابة، ولا يؤمنون بعدالتهم إلا أربعة منهم، وهو كلام واهٍ وضعيف ولا أساس له من الصحة، وهنا نكرر ونقول أيضاً:

لقد تقدّم البحث عن هذه الآية سابقاً, وتبيّن أنّها غير مختصّة بالصحابة جميعاً, فالقول بعدالة من أنفقوا وجاهدوا قبل الفتح من دون قيد أو شرط يستلزم القول بعدالة كلّ من أنفق وجاهد في سبيل الله في كلّ زمان ومكان, حتّى وإنّ انحرف ولم يثبت على الحق, وهذا لا يلتزم به أحد, وقد عرفنا هناك أنّ السيّدة عائشة صرّحت بأنّ زيد بن أرقم قد أُحبط جهاده في سبيل الله بسبب فتواه بالرأي في مسألة العينة([137])، وكذلك فإنّ صحابياً أبلى بلاء حسناً في الجهاد مع رسول الله’, إلاّ أنّه دخل النار بسبب انتحاره وعدم تحمله الجراح, وهذا يدلّك أنّ الإنفاق والقتال في سبيل الله لابدّ أن يكون مقيّداً بالثبات على الإيمان والعمل الصالح.

فتلخّص: إنّ الآية غير ناظرة إلى عدالة الصحابة, بل تفيد المفاضلة في الأجر والثواب بين من أنفق وجاهد في سبيل الله قبل الفتح, ومن أنفق وجاهد في سبيل الله بعده, فإنّ هؤلاء وعدهم الله الحسنى, أي الثواب والأجر على عملهم, وقد تقدّم تفصيل ذلك فلا نعيد.

أضف إلى ذلك: إنّ الإنفاق والقتال تارة يكون في سبيل الله, وتارة يكون لطلب الشهرة, أو لبيان معالم الشجاعة والكرم, وما إلى ذلك من الدواعي, ومن الواضح أنّ الممدوح منها ما كان قتالاً وإنفاقاً في سبيل الله خاصة, فالوعد بالحسنى لمن أخلص عمله لله دون غيره, ولنا أن نتساءل: هل هذه الآيات شاملة لمن فرّ من الزحف، كما حصل في أكثر من معركة, وهل شاملة لمن كان سعيه وراء الغنيمة، كما حصل لجمع من الصحابة يوم أحد؟ وهل شاملة لمن أخبر النبي’ بدخولهم النار أمثال أبي الغادية([138]), وسمرة بن جندب([139]), وكركرة([140]) مولى رسول الله’ وأضرابهم.

على أنّنا نعتقد بدخول مجموعة كبيرة من الصحابة في الآية, ولا نخصّها بأربعة، كما تزعم دائماً, فكم من الصحابة مَن استشهد بين يدي الرسول’, وكم من استشهد مع علي أمير المؤمنين, وكم من بقي ثابتا صلباً على إيمانه؟

أمّا مسألة دخول أفراد معيّنين من عدمه, فهو أمر خارج عن الآية, ولا بدّ أنْ يثبت بدليل آخر، كما أوضحنا سابقاً, فإنّ دلّ الدليل على شخص بأنّه أنفق وقاتل وثبت على الإيمان والعمل الصالح فهو مشمول بالآية, وإلاّ فهو غير مشمول.

والسنّة النبويّة دلّت على شمول عليّ× باتّفاق الفريقين, فلا يمكن لأحد أن يدّعي عدم شمولها له, وتقدّم منّا مراراً أنّ الاحتجاج من كلّ فريق لا بدّ أن يكون مستنداً إلى ما صحّ عند الفريق الآخر, أمّا ما صحّ عند كلّ فرقة فهو حجّة عليها دون غيرها, لذا فنحن نلزمك بما في صحيح البخاري ومسلم وغيرها, ولا يمكنك أن تلزمنا بها؛ لأنّنا لا نعتقد بصحّة جميع ما فيها.

وعليه، فإنْ كان مرادك من السنّة التي دلت على دخول عدد من الصحابة في الآية هي السنّة المتّفق عليها بين الفريقين, أو السنّة الصحيحة بما في كتبنا, فنحن نلتزم وإيّاكم بشمولهم في الآية, وإنْ كنت تقصد السنّة الصحيحة عندكم فقط, فهي ليست بحجّة علينا.

 على أنّ الأدلة متوفرة في كتبكم التي يمكن الاستدلال به على عدم شمول عدد كبير من الصحابة في آيات المدح والثناء، لما جرى منهم من معاصي وذنوب وانحرافات, وتقدّم الكثير من ذلك في طيّات البحث.

الآية الخامسة: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة

قال تعالى:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إذ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}([141]).

قلتم: أخبر الله عن رضاه عن المبايعين

ذكرتم في ص243: ما ملخّصه: إنّ الله أخبر عن رضاه عن هؤلاء المؤمنين, وإذا رضي الله عن شخص أو قوم فإنّه لا يسخط عليهم؛ لأنّ رضاه دليل على استمرارهم على الإيمان.

 وختمت كلامك على عادتك: بأنّه كيف يخاطب الله تعالى الصحابة بهذه الألفاظ ويكون المراد ـ بحسب اعتقاد الشيعة ـ أربعة أشخاص؟

الجواب

ابتداءً نقول: الرضا في الآية لا بد أن يحمل على الثواب والجزاء، وهذا الجزاء يكون على العمل؛ لأن الرضا إذا نسب إلى الله تعالى كان بمعنى الثواب، وليس بمعنى الصفة الطارئة على النفس؛ لاستحالة ذلك على الله تعالى، ومن هنا نقول:

1ـ من المحتمل أنّ (إذ) ظرفيّة زمانية، فيكون الرضا مختصّاً بزمن البيعة, أي أنّ الله رضي عنهم وأثابهم حين قاموا بهذا العمل، وهو البيعة, وبه صرّح بعض العلماء, قال الشوكاني: «أي: رضي الله عنهم وقت تلك البيعة، وهي بيعة الرضوان»([142]).

وقال ابن عطيّة الأندلسي: «{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} تشريف وإعلام برضاه عنهم حين البيعة، وبهذا سميت بيعة الرضوان»([143]).

2ـ حتى لو فرضنا أنّ {إذ} ليست ظرفيّة, فلا تدلّ الآية على الرضا لجميع من بايع من دون قيد أو شرط, فقد اشترط الله على المبايعين عدم النكث, والوفاء بالعهد, فقد قال عزّ من قائل: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}([144]).

وهذه الآية وردت في بيعة الحديبية أيضاً، وهي دليل قاطع على أنّ الرضا مشروط بالثبات وعدم نكث البيعة, ولا يوجد رضاً مطلق لجميع المبايعين.

 قال القرطبي: «قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ} بالحديبية يا محمّد، {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} بيّن أنّ بيعتهم لنبيّه (صلّى الله عليه وسلّم) إنّما هي بيعة الله، كما قال تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}, وهذه المبايعة هي بيعة الرضوان، على ما يأتي بيانها في هذه السورة إن شاء الله»([145]).

وقال الطبري: «{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}. يقول الله (تعالى ذكرُه) لنبيّه محمّد (ص): إنّ الذين يبايعونك بالحديبية من أصحابك على أن لا يفرّوا عند لقاء العدو، ولا يولوهم الأدبار إنّما يبايعون الله، يقول: إنّما يبايعون ببيعتهم إيّاك الله؛ لأنّ الله ضمن لهم الجنّة بوفائهم له بذلك»([146]).

وقال الواحدي: «{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ} بالحديبية {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} أي أخذك عليهم البيعة عقد الله عليهم {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة{فَمَن نَّكَثَ} نقض البيعة {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} فإنّما يضرّ نفسه بذلك النكث»([147]).

3ـ إنّ فهمكم للآية لا يستقيم مع الروايات الصحيحة التي تدلّ على إمكان انحراف بعض من بايع تحت الشجرة, فقد روى مالك في موطّأه: «إنّ رسول الله قال لشهداء أحد: هؤلاء أشهد عليهم، فقال أبو بكر الصديق: ألسنا يا رسول الله بإخوانهم؟ أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): بلى, ولكن لا أدرى ما تحدثون بعدي، فبكى أبو بكر، ثمّ بكى، ثمّ قال: أئنا لكائنون بعدك؟».

قال ابن عبد البر: «هذا الحديث مرسل، هكذا منقطع عند جميع الرواة للموطأ، ولكن معناه يستند من وجوه صحاح كثيرة، ومعنى قوله: «أشهد عليهم) أي: أشهد لهم بالإيمان الصحيح والسلامة من الذنوب الموبقات، ومن التبديل والتغيير والمنافسة في الدنيا ونحو ذلك، والله أعلم. وفيه من الفقه دليل على أنّ شهداء أحد ومن مات من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) قبله أفضل من الذين تخلفهم بعده، والله أعلم, وهذا عندي في الجملة المحتملة للتخصيص؛ لأنّ من أصحابه من أصاب من الدنيا بعده وأصابت منه، وأمّا الخصوص والتعيين فلا سبيل إليه إلاّ بتوقيف يجب التسليم له...»([148]).

ومن الواضح أنّ الخطاب في الرواية موجّه للصحابة, وكان المخاطَب المباشر فيه هو الخليفة أبو بكر, فلو كان فهمكم للآية صحيحاً، لكان يُفترض أنْ يقول النبي’ لأبي بكر: كيف لا أشهد لكم، وقد رضي الله عنكم وعلم ما في قلوبكم؟

4ـ شهادة بعض الصحابة على أنفسهم بأنّهم أحدثوا وغيّروا بعد بيعة الرضوان, وأنّهم في شكّ من شمولهم في الآية, قال البخاري: «‏حدثني أحمد بن اشكاب، حدثنا محمد بن فضيل، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، قال: لقيت البراء بن عازب (رضي الله عنهما) فقلت: طوبى لك, صحبت النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي، إنّك لا تدرى ما أحدثنا بعده»([149]).

فلو كانت الآية شاملة لأصحاب البيعة دون شرط أو قيد, لكان المناسب من البرّاء أن يقول: نحمد الله على هذه النعمة, وأشباه هذه العبارة, لا أنّه يتّهم نفسه ويتّهم بقيّة الصحابة بالإحداث بعد رسول الله’, وهذا اللفظ لا ينسجم مع حمله على التواضع، على ما بيّناه سابقاً([150]).

 ونضيف هنا: أن المصحح للحمل على التواضع ـ والذي هو خلاف الظاهر ـ فيما لو افترضنا أن الصحابي يذكر بقية الصحابة بأنهم أحدثوا بعد النبي’ ثم يقحم نفسه معهم؛ تواضعاً، أما لو افترضنا أنه كان يتحدث عن نفسه وأنه قد أحدث بعد النبي’ ثم يُدخل معه بقية الصحابة، فحمل كلامه عندئذٍ على أنه جاء تواضعاً، لا مصحح له.

5ـ إنّ أهل السنّة يعتقدون أنّ قتلة عثمان بن عفان كانوا منحرفين آثمين، وقد عرفنا سابقاً أنَّ قائد الثوَّار المصريين، والذي كان له دور أساسيٌّ في قتل عثمان، كان الصحابي: عبد الرحمن بن عديس البلوي، وهو أيضاً ممّن بايع تحت الشجرة([151])، فهل أنّ عبد الرحمن بن عديس مشمول برضا الله, أم هو منحرف آثم! فالواقع والـتأريخ إذن يشهد بعدم صحّة تفسيركم للآية.

6ـ إنّ الصفات التي وردت فيمن رضي الله عنهم غير متوفرة في بعض ممّن بايع تحت الشجرة، فالسكينة لم تنزل على من فرّ من خيبر ـ وهي أوّل معركة جرت بعد صلح الحديبية ـ حيث فرّ أبو بكر وجماعته, ثمّ فرّ عمر وجماعته، ثمّ أعطيت الراية لرجل يحبّه الله ورسوله, ويحبّ الله ورسوله, كرار غير فرار, فكان عليّ بن أبي طالب, وكان النصر على يديه, والروايات تقدّم ذكرها سابقاً.

 ومعلوم أنّهم قد بايعوا النبي’ في صلح الحديبية على عدم الفرار! وعلى الموت!!

7ـ لقد شهد الحديبية جماعةٌ نجزم بارتكابهم المعاصي, مثل المغيرة بن شعبة, حيث عرفنا أنّه وُجد مع أم جميل في وضع فاحش([152]), وشهوده بيعة الرضوان مسلّم لا خلاف فيه, ومثل أبي الغادية الجهني الذي صرّح النبي’ بدخوله النار([153]), وقد نصّ ابن حزم على أنّه ممّن شهد بيعة الرضوان([154]).

8ـ إنّ الأجوبة أعلاه لا تعني القول بعدم عدالة جميع الصحابة, ولا تعني اختصاص العدول منهم بأربعة أشخاص فقط, بل تعني أنّه ليس جميع من حضر بيعة الشجرة قد نال الرضا الإلهي.

 ونحن نعتقد أنّ عدداً كبيراً منهم قد حصل لهم ذلك الرضا, خصوصاً إذا ما عرفت أنّ ثمانمائة ممّن بايع تحت الشجرة قد شهدوا مع علي حروبه، واستشهد منهم ثلاثمائة وستون نفساً على بعض الروايات([155]).

الآية السادسة: ولكن الله حبب إليكم الإيمان

قال تعالى:{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمر لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}([156]).

قلتم: هل تحقق الامتنان الآلهي لجيل الصحابة؟

ذكرتم في ص244: بأنّ الله يمتنّ على الصحابة أنفسهم بأنّه حبّب إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم... فهل تحقّق هذا لجيل الصحابة أم لا؟

فإنْ تحقّق, فهل يجوز أنْ يُتّهموا في عدالتهم ودينهم... وإذا قلتم: لم يتحقّق, فهذا رد على الله بأنّه امتنّ بما لم يقع!!

أيمتنّ الله بما لا حقيقة له! أو يمتنّ بما يعلم أنّهم سيتخلّون عنه؟

الجواب

1ـ لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الآيتين الكريمتين جاءتا في سياق آية أخرى تذمّ فعل بعض الصحابة, حيث جاءت في سياق قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمر لَعَنِتُّمْ...}.

ومعلوم أنّ الصحابي الفاسق المراد بالآية هو الوليد بن عقبة، أخو عثمان لأمّه, وذلك حينما بعثه النبي’ إلى بني المصطلق لجمع صدقاتهم, فخرجوا فرحين لاستقباله, وكانت بينه وبينهم عداوة في الجاهلية, فظنّ أنّهم خرجوا لقتاله, فعاد إلى النبي’ مخبراً إيّاه بأن بني المصطلق ارتدّوا ومنعوا الزكاة، من غير أنْ يتبيّن الأمر ويتحقّق منه؛ فكان ذلك هو سبب نزول الآية المباركة، على تفصيل في القصّة ذكره أكثر المفسرين حين تعرضوا لتفسير الآية أعلاه.

وفي الآية دلالة على أنّ رؤية النبي’ ومجالسته غير كافية في كسب أولئك الأشخاص صفة العدالة، بما يستلزم الوثوق برواياتهم وأقوالهم, فإنّ فيهم الفاسق كالوليد وفيهم العادل أيضاً.

والآية محلّ البحث, ناظرة لتلك الآية, فكأنّ هناك من صدّق قول الوليد وزيّن للنبي’ قتال بني المصطلق, بل وأرادوا منه اتّباعهم فيما يَروْن.

فالآية: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ...} تقرّر أنّ هناك بعضاً من الصحابة منحرفين يريدون من الرسول’ أن يتّبع أقوالهم وآراءهم في كثير من الأمور, وأنّ النبي’ لو أطاعهم في هذه الأمور لأدّى ذلك إلى هلاكهم, فالآية تنبههم إلى ضرورة رجوعهم إلى النبي’ المسدّد من السماء, والإتمار بأوامره, والخضوع لتعليماته لا العكس؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى عذابهم وهلاكهم, ثمّ بيّن رحمته ولطفه بهم بأنه حبّب إليهم الإيمان بالله تعالى، وبغّض إليهم الكفر والفسوق والعصيان؛ ليضعهم على جادّة الهداية الحقّة.

 فالذي تطمئن له النفس هنا, أنّ المنّ والفضل المشار إليه في الآية, إنّما هو في وضع القوانين الإلهية التي توجب لمن يتمسّك بها الرشد والاستقامة، مع بيان آثار تلك التشريعات على الناس, من دون أن تكون هناك حتميّة في تطبيق جميع الناس لتلك التشريعات وسيرهم وفق تلك النظم الإلهيّة, فالله عز وجلّ حبّب إليهم الإيمان عن طريق بيان الدلائل على الإيمان والتوحيد وبيان آثارها الايجابية على الفرد والمجتمع، سواء في الدنيا والآخرة, وكرّه إليهم الكفر والفسوق والمعاصي عن طريق بيان آثارها السلبية على الفرد والمجتمع, سواء كان ذلك في الدنيا أو الآخرة, وحيث إنّ هذا المنّ وهذا الفضل، بالمعنى الذي ذكرناه، لا يختصّ بعصر الصحابة، بدليل أنّ الله سبحانه وتعالى عدل عن ضمير المخاطب إلى ضمير الغائب، فقال:{أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} ولم يلتزم بالضمير الذي ورد في السياق القرآني: {فيكم} {يطيعكم} {لعنتّم} {إليكم} {قلوبكم} فختم بـ {أولئك} ولم يقل: أنتم, في أشارة واضحة إلى أنّ كلّ من يلتزم بالقوانين الإلهية، من الإيمان بالله والعمل بالصالحات ويترك الكفر والفسوق والعصيان، فهو من الراشدين.

 ثمّ جاءت الآية التالية لتبيّن أنّ تلك الطرق، من بيان إيجابيات الإيمان والعمل الصالح وآثارهما المحمودة على الفرد والمجتمع، وبيان سلبيات الكفر والفسوق والعصيان, هي في الحقيقة فضل من الله ونعمة على عباده, فالله سبحانه وتعالى يهيّئ الأرضية المناسبة للهداية والرشد, فبعْثُ الرسول’ وإنزال القرآن وتبيين الشرائع والأحكام وإلقاء محبّة الإيمان والعمل الصالح في النفوس وتنفيرها من الكفر والفسوق والعصيان, هي عبارة عن توفير وتهيئة أرضية مناسبة توصل الإنسان إلى طريق الكمال والرشد, لكنّه سبحانه وتعالى أوكل في النهاية الأمر للإنسان ليختار ما يشاء, {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}([157]).

فالآية أجنبيّة عن القول بعدالة جميع الصحابة, بل يلزم من القول بعدالتهم في هذه الآية القول بعدالة جميع المسلمين في كلّ زمان ومكان!

وقد صرّح جملة من المفسرين بأنّ المراد من {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ} هو بإقامة الدلائل على وحدانيته، أو بذكر الثواب والوعد الصادق, والمراد من {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} بذكر الوعيد والتخويف على فعله([158]).

قال السمعاني: «وقوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ} يُقال: حبّبه بإقامة الدلائل على وحدانيته وهدايتهم إليها. ويقال: حببه بذكر الثواب والوعد الصادق... وقوله: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ} يقال: كرّه الكفر بذكر الوعيد والتخويف على فعله»([159]).

قال مقاتل: «{وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} للثواب الذي وعدكم {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ} يعني الإثم {وَالْعِصْيَانَ} يعني بغّض إليكم المعاصي للعقاب الذي وعد أهله، فمن عمل بذلك منكم وترك ما نهاه عنه {أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} يعني المهتدين»([160]).

قال السمرقندي: «{وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} يعني حسّنه للثواب الذي وعدكم، ويقال: دلّكم عليه بالحجج القاطعة، ويقال: زيّنه في قلوبكم بتوفيقه إياكم لقبوله، {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} يعني بغّض إليكم الكفر والمعاصي لما بيّنه من العقوبة»([161]).

قال العزّ بن عبد السلام: «{حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ} حسّنه عندكم، أو بما وصف من الثواب عليه {وَزَيَّنَهُ} بما وعد عليه من نصر الدنيا وثواب الآخرة، أو بدلالات صحته {وَكَرَّهَ} قبّح، أو بما وصف عليه من العقاب»([162]).

وعن الحسن: «حبّب الإيمان بما وصف من الثناء عليه، وكرّه الثلاثة بما وصف من العقاب»([163]).

فأين في هذه التفاسير من يرى ضرورة تحقّق حبّ الإيمان وكره الكفر والفسوق والعصيان في قلوب الصحابة! حتّى تعدّها دليلاً على عدالة جميع الصحابة!؟

على أنّ الآية صرّحت في صدرها بذمّ جماعة من الصحابة, وهم الذين يريدون من النبي’ أن يتّبعهم، فحتى لو تنزلنا وقبلنا تفسيركم لها, فلا يمكن شمولها للجميع. وسيأتي فيما يلي ذكر من خصّ الآية ببعض الصحابة دون جميعهم:

2ـ صرّح جملة من المفسّرين بعدم شمول هذه الآية لجميع الصحابة، وأنّ الله حبّب الإيمان لبعض الصحابة لا لجميعهم:

قال الزمخشري: «إنّ فيكم رسول الله على حالة يجبّ عليكم تغييرها, أو أنتم على حالة يجب عليكم تغييرها. وهى أنّكم تحاولون منه أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعن لكم من رأي واستصواب فعل المطواع لغيره التابع له فيما يرتئيه المحتذى على أمثلته، ولو فعل ذلك «لعنتّم» أي لوقعتم في العنت والهلاك، يقال فلان يتعنت فلاناً: أي يطلب ما يؤديه إلى الهلاك، وقد أعنت العظم إذا هيض بعد الجبر، وهذا يدلّ على أن بعض المؤمنين زيّنوا لرسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وأنّ نظائر ذلك من الهنات كانت تفرط منهم، وأنّ بعضهم كانوا يتصوّنون ويزعهم جدّهم في التقوى عن الجسارة على ذلك، وهم الذين استثناهم بقوله تعالى: {ولكن الله حبّب إليكم الإيمان}، أي إلى بعضكم، ولكنّه أغنت عن ذكر البعض صفتهم المفارقة لصفة غيرهم، وهذا من إيجازات القرآن ولمحاته اللطيفة التي لا يفطن لها إلاّ الخواص، وعن بعض المفسرين: هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، وقوله: {أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} والخطاب لرسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) أي: أولئك المستثنون هم الراشدون بصدق ما قلته»([164]).

قال البغوي: «{لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} لوقعتم في الجهد والهلاك، وهذا يدلّ على أن بعض المؤمنين زيّنوا لرسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) الإيقاع ببني المصطلق, وتصديق قول الوليد، وأنّ بعضهم كانوا يتصونون ويزعهم جدهم في التقوى عن الجسارة على ذلك, وهم الذين استثناهم بقوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ}... {أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} أي: أولئك المستثنون هم الراشدون، يعنى أصابوا طريق الحق ولم يميلوا عن الاستقامة والرشد الاستقامة على طريق الحقّ, مع تصلّب فيه من الرشادة, وهى الصخرة»([165]).

وقال الطبري في تفسير ذيل الآية, أي قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: «والله ذو علم بالمحسن منكم من المسيء، ومن هو لنعم الله وفضله أهل، ومن هو لذلك غير أهل, وحكمة في تدبيره خلقه، وصرفه إياهم فيما شاء من قضائه»([166]).

3ـ إنّ علماء أهل السنّة يعترفون ويقرون بصدور الكثير من المعاصي من الصحابة, وغاية ما يقولونه فيهم أنّهم تابوا, وأنّ الله غفر لهم تلك الذنوب, فكيف تفسّر إقرار علماء أهل السنّّة باقتراف الصحابة للمعاصي مع تفسيرك للمنّ بالآية, وأنّه لا بدّ أن يتحقّق لجيل الصحابة؟! فبعد أن حبّب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان, مع أن الواقع يشهد بوقوع الكفر والفسوق والعصيان, فكيف توّفق بين وقوع المعاصي منهم وبين تفسيرك للمنّ؟!

أما تصريح علماء أهل السنّة بوقوع المعاصي منهم فهو كثير نقتصر منه على مثالين فقط:

قال ابن عثيمين: «ولا شكّ أنّه حصل من بعضهم سرقة, وشرب خمر, وقذف, وزني بإحصان, وزني بغير إحصان، لكن كلّ هذه الأشياء تكون مغمورة في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، وبعضها أقيم فيه الحدود، فيكون كفارة»([167]).

قال التفتازاني: «إنّ ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ, والمذكور على ألسنة الثقات, يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحق, وبلغ حدّ الظلم والفسق, وكان الباعث له الحقد والعناد, والحسد واللداد, وطلب الملك والرياسة, والميل إلى اللذات والشهوات؛ إذ ليس كلّ صحابي معصوماً, ولا كلّ من لقي النبي (صلّى الله عليه وسلّم) بالخير موسوماً، إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنّهم بأصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق, وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا يوجب التضليل والتفسيق؛ صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة, سيّما المهاجرين منهم والأنصار, والمبشّرين بالثواب في دار القرار»([168]).

وهل ترى أنّ تصريح علماء أهل السنّة بوقوع المعاصي من الصحابة، وعدم تحقق آثار المنّ المدّعى بالطريقة التي تفسرها هو ردّ على الله بأنّه امتنّ بما لم يقع؟

وكيف تفسّر إقامة الخليفة الحدود من النبي’ على بعض الصحابة! هل هو ردٌّ على الله! فالنبي’ إنّما حدّهم لثبوت المعصية عليهم عنده, أم أنّ المنّ لا يشملهم؟

وكيف تفسّر إقامة عمر للحدود على بعض الصحابة! أفلم يكن يفهم المنّ المذكور؟

بل كيف تفسر تكفير الصحابة بعضهم لبعض, أفلم يكونوا يعلموا بأنّ الله امتنّ عليهم بأن حبّب إليهم الإيمان وكرّه الكفر والفسوق والعصيان, فهل كانوا يرون أنّ المنّ غير متحقق, أم أنّهم لم يفهموا من الآية مثل ما فهمت؟!

فالواقع يثبت غرابة تفسيرك للمنّ بمعنى تحقّق الإيمان والعمل الصالح, وترك الكفر والفسوق والعصيان, فلا بدّ على هذا التفسير أنْ يكون الصحابة معصومين مسدّدين من السماء, ولا يطرأ على عملهم الذنب والمعصيّة. فالمنّ المذكور في الآية، إمّا أنْ يكون بالنحو الذي فسّرناه سابقاً، من بيان القوانين الإلهيّة وتوضيح آثارها على الفرد والمجتمع, فهذا لا يختصّ بمجتمع الصحابة فقط.

 وإما أن يفسر المنّ بالنحو الذي أنت تراه، ونتيجته أن حُبّ الإيمان والعمل الصالح وكره الفسوق والكفر والعصيان متحقق لا محالة لجميع الصحابة, فهذا يعني العصمة لهم, وعدم صدور الذنب؛ لأنّه مبغوض عندهم بمنّة وفضل من الله, وهذا يأباه الواقع التاريخي المسلّم, فالحدود التي أقامها النبي’, والتي أقامها عمر, وغيرهما, إنّمّا هي لأجل ارتكاب المعاصي, ثمّ إنّه بعد وفاة الرسول’ وقعت ردّة, وهؤلاء كانوا صحابة في زمن النبي’, مشمولون بالآية الكريمة, فهل تحقّق المنّ بحقّهم أم لا؟

وخلاصة الأمر: إمّا أنْ يكون المنُّ مانعاً من ارتكاب الكفر والفسوق والعصيان، وهذا معناه العصمة، وإما أن لا يكون مانعاً من ذلك، فلا تدلّ الآية حينئذ على عدالة الصحابة جميعاً.

الآية السابعة: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه

قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}([169]).

قلتم: الآية تمدح أبي بكر وجيشه وجيش عمر وعثمان...

ذكرتَ في ص244ـ 245 كلاماً طويلاً، أهمّ ما جاء فيه:

1ـ إنّ في الآية جملة شرطيّة وجوابها, وإذا وجد فعل الشرط وُجد جوابه لا محالة, والردّة حدثت بعد وفاة النبي’, وتصدّى لها أبو بكر, فالآية في صدد مدح وبيان فضل أبي بكر.

2ـ إنّ الأوصاف التي ذكرتها الآية, إنّمّا تحقّقت في جيش الصديق, وجيش عمر, وجيش عثمان, وقد كان علي معهم, وبعض من قاتل معه بعد ذلك, وكانت هذه الأخلاق متوافرة في عهود الثلاثة, ثمّ توقف بعضها في خلافة علي إن لم تتوقف بكاملها! لأنّه لم يقع في زمنه ردّة, بل وقعت فتنة بدون اختيار!!

3ـ يزعم الكثير من الشيعة أنّ الكثير من الصحابة ارتدّوا, وأنّ علياً ترك قتالهم تقيّة وحرصاً على وحدة المسلمين, فلمَ قاتل الصدّيق المرتدّين ولم يقاتل علي؟ لأنّه لا ردّة.

الجواب

1ـ إنّ الآية في مقام ذمّ الذين يرتدون عن الدين, وتنذر المسلمين بأنّ ارتدادهم عن الدين لن يضرّ الله شيئاً, فإنّ هناك من يحمي الدين, ويحافظ عليه, ويجاهد بنفسه من أجل صونه, ورفع رايته, ثمّ بدأت الآية تبيّن أوصاف أولئك القوم الذين ينصرون الدين بأنّهم يحبّون الله ويحبّهم الله... الخ.

 فالآية غير ناظرة إلى أنّ هؤلاء القوم سوف يقاتلون أولئك المرتدّين, بل ناظرة إلى أنّ نصرة دين الله وحفظه غير متوقفة على من ارتدّ, فهي توبيخ وذمّ شديد للمسلمين الذين ارتدوا, وحينئذٍ فإنّ مصداق هذه الآية غير مقصور على شخص معيّن, ولا على فئة معيّنة, ولا مخصوص بزمن معيّن, فكلّ من تتوفر فيهم هذه الصفات في أي زمان يكون مشمولاً بالآية, فقد تكون الآية ناظرة إلى الإمام المهدي ومن يقاتل بين يديه في آخر الزمان, إذ بجهادهم وقتالهم سوف تعود راية الإسلام مرفرفة عالية, وستتحقق العدالة, ويعيش المسلمون متحابون متوادون يحبّون الله ويحبّهم الله كما هو مضمون الروايات الصحيحة عند الفريقين.

2ـ الآية تحدّد صفات القوم المذكورين بعدّة أمور:

ألف ـ يحبُّهم الله.

ب ـ يُحبّون الله.

ج ـ أذلّة على المؤمنين.

د ـ أعزّة على الكافرين.

هـ ـ يجاهدون في سبيل الله.

وـ لا يخافون لومة لائم.

فمن تنطبق عليهم هذه الصفات يكونون هم المقصودون بالآية, ومن يتخلف عنه ولو صفة واحدة فهو غير مشمول بالآية؛ لأنّ الآية ذكرت أنّ هذه الصفات مجتمعة تكون في القوم الذين يأتي بهم الله عزّ وجل.

أمّا الصفة الأولى والثانية فقد صرّح النبي’ بانطباقها على علي× دون غيره ممّن ذكرتهم في بيانك للآية, وذلك لأنّ النبي’ صرّح بذلك يوم خيبر, بعد أن انهزم عمر مع جيشه, ورجع يجبّن أصحابه ويجبّنونه([170]) وانهزم أبو بكر مع جيشه, فعندها قال النبي’: «لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله, ويحبّه الله ورسوله, يفتح الله له ليس بفرار».

فقد أخرج ابن أبي شيبة, عن المنهال والحكم وعيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: «قال علي: ما كنت معنا يا أبا ليلى بخيبر؟ قلت: بلى والله لقد كنت معكم، قال: فإنّ رسول الله (ص) بعث أبا بكر فسار بالناس فانهزم حتّى رجع إليه! وبعث عمر فانهزم بالناس حتّى انتهى إليه! فقال رسول الله (ص): لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله له ليس بفرار. قال: فأرسل إلي فدعاني فأتيته ـ وأنا أرمد لا أبصر شيئاً ـ فدفع إلي الراية، فقلت: يا رسول الله! كيف وأنا أرمد لا أبصر شيئاً؟ قال: فتفل في عيني ثم قال: اللهم اكفه الحر والبرد، قال: فما آذاني بعد حر ولا برد»([171]).

وأخرج البيهقي, عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن أبيه، عن سلمة بن عمرو بن الأكوع، قال: «بعث رسول الله أبا بكرL إلى بعض حصون خيبر فقاتل ثم رجع، ولم يكن فتح وقد جهد! ثم بعث الغد عمرL فقاتل ثم رجع، ولم يكن فتح! فقال رسول الله: لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، يفتح على يديه ليس بفرار. قال سلمة: فدعا رسول الله علي بن أبي طالبL ـ وهو يومئذ أرمد ـ فتفل في عينه، وقال: خذ هذه الراية فامض بها حتّى يفتح الله عليك، فخرج بها والله يأنح, يقول: يهرول هرولة وإنّا لخلفه, نتّبع أثره، حتّى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن, فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن، فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: عليتم وما أنزل على موسى، فما رجع حتى فتح الله على يديه»([172]).

والبخاري كعادته في تقطيع النصوص, فقد نقل ما يتعلّق بعليّ× ولم ينقل سبب قول النبي’ ذلك! فقد أخرج عن سلمةL قال: «كان عليL تخلّف عن النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) في خيبر, وكان رمداً، فقال: أنا أتخلّف عن النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) فلحق به، فلمّا بتنا الليلة التي فُتحت قال: لأعطينّ الراية غداً، أو ليأخذنّ الراية غداً رجل يحبّه الله ورسوله يفتح عليه، فنحن نرجوها، فقيل: هذا علي فأعطاه ففتح عليه»([173]).

وأخرج عن سهل بن سعدL: «أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) قال يوم خيبر: لأعطينّ هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله، ويُحبّه الله ورسوله، قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها، فلمّا أصبح الناس غدوا على رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) كلّهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأتى به، فبصق رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) في عينيه ودعا له، فبرأ حتّى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا؟ فقال (عليه الصلاة والسلام): انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لئن يهدى الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم»([174]).

فتبيّن أنّ الصفتين الأولى والثانية متحققتان في الإمام علي دون غيره ممّن ذكرتهم.

وأمّا الصفة الثالثة: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}، فلا أظنّ مسلماً يُخرج عليّاً منها, فهو× لم يكن فظّاً غليظاً كغيره، بل كان رحيماً عطوفاً على إخوانه المؤمنين, وصلباً مهاباً، تخافه الأبطال من الكافرين والمنحرفين.

وأمّا الصفات الثلاثة الباقية, فمن الواضح أيضاً انطباقها على الإمام علي× وعدم انطباقها على غيره ممّن ذكرت؛ لدليل واضح وصريح وهو أنّ القوم فرّوا من الزحف في أكثر من معركة, بينما لم يفرّ عليّ× من أي معركة, فالصفات تنطبق عليه دون غيره, إذ كيف يكونون أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، وهم يفرّون من الزحف؟!

وما دلّ على فرارهم من الزحف, تقدّم ذكره وبيانه، فلا نعيد.

على أنّ عثمان قتله المسلمون, فلا نفهم كيف تنبطق عليه الصفات أعلاه!!

3ـ إنّ مفسري أهل السنّة اختلفوا في تفسير الآية على أقوال عدّة, فلم يكن هناك اتّفاق على تفسير واحد عندهم, فقد ذكر ابن الجوزي ستّة أقوال في المسألة:

الأول: أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردّة.

والثاني: أبو بكر وعمر.

والثالث: أنّهم قوم أبي موسى الأشعري.

والرابع: أنّهم أهل اليمن.

والخامس: أنّهم الأنصار.

والسادس: المهاجرون والأنصار([175]).

قال مجاهد: إنّهم «ناس من أهل اليمن»([176]).

وقد ذكر الطبري عدّة من تلك الأقوال, ثمّ اختار أنّهم قوم أبي موسى الأشعري!! فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما روي به الخبر عن رسول الله (ص) أنّهم أهل اليمن، قوم أبي موسى الأشعري»([177]).

وأضاف الفخر الرازي قولين في الآية, فجاء في تفسيره، بعد ذكر مجموعة من الأقوال: «وقال آخرون: هم الفرس؛ لأنّه روي أنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) لمّا سئل عن هذه الآية, ضرب بيده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه، ثمّ قال: لو كان الدين معلّقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس.

وقال قوم: إنّها نزلت في علي×، ويدلّ عليه وجهان: الأول: أنّه× لمّا دفع الراية إلى علي× يوم خيبر، قال: لأدفعنّ الراية غداً إلى رجل يُحبّ الله ورسوله ويُحبّه الله ورسوله، وهذا هو الصفة المذكورة في الآية. والوجه الثاني: أنّه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} وهذه الآية في حقّ عليّ، فكان الأولى جعل ما قبلها أيضاً في حقّه، فهذه جملة الأقوال في هذه الآية»([178]).

وهذه التفاسير المختلفة في الآية تدلّك على أنّ فهم الآية غير مقصور على وجود قوم سوف يقاتلون المرتدّين حين ارتدادهم, بل هي تدلّ على أنّ الله في غنى عن المرتدّين وأّنه يستبدلهم بقوم يثبتون على الإيمان, وينصرون الدين, ويتحلّون بصفات حميدة عدّة ذكرتها الآية الكريمة.

4ـ قولك: إنّ عليّا كان معهم ـ يعني الثلاثة ـ وبعض من قاتل معه بعد ذلك, فيه تعريض بالكثير من الصحابة؛ فإنّ قولك بأنّ تلك المواصفات مقصورة على بعض من قاتل مع علي يقتضي أنّ بقيّة الصحابة لا تشملهم تلك المواصفات, فإنّ أكثر الصحابة من البدريين, وممّن بايع تحت الشجرة كانوا مع علي، ووفقاً لكلامك لا بدّ أنْ يكونوا خارجين من حبّ الله وحبّ رسوله ’, وليسوا أعزَّة على الكافرين, ولا بأذلَّة على المؤمنين, ولا يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون في الله لومة لائم!!!

وقولك: إنّ هذه الأخلاق متوافرة في عهود الثلاثة, ثمّ توقف بعضها في خلافة علي إنْ لم تتوقف كلّها, لأنّه لم يقع في زمنه ردّة!! فإن لم يكن ذلك منك نصباً فهو ليس لائقاً بك، على أنه قد عرفنا من البيان السابق أنّ تفسير الآية الصحيح على غير ما ذهبتَ إليه, وأنّها غير مختصّة بقوم معينين, ولا بزمان معيّن, وعرفنا أنّ الصفات متوفرة في علي×, وغير متوفرة فيمن ذكرتَهم.

5ـ قولك: كثير من الشيعة الإماميّة يزعمون أنّ الصحابة ارتدّوا, ثمّ زعموا أنّ عليّاً ترك قتالهم تقيّة وحرصاً على وحدة المسلمين, فلمَ قاتل الصدّيق المرتدّين ولم يقاتل علي×؟ لأنّه لا ردّة!

هذا القول لا محلّ له, لأنّنا لا نقول بردّة الصحابة بمعنى الكفر, بل بمعنى ترك الواجب, والقائل بردّة الصحابة ليس نحن, بل الرسول الكريم’ في روايات الحوض التي بيّناها مفصّلاً([179])، وهي صريحة في إرادتها للصحابة, وإلا لو انحصر معنى الردة بالكفر يلزم أنْ تفسّر روايات الحوض بما يفضي إلى كفر الصحابة، أو تردّ الحديث الصحيح الوارد عن رسول الله ’؛ لذا كان لزاماً على أبي بكر القتال دون علي× لأمرين مهمّين خفيا عليك:

الأول: أنّ أبا بكر قد تولى الخلافة السياسية الفعلية, وأصبحت قيادة الأمّة الإسلامية بيده, وقد ارتدّ مجموعة من الناس ردّة الكفر, وكان عنده القدرة على قتالهم, ولا يوجد محذور في ذلك, بل ولا يوجد سبب لترك قتالهم, فلو كان عليّاً محلّه وحصلت ردّة, وكفر الناس لقاتلهم أيضاً مادام قادراً على ذلك. أمّا الردّة التي حصلت للصحابة فهي ليست ردّة كفر, بل ترك واجب كما بيّنا, وعدم قتال علي لهم كانت بسبب عدم الناصر في ظل دولة يحكمها خصومه.

الثاني: أنّ قتال أبي بكر للمرتدّين لا توجد فيه جنبة تفريق المسلمين وتشتيت كلمتهم, بل ترك قتال المرتدّين هو من يؤدّي إلى ذلك, أمّا قتال علي ـ لو قُدّر ـ لأبي بكر وأصحابه، مع صلاتهم وصيامهم، فقد كان ينطوي ذلك على إيجاد فتنة ستؤدّي حتماً إلى تفريق أمر المسلمين وتشتيت كلمتهم؛ لأنّه قتال بين المسلمين أنفسهم, فكان عليه إمّا أن يقاتل وينتصر ويحكم الدولة ويطبّق القوانين الإسلامية, أو أن يسكت ويحافظ على الوضع الإسلامي, وحيث إنّ الظروف كانت تشير إلى عدم القدرة على النصر فكان الإيثار والسكوت ومراعاة مصلحة الإسلام هو المقدّم.

أمّا لو فرضنا أنّ السكوت سيؤدّي إلى ضياع الإسلام، فحينئذٍ يجب القتال, ولو أدّى إلى الاستشهاد؛ ولذا رأينا الإمام الحسين× قاتل، مع قلّة العدد، وعلمه اليقيني بالخسارة العسكرية؛ لأنّ حفظ الإسلام كان يحتّم عليه أن يقاتل ويقدّم نفسه قرباناً في سبيل الله؛ لذا فإنّ عليّاً اختار السكوت تغليباً لمصلحة الإسلام والمسلمين.

الآية الثامنة: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات

قال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شيئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}([180]).

قلتم: هناك تلازم بين الاستخلاف وبين الإيمان والعمل الصالح

ذكرتم في ص246، في دلالة هذه الآية، كلاماً غريباً لا يتناسب صدوره ممن يدعي العلم, وغاية ما أردتم قوله: هو أنّ هناك تلازماً في الآية بين الوعد بالاستخلاف وبين الإيمان والعمل الصالح, وحيث إنّ الله تعالى قد استخلف قوماً فعلاً, فهذا دليل تحقّق الإيمان والعمل الصالح! وأنّه إذا وجد الإيمان والعمل الصالح وجدت تلك الوعود في الآية, وعلى هذا، فالخطاب إنْ كان للأمّة فالصحابة هم أوّل من وجه إليهم الخطاب, وإنْ كان لهم خاصّة ـ كما هو ظاهر النص ـ فهم الموعودون, وتحقُّقِ الموعود على أيديهم شهادة لهم بالإيمان, هذا هو خلاصة كلامكم الطويل الذي استغرق صفحة كاملة.

الجواب

إنّ ما ذكرتموه هو في غاية البطلان، وسنبيّن ذلك من خلال إبطال قولكم أوّلاً, ومن خلال بيان تفسير الآية ثانياً.

أمّا بطلان قولكم, فيشهد له أمور:

1ـ المراد من الاستخلاف في الآية هو الاستخلاف الشرعي الثابت كونه من الله تعالى, فإذا ثبت استخلاف جماعة استخلافاً شرعيّاً ثبتت عدالتهم, فهذا استدلال أشبه ما يكون بعين المدّعى؛ إذ إنّ الشيعة لا تقرّ بأنّ خلافة بعض الصحابة كانت شرعيّة, فعاد الكلام إلى الخلافة ونصوصها, والنصوص تثبت الخلافة الشرعيّة لأهل البيت دون غيرهم.

2ـ إنّه لا ملازمة بين الاستخلاف السياسي وبين الإيمان والعمل الصالح, فليس كلّ من يستولي على مقدّرات الأمّة باسم الإسلام ـ ولو بقوة السيف ـ فهو مؤمن وصالح, وهذا بيّن وواضح, فقد حكم الأمّة الإسلامية بنو أميّة لمدّة مديدة، ثمّ حكمها العباسيون وهكذا, ولم نجد قائلاً بعدالة جميع خلفاء بني أميّة وبني العباس, بل إنّ إجماع الأمّة على تفسيق أكثرهم, فأين الملازمة؟

3ـ لا ملازمة أيضاً بين الإيمان والعمل الصالح وبين الاستخلاف السياسي, فقد مرّت الأمّة ولا زالت بأدوار يكون فيها الصالح مُقيّداً مراقباً متابعاً من السلطات, ويكون فيها الفاسق حاكماً متسلّطاً على رقاب المسلمين, فمثلاً الكلّ يعترف ويقرّ بأنّ الإمام الصادق× كان من أئمّة المسلمين وصرّح الذهبي بأنّه أولى بالخلافة من أبي جعفر المنصور([181]), لكن الخلافة كانت بيد الفاسق المنحرف أبي جعفر, ولم تكن بيد الصادق! وكذا كان الإمام موسى بن جعفر مقيّداً بالسجون, والخلافة بيد هارون! وقد صرّح الذهبي بأنّ الإمام الكاظم كان أولى بالخلافة من هارون([182])، فأين الملازمة!؟

كما لا يخفى عليك بأنّ الخلافة قد كانت بيد يزيد المعروف بفسقه وفجوره وانحطاطه عن كلّ القيّم الإسلامية, وفي الوقت ذاته كان هناك في زمانه الحسين بن علي سيّد شباب أهل الجنّة, وحبر الأمّة عبد الله بن عبّاس, والعديد من الصحابة, فلا ندري عن أي ملازمة تتكلم!!؟

4ـ مما تقدم اتضح أن كثيراً من الفسقة قد حكموا المسلمين وأصبحوا خلفاء وأمراء عليهم مع وجود ثلة من الصالحين والمؤمنين في ذلك الزمان ممن هم أفضل من أولئك الخلفاء، لم يتمكنوا من الخلافة، وحينئذ لابد أن يبحث عن معنى مناسب للوعد الإلهي في الآية، وهل هو لجماعة خاصة من المؤمنين أم كان الوعد لجميع المسلمين الذين استخلفوا في الأرض؟ هذا ما سوف نبحثه من خلال تفسير هذه الآية.

تفسير الآية الكريمة

1ـ سبب نزول الآية:

 أخرج الحاكم بسنده إلى أبي بن كعب قال: «لمّا قدم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار, رمتهم العرب عن قوس واحدة, كانوا لا يبيتون إلاّ بالسلاح ولا يصبحون إلاّ فيه, فقالوا: ترون أنّا نعيش حتّى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلاّ الله, فنزلت: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شيئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ} يعنى بالنعمة {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}».

قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».

وقال الذهبي في التلخيص: «صحيح»([183]).

2ـ في بيان المراد من الآية بحسب ما يتعلّق بمورد الحوار:

نذكر هنا أمرين مهمّين يتّضح من خلالهما عدم دلالة الآية على عدالة جميع الصحابة, وعدم دلالتها على صحّة خلافة الثلاثة, كما حاول بعض المفسّرين التشبث بذلك.

الأمر الأوّل: لا ريب في أنّ الآية تعدُ المؤمنين الذين عملوا الصالحات بالاستخلاف في الأرض, وبغضّ النظر عمّا إذا فسّرنا الآية بشمولها لجميع الأمّة أو لبعضها, أو شمولها لجميع الصحابة أو لبعضهم, فإنّه لا ملازمة بين الاستخلاف وبين الإيمان والعمل الصالح كما ذكرنا, فالوعد إنّما كان للذين آمنوا وعملوا الصالحات, وهذا الوعد لا بدّ أن يتحقّق.

 لكن لا يستفاد العكس من الآية، فلا دلالة فيها على أن كلّ من حكم البلاد وتسلّط عليها من المسلمين يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ إذ قد عرفنا في جوابنا السابق, أنّ الكثير من الفساق والمنحرفين في دولة بني أميّة وبني العباس قد حكموا الأمة الإسلامية, وذلك لا يلازم عدالتهم, وحينئذٍ فإنّ الإيمان والعمل الصالح لا بدّ من إثباته بدليل من خارج الآية, ثمّ يتمّ تطبيق الآية على الشخص المتوفرة فيه تلك الصفات, فالآية لا تحقّق موضوعها, بل بعد تحقّق الموضوع يمكن انطباق الآية عليه, وحينئذٍ فإنّ القول بانطباقها على الخلفاء الثلاثة هو فرع ثبوت إيمانهم وعملهم الصالح بأدلّة أخرى غير هذه الآية, وكلامنا وحوارنا في دلالة الآية على ذلك.

الأمر الثاني: أنّه لا دليل على شمول الآية للخلفاء الثلاثة على جميع الاحتمالات, فإنّه لو سلّطنا الضوء على لفظة (منكم) الواردة في قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...}

فستكون النتيجة أنّ الخطاب إمّا أنْ يكون شاملاً للأمّة كافّة أو لمجتمع الصحابة, و(من) إمّا بيانية أو تبعيضيّة, ولا تخلو المسألة من أحد هذه الصور الأربعة.

فإنْ قلنا إنّ الخطاب للأمّة بكاملها كما ذهب إليه مجاهد([184]), وحينئذٍ على تقدير أن (من) بيانية, فيكون المعنى: أنّ الله وعد جميع الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الأمّة الإسلامية بأنْ يستخلفهم في الأرض, ويمكّن لهم دينهم, وهذا المعنى لا نراه متحققاً في الواقع، كما هو واضح.

وإنْ كان المراد أنّ بعض الأمّة الإسلاميّة سيمكّن الله له دينه الذي ارتضى له, فهذا المعنى إنما يكون معقولاً في آخر الزمان, حين يتولّى المهدي قيادة الأمّة وهو محل اتفاق المسلمين, فجميعهم ـ إلا ما شذّ وندر ـ يعتقدون بأنّ المهدي سيظهر في آخر الزمان, ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً, وتعيش الأمّة الإسلامية حالة من الاطمئنان والعدالة, ويسود حكمه كلّ أرجاء الأرض, فالآية على هذا التفسير لا تدلّ على عدالة الصحابة, ولا على خلافة الثلاثة.

وأمّا إذا قلنا بأنّ الآية مختصّة بالمخاطبين, وهم الصحابة ـ وهو مع مخالفته لظاهر الآية الذي يفيد أنّ الخطاب عام لجميع المسلمين ـ فأيضاً نقول إمّا أنْ تكون (من) بيانية، فلابدّ حينئذ أن ينعم جميع الصحابة بالاستخلاف في الأرض، وهو افتراض لا ينسجم مع الواقع,فإنّ الصحابة تقاتلوا فيما بينهم, بل وقتلوا الخليفة عثمان, بل تسلّط عليهم معاوية, وعرفنا أنّه يموت على غير ملّة النبيّ’، بل وسلّط على الصحابة ولده يزيد خليفة على الأمّة.

هذا على تقدير أن تكون (من) بيانية أما على تقدير كونها تبعيضية وغير شاملة لجميع الصحابة, فنقول أيضاً: إنّ هذا الوعد تحقّق للصحابة في زمن كان المسلمون فيه خائفون مضطهدون مشرّدون، ثمّ نصرهم الله ومكّنهم في الأرض ونشر دينه واستقر الأمر لصالحهم, فالوعد مختص في زمن حياة النبي’ لا في زمن الخلفاء بعده, فتخصيص الآية عندئذ بالخلفاء, أو شمولها لهم, يحتاج إلى دليل وهو مفقود, خصوصاً أنّ الروايات الواردة في سبب النزول تصرّح بأنّ المراد بها الصحابة في زمن النبي’([185]).

والراجح عندنا في تفسير الآية، بحسب الأوصاف التي ذكرتها, أنّها ناظرة الى آخر الزمان الذي يظهر فيه المهدي، حيث إنّ جميع الأوصاف سوف تنطبق على ذلك المجتمع المثالي, فسوف تُحكم الأرض بدين الله, ويكون المسلمون آمنين أقوياء منتصرين على أعدائهم، ينتشر فيهم العدل ويعمّ الأمن؛ حتّى أنّه ورد في بعض الروايات أنّ في ذلك الزمان تأمن الشاة الذئب، والبقرة الأسد، والإنسان الحيّة([186]).

وخلاصة القول: إنّ الله عزّ وجلّ وعد طائفة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف في الأرض، وأنْ يمكّن لهم دينهم ويثبّته ويُظهره على الدين كلّه، ويبدّلهم من بعد خوفهم أمناً, وهذه الطائفة غير محدّدة إلاّ من خلال تلك الأوصاف, وهذه الأوصاف لا تنطبق حقّ الانطباق إلاّ في زمن الإمام المهدي×.

 وما يُقال من أنّ انتشار الإسلام وكثرة الفتوحات إنّما كانت في زمن الخلفاء الثلاثة، وأنّهم هم المعنيون بالآية، ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنّ الإسلام قد انتشر في زمن النبي’ قبل زمن الخلفاء, وكثير من الفتوحات قد حصلت بعد الخلفاء الثلاثة على يدي حكّام بني أميّة, مع ما عرف عنهم من فسق وفجور وابتعاد عن الشريعة الإسلاميّة، فغاية استدلالكم على ذلك أنّهم أصبحوا خلفاء, فادّعيتم أنّ الوعد الإلهي تحقّق بخلافتهم, فثبت إيمانهم, وقد عرفنا أنّه لا ملازمة بين الاستخلاف وبين الإيمان والعمل الصالح, فلا بدّ من إثبات ذلك من خارج الآية, والثابت أنّ الرسول’ قد استُخلف في الأرض, كما أنّ الإمام المهدي سوف يستخلف في الأرض, وهؤلاء قد ثبت إيمانهم وعملهم الصالح من خارج الآية فيمكن انطباقها عليهم.

 ويتحصّل من ذلك أنّه لا يوجد دليل في الآية على شمولها أو حصرها في الخلفاء الثلاثة.

وبهذا تمّ الكلام عن الآيات التي ادعي دلالتها على عدالة الصحابة, واتّضح عدم تمامية دلالتها على ذلك.


 

 

 



 

                              


حوار حول
الأحاديث الواردة في عدالة الصحابة


تمهيد

بعد مناقشة جميع الآيات التي ادّعي دلالتها على إثبات العدالة لجميع الصحابة, ننتقل إلى ما ادُّعي دلالته من الروايات على ذلك.

وبحسب طبيعة البحث الحوارية, فنحن سوف نتدرج في الأحاديث, ومناقشة دلالتها بحسب ما أوردها الدكتور الغامدي.

الحديث الأول: لا تسبّوا أصحابي...

 الحديث الأول الذي جُعل دليلاً على عدالة كافة الصحابة هو ما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري, قال: «قال النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم): لا تسبّوا أصحابي, فلو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه»([187]).

بيان معنى الحديث

أجبناكم سابقاً عن الحديث([188]) وقلنا: إنّه يدلّ على عدم عدالة كلّ صحابي, فهو يقرّر أنّ بعض الصحابة يسبّ البعض الآخر, ومثّلنا لكم بقول سعد بن عبادة سيد الخزرج لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله!! وقول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: إنّك منافق, وأوضحنا أنّ السبّ غير النقد، فالسب وليد العصبية ونتاج الحقد والغيظ والهوى, والنقد قائم على أسس صحيحة وموازين سليمة.

وقد حاولتم الإجابة على كلامنا هذا بما لا محصّل له, وغاية ما أوردتموه ما يلي:

قلتم: الله يصحح أخطاء الصحابة

أوّلاً: في ص230ـ 231 ذكرتم بأنّ الصحابة غير معصومين, وأنّ الخطأ قد يصدر منهم, ثمّ يُصحّح لهم من الله عز وجل أو من رسوله’, وكما أنّ موسى أخطأ ولم تنقص مكانته فكذلك الصحابي!

الجواب

1ـ نعم, الصحابة غير معصومين, لكنّ هذه العقيدة على المستوى النظري فقط, أمّا على المستوى العملي، وخاصة في قبول رواياتهم، فتتعاملون معهم معاملة المعصوم.

 2ـ كيف يمكنك إثبات أنّ الله ورسوله’ يصحّح لهم؟ فكلامنا في دلالة هذه الرواية, وعرفنا أنّها تثبت أنّ بعض الصحابة يسبّ ويشتم البعض الآخر, فهي تدلّ على عدم عدالة كلّ صحابي, فلا تنفعك في الاستدلال, وتصحيح الله ورسوله’ لهم يحتاج إلى دليل, والثابت خلاف ذلك, فالرسول بنفسه وسم بعضهم بالعصاة, وغضب على البعض الآخر:

فعن جابر بن عبد اللّه: «إنّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم) خرج عام الفتح إلى مكّة في رمضان، فصام حتّى بلغ كراع الغميم فصام النّاس، ثمّ دعا بقدح من ماء, فرفعه حتّى نظر النّاس إليه، ثمّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض النّاس قد صام, فقال: أولئك العصاة أولئك العصاة»([189]). فمع هذا كيف تفسّرون الآيات الواردة فيمَن يعصي الله ورسوله, والتي نعتتهم بالضلال وتوعدتهم بالخلود في نار جهنم([190])؟

وعن عائشة أنها قالت: «قدم رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لأربع مضين من ذي الحجّة أو خمس، فدخل علَيّ وهو غضبان، فقلت: مَن أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار، قال: أو ما شعرت أنّي أمرت الناس بأمر, فإذا هم يترددون»([191]).

وعن البراء بن عازب، قال: «خرج رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم) وأصحابه قال: فأحرمنا بالحج, فلمّا قدمنا مكّة, قال: اجعلوا حجّكم عمرة. قال: فقال الناس: يا رسول اللّه، قد أحرمنا بالحج، فكيف نجعلها عمرة؟ قال: انظروا ما آمركم به فافعلوا، فردّوا عليه القول فغضب، ثمّ انطلق حتّى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك أغضبه اللّه، قال: ومالي لا أغضب, وأنا آمر بالأمر فلا أُتَّبع»([192]).

قال الذهبي: «هذا حديث صحيح من العوالي»([193]).

قال الهيثمي: «رواه أبو يعلى, ورجاله رجال الصحيح»([194]).

قال حمزة أحمد الزين: «اسناده صحيح»([195]).

فالنبي’إذن غضبان من الصحابة, وعائشة تقول: من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار, ولم تقل إنّ الصحابة خطأهم مغفور, ومصحّح من الله والرسول’, فلا ندري لماذا آرائكم في الصحابة تخالف آراء الصحابة بأنفسهم؟!

وقد سبق أنْ ذكرنا مراراً أنّ النبي’ صرّح بدخول بعضهم النار, ومع ذلك نضيف هنا الرواية التالية في دخول شهيد من الصحابة إلى النار!!

أخرج البخاري بسنده إلى أبي هريرة أنّه قال: «افتتحنا خيبر, ولم نغنم ذهباً ولا فضة, إنّما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط، ثمّ انصرفنا مع رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) إلى وادي القرى, ومعه عبد له يقال له: مدعم، أهداه له أحد بني الضباب, فبينما هو يحطّ رحل رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم), إذ جاءه سهم عائر حتّى أصاب ذلك العبد, فقال الناس: هنيئاً له الشهادة, فقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): بلى والذي نفسي بيده, أنّ الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم, لتشتعل عليه ناراً، فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي (صلّى الله عليه وسلّم) بِشراك أو بِشراكين، فقال: هذا شيء كنت أصبته, فقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): شِراك أو شِراكان من نار»([196]). ونعيد لك أيضاً ذكر قصّة الصحابي كركرة الذي دخل النار أيضاً:

أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أنّه قال: «كان على ثقل النبي (صلّى الله عليه وسلّم) رجل يقال له: كركرة فمات, فقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) هو في النار, فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلّها»([197]).

ولا يذهبنّ بك الظن بأن كركرة هذا هو نفسه (مدعم) المتقدّم في تلك الرواية, فقد قال ابن حجر: «قوله: «لتشتعل عليه ناراً< يحتمل أنْ يكون ذلك حقيقة بأنْ تصير الشملة نفسها ناراً فيعذّب بها, ويحتمل أنْ يكون المراد أنّها سبب لعذاب النار, وكذا القول في الشراك الآتي ذكره، قوله: «فجاء رجل< لم أقف على اسمه، قوله: «بشراك أو بشراكين< الشراك بكسر المعجمة وتخفيف الراء سير النعل على ظهر القدم, وفي الحديث تعظيم أمر الغلول, وقد مرّ شرح ذلك واضحاً في أواخر كتاب الجهاد, في باب القليل من الغلول في الكلام على حديث عبد الله ابن عمرو, قال: كان على ثقل النبي (صلّى الله عليه وسلّم) رجل يقال له: كركرة, فمات, فقال النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم): هو في النار في عباءة غلّها. وكلام عياض يشعر بأن قصّته مع قصّة مدعم متّحدة.

والذي يظهر من عدّة أوجه تغايرهما. نعم، عند مسلم من حديث عمر لمّا كان يوم خيبر, قالوا: فلان شهيد، فقال النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم): كلا إني رأيته في النار في بردة غلّها أو عباءة، فهذا يمكن تفسيره بكركرة, بخلاف قصّة مدعم, فإنّها كانت بوادي القرى, ومات بسهم عائر, وغلّ شملة, والذي أهدى للنبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) كركرة, هوذة بن علي, بخلاف مدعم فأهداه رفاعة, فافترقا والله أعلم»([198]).

فـ (مدعم) دخل النار بعباءةٍ غلّها, و(كركرة) دخل النار بـشملةٍ غَلَّها, ولم تنفعهما الصحبة, فما بالك بالصحابة الذين صدرت منهم جرائم كبيرة! فكيف مع ذلك يصحّح لهم الله والرسول’ وبسر بن أرطاة قتل الأبرياء, ومعاوية تسبّب بإهراق آلاف الدماء البريئة, وقتل عباد الله الصالحين من الصحابة وغيرهم, والمغيرة بن شعبة انتهك الأعراض, وهكذا فإنّ جرائم البعض كانت كبيرة؟

 ثم إنّ الرسول طرد الحكم, والمسألة ثابتة بأسانيد صحيحه, فهل تعتبر طرده للحكم من المدينة هو تصحيح لفعله ومغفرة له!؟

3ـ إنّ تشبيهك للصحابة بالنبيّ موسى× هو تشبيه مع الفارق ولا مصحّح له, فكيف تشبّه إنساناً عاديّا بنبيّ من أنبياء الله؟ فالله تعالى لا شكّ أنّه هو المسدّد لأنبيائه والحافظ لهم, وأنّ الأنبياء معصومون قولاً وفعلاً فيما يرتبط بالتبليغ باتّفاق المسلمين, بل معصومون في أقوالهم مطلقاً حتى في غير التبليغ، على أنّه حتّى لو تنزلنا عن ذلك, فلا يمكن قياس الأنبياء بالصحابة؛ لأنّ توبة الأنبياء وعودتهم إلى الله ودخولهم الجنّة ثابت باتّفاق المسلمين, ولا توجد ملازمة بين مغفرة الله لأنبيائه ومغفرته للصحابة.

 وبعبارة أخرى: إنّ تشبيه الصحابة بالأنبياء هي مجرد دعوى يعزوها الدليل والبرهان, وأنّ حوارنا قائم على عدم وجود دليل على عدالة الصحابة, فأنّ روايتك أعلاه تدلّ على خلاف مرادك, فاستدلالك على عدالتهم باعتبار تصحيح الله ورسوله لهم هو من قبيل الاستدلال بعين المدّعى, وهو مصادرة واضحة.

4ـ إنّ الحديث (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم...) جاء مخاطباً قسماً من الصحابة الموجودين في زمن النبي’, وضمير المخاطب (أحدكم) قرينة على ذلك, فالخطاب للموجودين في زمنه بيّن ظاهر, وهو يدلّ على المفاضلة المنقطعة النظير بين الصحابة, فليس كلّ من صحب النبي’ نال الأجر والرضا بالكيفيّة التي تبيّنونها، وعلى أي حال فالحديث لا يدلّ على عدالة جميع الصحابة, بل يختصّ ببعض منهم، كما هو ظاهر.

 ولهذا نرى الشوكاني يخصّه بالسابقين منهم فقط, قال: «إلاّ أن هذه المزية هي للسابقين منهم، فإنّ النبي خاطب بهذه المقالة جماعة من الصحابة الذين تأخر إسلامهم, كما يشعر بذلك السبب، وفيه قصّة مذكورة في كتب الحديث، فالذين قال لهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً, هم جماعة من الصحابة الذين تأخرت صحبتهم، فكان بَيْنَ منزلة أول الصحابة وآخرهم أنّ إنفاق مثل أحد ذهباً من متأخريهم لا يبلغ مثل إنفاق نصف مد من متقدميهم»([199]).

وقال ابن حجر: «فيه إشعار بأنّ المراد بقوله أوّلاً, أصحابي: أصحاب مخصوصون»([200])، فلا يوجد في الحديث ما يدلّ على عدالة جميع الصحابة.

5ـ إنّ الحديث وارد من طرقكم فقط, وليس فيه حجّة علينا.

قلتم: التفريق بين نقد الصحابة وسبّهم كلام نظري

ثانياً: ذكرت في ص231 معلّقاً على كلامنا حول التفريق بين السبّ والنقد, وقلت: إنّ هذا كلام نظري لا رصيد له من الواقع, وذكرتَ أنّ دعوى (خيانة الوصيّة) والتآمر على إخفائها أعظم من كلّ سبّ... وأنّ موقف الشيعة هو وليد العصبيّة, ونتاج الغيظ والحقد والهوى, ويترتب عليه نقض الدين بكامله.

الجواب

تبيّن أنّ الرواية التي أوردتموها لا تدلّ على مرادكم, لذا لم نرَ جواباً حول الموضوع, وها أنت بكلامك هذا، البعيد عن المنهج العلمي الرصين، تحدث شرخاً عميقاً في الأمة الإسلامية بهذه الأساليب التي تبعث على الحقد والضغينة والتباغض، فقد قلنا وكررنا ذلك مراراً: أنّ الشيعة لا تدّعي عدم عدالة جميع الصحابة, بل ترفض العدالة الاستغراقية لكل فرد منهم، وأنّها لا ترى عقيدة السب والشتم, ونضيف هنا: إنّ أحداث السقيفة غير كاشفة عن رضا وقبول جميع الصحابة بخلافة أبي بكر, كيف يكون ذلك وأنّ عليّاً والزبير وبني هاشم كانوا يجتمعون في بيت الزهراء, وأنّ الأغلبية من المهاجرين والأنصار كانوا يرون الخلافة في علي×؟

 فالأمور التاريخية لا تُحلّل بهذا النحو، بل لا بدّ أن تُدرس جميع ملابساتها, فحتّى عليّ عاد وبايع بعد ستّة أشهر بعد أن سجّل اعتراضه في البداية على الخلافة, ثم رأى من مصلحة الإسلام أن يبايع فبايع, فمحض البيعة لا يعني الإقرار بشرعية الخلافة, خصوصاً أنّ الخلافات وجرّ السيوف كان طافياً على السطح, وغير خفي على أحد, فليس كلّ من بايع هو منكر للوصيّة أو كاتم لها, بل كلّ له ظرفه الخاص.

 على أنّ التاريخ لم يصل لنا بأكمله, فهناك حلقات كبيرة مفقودة فيه, خصوصاً أنّ الأيدي الأموية عبثت فيه كثيراً, ولو وصلت جميع الحقائق وجميع التجاذبات لاتضح الأمر جليّاً واضحاً.

ثمّ إنّ مسألة الوصيّة والإمامة لا بدّ أن تناقش أوّلاً بمعزل عن عدالة الصحابة, لنرى هل هناك نصّ ثابت عليها, ثمّ البدء بنقاش النصّ بحسب الظروف المحيطة به. أما كيف يكون هناك نص والصحابة رفضوه؟ ـ حسب ما تصرحون دائماً منكرين على من يقول به ـ فهذا يأتي في المرتبة الثانية من البحث، فرفض وجود هذه النصوص للوهلة الأولى بدعوى عدالة الصحابة، مصادرة على المطلوب، وهو خلاف المنهج العلمي.

مضافاً إلى ذلك، فإنّ عدالة الصحابة غير مرتبطة بمخالفة النصّ على الإمامة فقط, فهناك معاصٍ وقتل وسرقة وانتهاك حقوق وتكفير وسب وشتائم بين الصحابة, فالاعتقاد بالنص على الإمام، وبالوصية، وعدم إنكارها أيضاً لا يلازم القول بعدالة الصحابة؛ لثبوت فسق عدد كبير منهم بالأدلّة الصحيحة.

وليس موقف الشيعة ـ كما زعمت ـ نتاج الهوى، بل الذي يتبع هواه هو هو من يبتعد عن الدليل العلمي, وهو من يرفض كلام الرسول؛ تزكية لأشخاص عاديين, ذمّهم النبيّ’ بنفسه, نتمنى عليكم وعلى كلّ أمّة محمّد’ أنْ يسيروا خلف الدليل مهما كانت نتائجه, وأنْ لا نقدّس الأشخاص, فالحق لا يُعرف بالرجال, وإنّما الرجال تُعرف بالحقّ.

الحديث الثاني: خير الناس قرني...

أخرج البخاري, عن عبد الله بن مسعود, عن النبي’ أنّه قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم...»([201]).

وقد أجبناكم على هذا الحديث ـ في حواراتنا السابقة ـ بأنّ التاريخ القطعي يكذّب صدوره, فإنّ قرن التابعين يعدّ من شر القرون, حيث أُهرقت فيه دماء أهل البيت, واستحلّت فيه المدينة المنورة, ولاقى الصحابة من بني أميّة الويلات, وذكرنا لكم كلام الجويني على بطلان هذا الحديث([202]).

وقد بسطتم الكلام طويلاً حول هذا الحديث, لذا سنتناول أهم محاور كلامكم ضمن تقسيمها إلى عدّة مطالب مع الإجابة عليها:

أهمّ محاور الحديث

بيانكم لصحّة الحديث

المطلب الأول: أوردتم في ص231: كلامنا حول عدم صحّة الحديث لمنافاته للواقع الملموس, خصوصاً ما جرى في القرن الثاني من أحداث فظيعة, وقد أجبتم على ذلك بخمسّة أمور, نورد كلّ واحد منها مختصراً ونجيب عليه:

قلتم: الحديث رواه ستّة من الصحابة وهو صحيح

الأول: ذكرتم بأنّ الحديث رواه ستّة من الصحابة, ولو لم يروه إلاّ صحابي واحد أو محدّث واحد وصحّ السند لكان كافياً في قبوله, فكيف وقد رواه جماعة من الصحابة, وخرّجه أصحاب الصحاح؟

الجواب

1ـ من غرائب البحث عند أهل السنّة هي الانتقائية في التعامل مع الروايات, فالروايات التي لا تعجبهم ويرون صحّة سندها يقولون عنها منكرة أو باطلة, ويعللون ذلك بأنّ صحّة الحديث غير مقصورة على صحّة السند, بل لا بدّ أن لا يكون هناك شذوذ أو علّة, وقد طعنوا بالكثير من روايات الفضائل التي تبيّن أنّ عليّاً أفضل من الصحابة, معتبرين أنّ ذلك مخالفاً للمقطوع به, فالحديث حينئذ يكون منكراً وباطلاً, مع أنّ تطبيق القاعدة على فضائل أهل البيت ليس بصحيح قطعاً, وليس هنا محلّ بيان ذلك, بل غرضنا بيان أنّ صحّة السند، لو سلّمنا بها، فهي غير كافية في الاحتجاج عند أهل السنّة. وحينئذٍ, فإنّ الحديث أعلاه لو سلّمنا بصحته السندية، فهو يتعارض مع الواقع القطعي الذي يثبت أنّ هذه القرون ليست أفضل قرون الأمّة, فإمّا أنْ يكون غير صادر عن النبي’ أو يحمل على غير ظاهره.

 والنتيجة: عدم إمكان الاستدلال به على عدالة جميع الصحابة, خصوصاً وأنه سوف يأتي منكم الاعتراف بأنّ الحديث غير ناظر للأفراد فرداً فرداً, بل ناظر لمجموع الأمّة, مع أنّ هذا الكلام أيضاً لا يمكن التسليم به؛ لأنّ سمة القرن الثاني هي الشرور والقتل وانتهاك الأعراض, مع الاعتراف بوجود الخيرية في البعض بلا كلام.

2ـ إنّ الحديث مختص بالمصادر السنيّة, وليس بحجة على الشيعة بوجه من الوجوه.

3ـ إنّ الحديث معارض بروايات عديدة تدلُّ على أنّ الخيرية والأفضلية تكون لناس آخرين لم يروا النبي’، من قبيل ما ورد عن أبي جمعة، قال: «تغديّنا مع رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ومعنا أبو عبيدة بن الجراح. قال: فقال: يا رسول الله، هل أحد خير منّا, أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: نعم، قوم يكونون من بعدكم, يؤمنون بي ولم يروني».

قال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: «حديث صحيح<([203]).

وأخرجه أحمد ثانياً باختلاف يسير في السند, فعلّق شعيب الأرنؤوط قائلاً: «إسناده صحيح, رجاله ثقات رجال الشيخين غير أسيد بن عبد الرحمن ـ وهو الخثعمي الفلسطيني ـ فمن رجال أبي داود، وخالد بن دريك فمن رجال أصحاب السنن وكلاهما ثقة»([204]).

وقال حمزة أحمد الزين: «إسناده صحيح»([205]).

وأخرجه الحاكم وصحّحه ووافقه الذهبي([206]).

وقال ابن حجر: «إسناده حسن، وقد صححّه الحاكم»([207]).

وقد تقدّم سابقاً الكلام عن دلالة هذا الحديث, وغيره من الأحاديث الواردة في هذا الباب تحت عنوان: «حوار في أفضلية غير الصحابة» فليراجع([208]).

قلتم: الشيعة يردون الصحيح ويعملون بالضعيف

الثاني: ذكرتم في ص232: بأنّ المنهج الذي يحتكم إليه المخالفون لأهل الحق ـ تعني الشيعة ـ إنّما هو الهوى, لا المنهج العلمي الذي يقوم على أسس علميّة, وإنّما هو أوهام عارضت حقائق, فلتلغَ الحقائق؛ متابعة للأوهام, فبينما نراهم يستدلّون بأحاديث ضعيفة لإثبات عقائد باطلة, يردّون أحاديث صحيحة لسوء فهمها, أو لمخالفتها لمعتقداتهم.

الجواب

عرف القارئ الكريم أنّ الحقّ قد حصحص, وأنّ الأوهام قد زالت, فشروط الحوار العلمي تعني أنْ تلزم خصمك بما بما صحّ عنده, لا بما صحّ عندك, بل الحال أنّه حتّى ما تستدل به من كتبكم فيه خلاف بينكم, فعن أيّ منهج علمي تتحدّث؟ وبأيّ دليل تقدّم رواياتك على رواياتي؟

 فإمّا أنْ يكون الحوار علميّاً, أو تذعن للحقّ، وتعترف بأنّكم غير قادرين على الاحتجاج وفق الأطر العلمية الصحيحة.

 فالثابت في مدرسة أهل البيت هو أفضلية أهل البيت على غيرهم, والثابت عند الفريقين أنّ كثيراً من الصحابة قد ارتكب المعاصي, وأنّ كثيراً من الروايات وردت في ذمّهم, والثابت عند الفريقين أيضاً أنّ كثيراً من فضائل أهل البيت صحيحة معتبرة, فما هو وجه استدلالك علينا بحديث يعارضه الواقع, وتعارضه أحاديث أخرى, ومروي في كتبكم فقط! أهذا هو الحوار العلمي الذي تتحدث عنه!!

واعلم أنّ أيّ باحث لو لزم المنهج العلمي, واحتجّ على خصمه بما صحّ عنده, وتبنّى الصحيح المتّفق عليه بين الفريقين, لوصل إلى نتيجة قطعية بصحّة مذهب أهل البيت دون سواهم.

قلتم: الواقع التاريخي يثبت صدق الحديث

الثالث: ذكرتم في ص232ـ 233 كلاماً طويلاً خلاصته: أنّ الواقع التاريخي يثبت صدق الحديث, فحتّى لو لم يرد الحديث فحال الأمّة هو كذلك, فالصحابة ضحّوا بأنفسهم وأموالهم من أجل نصرة هذا الدين, وظهر بعدهم العلماء والقادة والشهداء والجيوش تفتح البلدان وتبلغ الدين, والفتن التي ظهرت في الجانب السياسي, أنقصت من هذا الخير, ولم تقض عليه, فكلّ خير في الأمّة فإنّما وصلنا عن هذه القرون, ولهم مثل أجور من عمل بالخير الذي حفظوه ورووه, والأمويون جزء من الأمّة لا كلّ الأمّة, والأحداث التي حصلت فلا شك أنّها شرّ, لكن لا ينكر الخير العظيم الذي في الأمّة بسبب بعض الشر, قال السندي: لابدّ من تخصيص الكلام بالمؤمنين, والمراد أنَّ مؤمني زمانه خير من الذين بعدهم. ثمَّ خيرية قرن الصحابة لا تقتضي خيرية كلّ واحد من الآحاد, بل يكفي خيرية الغالب، وإلاَّ لكان كلّ من كان في وقت التابعين خيراً ممّن بعده, مع أنَّ في وقتهم الحجَّاج الظالم, ولعلَّه لا يوجد له نظير في بابه.

إذن, ليس المراد أنَّ كلّ فرد من أهل كلّ قرن خير من كلّ فرد بعده, وإنَّما المراد عموم أهل القرن, ولا يعني انتفاء الشرّ كذلك.

الجواب

1ـ أكثر كلامك كان خطابيّاً بعيداً عن الجو العلمي, فالقرن الثاني كانت نسبة الشرّ فيه طاغية على الخير, ووجود العلماء فيه والصالحين لا يعني انّه من خير القرون, فمضافاً للدماء التي سفكت, وللأعراض التي انتهكت, حصل الدسّ والتزوير في سنّة الرسول الأعظم’ واشتدّ البلاء بكثرة الوضع, فضاع كثيرٌ من السنّة الصحيحة, واستبدلت بسنّة مزيّفة موضوعة تناثرت بين التراث, وعاش العلماء في زمنهم تقيّة, فقد حذفوا الصلاة على الآل تقيّة من بني أميّة, قال الصنعاني: «إنّ حذف لفظ الآل من الصلاة، كما يقع في كتب الحديث ليس على ما ينبغي. وكنت سألت عنه قديماً فأجبت: أنّه قد صحّ عند أهل الحديث بلا ريب كيفيّة الصلاة على النبيّ (ص)، وهم رواتها، وكأنّهم حذفوها خطأ؛ تقيّة؛ لما كان في الدولة الأمويّة من يكره ذكرهم، ثمّ استمرّ عليه عمل الناس متابعة من الآخر للأوّل، فلا وجه له»([209]).

وحمل الشوكاني كلام العلماء في نسبتهم زياد إلى أبي سفيان مع انّه خلاف الشرع, على التقية, وقال: «وقد أجمع أهل العلم على تحريم نسبته إلى أبي سفيان، وما وقع من أهل العلم في زمان بني أميّة, فإنّما هو تقيّة»([210]).

فهل الزمن الذي يعيش فيه العلماء تقيّة وخوفاً من الحكّام والولاة يكون من خير القرون؟!!

2ـ إنّ كلامك مبنيٌ على أنّ الإسلام الصحيح نقل حصراً عن طريق الصحابة ثمّ التابعين ومن بعدهم, لذا فلهم مثل أجور من عمل بالخير!

 وهذا الكلام غير صحيح من الأساس, فإنّ نقلة الشريعة الحقّة هم أهل البيت^, فلا بدّ أن يحرّر الكلام في هذه النقطة, ثمّ يتمّ الانتقال إلى ما بعدها, فافتراضك أنّ ما بين أيدي السنّة هو الإسلام الصحيح, هو مصادرة على المطلوب.

 على أنّه لو تنزلّنا معك في المقام فكلامك أيضاً غير تام لسببين:

الأول: أنّ ما وصل إليكم لا يمثّل مدرسة الصحابة بنحو قطعي؛ لأنّ بني أميّة دسّوا وغيّروا وتلاعبوا فيه, ولذا نرى بعض الروايات مضطربة متناقضة, تمجّد الحكام والملوك تارة, وتسيء إلى نبيّ الإسلام تارة أخرى.

الثاني: أنّ كلامكم يفترض أنّ كلّ ما وصل إنّما اشترك فيه جميع الصحابة, وأنّ الإسلام إنّما حفظ ووصل بجهود جميع الصحابة, مع أنّ هذا الكلام لا صحّة له؛ فإنّ الصحابة عددهم يزيد على مئة ألف, والعدد المترجم له يصل إلى عُشر ذلك العدد, والصحابة الذين نقلوا الدين إليكم أقلّ من ذاك العشر بكثير, فكيف يكون جميع الصحابة خير الناس, مع أنّ الخير الواصل إنّما هو بسبب بعضهم القليل بالنسبة لعددهم الكلي؟

3ـ ختمت جوابك بذكر كلام السندي، وتأييده في أنّ الخيرية ناظرة إلى المجموع من حيث المجموع لا إلى الأفراد, وبذا تكون قد اعترفت بأنّ الحديث لا يدلّ على عدالة كلّ فرد من الصحابة, بل هو مختص بالمؤمنين منهم, أضف إلى ذلك أنّه غير مقبول أيضاً؛ لأنّ القرن الثاني بخلافته وولاته وجيشه كانوا شرّاً محضاً, فالوجه العام للدولة كان هو الشرّ، وإن كان الخير في باقي الأمة لم ينعدم أيضاً.

4ـ لو تنزلنا وقلنا بأنّ الدين نقل حصراً عن خصوص الصحابة, ثمّ عن أتباعهم, ثمّ أتباع أتباعهم, فكلّ خير في الأمّة يعود إليهم.

 فمع التسليم بذلك لا يدلّ الحديث أيضاً على عدالة جميع الصحابة؛ لأنه يمكن تفسير خير القرون بأنّه القرن الذي وُلِد فيه الإسلام, ونشأ وانتشر, وثبتت أركانه على يدي الرسول’, فيكون خير القرون من هذه الجهة, باعتبار ولادة الديانة الخاتمة, وانتشارها, لا من جهة أنّ جميع الناس فيه خيّرين, كيف وهو ضمّ المنافقين ومرضى القلوب وغيرهم؟ ويكون القرن الثاني خير القرون بعده, باعتباره قد ضمّ كوكبة من التابعين الذين حفظوا أقوال الصحابة ورواياتهم, ونقلوها لمن بعدهم, رغم الظلم والاضطهاد الذي حلّ بهم, وهكذا يكون القرن الذي بعده, وبهذا يكون الحديث بعيداً عن عدالة جميع أفراد القرن, وغير ناظر لها أساساً.

قلتم: منظار الشيعة لا يكشف سوى العيوب

الرابع: ذكرت في ص234: بأنّ منهج الشيعة منهج غريب, وأنّ منظارهم لا يكشف إلاّ المعايب, وأنّ أخطاء قليلة وقعت في عهد الصحابة جرحتهم, وأخطاء قليلة صدرت من بعض أمّهات المؤمنين جرحتهن, والأخطاء التي وقعت من طائفة من الأمّة أفسدت كلّ خير في الأمّة, وقلت: أرأيت النحل, فإنّه لا يقع إلاّ على الزهر, مع أنّ هناك أماكن نتنة, لكنّه نظيف شريف, فليتنا نكون نحلاً!!

الجواب

1ـ ما ختمت به جوابك من تعريض صريح, لا يعدو الخطابيات السقيمة، ونحن نمتنع عن الدخول في مثل هذه السجالات غير المثمرة.

2ـ إن منظارك الذي تريد منا النظر فيه، لا يري الأشياء على حقيقتها، فهو يريك أن لعن النبي’ للصحابي تزكية له, والدعاء عليه تزكية، وأنّ من أخبر النبي’ بدخوله النار يكون في الجنّة، ويريك قاتل أخيه, إنّما قتله وهو ومحبّ وناصر له, ويريك أنّ من يهتك أعراض المؤمنين هو عادل مغفور له يجب اتباعه فيما يقول، وتصديقه في روايته واحترامه وتقديسه, وكثيرة هي الأشياء التي تراها مقلوبة بمنظارك.

 أما منظارنا الذي تقول إنه غريب، هذا المنظار قد ورثناه من رسول الله’, حيث وجدناه يرينا الأمور بواقعيتها وعلى ما هي عليه،, فنرى فيه أن النبي’يغضب من أصحابه عندما يفعلوا القبيح، ويقول عنهم: إنّهم عصاة, ويخبر عن وجود مرتدين منهم سوف يدخلون النار, وعلى أي حال من قرأ هذا الكتاب سيتعرف على منظاركم جيّداً, وهو حر باختيار ما يشاء.

قلتم: إنّ قتْل الحسين في أحد القرون لا يعني أنّه شرّ القرون

الخامس: ذكرت في ص234: بأنّه قد وقعت فتن قبل قتل سبط النبي’, وقُتل من أصحاب الفضل قبل الحسين الكثير, ولم يحكم بأنّه شرّ القرون, فقد قتل حمزة وعمر وعثمان وعلي ولم تكن تلك العصور شرّ العصور, فإنّ مساحة الخير في الأمّة باقية, فالخير في هذه الأمّة كلّه يرجع إلى هذه العصور, فكيف يتناسى الخير ويضخّم الشرّ, وبهذا يتبيّن أنّ فهمكم غير سليم وحكمكم غير مستقيم.

الجواب

كلامكم المتقدّم ينبئ عن عدم إحاطة ومعرفة دقيقة بالواقع التاريخي الذي مرّ به المجتمع الإسلامي, فنحن لم ندّع أنّ العصر يكون شرّاً كلّه نتيجة لمقتل إمام أو صحابي كبير أو شخص له قيمة دينية واجتماعية مرموقة, بل النظر يكون إلى الصبغة الإسلامية العامّة الموجودة في ذلك العصر, والوقائع التي حصلت فيه, ففي زمن يزيد بن معاوية لم يبق من الإسلام إلاّ اسمه, فخليفة المسلمين يلعب بالفهود والقردة ويشرب الخمر, وأقدم على ثلاثة أفعال هزّت المسلمين من أعماقهم, فقد قام بقتل الحسين بن علي وأنصاره بطريقة مروّعة, ثم اقتطعوا رؤسهم وسبوا نساءهم وأخذوهن أسيرات من كربلاء إلى الشام, ولم يحصل أن تسبى نساء آل بيت النبي’ ويطاف بهنّ البلدان إلاّ في زمن يزيد, ولم يكتف بذلك, بل راح يضرب الرأس الشريف للحسين بن علي بسوطه([211]), فأيّ مرحلة وصلها خليفة المسلمين من الانحطاط إذن؟

 ومن أعماله المشينة أيضاً قتله الصحابة وانتهاكه الحرمات في وقعة الحرة, قال السيوطي: «وكانت وقعة الحرة على باب طيبة, وما أدراك ما وقعة الحرة؟ ذكرها الحسن مرة, فقال: والله ما كاد ينجو منهم أحد، قتل فيها خلق من الصحابة (رضي الله عنهم) ومن غيرهم، ونهبت المدينة، وافتض فيه ألف عذراء، فإنّا لله وإنا إليه راجعون! قال (صلّى الله عليه وسلّم): «من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين< رواه مسلم، وكان سبب خلع أهل المدينة له؛ أنّ يزيد أسرف في المعاصي، وأخرج الواقدي من طرق أنّ عبد الله بن حنظلة بن الغسيل, قال: والله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن يرمى بالحجارة من السماء! إنّه رجل ينكح أمّهات الأولاد والبنات والأخوات, ويشرب الخمر, ويدع الصلاة»([212]).

وقال القرطبي: «ووجّه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش عظيم من أهل الشام، فنزل بالمدينة, فقاتل أهلها, فهزمهم وقتلهم بحرّة المدينة ًقتلاً ذريعاً, واستباح المدينة ثلاثة أيام، فسميت وقعة الحرة لذلك, ويقال لها: حرة زهرة، وكانت الوقعة بموضع يعرف بواقم على ميل من المسجد النبوي, فقتل بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين وهم ألف وسبعمائة, وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان, وقتل من حملة القرآن سبعمائة رجل...»([213]).

وسار جيشه بعد ذلك إلى مكّة لقتال ابن الزبير, فقام بضرب الكعبة بالمنجنيق, قال ابن حزم: «... أغزى يزيد الجيوش إلى المدينة, حرم رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، وإلى مكّة, حرم الله تعالى, فقتل بقايا المهاجرين والأنصار يوم الحرّة، وهي أيضاً أكبر مصائب الإسلام وخرومه؛ لأنّ أفاضل المسلمين وبقية الصحابة، وخيار المسلمين من جلّة التابعين قتلوا جهراً ظلماً في الحرب وصبراً، وجالت الخيل في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، وراثت وبالت في الروضة بين القبر والمنبر، ولم تُصلَّ جماعة في مسجد النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، ولا كان فيه أحد، حاشا سعيد بن المسيب فإنّه لم يفارق المسجد، ولولا شهادة عمرو بن عثمان بن عفان، ومروان بن الحكم عند مجرم بن عقبة المري بأنّه مجنون لقتله، وأكره الناس على أنْ يبايعوا يزيد بن معاوية على أنّهم عبيد له، إن شاء باع، وإن شاء أعتق، وذكر له بعضهم البيعة على حكم القرآن وسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) فأمر بقتله، فضرب عنقه صبراً، وهتك مسرف أو مجرم الإسلام هتكاً، وأنهب المدينة ثلاثاً، واستخف بأصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ومدت الأيدي إليهم وانتهبت دورهم، وانتقل هؤلاء إلى مكة شرفها الله تعالى، فحوصرت، ورمي البيت بحجارة المنجنيق، تولى ذلك الحصين بن نمير السكوني في جيوش أهل الشام، وذلك لأنّ مجرم بن عقبة المري مات بعد وقعة الحرة بثلاث ليال، وولي مكانه الحصين بن نمير, وأخذ الله تعالى يزيد أخذ عزيز مقتدر، فمات بعد الحرة بأقلّ من ثلاثة أشهر وأزيد من شهرين، وانصرفت الجيوش عن مكة»([214]).

وقد تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك يتوارثه بنو أمية في زمانهم بعدما خلّف معاوية ولده يزيد على رقاب المسلمين, قال الحسن البصري: «أفسد أمر الناس اثنان: عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصاحف فحملت ونال من القراء فحكم الخوارج فلا يزال هذا التحكيم إلى يوم القيامة.

والمغيرة بن شعبة: فإنّه كان عامل معاوية على الكوفة, فكتب إليه معاوية: إذا قرأت كتابي فأقبل معزولاً فأبطأ عنه, فلمّا ورد عليه، قال: ما أبطأ بك؟ قال أمرٌ كنت أوطّئه وأهيّئه قال: وما هو؟ قال: البيعة ليزيد من بعدك! قال: أو قد فعلت؟ قال: نعم، قال: ارجع إلى عملك، فلمّا خرج قال له أصحابه: ما وراءك؟ قال: وضعت رجل معاوية في غرز غيّ لا يزال فيه إلى يوم القيامة. قال الحسن: فمن أجل ذلك بايع هؤلاء لأبنائهم, ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة»([215]).

واستمرّ الغيّ والفساد في بني أميّة, ولاقى منهم الصالحون وخصوصاً من أبناء آل البيت أشدّ المحن والخطوب, فأين الخير الذي تتكلّم عنه؟ هل هو بانتقامهم من آل البيت, أم بتحريفهم الحقائق, أم بوضعهم للأحاديث؟

 ولماذا تحاول ربط الموضوع بمسألة قتل الحسين×! فأفعال بني أميّة وشناعتها لا تخفى على أحد, والتاريخ طافح بسيئات أعمالهم, ووجود مساحة ضيّقة من الخير في ذلك الوقت لا تخرج قرنهم من كونه شرّ القرون, ولولا فترة حكم بني أميّة لمّا وصلتنا الأحاديث والمرويات والآثار بهذه الكيفية والكمية، بل ربما وصلتنا بطريقة أخرى تكشف عن الفضائل الكثيرة لأهل البيت، وما حدث من انقسام وشرخ في الأمة الإسلامية سببه يعود الى تلك الحقبة السيئة.

وقد قام معاوية بسبّ الإمام علي ولعنه على المنابر، متحديّاً بذلك السنّة النبوية الناهية عن سبّ الإمام×, وسنوافيك بما يتعلق بالسبّ في هذا الكتاب فانتظر؟