نظرية عدالة الصحابة


    










شواهد
لا تقتضي عدالة الصحابة أجمع


تمهيد

انتهينا من الجزء الأول عند الكلام حول المنافقين في زمن النبي’، وأثبتنا هناك أنهم لم يكونوا معلومين بأعيانهم جميعاً، وقد ماتوا على الإسلام بحسب الظاهر؛ لذا فكل منافق واقعاً وقد خفي أمره ظاهراً ولم يعرف ـ طبقاً لتعريف الصحابي عند أهل السنةـ يكون من الصحابة.

وهنا في هذا الجزء؛ سوف نكمل البحث حول مبدأ عدالة الصحابة جميعاً، وما رافقه من محاولات تؤسس لهذا المبدأ، من براهين قرآنية وروايات، ومحاولات لتصحيح أي إساءة أو معصية صدرت من الصحابة.

وأهم ما ذكرتم إجمالاً ـ فيما يتعلق بموضوع عدالة الصحابة ـ في الصفحات 96 ـ 98 هو نقاط أربع:

1ـ ذكرتم أن الشيعة لا يترضون على الصحابة، وهذا من آثار عقائد الشيعة الذين يعتقدون بكفر الصحابة أو بفسقهم.

2ـ إنّ مقصود أهل السنّة من العدالة ليس العصمة، بل كونهم الأمناء على الشرع، فلا يكذبون في حديثهم على رسول الله’.

3ـ إنّ عدد من أساء من الصحابة قليل جداً لا يتناسب مع تضخيم الشيعة لهذا الأمر.

4ـ إنّ من يقترف ذنباً من الصحابة يتوب إلى الله تعالى، ومن تاب تاب الله عليه.

وسوف نتناول هذه النقاط واحدة تلو الأخرى؛ ليتضح الأمر.


قلتم: الشيعة لا يترضون على الصحابة

ذكرتم أنّنا ـ حين ذكرنا الصحابة ـ ترضّينا على علي× ولم نترض على بقية الصحابة، وزعمتم أنّ الشيعة إمّا يقولون بكفر الصحابة أو يعدّونهم فسّاق ظلمة، فقلتم: «ذكرت عظماء الأمّة وخلفاءها الراشدين ولم تترضَ عليهم... ولا شك أنّ هذا من آثار عقائد الإمامية التي تعتقد أنَّ هؤلاء إمَّا كُفَّار على قول، وإمَّا فُسَّاق ظَلَمَة على قول آخر».

الجواب

 نقول: إننا في جميع مكاتباتنا وحواراتنا، معك أو مع غيرك، كثيراً ما نترضى على الصحابة، ونذكرهم بكلّ احترام وتقدير، وهذا ما اعترفت به أنت في مقدمة كتابك حين قلت: «لكن الأستاذ أبا مهدي كان مؤدّباً أثناء الحوار ويترضى عن الصحابة»([1]).

كما أنّنا لا نقدح بأشخاصهم إلاّ في حدود ما يسوّغه البحث العلمي والموضوعي، وفي إطار اللياقة والأدب؛ ننطلق في ذلك ممّا تربينا عليه في مدرسة أهل البيت؛ من احترام المسلم وحفظ كرامته، وعدم اتهامه بالبدعة أو الكفر أو الزندقة إلاّ إذا قام الدليل على ذلك.

قلتم: الشيعة تعتقد بكفر الصحابة أو فسقهم

ذكرتم: أنّ آثار عقائد الإمامية يفضي إلى الاعتقاد بأنَّ الصحابة إمَّا كُفَّار على قول، وإمَّا فُسَّاق ظَلَمَة على قول آخر.

الجواب

نقول: قد تقدم هذا الكلام منكم، وأجبنا عليه في الجزء الأول من الكتاب ص387 وحيث إنّ الموضوع من الأهمية بمكان فلا بأس أن نجيبكم ها هنا أيضاً، فنقول:

في الحقيقة أنّ كلامكم يتضمن تضخيماً، بل افتراءً كبيراً على الشيعة, فإنّ ظاهر ما تقولونه هو أنّ الشيعة لهم موقف سلبي من جميع الصحابة يدور بين الكفر أو التفسيق, وهذا الكلام بلا شك مجافٍ للحقيقة, بل لا يقول به أيّ باحث منصف, ولك أنْ تراجع كتب الشيعة لتعرف رأيهم الواقعي في الصحابة, فعدد الصحابة على ما يقرر أهل السنة أكثر من مئة ألف, وأنّ المترجم لهم في الكتب لا يبلغون عشر عددهم الحقيقي([2])، فلا يعقل أنْ يكون موقف الشيعة منهم جميعاً ما ذكرت!!! فإطلاق المجازفات الكلامية بهذه الطريقة لا يناسب طلبة العلم.

وخلاصة الموقف من الصحابة، هو أنّ الشيعة يتعاملون مع الصحابي على ضوء القواعد القرآنية ووفق السنن النبوية, فالقران يقول: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}([3]) فالصحبة ليست حالة تجعل صاحبها يفوز بالرضوان, نعم، الصحبة مع العمل الصالح والإخلاص لله ترفع قيمة صاحبها إلى درجات عُليا.

وهذا التفريق عند الشيعة بين الصحابة ليس وليد أفكارهم, أو نتيجة نوازع ذاتية، بل هو تمسّك بما جاء في القرآن والسنّة النبوية المباركة, حيث دلّت الآيات وكذا الروايات على أنّ جملة من الصحابة قد انحرفوا وحادوا عن جادة الصواب, وصرّحت الروايات بدخول بعضهم النارـ وسيأتي ذلك ـ في حين أنّ بعض الصحابة قد أحرز إيمانهم الكبير واتّقوا الله واتبعوا رسوله, فهؤلاء محلّ تقدير وثناء, وقد تقدّم منّا ذكر ذلك مراراً، وحينئذٍ فإنّ القول بعدالة الصحابة أجمع يتنافى مع القرآن والسنّة.

على أنّ مجتمع الصحابة ـ كما مرّ ـ كان فيه الكثير من المنافقين في زمن النبيّ’، والقول باحترام وتقديس الجميع يفضي إلى تقديس حتّى المنافقين!! فإنّهم قد لقوا النبيّ’ وآمنوا به ظاهراً, وقد دلّت الآيات على أن هناك منافقين لا يعرفهم النبيّ’.

ولا يمكن لأحد الغور في أعماقهم لمعرفة حقيقة إيمانهم حتّى يعلم حالهم، فيكون المنافق الواقعي - والحال هذه- داخلاً في مفهوم الصحابي لأنّه لقي النبيّ وهو مؤمن به ظاهراً.

وهذه العقيدة في الصحابة على سعتها، بما تحمل من قداسة عظيمة لجميع الصحابة ـ والتي ليس لها مبرر صحيح ـ أدت في كثير من الأحيان إلى ارتكاب بعض المحاذير من قبيل تقديم الصحابي على النبيّ’ وتصويره بصفة إيمانية تفوق إيمان النبيّ وتقواه وعفّته.

فقد أخرج الترمذي عن بريدة في قصة الجارية السوداء التي ما انفكت تضرب بالدف حتّى بعد دخول النبيّ’ في حين تخشى الخليفة عمر، وتُبيّن الرواية أنّ النبيّ علّل ذلك بأنّ الشيطان يخاف من عمر!! قال النبيّ’: «إنّ الشيطان ليخاف منك يا عمر, إنّي كنت جالساً وهي تضرب, فدخل أبو بكر وهي تضرب, ثم دخل علي وهي تضرب, ثم دخل عثمان وهي تضرب, فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف» قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث بريدة. وفي الباب عن عمر وعائشة»([4]).

وهذا الحديث أخرجه أحمد وغيره وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة، وعلق عليه قائلاً: «هذا إسناد صحيح على شرط مسلم»([5]).

والحديث لا يحتمل أيّ تأويل؛ لأن النبيّ’ يصرّح بأن الشيطان يخاف من عمر! ولذلك ألقت الجارية الدف, فإن فعلها كان من الشيطان، حسب الرواية نفسها. ولم نفهم كيف قَبِل النبيّ بمجالس الشيطان؟! وكيف خاف الشيطان من عمر ولم يخف من النبيّ!؟

وهناك شواهد أخرى على ذلك كثيرة نتركها؛ رعاية للاختصار([6]).

شواهد على عدم صحة نظرية عدالة الصحابة جميعاً

هناك شواهد كثيرة تقدح بصحة نظرية عدالة وقداسة جميع الصحابة، فقد تقدم أنّ الله سبحانه وتعالى بيّن أنّ من أهل المدينة مردوا على النفاق وأنّ النبيّ’ لا يعرفهم, مع أنّهم معدودون في الظاهر من أصحابه، ومن هذه الشواهد أيضاً:

1- تركهم للنبي’ أثناء الصلاة

إنّ القرآن قد صرّح بأنّ الصحابة تركوا النبيّ’ واقفاً يخطب بهم في صلاة الجمعة, وانفضّوا نحو تجارة لا تغني, قال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}([7]).

وروي أنّه ما بقي معه إلا ثمانية أو اثنا عشر، وكانوا إذا أقبلت العِيرُ استقبلوها بالطبول والتصفيق، فهو المراد باللهو([8]).

وفي البخاري عن جابر بن عبد الله قال: «أقبلت عِيرٌ يوم الجمعة ونحن مع النبيّ (صلى الله عليه وسلم) فثار الناس إلا اثنا عشر رجلاً, فأنزل الله {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا([9]).

وعن قتادة ومقاتل بن حيّان: أنّهم فعلوا ذلك ثلاث مرات, وكلّ مرة بعِير تقدم, وكلّ ذلك يوافق يوم الجمعة([10]).

قال الدمياطي: «قال في المجموع: ثبتت صلاته (صلّى الله عليه وسلّم) بعد خطبتين وكانتا في صدر الإسلام بعد الصلاة، فقدم دحية الكلبي بتجارة من الشام, والنبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) يخطب للجمعة, وكانوا يستقبلون العير بالطبل والتصفيق, فانفضوا إلى ذلك, وتركوا النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) قائماً, ولم يبق منهم إلا اثنا عشر، وقيل: ثمانية، وقيل: أربعون، فقال: والذي نفسي بيده لو انصرفوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً، ونزلت الآية»([11]).

وكيف ما كان، فالآية صريحة في أنّ الصحابة تركوا الرسول’ في صلاة الجمعة لأجل التجارة.

فهل ينسجم فعلهم هذا مع ماتصورونه من هالة القداسة لجميعهم من تقوى وإخلاص وتفاني في سبيل الله!

2- جرأة بعض الصحابة على النبي

ومن الصحابة أيضاً من تجرّأ على رسول الله’ فرماه في عرضه واتّهم السيدة عائشة بارتكاب الفاحشة: كحسان بن ثابت ومِسْطَح بن أُثاثة وحمنة بنت جحش([12])، ومِسْطَح هذا ممّن شهد معركة بدر([13]).

وقد قام النبيّ’ بعد ما ثبتت براءة زوجته السيدة عائشة بحدّ هؤلاء, قال القرطبي: «المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أنّ الذي حُدّ حسان ومِسْطَح وحمنْة، ولم يسمع بحدّ لعبد الله بن اُبي. روى أبو داود عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: لما نزل عذري قام النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدّهم، وسمّاهم: حسّان بن ثابت ومِسْطَح بن أُثاثة وحَمْنة بنت جحش»([14]).

3- منكرات تخلّ بنظرية عدالة الصحابة

وهناك من المنكرات وقبحها ما لا يمكن أن تصمد معها نظرية عدالة الصحابة جميعهم، نقتصر على ذكر واحدة منها ليتضح للقارئ ضحالة تلك النظرية:

وتلك الحادثة تتعلق بالصحابي المغيرة بن شعبة, حيث وجد مستبطناً أم جميل في حادثة مشهورة, وقد شهد عليه بذلك ثلاثة من الصحابة وهم: أبو بَكْرَة، ونافع بن الحارث، وشِبْل بن مَعْبَد. وكانت شهادة هؤلاء الثلاثة صريحة في زناه([15])، أمّا الشاهد الرابع وهو زياد بن سميّة فإنّه وإنْ لم يشهد بالزنا لكنّه لم ينفِ كلّ الواقعة، بل أقرّ بكون المغيرة معها على سرير واحد بوضع قبيح, ففي لفظٍ أنّ زياد قال: «رأيت إستاً تنبو ونفساً يعلو وساقين كأنّهما أذنا حمار، ولا أعلم ما وراء ذلك»([16]).

وفي نقل آخر أنّه قال: «رأيت مجلساً وسمعت نفساً حثيثاً وانتهازاً، ورأيته مستبطنها»([17]).

على أن هناك أخباراً حاولت التخفيف من كلام زياد, فلم تذكر التفاصيل أعلاه، فاكتفى بعضها بأنّ زياداً قال: «رأيت أمراً قبيحاً» وفي بعضها: «رأيت انبهاراً ومجلساً سيئاً» وفي بعضها: «رأيت منكراً», وهذه الأخبار صحّحها الألباني في إرواء الغليل([18]).

وقد انتهى الأمر بنجاة المغيرة؛ لعدم ثبوت رؤية الميل في المكحلة!! وقد كان ذلك مدعاة سرور الخليفة عمر بنجاة المغيرة من الرجم فكبّر وأمر بحدّ الثلاثة([19]).

وفي الحقيقة لم نفهم سبب فرح الخليفة وتكبيره! فإن عدم رؤية الميل بالمكحلة لا ينفي تحقق فعله القبيح وثبوته خارجاً، وعدم ثبوت الزنا لا يعني مشروعية فعل المغيرة القبيح، ويبقى السؤال: لماذا لم يحاسب الخليفة عمر المغيرة على فعله القبيح؟! خصوصاً أنّ الصحابي أبا بكرة بقي مصرّاً على موقفه وكلامه من أنّ المغيرة قد زنا، فأراد الخليفة عمر أن يحدّه مرة أخرى لولا تدخل علي×([20])، بل إنّ الخليفة عمر قد اعترف بنفسه بأنّ أبا بكرة غير كاذب في شهادته حينما خاطب المغيرة ذات مرة، قائلاً: «والله, ما أظنّ أبا بكرة كذب عليك, وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء»([21]).

4ـ بعض الصحابة صرح النبي بدخولهم النار

تبيّن أنّه لا يمكن أنْ نُضفي هالة من القدسيّة على جميع الصحابة، خصوصاً أنّ هناك من الصحابة من صرّح النبيّ’ بدخوله النار، حينما قال: «قاتل عمار وسالبه في النار»([22]) وقد قتله الصحابي أبو الغادية الجهني في معركة صفين، وإن قاتله مهما تأول فهو عاد آثم، وسيأتي الكلام عن ذلك لاحقاً.

وعن أبي هريرة، قال: «شهدنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال لرجل ممن يدعى الإسلام: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالاً شديداً فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الذي قلت: إنّه من أهل النار، فإنّه قد قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد مات، فقال النبيّ (صلى الله عليه وسلم): إلى النار، قال: فكاد بعض الناس أنْ يرتاب, فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنّه لم يمت ولكن به جراحاً شديداً، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأخبر النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) بذلك، فقال: الله أكبر, أشهد أنّي عبد الله ورسوله، ثم أمر بلالاً فنادى بالناس: إنّه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإنّ الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»([23]).

وفي هذه الرواية دلالة واضحة على أنّ مجرد الصحبة لا تكفي في عدالة الإنسان، فهذا رجل مسلم كما ترى في الرواية قد صحب النبيّ’ وغزا معه، وحضر المعركة وقاتل قتالاً شديداً لكنّه مع ذلك كان من أهل النار؛ لأنه انتحر ولم يصبر على الجراح, فلا يمكن القول بعدالة الصحابة جميعاً.

وقد تقدّم منّا الإشارة إلى أحاديث الحوض التي تثبت دخول عدد غير قليل من الصحابة إلى النار، ولم نجد جواباً علمياً مقبولاً من أهل السنة يتناسب مع الروايات العديدة المصرحة بذلك.

فالتفريق بين الصحابة، وأن فيهم عدولاً وغير عدول، هو مبدأ قرآني ونبوي، وأنّ الصحابة أنفسهم يعتقدون بهذا التفريق, فكان يفسّق بعضهم بعضاً، ويكذب بعضهم بعضاً ويقاتل بعضهم بعضاً، بل ويكفر بعضهم بعضاً!! فلا نجد مع ذلك التكفير والتفسيق والتكذيب معنى لإيمانهم بنظرية عدالة الصحابة جميعاً, ولا ينسجم ذلك مع الاعتقاد بأنهم كانوا يؤولون أفعالهم وأنهم مأجورون، فإن حملَ كلّ هذه الاتهامات والاختلافات على الاجتهاد والتأويل ليس منطقياً.

صحابة أقيم عليهم الحد

تقدّم أنّ بعض الصحابة قد أقيم عليهم الحدّ؛ لاتّهامهم السيّدة عائشة بالفاحشة, وهناك من الصحابة من أقيم عليه الحد في غير ذلك, منهم:

1ـ النعيمان أو ابن النعيمان, أقيم عليه الحد لشربه الخمر([24]) بل ورد أنّ النبيّ’ جلده أكثر من أربع مرات لشربه الخمر([25]).

2ـ عبد الله وكان يلقب حماراً([26]), جلده النبيّ’ بالشراب([27]).

3ـ عبيد الله بن عمر بن الخطاب, جلده أبوه عمر في شراب مسكر شربه([28]).

وسيأتي أنّ عبيد الله هذا قتل الهرمزان ظلماً بغير عدل، وقتل ابنة أبي لؤلؤة وهي طفلة صغيرة, واتفقت كلمة المهاجرين والأنصار على وجوب قتله والاقتصاص منه، لكن الخليفة عثمان عفى عنه, وبقي علي× يطلبه بدم الهرمزان حتّى حان وقت خلافته, فأراد الاقتصاص منه, لكنه هرب إلى جيش معاوية, ثم قتل في صفين.

4ـ عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب, جلده عمرو بن العاص, ثم حدّه أبوه بعد ذلك؛ لأنه شرب شراباً فسكر([29]), ومضافاً إلى أنّ كلّ مسكر حرام، فقد صرّح ابن عبد البر بأنّه شرب خمراً في مصر، فحدّه عمرو بن العاص ثم ضربه أبوه عمر أدب الوالد([30]). وقد صرح الواقدي أيضاً بأنّ الشراب كان خمراً, جاء في تاريخ الطبري عن الواقدي: «وفيها [أي سنة 21هـ] غزا عبد الله وعبد الرحمن... وأبو سروعة فقدموا مصر فشرب عبد الرحمن وأبو سروعة الخمر وكان من أمرهما ما كان»([31]). وقال ابن الأثير عند ذكره لأبي سروعة: «وهو الذي شرب الخمر مع عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب بمصر»([32]).

5ـ أبو سروعة, وهو إمّا عقبة بن الحارث أو أخوه([33]), جلده عمرو بن العاص؛ لأنه شرب شراباً فسكر([34]). وعرفنا فيما تقدّم أنّه شرب بمصر مع عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب، وتقدّم أنّ الشراب كان خمراً.

6ـ أبو محجن الثقفي, كان منهمكاً في الشراب, لا يكاد يقلع عنه ولا يردعه حد ولا لوم لائم, جلده عمر بن الخطاب في الخمر مراراً ونفاه إلى جزيرة في البحر([35]).

وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن سيرين: «كان أبو محجن الثقفي لا يزال يجلد في الخمر, فلمّا أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه»([36]).

وأخرج عن ابن جريج, أنّه قال: «بلغني أنّ عمر بن الخطاب جلد أبا محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي في الخمر سبع مرات»([37]).

وأخرج عن قبيصة بن ذؤيب, قال: «إنّ عمر بن الخطاب ضرب أبا محجن الثقفي في الخمر ثمان مرات»([38]).

7ـ الوليد بن عقبة بن أبي معيط, قال ابن حجر: «وقصّة صلاته بالناس الصبح أربعاً وهو سكران مشهورة مخرجة، وقصة عزله بعد أنْ ثبت عليه شرب الخمر مشهورة أيضاً, مخرجةً في الصحيحين, وعزله عثمان بعد جلده عن الكوفة»([39]).

وقال ابن عبد البرّ: «وخبر صلاته بهم وهو سكران, وقوله: أزيدكم، بعد أنّ صلّى الصبح أربعاً مشهور من رواية الثقات, من نقل أهل الحديث وأهل الأخبار»([40]).

8ـ قدامة بن مظعون, وقد مر ذكره، وكان أحد السابقين الأولين, هاجر الهجرتين وشهد بدراً([41]), حدّه عمر بن الخطاب؛ لشربه الخمر([42]).

قال عبد الرزاق عن ابن جريج: «سمعت أيوب يقول: لم يحدّ في الخمر أحد من أهل بدر إلا قدامة ابن مظعون»([43]). وتعقّبه ابن الأثير بقوله: «قلت: قد حدّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) نُعيمان في الخمر, وهو بدري, وهو مذكور في بابه, فلا حجة في قول أيوب والله تعالى أعلم»([44]). كما تعقّبه ابن حجر بقوله: «يعني بعد النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم)»([45]). أي أنّه أراد أنّه بعد النبيّ لم يُحدّ بدري إلا قدامة, أمّا في زمن النبيّ’ فقد حُدّ غيره من البدريين.

9ـ أبو جندل بن سهيل بن عمرو, حدّ لشربه الخمر([46]).

10ـ ضرار بن الخطاب المحاربي, حدّ لشربه الخمر([47]).

11ـ صحابي جاء إلى النبيّ’ واعترف بالزنا وأقرّ على نفسه أربع مرات وهو محصن، فرجم حتّى مات([48]).

12ـ صحابي سرق مراراً، فأتي به إلى النبيّ’، فقُطع في أربع مرات وقتل في الخامسة, ثم ألقوه في بئر ورموا عليه الحجارة([49]).

13ـ ماعز بن مالك الأسلمي, رجم على عهد النبيّ’, بعد أنْ أقرّ على نفسه بالزنا([50]).

14ـ الأسود بن عوف الزهري, أخو عبد الرحمن بن عوف, وَجَدَهُ عمر بن الخطاب بمكّة شارباً فأمر به فجلد الحد([51]).

هذه نماذج من انتهاكات بعض الصحابة للشريعة وأحكامها, فقد فعلوا تلك المنكرات وفيهم من لم يتب، لذا أقيم عليه الحد مراراً, وفيهم من السابقين والبدريين, فلا ينبغي القول إنّه يجب تقديس من كان يُصرّ على أنْ يشرب الخمر مراراً، بحجّة أنّه من السابقين أو من البدريين!!

ولا ينبغي القول بوجوب تقديس أمثال حسان ومِسْطَح ـ وهو بدري ـ وحمنة، الذين رموا السيدة عائشة بالزنا!!

وقد مرّ أنّ الخليفة عمر أقام الحدّ على ثلاث صحابة؛ لاتهامهم بقذف المغيرة بالزنا, وهم أبو بَكْرَة، ونافع بن الحارث، وشِبْل بن مَعْبَد, وهو يدلّ على أنّ الخليفة عمر لم يكن معتقداً بعدالة جميع الصحابة، فقاعدة عدالة الصحابة لا يمكن التمسك بها على إطلاقها.

قلتم: عدالة الصحابة تعني أنهم لا يكذبون في الشرع

ذكرتم: أن مقصود أهل السنّة من العدالة ليس العصمة، بل كونهم الأمناء على الشرع فلا يكذبون في حديثهم على رسول الله’، أمّا خطؤهم في الاجتهاد فهو مغتفر، فقلتم: «إنَّ العدالة ليس القصد منها (العصمة) من الخطأ... وليس القصد من قولنا بعدالتهم أنَّهم لا يُخطئون، لكن مُرادنا أنَّهم أُمناء على شرع الله عز وجل، ولا يكذبون في حديثهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم».

الجواب

هذا الكلام يجاب عنه بأمور:

أولاً: أنّ عقيدة أهل السنة في الصحابة، بحسب كتبهم ومؤلفاتهم وأدلتهم التي يثبتون بها تلك النظرية، صريحة في تعديلهم جميعاً, وصريحة في كونهم لا يخطئون، فلا يجوز الطعن بهم أو نسبة المنكر إليهم, وهم مأجورون في كلّ عمل يعملوه، خطأً كان أم صواباً, حتّى في مسائل ترتبط بسفك الدم وانتهاك الأعراض, وأنّ الطاعن فيهم مطعون فيه، بل هو زنديق, وهذا الاعتقاد لا يقتصر على الاعتقاد بكونهم أمناء على الشريعة، كما ذكرت، بل يتعدّى ذلك، ولك أن ترى الأدّلة التي تُساق لإثبات عدالتهم, فهي تفوق مسألة كونهم ثقات فقط.

وإنْ شئت قلت: إنّ الموقف العملي عند أهل السنّة هو القول بعصمة الصحابة, وعدم الإذعان والإقرار بصدور أي خطأ منهم، فما دامت قاعدة الاجتهاد والتأويل سارية المفعول، فالصحابي مأجور على كلّ حال, فهو مقدّس وفعله لا يكون إلا عن مصلحة قد تصيب الواقع وقد تخطئ، فالقول عندئذٍ بعدم عصمتهم يكون على المستوى النظري فقط.

ثانياً: ربّ سائل يسأل: إذا كانت الدعوى من عدالتهم جميعاً كونهم مجرد أمناء وثقات في نقل الأحاديث، فلماذا اختلف حالهم عن بقية الثقات في النقل, فإن غيرهم ـ مع كونهم ثقات ـ قد يرتكبون الخطيئة والمعصية، ولا يُبحث عن تأويل لأفعالهم القبيحة, بل يعرضون على قواعد الجرح والتعديل، بينما الأمر مختلف مع الصحابة فمن يتفوّه بطعن بعضهم أو يتكلم في وثاقتهم يتهم بالزندقة.

بل يتبادر للذهن السؤال التالي: لماذا يوجب أهل السنّة طمس ما شجر بين الصحابة وعدم الخوض فيه، كما نقل الذهبي: «كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه لهوى وعصبية لا يُلتفت إليه، بل يُطوى ولا يُروى، كما تقرر الكفّ عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي اللّه عنهم أجمعين...»([52]).

ثالثاً: حتّى لو غضضنا النظر عن الإشكالات السابقة, هناك إشكال واقعي عملي، وهو كيف يمكن توثيق ومعرفة حال الآلاف من الصحابة؟ مع أنّ مجرّد رؤية النبيّ’ لا تحوّل الكذّاب والمنافق إلى ثقة مأمون! ولا تحوّل الضعيف في الحديث إلى إنسان ضابط متقن! كما لا تحول سيئ الحفظ إلى إنسان ذي ذاكرة ليس لها مثيل!!

وإليك بعض الشواهد على مخالفات الصحابة أنفسهم لهذه النظرية:

1ـ الصحابة يكذب بعضهم بعضاً

قد ثبت أنّ الصحابة قدكذّب بعضهم بعضاً، ولم يكونوا يعتقدون أنّ كلّ صحابي أمين في نقله, لا يجب التفحص عنه والبحث عن حاله, ومن نماذج تكذيب بعضهم لبعض:

1ـ تكذيب الخليفة عمر لهشام بن حكيم وقوله له: «كذبت»([53]), حينما كان يقرأ سورة الفرقان على غير الوجه الذي يقرأه الخليفة عمر, وادعاؤه أنّ رسول الله أقرأه هكذا.

وكون الرواية أثبتت أنّ هشاماً لم يكن كاذباً, وأنّ كلا القراءتين صحيحة, لا ينفع في المقام؛ لأنّ الخليفة عمر كان يعتقد أنّ هشاماً كذاب, وهذا يعني أنّه لا يؤمن بقاعدة أنّ كلّ الصحابة أمناء.

2ـ تكذيب سعد بن عبادة لسعد بن معاذ ورميه بالنفاق, ففي البخاري عند الحديث عن حادثة الإفك: «فقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول اللّه، أنا واللّه أعذرك منه, إنْ كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة، وهو سيّد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً لكن احتملته الحميّة، فقال: كذبت لعمر اللّه، واللّه لنقتلنّه، فإنّك منافق تجادل عن المنافقين»([54]).

3ـ تكذيب عروة بن الزبير لابن عباس، بقوله: «كذب ابن عباس»([55]).

4ـ تكذيب السيدة عائشة لمروان وقولها: «كذب والله»([56]).

5ـ تكذيب السيدة عائشة لأبي هريرة وقولها: «كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم»([57]).

هذه بعض الشواهد على تكذيب الصحابة بعضهم البعض، وهذا كله يؤكد حقيقة أنهم لم يعتقدوا بما تذهبون إليه من عدالتهم جميعاً، بل يلزم من هذا المذهب التناقض هنا، فهل أنّ الصحابي في تكذيب صحابي آخر أو تكفيره إيّاه صادق أم لا؟ فإن كان صادقاً ثبت كذب الصحابي الآخر، وان لم يكن صادقاً، فقد ثبت كذبه ولم يكن أميناً، وعلى كلا الأمرين يثبت عدم وثاقة وعدالة جميع الصحابة.

ومع هذا التكذيب كيف يكون الجميع أمناء على الشريعة؟

2ـ الصحابة يكفر بعضهم بعضا

قد ثبت أنّ الصحابة كفّر بعضهم البعض، قال الذهبي: «فبعض الصحابة كفَّر بعضهم بتأويل ما»([58]). ومع هذا التكفير كيف يكونون أمناء على الشريعة؟

كما أنّ القرآن قد صرّح بكفر بعضهم، وقد أشار إلى ذلك محمد بن عبد الوهاب, قال: «الذين قال الله فيهم: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} أما سمعت الله كفّرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون, وكذلك الذين قال الله فيهم: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} فهؤلاء الذين صرح الله فيهم أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) في غزوة تبوك قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح...»([59]).

وعنئذٍ فمع تكفير القرآن لبعضهم كيف يكون الجميع أمناء على الشريعة؟

3ـ بعض أخطاء الصحابة في مسائل الشريعة

كما أنه قد ثبت صدور أخطاء كثيرة منهم وثبت أنه كان بينهم تباغض وتناحر وقتال, قال ابن تيمية: «فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل, واتفقوا على عدم التكفير بذلك, مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي, وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة, وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف, وكذلك لبعضهم في قتال بعض ولعن بعض, وإطلاق تكفير بعض أقوال معروفة»([60]).

والمتأمل يرى أنّ الصحابة كانوا يسيئون فهم كلام النبيّ’ ويخطأون في نقله, ويكفيك في ذلك أنْ ترى كم استدركت السيدة عائشة على الصحابة من الروايات التي نقلوها بصورة غير صحيحة, ولا يخفى أنّ الزركشي قد ألّف كتاباً أسماه (الإجابة لإيراد ما استدركته السيدة عائشة على الصحابة) قد جمع فيه أكثر من مئة مورد خالفت فيه السيدة عائشة الصحابة فيما نقلوه عن النبيّ’، ناسبة ذلك إلى خطئهم أو نسيانهم أو غفلتهم وما شابه ذلك.

ومع هذا الخطأ والنسيان والغفلة كيف يكون الجميع أمناء على الشريعة؟

4 ـ بعض الصحابة يبغضون عليّاً ويسبّونه

قد ثبت أنّ بعض الصحابة كانوا يبغضون عليّاً× ويسبونه ويقاتلونه, وقد اعترف ابن تيمية بذلك حيث قال: «فإن كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبّونه ويقاتلونه»([61]).

فكيف نعدّ هؤلاء أمناء وقد نصّ النبيّ’ على أنّهم منافقون حيث عهد إلى عليّ× كما في صحيح مسلم وغيره: «أنّه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق»([62]). فهل المنافقون أمناء على الدين؟!

5 ـ بعض الصحابة لم يطيعوا النبي ’

كما أنّه قد ثبت أنّ بعض الصحابة لم يأتمروا بأوامر النبيّ’، فكيف يكونون أمناء على الشريعة، وهم بأنفسهم لم يطبقوها وعصوا الله ورسوله فيها؟! ومن أمثلة ذلك:

1ـ عدم طاعتهم للنبي’ في معركة أحد، وعدم ثباتهم في أماكنهم التي أمرهم النبيّ’ أن يثبتوا فيها طمعاً في الغنائم([63]).

2ـ عصيانهم للنبي’ في مسألة الإفطار, حتّى وسمهم النبيّ’ بالعصاة, فعن جابر بن عبد اللّه, أنّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم) خرج عام الفتح إلى مكّة في رمضان, فصام حتّى بلغ كراع الغميم, فصام النّاس، ثمّ دعا بقدح من ماء فرفعه حتّى نظر النّاس إليه ثمّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض النّاس قد صام, فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة»([64]). فمع هذا كيف تفسرون الآيات الواردة فيمن يعص الله ورسوله والتي نعتتهم بالضلال وتوعدتهم بالخلود في نار جهنم([65]).

3ـ عصيانهم للنبي’ في عمرة التمتع, الأمر الذي أدّى إلى غضب رسول الله’ عليهم, فعن السيدة عائشة أنها قالت: «قدم رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس, فدخل عليَّ وهو غضبان, فقلت: من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار؟ قال: أو ما شعرت أنّي أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون»([66]).

وعن البراء بن عازب، قال: «خرج رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وأصحابه, قال: فأحرمنا بالحج، فلمّا قدمنا مكة, قال: اجعلوا حجكم عمرة, قال: فقال الناس: يا رسول الله، قد أحرمنا بالحجّ فكيف نجعلها عمرة!؟ قال: انظروا ما آمركم به فافعلوا، فردوا عليه القول فغضب، ثمّ انطلق حتّى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه, فقالت: من أغضبك أغضبه الله, قال: ومالي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أُتّبع؟»([67]).

قال الذهبي: «هذا حديث صحيح من العوالي»([68]).

قال الهيثمي: «رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح»([69]).

قال حمزة أحمد الزين: «إسناده صحيح»([70]).

4ـ اعتراض الخليفة عمر على النبيّ’ في صلح الحديبيّة, بل شكّه في نبوته’, حيث ورد في صحيح البخاري أنّه جاء إلى النبيّ’ فقال: «ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نَعطي الدنية في ديننا ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا؟ فقال: يا بن الخطّاب، إنّي رسول الله ولن يضيعني الله أبداً، فرجع متغيظاً فلم يصبر حتّى جاء أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: يا ابن الخطاب إنّه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً، فنزلت سورة الفتح»([71]).

وورد في صحيح ابن حبان: «فقال عمر بن الخطاب (رضوان الله عليه): والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) فقلت: ألستَ رسول الله حقّاً؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فَلِمَ نُعطي الدنيّة في ديننا...»([72]).

6ـ الصحابة أحدثوا وغيّروا بعد النبي

كما أنّه قد ثبت أنّ بعض الصحابة أحدثوا وغيّروا وبدّلوا بعد رسول الله’, ودلّت على ذلك أحاديث الحوض، واعترافات بعض الصحابة بذلك, وتقدّم جميع ذلك مفصّلاً, فلا نعيد([73]).

فكيف يكونون ـ مع هذا التغيير والتحريف ـ أُمناء على الشريعة؟ وقد طال التغيير حتّى الصلاة على ما في صحيح البخاري عن الزهري، قال: «دخلت على انس بن مالك بدمشق, وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئاً مما أدركت إلاّ هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعَتْ»([74]).

وأخيراً, نقول: لم يثبت عندنا أنّ الصحابة هم أمناء الله على شرعه, ولم يثبت كونهم الطريق المنحصر لمعرفة شرع الله ودينه, بل الثابت على ما في الروايات الصحيحة عند الفريقين، أنّ أمناء الله على شرعه وحججه على عباده هم أهل البيت^ كما يشير إلى ذلك حديث الثقلين وحديث الاثني عشر خليفة وغير ذلك مما ثبت صحته عند الفريقين, فلا يلزم من القدح ببعض الصحابة سدّ باب معرفة الدين وضياع الشريعة, فإن الله نصّب على لسان نبيه أوصياء وخلفاء يقومون مقامه في حفظ الدين والذود عنه.

فَتَخَيُّلِ أنّ القدح ببعض الصحابة موجب لضياع الدين وهدمه هو نتيجة ابتعادكم عن توجيهات النبيّ الأكرم’ في اتّباع أهل بيته من بعده, أمّا لو عملتم بوصايا النبيّ’ واتّبعتم توجيهاته لرأيتم وعرفتم أنّ منبع الشريعة إنّما يُستقى من أهل البيت^, لكن أنّى لكم ذلك مع التقديس لمن أبغضهم وسبّهم وسفك دماءهم وسبى نساءهم؟

قلتم: عدد العصاة من الصحابة نادر جدا

ذكرتم: أنّ عدد الزناة وشرّاب الخمر والسرّاق نادر جداً لا يتناسب مع هذا التضخيم الذي لا يليق بالباحث المحقق، فقلتم: «كم عدد الذين زنوا في عهد الخلفاء وأقاموا عليهم الحد؟ وكم منهم يا تُرى شرب الخمر وسرق؟ إنَّ هذا الكلام يُوحي بأنَّ الزُناة والسرّاق وشاربي الخمر كانوا بالمئات!! وهذا أسلوب لا يليق بباحث محقق؟!...إنَّ العدد لا يتجاوز أصابع اليد».

الجواب

أولاً: لا نتفق معك في كون عددهم نادراً كما وصفت! كيف ذلك وقد ذكرنا لك قبل قليل نماذج ممن أقيم عليهم الحدّ, ومنهم من البدريين والسابقين في الإسلام, كما ذكرنا لك عدّة مخالفات للصحابة، وأثبتنا عدم طاعتهم للنبي’. لكن مع كل ذلك، فعقيدتنا أنّ هناك الكثير من الصحابة من الرعيل الأول قد جاهد وقاتل في سبيل الله وبذل الغالي والنفيس في سبيل الدين والإسلام.

وبهذا يكون قولك: إنّ الشيعة على قولين في الصحابة بين التفسيق والتكفير, هو من القول الباطل, وهو الذي لا يليق بالباحث.

ثانياً: يكفي في صدق دعوانا على عدم صحّة نظرية عدالة الصحابة أجمع، وجود عدد ممن انحرفوا عن الجادة المستقيمة وإنْ كانوا قليلاً, فأنتم تدّعون عدالة جميع الصحابة, ويكفي لهدم هذه القاعدة ثبوت عدد من الفساق المتجاهرين بالخمر والمعاصي من الصحابة, وقد وافيناك بجملة من مخالفات الصحابة فيما تقدم، فلا نعيد.

قلتم: من عصى من الصحابة فقد تاب من ذلك

ذكرتم: أنّ من يقترف ذنباً من الصحابة يتوب إلى الله تعالى، ومن تاب تاب الله عليه، فقلتم: «إنَّ من وقع في معصية ثمَّ تاب منها، تاب الله عليه، ولا يُعَيَّر بمعصيته؛ فإن التوبة تجبُّ ما قبلها».

الجواب

ممّا لاشكّ فيه أنّ من تاب فقد تاب الله عليه، وهذا من رحمة الله تعالى بنا, ولكن أنّى لنا إثبات توبة كلّ من عصى وخالف من الصحابة كالذين مر ذكرهم؟ فهناك مثلاً من جلد بالخمر أربع أو خمس مرات, إلا أنْ تقول بحتمية توبتهم؛ لكونهم عدولاً، وهذا كما ترى استدلال خاطئ ويتضمن الدور المنطقي الباطل؛ لأنّ ثبوت توبتهم متوقف على الإيمان بعدالتهم، والإيمان كذلك متوقف على ثبوت توبتهم.

وهذا الخطأ في الاستدلال نشعر به في بحوثكم، فكثيراً ما تجعلون من الإشكال ذات الجواب.

قلتم: لقد أثنى النبي على خالد بن الوليد

ذكرتم في ص98 جواباً على سؤالنا: «ما هو المراد من الاجتهاد والتأويل الذي يبرر صاحبه فيما يرتكبه من المخالفات للكتاب والسنة, كما في قضية خال بن الوليد في قتل مالك بن نويرة وأبي الغادية في قتل عمار؟» فأجبتم بما حاصله:

أولاً: «لقد أثنى النبيّ على خالد بن الوليد, ووصفه بأنّه سيف من سيوف الله» ثمّ أيّدتم ذلك برواية البخاري.

ثانياً: «خالد بن الوليد سيف الله المسلول هو الذي حارب المرتدين حتّى أعادهم إلى الإسلام...».

الجواب

أولاً: أنّك قد تجنبت الجواب عن السؤال المهم في المسألة، فلم تبين المراد من الاجتهاد والتأويل الذي يبرر الفعل الخاطئ لصاحبه، وكيف يبرر ذلك التأويل حتّى خطيئة قتل المسلمين وانتهاك أعراضهم ونهب أموالهم؟

فمتى كانت نفوس المسلمين رخيصة لهذا الحدّ؟ ومتى كانت أعراضهم تحت طائلة الاجتهاد والتأويل؟

وسوف نحيل الكلام عن هذا الموضوع المهم إلى المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.









عدالة الصحابة
ونظرية الاجتهاد والتأويل


كلام في الاجتهاد والتأويل عند أهل السنة

لم تكن ضوابط ما يسمّى بالاجتهاد والتأويل ـ عند أهل السنّة ـ واضحة, بل هي عائمة مجهولة، فلم تكن ثمّة قواعد تشخّص حالات العمد من غيره الذي يصحّ معه ذلك التأويل, فهل مثل الجرائم الكبرى كالقتل والزنا يشملها قانون الاجتهاد والـتأويل حين تصدر من صحابي؟ أم أنّه منحصرٌ في غير ذلك؟ وما هو معنى الاجتهاد, وما هو معنى التأويل؟ وغير ذلك من التساؤلات الحاضرة التي بحاجة إلى جواب واضح فيما يتعلّق بهذه المسألة.

إنّ أصل الاجتهاد مأخوذ من بذل الجهد والوسع للوصول لحقيقة الحكم الشرعي، حينما يكون الموضوع من المواضيع التي يعزّ فيها الدليل الشرعي، أو التي يبدو فيه الدليل غامضاً، أو هناك تعارض واختلاف في الأدلّة، فينبغي للعالم حينئذ أنْ يبذل وسعه ويستخدم الآليات التي حدّدها له الشارع للوصول إلى الحق والواقع، مع كامل ورعه وتقواه واستعانته باللّه تعالى، فبعد كلّ هذا إنْ أصاب فله أجران: أجر على جهده وأجر على أصابته للواقع، وأمّا لو أخطأ فيؤجر أيضاً لكن مرة واحدة على ما بذله من جدّ واجتهاد في البحث عن الحقّ، هذا ما نفهمه نحن من أنّ المجتهد يؤجر حتّى في خطئه.

وأما إذا كان الاجتهاد في مقابل نصّ صريح أو إجماع الأمة أو أهل الحل والعقد، أو كان الاجتهاد مبنياً على متابعة هوى نفسٍ أو تحقيقاً لمآرب شخصية أو دنيوية، فهذه الأنواع من الاجتهادات لا يمكن أن تكون مرضيّة عند اللّه سبحانه، ولا يستحق فاعلها الأجر من اللّه سبحانه، وحاشا للّه سبحانه أنْ يفعل ذلك.

وهذا ما يراه بعض كبار علماء أهل السنّة كالمناوي، قال: «فإن قلت: كيف تدخل العالم زلّته النار مع أنّه مأجور على اجتهاده وإنْ أخطأ؟... قلت: الزلّة والغلط تارة تقع عن تقصير في الاجتهاد وفاعل ذلك غير مأجور، بل مأزور، وتارة تقع عن اجتهاد تام، لكن وقع فيه الغلط في استحلال محرم، أو تحريم حلال، أو ترك واجب بتأويل، وهو نفس الأمر خطأ، فهذا يؤجر على اجتهاده ولا يعاقب على زلته»([75]).

إلاّ أنّ الكثير من علماء السنّة قد فتحوا الباب واسعاً في هذا المضمار، فأدخلوا كلّ أنواع الاجتهاد في ضمن الاجتهاد المرضي عند اللّه سبحانه، حتّى صار من يخالف نصّاً صريحاً أو إجماعاً، مجتهداً مأجوراً على اجتهاده!! بل حتّى من يشقّ عصا الطاعة للخليفة الشرعي الذي اختاره المسلمون وبايعوه ـ وفق نظرية الشورى ـ ويجيّش الجيوش لحربه فيقتل في ذلك آلاف المسلمين ويهلك الحرث والنسل، يعتبر هذا مجتهداً معذوراً يؤجره اللّه على ذلك، بل من يزني ويقتل ويشرب الخمر هو مجتهد متأوّل!!

وهذا في الحقيقة نوع تفريغ لمحتوى قانون العقوبة والوعيد الإلهي، ثمّ إنّ هذا القانون لم يسر على الجميع بنفس التطبيق، بل حصلت هناك انتقائية وتمييز واضح، فأُخرج من أريد إخراجه من طائلة الذمّ والعقوبة ببركة قاعدة الاجتهاد والتأويل، وأما البقية فلم يشمله امتياز هذا القانون فأضحى مذنباً مخطئاً يستحق العقوبة والعذاب ولا يشفع له اجتهاده وإن كان صحيحاً مبنياً على ضوابط شرعية.

ولم يتمكن علماء أهل السنة ـ بعد فتح هذا الباب ـ من تحديد الضوابط العامّة لهذه المسألة المهمّة حتّى أحيط بها الغموض والضبابية إلى حدّ كبير، ولعلّ هذا هو السبب في أنّ الدكتور الغامدي قد نأى بنفسه عن الخوض في تفاصيلها.

موقف الصحابي خالد بن الوليد

الأمر الثاني: أنّ ذكرنا لخالد بن الوليد وأبي الغادية كان من باب المثال لا الحصر، وإلا فهناك الكثير غيرهم ممّن ارتكب أخطاءً جسيمة، وقد شفع لهم قانون الاجتهاد والتأويل.

وحيث إنّك أوليت أمر هذين الصحابيين خصوصية وأجهدت نفسك في الدفاع عنهما، فلا بأس أن ننساق معك فيما يتعلق بهما بالخصوص، فنقول:

1ـ نحن لا نسلم معك بأن النبيّ’ قد وصف خالداً بأنّه سيف من سيوف الله! فهذا قد أثبتته رواياتكم، فليس ما يذكره البخاري ومسلم بحجة عندنا، كما أنّ ما في الكافي وغيره ليس بحجة عندكم.

ويقوى عدم الاعتبار للوصف المذكور إذا نظرنا إلى الواقع التاريخي لخالد, فهو لا ينسجم مع كونه سيفاً من سيوف الله، فإن قتله لبني جُذيمة بعد إسلامهم، وقتله لأسرائهم لا يتناسب مع هذه الدعوى؛ ولذا تبرأ النبيّ’ من فعله بعد هذه الحادثة، فقال: «اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد»([76]).

ولم تنته القضية بذلك، بل تابعها بفعل فظيع حينما قتل الصحابي مالك بن نويرة، ونزا على زوجته في القصة المعروفة.

كلّ هذا يوجب الريبة والشكّ فيما رواه البخاري، ويزعزع الاعتقاد بالوصف الذي نُسِب لخالد.

2ـ لو سلّمنا أنّ النبيّ’ قد امتدحه في تلك الفترة بأنّه سيف الله، لكن هذا لا يلزم منه صحّة وتبرير جميع أفعاله ومواقفه اللاحقة([77])، كيف ذلك والله تعالى يقول: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} ويقول تعالى: {كلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}([78]).

وما صنعه خالد بمالك بن نويرة ونزوه على زوجته يُعدُّ من أبشع الأفعال التي صدرت ممّن كان مصاحباً للنبي’، وهو يكشف لنا بوضوح حقيقة ما فعله في حياة النبيّ’ حين قتل مسلمي بني جذيمة, الأمر الذي استدعى النبيّ أن يتبرأ مما فعله، ويكشف حقيقة الدوافع التي كانت تبعثه على القتال، خصوصاً بعد ملاحظة بعض الشواهد التاريخية التي تثبت تمرده على أوامر الخليفة أبي بكر والخليفة عمر:

فمثلاً نجد حالة التمرد واضحة حينما طلب الخليفة عمر يوماً من الخليفة أبي بكر أن يكتب إلى خالد بأن لا يعطي شاة ولا بعيراً إلا بأمره: أي بأمر أبي بكر، فكتب أبو بكر بذلك، فأجاب خالد قائلاً: «إما أن تدعني وعملي وإلا فشأنك بعملك...»([79]) وكذا كتب إليه عمر فأجابه بمثل ما كتب إلى أبي بكر([80]).

على أننا لو عرضنا سيرة خالد بن الوليد على أي شخص غير مشبع الذهن بأفكار مسبقة تضفي عليه العصمة، وذكرنا له سيرته مع النبيّ’ وما ارتكبه من أخطاء جسيمة ومؤلمة لحَكَم على خالد بأنّه خلاف نهج النبيّ’.

فيتضح بهذا أنّ ما ذكرتموه من محاربته للمرتدين وغير ذلك، غير نافع في المقام.

قلتم: لا ينبغي التعويل على الروايات التي تطعن بخالد

قولك ص99: «إن الروايات التاريخية مختلفة في بيان الحقيقة؛ ولذلك لا ينبغي التعويل على تلك الروايات التي تشنّع عليه دون الروايات التي تبرر عمله، فقد ورد في الروايات التي تبرّر عمله ما يلي: قال ابن كثير: ويقال: بل استدعى خالد مالك بن نويرة, فأنّبهُ على ما صدر منه من متابعة سجاح، وعلى منعه الزكاة, وقال: ألم تعلم أنّها قرينة الصلاة؟ قال مالك: إنّ صاحبكم ـ أي رسول الله ـ كان يزعم ذلك! فقال: أهو صاحبنا وليس صاحبك؟ يا ضرار اضرب عنقه, فضُربت عنقه».

الجواب

نقول: لا يخلو هذا التبرير من غرابة، فكيف يراد ترك التمسك بالثابت المعتبر والاعتماد على معارض له منقول بلفظ القيل، تلك اللفظة التي تساق للإشعار بالتمريض والتضعيف عادة, وكيف تترك ما تبناه وجزم به علماء التاريخ وتتمسك بالضعيف المتروك؟

وهلمّ معي لنرى ما يقوله ابن الأثير في الحادثة، وكيف يستنبط منها أنّ مالكاً كان مسلماً؛ لتعرف بذلك صحة تلك الحادثة ولزوم تقديمها على غيرها من النقولات:

قال ابن الأثير: «فلما توفي النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) وارتدت العرب، وظهرت سجاح، وادّعت النبوّة، صالحها إلا أنّه لم تظهر عنه ردّة وأقام بالبطاح. فلمّا فرغ خالد من بني أسد وغطفان سار إلى مالك وقدم البطاح فلم يجد به أحداً, كان مالك قد فرقهم ونهاهم عن الاجتماع. فلما قدم خالد البطاح بثّ سراياه فأتي بمالك بن نويرة ونفرٌ من قومه. فاختلفت السرية فيهم، وكان فيهم أبو قتادة، وكان فيمن شهد أنّهم أذّنوا وأقاموا وصلّوا. فحبسهم في ليلة باردة, وأمر خالد فنادى: أدفئوا أسراكم ـ وهي في لغة كنانة القتل ـ فقتلوهم، فسمع خالد الواعية، فخرج وقد قتلوا، فتزوج خالد امرأته، فقال عمر لأبي بكر: سيف خالد فيه رهق! وأكثر عليه, فقال أبو بكر: تأوّل فأخطأ. ولا أشيم سيفاً سلّه الله على المشركين. وودّى مالكاً، وقدم خالد على أبي بكر فقال له عمر: يا عدو الله قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على امرأته لأرجمنك».

ثم قال: «فهذا جميعه ذكره الطبري وغيره من الأئمّة، ويدلّ على أنّه لم يرتد. وقد ذكروا في الصحابة أبعد من هذا، فتركهم هذا عجب. وقد اختلف في ردته, وعمر يقول لخالد: قتلت امرءاً مسلماً. وأبو قتادة يشهد أنّهم أذّنوا وصلّوا، وأبو بكر يردّ السبي ويعطى ديّة مالك في بيت المال. فهذا جميعه يدلّ على أنّه مسلم»([81]).

وهناك نقولات تاريخية أخرى للحادثة وإن اختلفت في بعض جزئياتها مع ما تقدم، إلا أنّها تتفق معها في كون مالك وأصحابه كانوا مسلمين بلا شك، بل صرّحت بعض النصوص بأنهم أخبروا خالداً وأصحابه بإسلامهم, كما صرحت بعض الأخبار بأن أبا بكر حين سمع بذلك جزع جزعاً شديداً, فدفع الدية وردّ السبي والمال([82]).

ثم إنه على فرض معارضة ما ذكرت لتلك الحادثة فإن في الحادثة ما يشين لخالد أيضاً لكنك اقتطعته ولم تذكره، فقد جاء فيه: «وأمر برأسه فجعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدراً، فأكل منها خالد تلك الليلة؛ ليرهب بذلك الأعراب من المرتدة وغيرهم»([83]).

وهذا كما ترى ـ مضافاً إلى بشاعة المشهد ووحشته ـ يعدّ نوعاً من أنواع التمثيل قد نهى عنه الشرع الحنيف([84])، وهو فعل يتجنبه من يمتثل الأخلاق والقيم السامية التي جاء بها الإسلام, فهل تأول خالد في هذه الحادثة أيضاً؟ وهل كان جاهلاً إلى هذا الحد بأوضح مسائل الشرع الحنيف؟!

قلتم: تبرأ النبي مما فعله خالد لكن لم يعزله

قلتم في (ص99): «خالد بن الوليد قائد أمَّره النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم في حياته، وقد وقع منه خطأ في عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، فتبرّأ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من فعله، ولم يعزله، وذلك قرينة على أنّ القائد قد يُخطئ، ولا يستوجب ذلك عزله إذا كان يحتاجه الجهاد في سبيل الله عز وجل».

ثم ذكرتم رواية البخاري: «أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم بعث خالد بن الوليد إلى بني جُذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا. فجعل خالد يقتل منهم ويأسر...فرفع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يديه, فقال: اللهم إنِّي أبرأ إليك ممَّا صنع خالد. (مرتين)، فخالد هنا قتل قوماً أعلنوا إسلامهم بلفظ غير لفظ الإسلام، وعندما علم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يرضَ صنيعه، وتبرَّأ من عمله، ومع ذلك لم يعزله؛ بل كان يولّيه بعد ذلك».

ثم تساءلتم: «فما هو قولك في عدم عقابه وعدم عزله، أتنتقد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كذلك، أم تسكت، أم تؤمن بأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يعاقب خالداً لأنه اجتهد فأخطأ؟!».

الجواب

نقول: هذا الكلام أكثر غرابة من سابقه، فإن النبيّ’ أظهر بشكل صريح امتعاضه وعدم رضاه ممّا فعل خالد، وشكاه إلى الله تعالى، وتبرّأ من فعله، كما ينقل لنا البخاري أن النبيّ’ قد رفع يده إلى السماء قائلا: «اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد (مرتين)»([85]).

وهذا يكشف عن عظيم المرارة والألم الذي حلّ برسول الله’ نتيجة فعل خالد، وهو كما ترى لا ينسجم مع مقولة أنّ النبيّ’ كان يرى خالداً قد اجتهد فأخطأ في فعلته القبيحة، وإلا لكان موقف النبيّ قد تجسّد بشكل آخر ولاعتذر له أمام الله, ولبيّن أمام الناس أنّ خالداً كان هدفه رضا الله، لكنّه اجتهد فاخطأ، بل كان كلامه صريحاً في ذمّه له، ثمّ إنّ التاريخ لم يحدّثنا بتوبة خالد، ولا بندامته على فعله، ولا اعتذاره لرسول الله، مع أنّه قد تناهى إلى سمعه ما قاله النبيّ’، فكان الأجدر به أنْ يقف بين يدي النبيّ’ خاضعاً معتذراً نادماً على ما فرطه في جنب الله.

ثم كيف نُبرّر فعله بالتأويل، مع أنّ النصوص التاريخية تؤكّد أنّ النبيّ’ إنّما أرسله مُبلغاً وداعياً لا مقاتلاً([86])؟ فكيف جاز له أن يتأول ويخالف ما أمره رسول الله به, متأثراً بالجاهلية ورواسبها، فهناك من الشواهد ما يؤكد أن ما فعله إنّما كان ثأراً لعمّه الفاكه بن المغيرة الذي قتله بني جذيم في الجاهلية، فقد روى لنا التاريخ أنّ الفاكه بن المغيرة (عمّ خالد بن الوليد) كان قد خرج في تجارةٍ يوماً مع رفقة جماعة, منهم: عوف بن عبد عوف بن حارث بن زهرة, وابنه عبد الرحمن بن عوف, وعفان بن أبي العاص بن أميّة, واتّفق أنْ صادفوا في رحلتهم شخصاً هالكاً في اليمن من بني جذيمة, وكان معه مالٌ, فحملوا ذلك المال؛ بغية إيصاله إلى ورثته, لكن قبل أنْ يوصلوا المال ادعّى رجل من جذيمة يقال له خالد بن هشام: أنّ هذا المال له, فطلب ذلك المال لكنّهم رفضوا إعطاءه, فقاتلهم بمن معه من أصحابه في أرض بني جذيمة, وقد قتل في هذا النزاع الفاكه (عم خالد بن الوليد) وكذلك عوف ابن عوف, وأصابوا مال الفاكه بن المغيرة، ومال عوف بن عبد عوف وانطلقوا به, وقد قَتَل عبد الرحمن بن عوف قاتل أبيه, وتهيّأت قريش لغزو بني جذيمة، فقالت بنو جذيمة: ما كان مصاب أصحابكم عن ملأ منّا، إنّما عدا عليهم قوم بجهالة، فأصابوهم ولم نعلم، فنحن نعقل لكم ما كان لكم قبلنا من دم أو مال، فقبلت قريش ذلك، ووضعوا الحرب([87]).

هذه الوثيقة التاريخية تفسّر لنا حقيقة الحوار الذي دار ـ فيما بعد ـ بين عبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد، حينما قال عبد الرحمن لخالد: «عملت بأمر الجاهلية في الإسلام. فقال: إنّما ثأرتَ بأبيك، فقال عبد الرحمن: كذبت، قد قتلت قاتل أبي، ولكنك ثأرت بعمّك الفاكه بن المغيرة، حتّى كان بينهما شر, فبلغ ذلك رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، فقال: مهلاً يا خالد، دع عنك أصحابي، فو الله لو كان لك أُحد ذهباً ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته»([88]).

وهذا الحوار يدلّ على أنّ فعل خالد كان بعيداً عن التأويل، بل لا يمت إلى الإسلام بصلة، وإنّما هي مسألة ثأرية تتعلّق بما فعله بني جذيم بعمه, وبإمكاننا أنْ نفهم بوضوح حينئذ معنى قول النبيّ’ لعلي× حينما أرسله لإصلاح ما عمله ابن الوليد في بني جذيمة، حيث قال له: «يا عليّ, اخرج إلى هؤلاء القوم وانظر في أمرهم, واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك»([89]).

ومن الواضح أنّ قوله’ كان تعريضاً بفعل خالد وتأكيداً على أنّه كان من فعل الجاهلية, فأيُّ تأويل واجتهاد بعد هذا كله؟!

ثمّ إنّ بعض الصحابة في زمن النبيّ’ ممّن كان مع خالد في قضية ـ بني جذيمة ـ قد اعترضوا وأنكروا عليه فعلته, منهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب وسالم مولى بني حذيفة حيث اشتدت مراجعتهما إليه، لكنّه لم يصغ لهما ولم يتأمّل فيما قالاه ولم يعط سبباً لفعلته التي يُزعم أنّه قد تأوّل فيها، بل نجده قد زجر عبد الله بن عمر وأسكته([90]).

ولم يعتبر خالد من هذه الحادثة, بل كرّر نفس الفعل في قصّة مالك بن نويرة، ويا ليته اكتفى بذلك, بل زنا بزوجته في ليلة قتله, فإذا كان متأولاً فأخطأ, أفلم يكن الأجدر أن يقف على هذا الحد ولا يتجاوز إلى ما هو أشنع وأفظع؟

ولكن أبت نفسه المنغمسة في حب النكاح والنساء الحسناوات([91]) أن تترك صيداً ثميناً في نظره مثل زوجة مالك، لذلك كتب إليه أبو بكر ما نصه: «لعمري يا بن أمّ خالد، إنّك لفارغ تنكح النساء، وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجفف بعد...»([92]).

ولعلّ ملاحظة سيرة خالد من خلال هذه النصوص التاريخية، والتأمّل في موقف النبيّ ’ من فعله وتبرأه منه؛ يفسر لنا موقف الخليفة الثاني المتشنج من خالد، الرافض لاعتبار ما فعله اجتهاداً وتأولاً، وكلامه مشعر بذلك، انظر قوله: «سيف خالد فيه رهق([93])»([94]). و«يا عدو الله قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على امرأته لأرجمنّك»([95]).

وهب أنّه يمكن التأويل في قتل ابن نويرة، فما بالك في مسألة نزوه على زوجته التي لا يمكن أن تبرر بالتأويل مطلقاً، فلا يجوز نكاح المرأة التي قتل زوجها إلا من بعد انقضاء عدتها، حتّى لو افترضنا ردّته, فإنه يجب على المرأة التريث والاستبراء فترة زمنية، فما فعله لا يعدو الزنا المحرّم، وموقف الخليفة عمر بضرورة معاقبة خالد؛ لأنّه قتل وزنا، موقف صريح في تحقق الزنا منه عامداً عالماً بذلك.

أضف إلى ذلك، أنّ فعله كان مما تستهجنه العرب، حيث كانوا يكرهون تزويج النساء أيام الحرب، والغريب أنّ الخليفة أبا بكر سكت عن قتل خالد للمسلمين, بينما نجده قد عنّفه في النكاح الذي كانت تعيبه العرب وتكرهه أيام الحرب([96])!!

فيكون خالد بفعلته هذه غير مراع للحكم الشرعي, ولا العرف الاجتماعي السائد في عصره.

أمّا لماذا لم يعاقبه النبي’، بل ولاه ثانياً، فهناك بلا شك، ظروف قاهرة ومصالح خفيّة أدركها الرسول الأكرم’, قد حالت دون اتّخاذ موقف يخص العزل, ورسول الله مسدّد من السماء والوحي ومطّلع على بواطن الأمور وأسرارها, فلا يستلزم من عدم عزله ومعاقبته أنّ النبيّ ’ كان يراه صالحاً وأنّ ما فعله كان اجتهاداً منه وتأويلاً, خصوصاً بعد أنْ بيّن براءته من فعله, فسكوته وإبقاء خالد في منصبه كان لمصالح يقدّرها رسول الله’, ولا أخالك تجهل ما أخرجه البخاري في صحيحه من قول النبيّ’: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»([97]).

ويوشك ابن تيمية في فتاويه أنْ يُصرّح بذلك، على استحياء، وأنّ ما فعله خالد كان نوعاً من الفجور والخطيئة، فتراه يؤول فعله بالاجتهاد الخاطئ في عبارة يشوبها الحياء والخجل، قال في فتاويه: «فالواجب في كلّ ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعيّن رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قُدّم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلّهما ضرراً فيها، فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوى الشجاع وإنْ كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أميناً، كما سئل الامام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوى فاجر والآخر صالح ضعيف مع أيهما يُغزى؟

 فقال: أمّا الفاجر القوى فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر، وقد قال النبيّ: >إنّ الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر< وروى: >بأقوام لا خلاق لهم< وإن لم يكن فاجراً كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده.

ولهذا كان النبيّ يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم, وقال: «إنّ خالداً سيف سله الله على المشركين<، مع أنّه أحياناً قد كان يعمل ما ينكره النبيّ، حتّى إنه مرة قام ثم رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا فعل خالد<، لمّا أرسله إلى بني جُذيمة فقتلهم، وأخذ أموالهم، بنوع شبهة، ولم يكن يجوز ذلك، وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة، حتّى ودّاهم النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) وضمن أموالهم، ومع هذا، فما زال يُقدّمه في إمارة الحرب؛ لأنّه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وفعل ما فعل بنوع تأويل»‍([98]).

فكلام ابن تيمية يكاد يكون صريحاً وواضحاً في أنّ بقاء خالد لا يدلّ على صلاحه، بل لقوته وشجاعته, فلا تنافي حينئذ.

إلى هنا تمّ الكلام عن خالد وما فعله.

موقف الصحابي أبي الغادية الجهني

لقد حاولتَ تصحيح أو تبرير الفعل القبيح لأبي الغادية، الذي قتل الصحابي الجليل عماراً! والذي صرح النبيّ’ بأن الفئة الباغية هل التي ستقتله، وجاءت تبريراتكم تلك ضعيفة هزيلة يرفضها العقل المنصف الذي لا يعيش على الأوهام.

قلتم: ابو الغادية كان باغياً مـتأولاً فيرجى له المغفرة

وملخص ما ذكرتموه في ص 101 في تبرير موقف أبي الغادية الجهني, كون أبي الغادية كان ضمن جيش معاوية، وكل من شارك في ذلك الجيش ضد الإمام علي× كان متأولاً فيرجى لهم المغفرة, فهم ليسوا بكفار، بل كانوا بغاة؛ اعتماداً على ما نص به النبيّ’: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية»، والبغي لا يخرج أحد الفريقين عن الإسلام؛ لقوله تعالى:{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فإن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي}([99]).

ثم قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}([100]) فَوَصَفَهُما بالأخوة مع إطلاقه لفظ البغي عليهما, وبهذا يفهم أن البغي لا يتنافى مع بقاء الإيمان، نعم يجب قتال الباغين.

ثم قلتم في ص102: «فقاتلُ المؤمن عن عمد متوعّدٌ بالنار, إذا كان ليس له في ذلك شبهة، وهؤلاء أظهروا المطالبة بدم الخليفة الراشد الذي قُتِل مظلوماً رضي الله عنه، فإن كان باطن أمرهم كظاهره، فهم متأولون، ونحن ليس لنا إلا الظاهر، وإنْ كان غير ذلك؛ فالله يتولى السرائر يوم تُبْلى السرائر».

الجواب

نقول: كلامكم يعتمد على أمرين أساسين:

الأول: أنّ أبا الغادية ـ وكلّ من كان في جيش معاوية ـ مخطئون، لكنّ خطأهم انساق وفق تأويلهم، ومَنْ كان متأولاً لا يستحق دخول النار.

الثاني: إنّ البغاة ليسوا كفاراً؛ لأن النصوص فرّقت بين الباغي والكافر.

ولنبدأ بمناقشة الأمر الثاني، فنقول: نحن لم ندّع أنّ البغاة كفار، بل كلامنا كان منصباً حول الاجتهاد والتأويل الذي يبرر فعل صاحبه، ولم نجد منكم جواباً لذلك, فإقحامكم مسألة التكفير هنا بلا موجب، إذ لم نتعرض له في كلامنا.

أمّا فيما يخص الأمر الأول المتعلق بكون معاوية وأصحابه قد كانوا متأولين ولا يدخلون النار, فيرد عليها عدة أمور:

الأول: إنّ النبيّ’ قد نصّ بشكل صريح على أنّ قاتل عمّار وسالبه في النار، وهذا يعني أن لا مجال للتأويل هاهنا مع هذا التصريح؛ فيكشف أنّ قتل عمار كان عن عمد وإصرار، وليس عن شبهة، كما قيل, والحديث قد أخرجه ابن سعد وأحمد والحاكم والطبراني وغيرهم([101]).

قال الهيثمي: «رجال أحمد ثقات»([102]).

وقال الألباني: «هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم»([103]).

وقال شعيب الارنؤوط: >إسناده قوي<([104]).

فحينئذ لامناص من القول بأن أبا الغادية الجهني في النار؛ تصديقاً منّا بقول رسول الله’, فيكون تأويل فعل أبي الغادية عندئذٍ راجع في حقيقته إلى المكابرة وعدم الإيمان بقول النبيّ’ وردّه, فالرسول’ ينصّ على دخوله النار، وتزعمون أنتم أنه لا يدخل النار؛ لأنه تأوّل فأخطأ!!

ومن هنا نرى أنّ الشيخ الألباني أقرّ بأنّ أبا الغادية في النار؛ التزاماً منه بنصّ النبيّ’؛ ولهذا قد تخلّى عن قاعدة التأويل والاجتهاد هاهنا، معللاً ذلك بمخالفتها في المقام للنص الصريح, فقال بعد أنّ صحح الخبر أعلاه: «وأبو الغادية هو الجهني, وهو صحابي كما أثبت ذلك جمع، وقد قال الحافظ في آخر ترجمته من الإصابة بعد أن ساق الحديث: وجزم ابن معين بأنّه قاتل عمار, والظنّ بالصحابة في تلك الحروب أنّهم كانوا فيها متأولين، وللمجتهد المخطئ أجر، وإذا ثبت هذا في حق آحاد الناس، فثبوته للصحابة بالطريق الأولى.

وأقول: هذا حق، لكن تطبيقه على كلّ فرد من أفرادهم مشكل؛ لأنّه يلزم تناقض القاعدة المذكورة بمثل حديث الترجمة؛ إذ لا يمكن القول بأن أبا غادية القاتل لعمار مأجور؛ لأنه قتله مجتهداً، ورسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، يقول: «قاتل عمار في النار»!

فالصواب أن يقال: إنّ القاعدة صحيحة إلا ما دلّ الدليل القاطع على خلافها، فيستثنى ذلك منها كما هو الشأن هنا، وهذا خير من ضرب الحديث الصحيح بها. والله أعلم»([105]).

فالألباني يعترف بأنّ التأويل في قضية أبي الغادية الجهني غير تام, بينما نجدكم قد أولتم المسألة من دون أدنى التفات إلى الحديث، وهذا يتنافى مع البحث العلمي الذي يبتني على إصدار النتائج بعد ملاحظة جميع الأدلة وضمّ بعضها إلى البعض.

الثاني: لا شكّ في أنّ الخبر([106]) الذي تمسكتم به لإثبات بغي معاوية وجماعته([107])، والذي يقرّر أنّ عمّار تقتله الفئة الباغية، قد صدر من النبيّ’ قبل معركة صفين بفترة طويلة, فهو إخبار غيبي عمّا ستؤول إليه الأمور, وقد أوضح فيه النبيّ’ الطريق السوي والمحجّة البيضاء, وأراد من خلال ذلك تبيين الحقّ وتوضيحه, فلا مجال للشبهة, ولا مُسوّغ حينئذ للاجتهاد والـتأويل مع وجود نص صريح يبيّن الحق ويبيّن الباطل, فكيف يكون معاوية وجماعته مجتهدين والنبيّ’ قد نصّ على المسألة، وأوضح طريق الحق, فكان لزاماً عليهم قبل مقاتلة الخليفة الشرعي أن يتحروا ما قاله النبيّ’ في خصوص عمّار، بل كان يكفيهم في ردعهم عن قتال إمامهم آنذاك تصريح النبيّ’ المتكرر من أنّ علياً مع الحق والحق مع علي، الذي ورد بألسنة وألفاظ شتّى([108]).

فوجود عمار في جيش علي× يستلزم الحذر, فإن كلّ شخص في المعركة هو في معرض القتل, كما أنّ وجود أبي الغادية في جيش معاوية يستلزم الحذر والاحتياط.

فهل غابت عن معاوية كلّ هذه الأمور, ونسي كلمات النبيّ’ وتصريحاته؟ أم هي حرب حيكت خيوطها خلف الستار؛ طلباً للملك والسلطان؟

فلا ندري كيف يسوغ للمسلم الواعي أنْ يدافع عمّن شقّ عصا المسلمين وقتل الآلاف منهم، وأنهك الحكومة الإسلامية آنذاك, وخالف نصوص النبيّ الصريحة, أفيبقى بعد هذا مجال للاجتهاد والتأويل في ذلك!!

الأمر الثالث: لو افترضنا غياب تصريحات النبيّ’ عن ذهن معاوية، وسلّمنا أنّه كان مجتهداً في فعله الذي صدر منه خطأ، فلازم ذلك أنّه حين يطلع على الحقيقة ويطلع على حجم خطئه، يشعر بالندم، ويطلب الاستغفار والتوبة، وهذا ما لم يحصل من معاوية، بل نجده مُصرّاً على ما فعله حتّى حينما ذكّروه بأخبار النبيّ ’ في أنّ عماراً تقتله الفئة الباغية, فقد أخرج عبد الرزاق ـ ومن طريقه أحمد والحاكم ـ عن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال: «لمّا قُتل عمّار بن ياسر، دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص، فقال: قتل عمار، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): تقتله الفئة الباغية، فقام عمرو بن العاص فَزِعاً يرجع حتّى دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما شأنك؟ قال: قُتل عمّار، فقال معاوية: قد قتل عمار فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يقول: تقتله الفئة الباغية، فقال له معاوية: دحضت في بولك، أوَ نحن قتلناه؟ إنّما قتله علي وأصحابه، جاؤوا به حتّى ألقوه بين رماحنا، أو قال: بين سيوفنا»([109]) واللفظ لأحمد.

قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة»، ووافقه الذهبي بأنّه على شرط الشيخين([110]).

وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح»([111]).

ونلاحظ في الرواية استهزاء معاوية وعدم اهتمامه بقتل الصحابة! بحيث إنّ عمرو بن العاص كان فزعاً وجلاً من قتل عمار، بينما نجد معاوية يرد باستهزاء: قد قُتل عمار فماذا؟!

وحين ذكر له عمرو أنّه قد سمع رسول الله, يقول: تقتله الفئة الباغية, أجاب معاوية: أوَ نحن قتلناه، إنّما قتله علي وأصحابه، جاؤوا به حتّى ألقوه بين رماحنا، أو قال: بين سيوفنا!

وهو يكشف عن معرفة معاوية بكلام النبيّ’ في خصوص عمّار؛ لذا فالإجابة كانت مُعدّة منه وجاهزة, ولم ترتعد فرائصه من كلام النبيّ’، ولم يشعر بالندم والتوبة, مع أنّ جوابه أوهن من بيت العنكبوت، فإن لازمه أنّ النبيّ’ قد قتل الكثير من الصحابة؛ حينما زجّ بهم في الحروب الكثيرة ضدّ المشركين والكفّار!!

وعمرو بن العاص على دهائه المعروف عنه، فإنّه لم يُفكّر بهذه الطريقة الغريبة، بل جاء فزعاً من هول الصدمة حينما عرف أنّ عمّاراً قد قتل في المعركة.

وعلى أيّة حال، فإن الغرض من هذا الكلام إثبات أنّ معاوية لم يكن يطلب الحق حتّى يقال إنّه اجتهد فأخطأ، بل كان يعلم أنّه مُخطئ، وقد أصرّ على خطئه, لذا فإن كلّ من وصله حديث: أنّ عمّاراً تقتله الفئة الباغية، عرف من خلالها أنّ معاوية كان على باطل, بينما معاوية رفض ذلك الفهم الواضح من الحديث.

قال المناوي «قال القرطبي: وهذا الحديث من أثبت الأحاديث وأصحّها، ولمّا لم يقدر معاوية على إنكاره، قال: إنّما قتله من أخرجه، فأجابه علي: بأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) إذن قتل حمزة حين أخرجه, قال ابن دحية: وهذا من عليّ إلزام مفحم، لا جواب عنه، وحجّة لا اعتراض عليها، وقال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتاب الإمامة: أجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلمين والمسلمين: أن علياً مصيب في قتاله لأهل صفّين كما هو مصيب في أهل الجمل، وأنّ الذين قاتلوه بغاة ظالمون له، لكن لا يكفرون ببغيهم.

 وقال الإمام أبو منصور في كتاب الفرق في بيان عقيدة أهل السنة: أجمعوا أنّ علياً مصيب في قتاله أهل الجمل طلحة والزبير وعائشة بالبصرة وأهل صفين معاوية وعسكره»([112]).

وقال ابن حجر: «حديث تقتل عماراً الفئة الباغية، رواه جمع من الصحابة، منهم: قتادة، وأم سلمة، وأبو هريرة، وابن عمر، وعثمان، وحذيفة، وأبو أيوب، وأبو رافع، وخزيمة بن ثابت، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأميّة، وأبو اليسر، وعمّار نفسه، وغالب طرقه كلّها صحيحة أو حسنة، وفيه علم من أعلام النبوة، وفضيلة ظاهرة لعليّ وعمار, وردّ على النواصب الزاعمين أنّ علياً لم يكن مصيباً في حروبه»([113]).

وبهذا تمّ الكلام عن أبي الغادية وعن معاوية وأصحابه في يوم صفين، وتبيّن للقارئ المنصف أنّ فعلهم لا يمتّ إلى الاجتهاد والتأويل بأيّ صلة.

قلتم: وقع مثل هذا الاجتهاد الخاطئ لأسامة بن زيد

ذكرتم في في ص100: «قد وقع مثل هذا الاجتهاد الخاطئ من ابن حب النبيّ: أسامة بن زيد بن حارثة, حيث قتل رجلاً بعد أن قال: لا إله إلا الله, فعاتبه النبيّ على ذلك ولم يعاقبه. فما رأيك: أتعترض على عدم عقاب رسول الله له بدعوى أنه اجتهاد يخالف الكتاب السنة؟».

الجواب

نقول: لابدّ أن نلاحظ في مسألة التأويل والاجتهاد التي يقول بها علماء السنة أمرين:

 الأول: أنّ الشخص يتأوّل فعلاً من الأفعال, اعتماداً منه على فهمه الخاص، ثمّ يتبين بعد ذلك أنّ تأويله كان خطأ.

 والثاني: أنّه مع خطئه هذا لا يكون ملاماً ولا يستحق العقاب، بل يكون مثاباً ومأجوراً، لذلك لا يؤثر ما فعله على عدالته وتقواه وتدينه.

فنقول هنا: تقدم منّا أنّ النبيّ لم يسكت عن فعل خالد، بل تبرّأ منه بحالة من اللوعة والأسى، ولم يلتمس النبيّ ’ عذراً عمّا فعله خالد من فعل قبيح, فلم يبين في كلمة من كلماته أن هذا اجتهاد وتأويل وغير ذلك, بل اكتفى بإظهار امتعاضه الشديد.

وهنا أيضاً نلاحظ أنّ النبيّ’ قد انزعج من الفعل المشين الذي قام به أسامة, ولم يَقُل النبيّ’ بأنّه اجتهاد وتأويل, بل إنّ النبيّ’ قد زجره وعنّفه تعنيفاً شديداً إلى حدّ أنّ أسامة تمنّى أنّه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم, فقد جاء في البخاري أنّ النبيّ’ قال: «يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قلت: كان متعوذاً, فما زال يكررها حتّى تمنيت أنّي لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم»([114]).

والنصّ حريٌّ بالتأمل ففيه أكثر من نقطة جديرة بالملاحظة:

الأولى: أنّ النبيّ ’ لم يسكت عن فعل أسامة، بل بيّن خطأه وأبدى امتعاضه منه.

الثانية: أنّ أسامة قد بيّن للنبي’ سبب قتله للرجل، وأنّه كان متعوّذاً من القتل، ولم يكن إسلامه حقيقياً, لكن النبيّ لم يقبل ذلك التبرير، ولم يهتم به, بل راح يردّد بألم: «يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا اله إلا الله»، فما زال يكررها.

 فلو كانت المسألة خاضعة للاجتهاد والتأويل لتطلب ذلك تغييراً في موقف النبيّ’ تجاه الحادثة، ولبيّن أنّه حيث كان متأولاً فلا ضير عليه, بل إنّ الله سيؤجره على ذلك!

الثالثة: أنّ النبيّ’ كان في حالة شديدة من الانزعاج والتعنيف لأسامة، رغم اعتذار أسامة له، وذكره السبب الذي دفعه للقتل, الأمر الذي ولّد ندماً شديداً في نفس أسامة بحيث قال: «تمنيت أنّي لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم»، وليس من البعيد أنّ أسامة قد فهم من تأنيب النبيّ’ له بهذه الحدة أنّ جميع أعماله العبادية صارت في معرض الخطر، وأنّها ستكون هباءً منثوراً، وأنّ ذنبه هذا لا عاصم له بعد اليوم، لذا تمنّى لو أن إعلان إسلامه كان قد تأخر بعد هذه الحادثة؛ لينال المغفرة الالهية، لأنّ الإسلام يجب ما قبله.

فهذه النقاط الثلاث المهمّة التي ذكرناها لا تساعد على القول بأنّ أسامة كان مجتهداً مخطئاً، وأنّه مأجور بفعله هذا، كما زعمت .

 نعم، كون الخطأ قد وقع منهم لشبهة معيّنة، يختلف عن القاعدة التي تقولون بها، والتي تفيد أنّ الصحابة مأجورون على فعلهم مطلقاً؛ معللين ذلك: أنّهم في أسوأ الاحوال قد اجتهدوا فأخطأوا!

على أنّ ما ورد في صحيح مسلم، يكاد يكون صريحاً فيما ذكرناه، من أنّه قد أذنب ذنباً عظيماً بفعلته تلك, فهو يبين أنّ أسامة سوف يعاقب يوم القيامة, بل يُشعِر بأنّ النبيّ رفض الاستغفار له في تلك الحال, فقد جاء في صحيح مسلم: «فدعاه فسأله فقال: لِمَ قتلته؟

 قال: يا رسول الله, أوجع في المسلمين وقتل فلاناً وفلاناً, وسمّى له نفراً، وإنّي حملت عليه، فلمّا رأى السيف، قال: لا إله إلا الله.

 قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): أقتلته؟ قال: نعم. قال: فكيف تصنع بـ(لا إله إلا الله) إذا جاءت يوم القيامة؟

 قال: يا رسول الله استغفر لي. قال: وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟

 قال: فجعل لا يزيده على أنْ يقول: كيف تصنع بـ(لا إله إلا الله) إذا جاءت يوم القيامة»([115]).

فانظر كيف يؤكّد النبيّ’ على حرمة من قال: لا اله إلا الله, وانظر كيف أنّ قلب رسول الله امتلأ حرقة ومرارة لهذه الحادثة, مع أنّ المقتول قد أكثر قتلاً في الصحابة, لكنّها كلمة الإسلام, كلمة التوحيد, الكلمة التي تحقن الدماء، وتصون الأعراض، وتحفظ الاموال، قد صدرت منه, فراح النبيّ’ يكرّرها ويكرّرها، وأسامة يلتمس منه الاستغفار ويبدي له الاعتذار لكن دون جدوى!

 ولم يكن النبيّ متساهلاً ومرناً في الحادثة، ولم يخبر النبيّ’ أنّ أسامة بفعلته هذه كان مجتهداً فأخطأ وله أجر على ذلك! مع أنّ فعل أسامة كان يتقبل ذلك، فإن المقتول كان قبل قتله كافراً وقد أكثر من قتل المسلمين، لكن حينما دنا منه أسامة ليقتله, تلفظ بتلك الكلمة التي حرّمت قتله، فما بالك عندئذ بما فعله خالد ومعاوية وأصحابه الذين تقدّم الكلام عنهم, فلقد كانت كلمة لا اله إلا الله ظاهرة جلية ممّن قتلوهم؟!

 وخلاصة الأمر: أنّ التبرؤ من فعل خالد وزجر أسامة على فعله وعدم الاعتذار لهما أمام الملأ بأنّهما قد اجتهدا, لا يناسب مزاعم مَنْ يقول إنهم كانوا مجتهدين ولهم أجر على كلّ حال, فإن الذي يطلب الحق وفق القواعد والمقدمات الصحيحة لا يكون ملوماً، ولا يوجه له الزجر والتعنيف، ولا يستتبع تأذي النبيّ’ إلى حدٍّ مشبع بالمرارة والألم، وكان من المناسب الإعلان أمام الملا أنّهم متأولون؛ لترتاح بذلك ضمائرهم ووجدانهم؛ وليكون فعلهم مقبولاً للناس.

أمّا لماذا لم يعاقب النبيّ’ أسامة على فعله؟ فهذا من مختصات النبيّ’ ولا يلزم منه القول أنّه كان مجتهداً وأخطأ.

وهناك خلط في كلماتك بين صدور الفعل وصدور الجزاء, فعدم العقوبة والجزاء لا يلزم منه كون الفعل كان صحيحاً, نعم لو سكت النبيّ’ ولم يزجر فاعل الخطأ ولم يُبيّن خطأه، لكان ذلك دالاً على ما تقول، لكن الزجر والعتاب قد حصل.

ثمّ إنّك لم تذكر لنا نوع العقوبة التي قصدتها, فإن كان المقصود عقوبة القصاص الدنيوي وأنّ النبيّ لم يقتص من أسامة, فهو كما تعلم مرتبط بالقتل العمدي للمسلم, بينما أسامة كانت لديه شبهة حقيقية قد ذكرها للنبي’, فاندفع بذلك القصاص عنه, وإنّ الحكم ينتقل حينئذ إلى الدية.

 وإنْ كان المقصود من العقوبة هو زجر النبيّ’ وتوبيخه له، فقد أسلفنا أنّه فعل ذلك, ولم يكن موقفه متّسماً بالسكوت، حتّى أنّ أسامة من شدة ندمه آلى على نفسه أن لا يقاتل مسلماً بعد ذلك([116]).

فمسألة حمل جميع أخطاء الصحابة على أنّها اجتهاد وتأويل, وأنهم مأجورون على كلّ حال، حتّى لو استلزم فعل الكبائر من الذنوب, مخالف لواقع الصحابة والسير التاريخي للأحداث، ويكفي في ذلك أن نعرف أن الصحابة قد قاتل بعضهم بعضاً وكفّر بعضهم بعضاً، وهذا لا ينسجم مع نظرية التأويل والاجتهاد التي تؤمنون بها، فكيف ساغ لأحدهم قتل الآخر أو تكفيره وهو يراه أنه مجتهد فيما ذهب إليه؟

 أفلا يدلل ذلك على أن صفة الاجتهاد هذه قد ألصقت بهم في زمن متأخر؛ لتكون ذريعة لتبرير أفعالهم المنكرة، حتى لا يخدش ذلك في عدالتهم، وبالتالي تتهاوى أساس هذه النظرية.

وعلى هذا طلبنا منكم تقعيد مسألة الاجتهاد والتأويل وتبيين الضوابط لها, لكن لم نرَ منكم استجابة لذلك, وهذا ما يدلل على أنّ القاعدة المذكورة لا أساس لها.

فقاعدة التأول والاجتهاد لكلّ أفعال الصحابة مع مخالفتها لأقوال وأفعال النبيّ’، فهي مخالفة للسير التاريخي, وإنّ ما حدث من وقائع، إنّما هي بعيدة كلّ البعد عن مسألة الاجتهاد والتأويل, وفيما قدّمناه غنى وكفاية لمن طلب الحقّ، وأراد معرفة الحقيقة، والله الموفق لسبيل الهدى والرشاد.

قلتم: وقع أيضا الاجتهاد الخاطئ للإمام علي

قولك ص100: وقع مثل ذلك (يعني الاجتهاد الخاطئ) لعليL فإنه لم يقتل قتلة الخليفة الراشد عثمان بن عفان زوج بنتي رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم), وقد قتل مظلوماً, وهو أعظم وأفضل من ملء الأرض من مالك بن نويرة, ولم نعب عليهL لأنّه كان مجتهداً كأخيه الصديق...

الجواب

قلت: كلامك هذا مرتكز على اعتقادك بأنّ علياً× في مسألة عثمان قد اجتهد فأخطأ؛ لأنّه كان لزاماً عليه أن يقتل قتلة عثمان، لكنّه لم يفعل, وأنّ عثمان قُتل مظلوماً!

بيد أنّ هذا الاعتقاد غير صحيح، وغير مقبول أساساً؛ ولكي يتضح ذلك نتوقف قليلاً مع حادثة قتل الخليفة عثمان، لنتعرف على الظروف التي جعلت صحابة النبيّ’ينتفضون عليه ويقتلونه؛ لينكشف بعد ذلك حقيقة موقف الإمام علي× من تلك الثورة، وبالخصوص من قتلة عثمان:

قتلة عثمان وظروف الثورة بإيجاز

إنّ المتتبع لظروف تلك المرحلة من التاريخ تتّضح عنده خطوط وأبعاد الثورة التي قامت بها الأمّة الإسلامية على الخليفة, فلم تكن الأمّة بكافة أطيافها وبمختلف سكناها راضية عن سياسة الخليفة وطريقته في إدارة دفّة الحكم وتسيير أمور المسلمين, إذ كانوا يرون أنّ الحكم تحول إلى قبيلة بني أميّة خاصة, وأنّ سياسة الفتك والتبعيد هي المتّبعة بوجه كلّ من يعترض على المنهج الخاطئ المتّبع آنذاك, وأنّ ملامح العدالة قد اختفت, فأفضى ذلك إلى حدوث ثورة جماهيرية أودت بحياة الخليفة, ومن ثمّ رموا بجسده في المزبلة([117]) أو الكناسة([118]) لمدّة ثلاثة أيّام، ولم يدفن في مقبرة المسلمين، بل دفنه جماعة فيما بعد بسريّة تامة في حش كوكب([119]).

ولكي تتجلّى الكثير من الحقائق التاريخية المتعلقة بمقتل الخليفة الثالث، ينبغي تسليط الضوء على أربعة محاور:

أربعة محاور في البحث

 المحور الأوّل: ويتناول سياسة عثمان في زمان خلافته.

المحور الثاني: ويتناول تحديد من شارك في قتل الخليفة عثمان.

المحور الثالث: ويتناول بيان موقف بعض الصحابة بعد مقتل عثمان.

المحور الرابع: تقييمنا ورؤيتنا لموقف علي× من الأحداث.

المحور الأول: سياسة عثمان زمان خلافته

أشرنا إلى أنّ الأمّة لم تكن راضية على سياسة عثمان, ويمكن تلخيص أسباب ذلك بعدّة أمور رئيسة وهي:

الأمر الأوّل: قيامه بتولية بني أميّة على رقاب الناس, واستئثارهم بالأموال دون سائر المسلمين:

ومن الشواهد على ذلك: ما أخرجه البلاذري في أنسابه بسنده إلى الزهري, قال: «كان ممّا عابوا على عثمان أنْ عزل سعد بن أبي وقاص، وولى الوليد بن عقبة، وأقطع آل الحَكَم دوراً بناها, واشترى لهم أموالاً، وأعطى مروان بن الحكم خمس إفريقية، وخصّ ناساً من أهله ومن بني أميّة، فقال له الناس: قد ولي هذا الأمر قبلك خليفتان فمنعا هذا المال أنفسهما وأهليهما، فقال: إنّما صنعا ذلك احتساباً, ووصلتُ به احتساباً، فقال له الناس: إنّ أبا بكر استسلف من بيت المال فقضَتهُ عائشة بعد وفاته، واستسلف عمر شيئاً ضمنه عنه عبد الله وحفصة فباعوا سهامه ووفوا عنه، واستسلفتَ من بيت المال خمسمائة ألف درهم وليس عندك لها قضاء، وقال عبد الله بن الأرقم خازن بيت المال وصاحبه: اقبض عنا مفاتيحك، فلم يفعل، وجعل يستسلف ولا يرد، فجاء عبد الله بالمفاتيح هو وصاحبه يوم الجمعة فوضعاها على المنبر, وقالا: هذه مفاتيح بيت مالكم ـ أو قال: مفاتيح خزائنكم ـ ونحن نبرأ إليكم منها، فقبضها عثمان ودفعها إلى زيد بن ثابت.

قال الزهري: وكان في الخزائن سفط فيه حلي، فأخذ منه عثمان، فحلّى به بعض أهله، فأظهروا عند ذلك الطعن عليه، وبلغه ذلك فخطب، فقال: هذا مال الله، أعطيه من شئت، وأمنعه من شئت، فأرغم الله أنف من رغم...<([120]).

وفي البلاذري أيضاً: «وقال أبو مخنف والواقدي في روايتهما: أنكر الناس على عثمان إعطاءه سعيد بن العاص مائة ألف درهم، فكلّمه عليّ والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف في ذلك، فقال: إنّ له قرابة ورحماً، قالوا: أفما كان لأبي بكر وعمر قرابة وذوو رحم؟ فقال: إنّ أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي، قالوا: فهديهما والله أحب إلينا من هديك، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله»([121]).

وفي الاستيعاب عند ترجمة الوليد بن عقبة: «ثمّ ولاه عثمان الكوفة وعزل عنها سعد بن أبي وقاص، فلمّا قدم الوليد على سعد، قال له سعد: والله ما أدري أكِسْتَ بعدنا أم حمقنا بعدك؟ فقال: لا تجزعن أبا إسحاق، فإنّما هو الملك، يتغداه قوم ويتعشاه آخرون، فقال سعد: أراكم والله ستجعلونها ملكاً. وروى جعفر بن سليمان عن هشام بن حسان عن ابن سيرين, قال: لما قدم الوليد بن عقبة أميراً على الكوفة أتاه ابن مسعود، فقال له: ما جاء بك؟ قال: جئت أميراً. فقال ابن مسعود: ما أدري أَصَلُحتَ بعدنا أم فسد الناس. وله أخبار فيها نكارة وشناعة تقطع على سوء حاله وقبح أفعاله, غفر الله لنا وله<([122]).

فهذه النصوص تكشف لنا جانباً من السياسة الخاطئة التي اقتفاها الخليفة عثمان, والتي تثبت عدم اكتراثه لا بالمسلمين ولا بأموالهم، وقد حول الخلافة إلى ملك عضوض تتقاذفه غلمان بني أمية، وجعل منبر رسول الله (ص) يعتليه الفسقة وشرّاب الخمر من أمثال الوليد, وسلّط على رقاب الناس أهله وذووه ممّن لا سابقة لهم ولا دين, وراح يبذخ بصرف أموال المسلمين ويفعل ببيت المال كيفما شاء، وكأنّه بيت ماله الشخصي.

الامر الثاني: عدم اكتراثه بنصائح الصحابة ولا بشكاوى المسلمين:

فقد دلّت الآثار التاريخية أنّ الصحابة كانوا يستعتبونه في ولاته بسبب ما يفعلونه من منكرات وقبائح، لكنّه لا يعزلهم, فقد أخرج البلاذري بسنده إلى الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: «فكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمّد (صلّى الله عليه وسلّم)، وكان يستعتب فيهم، فلا يعزلهم<

وأضاف البلاذري ما حاصله: أنّه استأثر في الستّ الأواخر ببني عمّه، فولاهم وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر، فمكث عليهم سنين، فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه، وكان في قلوب هذيل وبني زهرة وبني غفار وبني مخزوم وأحلافهم غضبٌ على عثمان؛ بسبب ما صنعه بأبي ذر وعمّار وعبد الله بن مسعود، فلمّا جاء أهل مصر يشكون ابن أبي سرح كتب إليه كتاباً يتهدده فيه، فأبى أن ينزع عما نهاه عثمان عنه، وضرب بعض من كان شكاه إلى عثمان من أهل مصر حتّى قتله، فخرج من أهل مصر سبعمائة إلى المدينة، فنزلوا المسجد، وشكوا ما صنع بهم ابن أبي سرح في مواقيت الصلاة إلى أصحاب محمّد، فقام طلحة إلى عثمان فكلّمه بكلام شديد، وأرسلت إليه السيدة عائشة تسأله أنّ ينصفهم من عامله، ودخل عليه عليّ بن أبي طالب ـ وكان متكلم القوم ـ وقال له: إنّما يسألك القوم رجلاً مكان رجل، وقد ادّعوا قبله دماً، فاعزله عنهم، وأقضِ بينهم، فإن وجب عليه حقّ فانصفهم منه، فقال لهم: اختاروا رجلاً أوليه عليكم مكانه، فأشار الناس عليهم بمحمّد بن أبي بكر الصديق، فقالوا: استعمل علينا محمد بن أبي بكر، فكتب عهده على مصر ووجه معهم عدةً من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح([123]).

لكن المصادر التاريخية أكدّت أنّ توليته لمحمّد بن أبي بكر لم تكن بنيّة صادقة, فقد وجدت الجماهير الثائرة بينها غلاماً أسود معه كتاب قد خبّأه عليهم, كان مبعوثاً من عثمان إلى والي مصر عبد الله بن أبي سرح يأمره فيه بقتل محمّد بن أبي بكر ومن معه، والبقاء في منصبه، وبحبس كلّ من يأتي الخليفة ويتظلم منه, فعادت الجماهير إلى المدينة وأخبروا الصحابة بما جرى وعلى رأسهم طلحة والزبير وعلي وسعد, فزاد حنق الناس على عثمان وخصوصاً من كانوا غاضبين عليه بسبب ما عمله بالصحابة الثلاثة: أبي ذر وعمار وابن مسعود, فقام الناس بمحاصرة عثمان, >فلمّا رأى ذلك عليّ، بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمّار ونفر من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) كلّهم بدري، ثمّ دخل على عثمانL ومعه الكتاب والبعير والغلام، فقال له علي: هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم. قال: فالبعير بعيرك؟ قال: نعم. قال: وأنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: لا، وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به. قال له عليّ رضي الله عنه: فالخاتم خاتمك؟! قال: نعم. فقال له علي رضي الله عنه: كيف يخرج غلامك على بعيرك بكتاب عليه خاتمك لا تعلمه؟! فحلف بالله ما كتبتُ هذا الكتاب، ولا أمرتُ به، ولا وجّهتُ هذا الغلام إلى مصر. فأمّا الخط فعرفوا أنّه خط مروان، وشكّوا في أمر عثمان رضي الله عنه، وسألوه أن يدفع إليهم مروان فأبى ـ وكان مروان عنده في الدار ـ فخرج أصحاب محمّد (صلى الله عليه وسلم) من عنده غضاباً، وشكّوا في أمره، وعلموا أنّه لا يحلف بباطل إلا أنّ قوماً قالوا: لا يبرأ عثمان من قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان حتّى نثخنه، ونعرف حال الكتاب، فكيف يؤمر بقتل رجل من أصحاب محمد (صلّى الله عليه وسلّم) بغير حق؟! فإن يكن عثمان كتبه عزلناه، وإن يكن مروان كتبه على لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان، ولزموا بيوتهم، وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان، وخشي عليه القتل، وحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء»([124]).

هذه إذن سياسة عثمان فقد استأثر ببيت المال، وسلّط بني أميّة على رقاب الناس، ورفض نصيحة كبار الصحابة وتعنّت بآرائه, بل زاد الأمر سوءاً حينما بلغت المسألة في التحايل على الصحابة وخيار التابعين ومحاولة تدبير اغتيالهم بطريقة تنم عن بعد الخليفة عن كافّة العهود والمواثيق الإسلامية, وسواء كان كتاب الغدر الذي اكتشفه الوفد من صنيعة عثمان أو من صنيعة مروان مدبّر شؤون الخلافة!!! فالأمر سيّان؛ فعثمان بالنتيجة رفض تسليم مروان، ورفض التنحي، مع أنّ الكتاب يحمل خاتمه!!

وما قدمناه هو صورة مختصرة ممّا ذكره المؤرخون في ذلك, ويكفيك أن تراجع ما ذكره البلاذري تحت باب: ما أنكروا من سيرة عثمان, ليتضح الحال([125]).

الأمر الثالث: إيواؤه طريد رسول الله’:

وممّا نقم به الناس على عثمان أنّه آوى طريد رسول الله الحكم بن أبي العاص، وهو عمّ عثمان, فقد روى البلاذري في الأنساب: «أنّ الحكم بن أبي العاص بن أمية عم عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية كان جاراً لرسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، وكان أشدّ جيرانه أذى له في الإسلام، وكان قدومه المدينة بعد فتح مكة، وكان مغموصاً عليه في دينه، فكان يمرّ خلف رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) فيغمز به ويحكيه ويخلج بأنفه وفمه، وإذا صلّى قام خلفه فأشار بأصابعه، فبقي تخليجه وأصابته خبلةٌ، واطلع على رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ذات يوم وهو في بعض حُجر نسائه، فعرفه وخرج إليه بِعَنَزَة, وقال: من عذيري من هذا الوزغة اللعين، ثمّ قال: لا يساكنني ولا ولده، فغرّبهم جميعاً إلى الطائف، فلمّا قبض رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) كلّم عثمان أبا بكر وسأله ردّهم فأبى ذلك، وقال: ما كنت لآوي طُرداء رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم). ثمّ لمّا استخلف عمر كلّمه فيهم، فقال مثل قول أبي بكر. فلمّا استخلف عثمان أدخلهم المدينة، وقال: قد كنت كلّمت رسول الله فيهم وسألته ردَّهم فوعدني أن يأذن لهم، فقبض قبل ذلك، فأنكر المسلمون عليه إدخاله إيّاهم المدينة»([126]).

وأخرج البلاذري بسنده إلى الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: «خطب عثمان فأمر بذبح الحمام، وقال: إنّ الحمام قد كثر في بيوتكم حتّى كثر الرَمْيُ ونالنا بعضُه، فقال الناس: يأمر بذبح الحمام، وقد آوى طرداء رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)»([127]).

 قال الذهبي: «ونقم جماعة على أمير المؤمنين عثمان؛ كونه عطف على عمّه الحكم، وآواه وأقدمه المدينة، ووصله بمئة ألف»([128]).

مع أنّ موقف رسول الله’ صريح من هذه العائلة, فقد أخرج ابن عساكر واللفظ له, والبزار بسندهما إلى الشعبي عن عبد الله بن الزبير أنّه قال وهو على المنبر: «وربّ هذا البيت الحرام والبلد الحرام إنّ الحكم بن أبي العاص وولده ملعونون على لسان محمّد»([129]).

 قال الذهبي: «إسناده صحيح»([130]).

وقال الألباني بعد أن ذكر الحديث بلفظ البزار: «قلت: وهو إسناد صحيح أيضاً، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير شيخ البزار (أحمد بن منصور بن سيّار)، وهو ثقة، ولم يتفرد به كما يشعر بذلك تمام كلام البزار: ورواه محمد بن فُضيل أيضاً عن إسماعيل عن الشعبي عن ابن الزبير»([131]).

وأخرج أبو يعلى ـ واللفظ له ـ والحاكم بسندهما إلى أبي هريرة: «أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) رأى في المنام كأنّ بني الحكم ينزون على منبره وينزلون، فأصبح كالمتغيّظ, وقال: ما لي رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة؟ قال: فما رُئي رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) مستجمعاً ضاحكاً بعد ذلك حتّى مات»([132]).

قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».

ووافقه الذهبي في التصحيح لكن على شرط مسلم([133]).

وقال الهيثمي: «رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير مصعب بن عبد الله بن الزبير, وهو ثقة»([134]).

وأخرج أحمد والبزار ـ واللفظ للثاني ـ عن عبد الله بن عمرو، قال: «كنت عند رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) فبينا نحن عنده إذ قال: ليدخلنّ عليكم رجل لعين... فما زلت أنظر وأخاف حتّى دخل الحكم بن أبي العاص»([135]).

قال الهيثمي: >رواه أحمد, ورجاله رجال الصحيح<([136]).

وقال الألباني: >وهو إسناد صحيح على شرط مسلم<([137]).

ثمّ إنّ الألباني ساق الكثير من الشواهد لمتن الحديث وحكم بصحّتها, وذكر كلاماً مهمّاً في المقام جاء فيه: «وإنّي لأعجب أشدّ العجب من تواطؤ بعض الحفاظ المترجمين لـ (الحكم) على عدم سوق بعض هذه الأحاديث وبيان صحتها في ترجمته، أهي رهبة الصحبة، وكونه عمَّ عثمان بن عفانL، وهم المعروفون بأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم؟! أم هي ظروف حكومية أو شعبية كانت تحول بينهم وبين ما كانوا يريدون التصريح به من الحق؟...<([138]). وقد ساق كلاماً طويلاً يكشف فيه كيف أنّ الأقلام حاولت التلاعب بالحقائق وكتمانها!!

وعلى أيّ حال, فإن عثمان قد آوى طريد رسول الله، وغضّ السمع عمّا قاله النبيّ’ في حقّه, وهذه مخالفة شرعية صريحة، بل فيها تحدّي وجرأة على فعل رسول الله’!

ولم يكتف عثمان بإرجاع عمّه الحكم, بل أخذ يوليه على الصدقات، بل ويهبها له!! الأمر الذي زاد في إنكار الناس عليه.

فقد أخرج البلاذري بسنده إلى عطاء عن ابن عباس، قال: «كان مما أنكروا على عثمان أنه ولى الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة فبلغت ثلاثمائة ألف درهم، فوهبها له حين أتاه بها<([139]).

الأمر الرابع: عدم إقامته الحد على قاتل الهرمزان:

من المناسب أن نشير إلى أنّ عثمان وقع في مخالفة القرآن والسنة من أوّل خلافته، وذلك بعدم إقامته الحد على قاتل الهرمزان وبنت أبي لؤلؤة الصغيرة, فقد روى البلاذري: «أنّ عثمان صعد المنبر, فقال: أيها الناس، إنا لم نكن خطباء وإنْ نَعِشْ تأتكم الخطبة على وجهها إنْ شاء الله. وقد كان من قضاء الله أنّ عبيد الله بن عمر أصاب الهرمزان، وكان الهرمزان من المسلمين ولا وارث له إلا المسلمون عامة، وأنا إمامكم وقد عفوت أفتعفون؟ قالوا: نعم، فقال علي: أقِدِ الفاسق فإنّه أتى عظيماً، قتل مسلماً بلا ذنب، وقال لعبيد الله: يا فاسق لئن ظفرتُ بك يوماً لأقتلنك بالهرمزان»([140]).

ولم نفهم مبررات هذا العفو مع أنّ علياً ـ وهو من كبار الصحابة ـ يطالب بقتل عبيد الله بن عمر ويتهدده ويتوعده بالقتل فيما لو ظفر به, على أنّ كلمة المهاجرين والأنصار قد اتّفقت على وجوب قتله:

فقد أخرج ابن سعد بسنده إلى عبد الله بن حنطب, قال: «قال علي لعبيد الله بن عمر: ما ذنب بنت أبي لؤلؤة حين قتلتها؟ قال: فكان رأي علي حين استشاره عثمان ورأي الأكابر من أصحاب رسول الله على قتله، لكنّ عمرو بن العاص كلّم عثمان حتّى تركه، فكان علي يقول: لو قدرت على عبيد الله بن عمر وَلِيَ سلطان لاقتصصت منه»([141]).

وأخرج ابن سعد بسنده إلى الزهري, قال: «لما استخلف عثمان دعا المهاجرين والأنصار، فقال: أشيروا في قتل هذا الذي فتق في الدين ما فتق، فأجمع رأي المهاجرين والأنصار على كلمة واحدة يُشجعون عثمان على قتله، وقال جلُّ الناس: أَبْعَدَ الله الهرمزان وجفينة، يريدون يتبعون عبيد الله أباه، فكثر ذلك القول، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إنّ هذا الأمر قد كان قبل أن يكون لك سلطان على الناس, فأعرض عنه، فتفرق الناس عن كلام عمرو بن العاص»([142]).

فالمهاجرون والأنصار وعلى رأسهم علي بن أبي طالب يرومون تطبيق الشريعة وإقامة الحد على عبيد الله، لكنْ نجد أنّ الخليفة عثمان يستأنس بكلام عمرو بن العاص ويعفو عنه!!

وبقي هذا الإصرار من علي× على وجوب قتله حتّى آلت إليه الخلافة، فقرّر القصاص منه، لكنّ هروب عبيد الله إلى معاوية وجماعته حال دون ذلك.

فقد أخرج ابن سعد بسنده إلى ابن جريج: «وكان علي بن أبي طالب لمّا بويع له، أراد قتل عبيد الله بن عمر، فهرب منه إلى معاوية بن أبي سفيان، فلم يزل معه، فقتل بصفين»([143]).

هذا, وقد تعرّضت كتب التاريخ والسير والرجال بصورة مفصّلة لهذه المسألة, وأنّها ـ وإنْ اختلفت الكلمات فيها وفي كيفيّة عفو عثمان عنه ـ فقد اتّفقت على أمرين:

الأوّل: أنّ عثمان ترك الاقتصاص من عبيد الله بن عمر.

الثاني: أنّ علياً× قد استمرّ بمطالبته بدم الهرمزان.

ولذا نرى ابن الأثير وابن حجر يُكذّبون خبر أن ابن الهرمزان قد عفا عن قاتل أبيه، مستدلّين بموقف علي المطالب بدم الهرمزان حين ولي الخلافة:

قال ابن الأثير: «وقيل: إنّ عثمان سلّم عبيد الله إلى القماذبان بن الهرمزان ليقتله بأبيه، قال القماذبان: فأطاف بي الناس وكلموني في العفو عنه، فقلت: هل لأحد أن يمنعني منه؟ قالوا: لا. قلت: أليس إن شئت قتلته؟ قالوا: بلى. قلت: قد عفوت عنه. قال: بعض العلماء: ولو لم يكن الأمر هكذا لم يقل الطعانون على عثمان: عدل ستّ سنين، ولقالوا: إنّه ابتدأ أمره بالجور؛ لأنّه عطّل حدّاً من حدود الله، وهذا أيضاً فيه نظر، فإنّه لو عفا عنه ابن الهرمزان لم يكن لعلي أن يقتله، وقد أراد قتله لما ولي الخلافة، ولم يزل عبيد الله كذلك حيّاً حتّى قتل عثمان وولي علي الخلافة، وكان رأيه أن يقتل عبيد الله، فأراد قتله فهرب منه إلى معاوية وشهد معه صفين، وكان على الخيل، فقتل في بعض أيام صفين»([144]).

وقال ابن حجر: «وقيل: إنّه سلّمه للعماديان([145]) بن الهرمزان، فأراد أن يقتص منه، فكلّمه الناس، فقال: هل لأحد أن يمنعني من قتله؟ قالوا: لا. قال: قد عفوت. وفي صحّة هذا نظر؛ لأنّ علياً استمرّ حريصاً على أن يقتله بالهرمزان، وقد قالوا: إنّه هرب لمّا ولي الخلافة إلى الشام، فكان مع معاوية إلى أن قتل معه بصفين، ولا خلاف في أنّه قتل بصفين مع معاوية»([146]).

وهذا يدلك على أنّ علي ابن أبي طالب× لم يكن يرى أنّ هناك مبرراً للعفو عن عبيد الله, ومهما حاولت كتب التاريخ أن تدافع وتتأول لموقف عثمان, فإن مطالبة علي بدم الهرمزان في أيّام خلافته تدفع كلّ ذلك.

موقف الخليفة السلبي من بعض الصحابة

تقدّمت الإشارة إلى أنّ موقف الخليفة من بعض الصحابة وعلى رأسهم أبو ذر وعمار وابن مسعود, كان موقفاً يتّسم بالسلبية, وإليكم بيان ذلك موجزاً:

1ـ موقف الخليفة عثمان من الصحابي أبي ذر

أمّا ما يتعلق بأبي ذر, فخبر نفيه إلى الربذة من الأخبار المشهورة المعروفة، ولا داعي لكثرة التفصيل فيه، ونقتصر هنا على بعض ما جاء في أنساب الأشراف للبلاذري, فقد جاء فيه أنّه: «لمّا أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه. وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم، جعل أبو ذر يقول: بشّر الكانزين بعذاب أليم، ويتلو قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} الآية، فرفع ذلك مروان بن الحكم إلى عثمان فأرسل إلى أبي ذر نائلاً مولاه: أنْ انته عمّا يبلغني عنك، فقال: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله وعَيْبِ من ترك أمر الله، فوالله لئن أرضي الله بسخط عثمان أحبّ إلي وخير لي من أن أُسخط الله برضاه، فأغضب عثمان وأحفظه، فتصابر وكفّ.

وقال عثمان يوماً: أيجوز لإمام أن يأخذ من المال، فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك، فقال أبو ذر: يا بن اليهوديين أتعلمنا ديننا؟ فقال عثمان: ما أكثر أذاك لي وأولعك بأصحابي، إلحق بمكتبك،... فكتب عثمان إلى معاوية: أمّا بعد، فاحمل جُندباً إليّ على أغلظ مركب وأوعره، فوجّه معاوية من سار به الليل والنهار، فلمّا قَدِم أبو ذر المدينة جعل يقول: يستعمل الصبيان ويحمي الحمى ويقرب أولاد الطلقاء، فبعث إليه عثمان: الحَقْ بأي أرض شئت، فقال: بمكة، فقال: لا، قال: فبيت المقدس، قال: لا، قال: فبأحد المصرين، قال: لا، ولكنّي مُسيّرُك إلى الربذة، فسيره إليها, فلم يزل بها حتّى مات»([147]).

وجاء في الأنساب أيضاً: «وحدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: تكلم أبو ذر بشيء كرهه عثمان فكذبه، فقال: ما ظننت أن أحداً يكذبني بعد قول رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): ما أقلَّت الغبراء ولا أطبقت الخضراء على ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذر، ثم سيَّره إلى الربذة، فكان أبو ذر يقول: ما ترك الحقّ لي صديقاً؛ فلما سار إلى الربذة، قال: ردني عثمان بعد الهجرة أعرابياً.

قال: وشيّع عليّ أبا ذر، فأراد مروان منعه منه، فضرب عليّ بسوطه بين أذني راحلته، وجرى بين عليّ وعثمان في ذلك كلام حتّى قال عثمان: ما أنت بأفضل عندي منه، وتغالظا، فأنكر الناس قول عثمان ودخلوا بينهما حتّى اصطلحا.

وقد روي أيضاً: أنّه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة، قال: رحمه الله، فقال عمار بن ياسر: نعم، فرحمه الله من كلّ أنفسنا، فقال عثمان: يا عاضَّ أير أبيه أتراني ندمت على تسييره؟ وأمر فدفع في قفاه، وقال: الحق بمكانه، فلما تهيأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى عليّ فسألوه أن يكلم عثمان فيه، فقال له علي: يا عثمان اتّقِ الله، فإنّك سيّرت رجلاً صالحاً من المسلمين فهلك في تسييرك، ثمّ أنت الآن تريد أن تنفي نظيره، وجرى بينهما كلام حتّى قال عثمان: أنت أحق بالنفي منه، فقال علي: رُم ذلك إن شئت، واجتمع المهاجرون فقالوا: إن كنت كلّما كلمك رجل سيّرته ونفيته، فإن هذا شيء لا يسوغ، فكفَّ عن عمار»([148]).

وانظر إلى لهجة الخليفة لعمّار الصحابي الجليل الذي ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، كما قال الرسول الاكرم([149]). وقد نال عمار ما ناله أبو ذر من الخليفة عثمان:

2- موقف الخليفة عثمان من الصحابي عمار

جاء في أنساب الأشراف للبلاذري: «كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر فأخذ منه عثمان ما حلّى به بعض أهله، فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلّموه فيه بكلام شديد حتّى أغضبوه، فخطب، فقال: لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وإنْ رغمت أنوف أقوام، فقال له علي: إذاً تُمنع من ذلك ويحال بينك وبينه، وقال عمّار بن ياسر: أشهد الله أنّ أنفي أول راغم من ذلك، فقال عثمان: أعليّ يا بن المتكاء تجترئ؟ خذوه، فأخذ ودخل عثمان فدعا به فضربه حتّى غشي عليه ثم أخرج فحمل حتّى أتي به منزل أم سلمة زوج رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) فلم يصلّ الظهر والعصر والمغرب، فلمّا أفاق توضأ وصلىّ، وقال: الحمد لله ليس هذا أول يوم أوذينا فيه في الله».

 وممّا جاء فيه أيضاً أنّه لمّا وصل الخبر إلى السيدة عائشة: «غضبت وأخرجت شعراً من شعر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وثوباً من ثيابه، ونعلاً من نعاله، ثمّ قالت: ما أسرع ما تركتم سنّة نبيكم، وهذا شعره وثوبه ونعله ولم يُبلَ بعد، فغضب عثمان غضباً شديداً حتّى ما درى ما يقول، فالتجّ المسجد، وقال الناس: سبحان الله، سبحان الله». وجاء فيه أيضاً: «واستقبح الناس فِعْله بعمّار، وشاع فيهم، فاشتدّ إنكارهم له»([150]).

وجاء في الاستيعاب: «وللحلف والولاء اللذين بين بني مخزوم وبين عمار وأبيه ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب حتّى انفتق له فتق في بطنه، ورغموا وكسروا ضلعاً من أضلاعه، فاجتمعت بنو مخزوم، وقالوا: والله لئن مات لا قتلنا به أحداً غير عثمان»([151]).

3ـ موقف الخليفة عثمان من الصحابي ابن مسعود

أمّا ماجرى لعبد الله بن مسعود من عثمان, فقد أخرج البلاذري في أنسابه، قال:

«إنّ عبد الله بن مسعود حين ألقى مفاتيح بيت المال إلى الوليد بن عقبة، قال: من غيَّرَ غيَّرَ الله عليه، وما أرى صاحبكم إلا وقد غيّر وبدّل... فكتب الوليد إلى عثمان بذلك، وقال: إنه يعيبك ويطعن عليك، فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه...وقدم ابن مسعود المدينة وعثمان يخطب على منبر رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) فلمّا رآه، قال: ألا إنّه قدمت عليكم دويبة سوءٍ, من تمشِ على طعامه يقيء ويسلح.

فقال ابن مسعود: لستُ كذلك، ولكنّي صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يوم بدر، ويوم بيعة الرضوان، ونادت عائشة، أي عثمان، أتقول هذا لصاحب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)؟ ثمّ أمر عثمان به فأُخرج من المسجد إخراجاً عنيفاً، وضرب به عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأرض، ويقال: بل احتمله يحموم ـ غلام عثمان ـ ورجلاه تختلفان على عنقه حتّى ضرب به الأرض فدقّ ضلعه.

فقال علي: ياعثمان، أتفعل هذا بصاحب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بقول الوليد بن عقبة؟ فقال: ما بقول الوليد فعلتُ هذا، ولكن، وجهت زُبيد بن الصلت الكندي إلى الكوفة، فقال له ابن مسعود: إنّ دم عثمان حلال، فقال عليّ أحلت من زبيد على غير ثقة... وقام عليّ بأمر ابن مسعود حتّى أتى به منزله، فأقام ابن مسعود بالمدينة لا يأذن له عثمان في الخروج منها إلى ناحية من النواحي، وأراد حين برىء الغزو فمنعه من ذلك؛ وقال له مروان: إنّ ابن مسعود أفسد عليك العراق، أَفتُريد أن يفسد عليك الشام؟ فلم يبرح المدينة حتّى توفي قبل مقتل عثمان بسنتين، وكان مقيماً بالمدينة ثلاث سنين؛ وقال قوم: إنّه كان نازلاً على سعد بن أبي وقاص.

ولمّا مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه، أتاه عثمان عائداً، فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا أدعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: أفلا آمر لك بعطائك؟ قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه وتعطينيه وأنا مستغنٍ عنه؟ قال: يكون لولدك، قال: رزقهم على الله، قال: استغفر لي يا أبا عبد الرحمن، قال: أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقّي، وأوصى أن لا يصلي عليه عثمان، فدفن بالبقيع وعثمان لا يعلم، فلما علم غضب, وقال: سبقتموني به، فقال له عمار بن ياسر: إنّه أوصى أن لا تصلي عليه»([152]).

أمّا السبب الذي جعل ابن مسعود يلقي مفاتيح بيت المال على الوليد فهو أنّ الوليد لما قدم الكوفة: «ألفى ابن مسعود على بيت المال فاستقرضه مالاً، وقد كانت الولاة تفعل ذلك ثم ترد ما تأخذ، فأقرضه عبد الله ما سأله، ثمّ إنّه اقتضاه إياه، فكتب الوليد في ذلك إلى عثمان، فكتب عثمان إلى عبد الله بن مسعود: إنّما أنت خازن لنا، فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال، فطرح ابن مسعود المفاتيح، وقال: كنتُ أظنّ أنّي خازن للمسلمين، فأمّا إذا كنتُ خازناً لكم فلا حاجة لي في ذلك، وأقام بالكوفة بعد إلقائه مفاتيح بيت المال»([153]).

هذه جملة مختصرة من مواقف الخليفة مع صحابة رسول الله, وقد عرفت كيف هي قسوته معهم وتعنيفه وترهيبه لهم, كما تبين فيما تقدم أن الخليفة ولّى أقرباءه وأتخمهم بالهدايا والأموال من بيت مال المسلمين ولم يصغ للصحابة الذين نصحوه، ولم يقم لهم أي وزن, فأيقنت الأمّة الإسلامية آنذاك بأنّ خليفتها قد انحرف عن جادة الصواب, فكان لابدّ لهم من كلمة، ولابد للعدالة من صولة، ولابدّ للظلم من أن يزول, ولابد للحقيقة من أن تظهر, ولهذا كان وجوه الصحابة وقرّاء القرآن وخيار التابعين وراء تلك الثورة على خليفة المسلمين.

المحور الثاني: الفئة التي شاركت في الثورة على عثمان

 المتتبع لكتب التاريخ والرواية يرى أنّ الذين قتلوا الخليفة عثمان هم المسلمون من الصحابة وقرّاء القرآن والتابعين:

قال ابن الأثير في أحداث سنة (34هـ): «في هذه السنة تكاتب نفر من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وغيرهم, بعضهم إلى بعض: أن أقدموا فإن الجهاد عندنا، وعظم الناس على عثمان، ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وليس أحد من الصحابة ينهي ولا يذب إلا نفر، منهم: زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت، فاجتمع الناس فكلّموا عليّ بن أبي طالب فدخل على عثمان، فقال له: الناس ورائي وقد كلّموني فيك...»([154]).

فالصحابة كما تؤكّد النصوص قد نالوا من عثمان أقبح ما نيل من أحد! ولم يكن بينهم من ينه أو يذب عنه إلا نفر ضئيل جداً, فهناك شبه إجماع من الأمة حول عثمان، وأنّ الخروج عليه إنّما هو جهاد في سبيل الله.

وأخرج الطبري من طريق عبد الرحمن بن يسار، أنّه قال: «لمّا رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) إلى مَن بالآفاق منهم، وكانوا قد تفرّقوا في الثغور: إنّكم إنّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزّ وجلّ, تطلبون دين محمد (صلّى الله عليه وسلّم)، فإن دين محمّد قد أفسده من خلفكم وتُرك، فهلمّوا فأقيموا دين محمّد (صلّى الله عليه وسلّم), فأَقبلوا من كلّ أفق حتّى قتلوه»([155]).

وهذا النص كسابقه يبين أنّ الصحابة تحرّكوا على عثمان من مختلف أطباق الأرض؛ لأنّه انتهك حرمات الدين بنظرهم, فتركوا الثغور وعادوا ليقيموا الدين مرة أخرى.

والملفت للنظر أنّ الأمّة الإسلامية بأطرافها المترامية كلّها قد اشتركت في دم عثمان، فالوفود التي حاصرت عثمان مضافاً إلى أهل المدينة, قد أقبلت من مصر والكوفة والبصرة يترأسها الصحابة والتابعون.

جاء في طبقات ابن سعد وأنساب البلاذري واللفظ للأول: «كان المصريون الذين حصروا عثمان ستمائة، رأسهم: عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر بن عتاب الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، والذين قدموا من الكوفة مائتين، رأسهم: مالك الأشتر النخعي، والذين قدموا من البصرة مائة رجل، رأسهم: حكيم بن جبلة العبدي»([156]).

وجاء في الكامل في التاريخ: «وكان بمصر محمّد بن أبي بكر ومحمّد بن أبي حذيفة يحرضان على عثمان, فلمّا خرج المصريون خرج فيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي في خمسمائة، وقيل في ألف، وفيهم كنانة بن بشر الليثي, وسودان بن حمران السكوني, وقتيرة بن فلان السكوني, وعليهم جميعاً الغافقي بن حرب العكي، وخرج أهل الكوفة وفيهم زيد بن صوحان العبدي, والأشتر النخعي, وزياد بن النضر الحارثي, وعبد الله بن الأصم العامري، وهم في عداد أهل مصر، وعليهم جميعاً عمرو بن الأصم، وخرج أهل البصرة، فيهم حكيم بن جبلة العبدي، وذريح بن عباد، وبشر بن شريح القيسي، وابن المحترش، وهم بعداد أهل مصر، وأميرهم حرقوص بن زهير السعدي، فخرجوا جميعاً في شوال»([157]).

فأمّا عبد الرحمن بن عديس البلوي, فقد قال ابن عبد البر في الاستيعاب: «كان عبد الرحمن بن عديس البلوي ممّن بايع تحت الشجرة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم). قال أبو عمر: هو كان الأمير على الجيش القادمين من مصر إلى المدينة الذين حصروا عثمان وقتلوه»([158]).

وأمّا عمرو بن الحمق الخزاعي, فقد قال ابن سعد في الطبقات: «عمرو بن الحمق... صحب النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم)، ونزل الكوفة، وشهد مع عليL مشاهده، وكان فيمن سار إلى عثمان وأعان على قتله»([159]).

وفي طبقات ابن سعد, والكامل في التاريخ, واللفظ للأوّل: «وأمّا عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق، فطعنه تسع طعنات، وقال: أمّا ثلاث منهنّ فإنّي طعنتهن لله، وأمّا ست فإنّي طعنت إياهن لما كان في صدري عليه»([160]).

وأمّا مالك الأشتر, فقد قال ابن حجر: «له إدراك, وكان رئيس قومه... وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين بالكوفة، فقال: وكان ممّن ألّب على عثمان، وشهد حصره، وله في ذلك أخبار»([161]). ولم يغمز فيه أي أحد ممن ترجمه, بل لأمير المؤمنين علي× كلمات وافرة في مدحه والثناء عليه([162]).

وأمّا محمد بن أبي حذيفة: فقد قال ابن حجر: «محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة... ذكره الواقدي فيمن كان يُكنّى أبا القاسم واسمه محمد، من الصحابة, واستشهد أبوه أبو حذيفة باليمامة، فضم عثمان محمداً هذا إليه وربّاه، فلمّا كبر واستخلف عثمان استأذنه في التوجّه إلى مصر، فأذن له، فكان من أشدّ الناس تأليباً عليه...»([163]).

وقال الذهبي: «محمّد بن أبي حذيفة، هو الأمير أبو القاسم العبشمي، أحد الأشراف، ولد لأبيه لمّا هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة. وله رؤية... ثم كان ممّن قام على عثمان، واستولى على إمرة مصر»([164]).

وقال ابن عبد البر: «وكان محمّد بن أبي حذيفة أشدّ الناس تأليباً على عثمان, وكذلك كان عمرو بن العاص, مذ عزله عن مصر يعمل حيله في التأليب والطعن على عثمان»([165]).

وأمّا حكيم بن جبلة العبدي: فقد قال ابن عبد البر: «أدرك النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) ولا أعلم له رواية ولا خبراً يدلّ على سماعه منه ولا رؤية له, وكان رجلاً صالحاً له دين، مطاعاً في قومه»([166]).

وأمّا محمّد بن أبي بكر: فقال ابن حجر: «له رؤية... وكان علي يثني عليه»([167]).

وقال ابن عبد البر: «وكان علي بن أبي طالب يثنى على محمد بن أبي بكر ويفضله؛ لأنه كانت له عبادة واجتهاد, وكان ممن حضر قتل عثمان»([168]).

ولا نريد أن نستقصي ونطيل بتراجم من اشتركوا في الثورة على عثمان, بل أردنا بيان أنّ مَنْ قتل عثمان هم الصحابة وخيار التابعين.

ولابدّ أنْ ننبه هنا بأنّ السيدة عائشة وطلحة ممّن كانوا في مقدمة المؤلبين على عثمان:

فقد روى البلاذري في أنسابه, عن ابن سيرين, أنّه قال: «لم يكن أحد من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) أشدّ على عثمان من طلحة»([169]).

وفي الأنساب أيضاً: «ومرّ مجمع بن جارية الأنصاري بطلحة بن عبيد الله, فقال: يا مجمع ما فعل صاحبك؟ قال: أظنّكم والله قاتليه، فقال طلحة: فإن قتل, فلا ملك مقرب ولا نبي مرسل»([170]).

بل ورد أنّ الذي أمر بقطع الماء عن عثمان هو طلحة, فقد جاء في الأنساب: «قال أبو مخنف وغيره: واشتدّ عليه طلحة بن عبيد الله في الحصار، ومنع من أن يدخل إليه الماء حتّى غضب عليّ بن أبي طالب من ذلك، فأدخلت عليه روايا الماء»([171]).

وقال ابن حجر: «وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم، أنّ مروان بن الحكم رأى طلحة في الخيل، فقال: هذا أعان على عثمان، فرماه بسهم في ركبته، فما زال الدم يسيح حتّى مات»([172]).

أمّا السيدة عائشة فموقفها معروف من عثمان، فهي التي كانت تقول: «اقتلوا نعثلاً فقد كفر»([173])، وهي التي وسمته بالطاغية, على ما جاء في الأنساب: «ومرّ عبد الله بن عباس بعائشة وقد ولاه عثمان الموسم, وهي بمنزل من منازل طريقها، فقالت: يا بن عباس، إنّ الله قد أتاك عقلاً وفهماً وبياناً، فإياك أنْ تَردّ الناس عن هذا الطاغية»([174]).

وقال ابن عبد البر: «وكان الأحنف عاقلاً حليماً ذا دين وذكاء وفصاحة ودهاء، لما قدمت عائشة البصرة أرسلت إليه فأتاها، فقالت: ويحك يا أحنف، بمَ تعتذر إلى الله من ترك جهاد قتلة أمير المؤمنين عثمان، أَمِن قلّة عدد، أو أنّك لا تُطاع في العشيرة؟ قال: يا أمّ المؤمنين، ما كبرت السن ولا طال العهد، وإنّ عهدي بك عام أوّل تقولين فيه وتنالين منه، قالت: ويحك يا أحنف، إنّهم ماصوه موص الإناء ثمّ قتلوه، قال: يا أم المؤمنين، إنّي آخذ بأمرك وأنت راضية، وأدعه وأنت ساخطة»([175]).

فموقف السيدة عائشة إذن كان التأليب على عثمان والرضا بقتله, لكنّها صُدمت بأنّ المسلمين بايعوا علياً من بعده, فصار عثمان مظلوماً! والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى.

المحور الثالث: بيان موقف بعض الصحابة بعد مقتل عثمان

تبين مما تقدم أن من ألّب على عثمان وحاصره وأشترك في قتله هم الصحابة والتابعون, وهذا الأمر أكده عدد من الصحابة أنفسهم بعد مقتل عثمان, فقد صرح الكثير منهم بأن عثمان قد قتله خيار الصحابة والتابعين وقراء القرآن؛ وصرّح آخرون بأن المهاجرين والأنصار خذلوا عثمان ولم ينصروه, فالصحابة في الواقع ـ باستثناء البعض القليل ـ كانوا بين مشترك ومؤلب وخاذل لعثمان, لذا لم يكن عندهم ما يبرر الطلب بدمه والأخذ بثأره, فهذا الصحابي هاشم المرقال يخاطب فتى في جبهة معاوية يوم صفين ويقول له: «وما أنت وابن عفان إنما قتله أصحاب محمد وأبناء أصحابه وقراء الناس حين أحدث الأحداث وخالف حكم الكتاب، وهم أهل الدين وأولى بالنظر في أمور الناس منك ومن أصحابك، وما أظن أمر هذه الأمة وأمر هذا الدين أُهمل طرفة عين»([176]).

وها هو عمار بن ياسر يخطب بجمع يوم صفين، ويقول: «أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان, ويزعمون أنه قتل مظلوماً»([177]).

وفي لفظ نصر بن مزاحم أن عماراً، قال: «امضوا معي عباد الله إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله، إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان»([178]).

وأخرج ابن عساكر بسنده إلى عبد الرحمن الهمداني، قال: «دخل أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني على معاوية، فقال له معاوية: أبو الطفيل؟ قال: نعم. قال: أنت مِن قتلة عثمان؟ قال: لا, ولكن ممّن حضره فلم ينصره. قال: ما منعك من نصره؟ قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار ولم تنصره أنت. قال معاوية: أَمَا طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل وقال: أنت وعثمان كما قال الشاعر:

 لا ألفينّك بعد الموت تندبني

 

وفي حياتي ما زودتني زادي»([179]).

والملاحظ هنا أن الصحابي هاشم المرقال والصحابي عمّار بن ياسر والصحابي عامر بن واثلة لم يشعروا بالندم ولم يفكروا بتغيير مواقفهم, بل كانت لهم رؤى ثابتة من الأمر, فمنهم من يصرح بأن الذين قتلوا عثمان هم الصحابة والتابعون وقراء القرآن, ومنهم من يؤكد أنه ممن شهده ولم ينصره، بل يؤكد أن المهاجرين والأنصار خذلوه ولم ينصروه, وهكذا, ونستنتج من هذا أن الصحابة كانت لديهم رؤية واضحة في موضوع عثمان، وأنّه قد أحدث وخالف الكتاب والسنّة، فكان يدور أمره بين ضرورة تنحيه عن الخلافة أو قتله, وعندما رفض التنحي قرّروا قتله.

المحور الرابع: رؤيتنا لموقف علي من الأحداث

اتضحت من خلال المحاور الثلاثة السابقة حقائق عدّة, أهمّها أنّ سياسة عثمان كانت تبتعد عن المنهج الإسلامي، ولا أقل في اعتقاد جمع من الصحابة، وأنه قد غيّر وبدّل وأحدث بعد رسول الله’, لذا نقم الصحابة والتابعون على هذا الوضع, فجُيّشت الجيوش ضد الخليفة وأقبلت عليه من كلّ حدب وصوب, وفي خضم هذه الأحداث اتسم موقف علي× بالحكمة والبصيرة، فكان حريصاً على وأد الفتنة وإطفاء نارها التي سوف تأكل الأخضر واليابس, وتُفرّق الأمة, وتشقّ عصا المسلمين.

 لقد كانت نظرة الإمام علي× أبعد ممّا يتعلّق بشخصية الخليفة عثمان، فكان الحفاظ على المصلحة الإسلامية في سلم الأولويات عنده, لذا حاول جاهداً إصلاح الأمور من خلال الحوار مع الطرفين, فمن جهة طلب من الخليفة عثمان أن يكفّ عن تصرفاته التي كانت مثار سخط المجتمع آنذاك، وأن يتوخى العدالة في حكمه وسلوكه, ومن جهة أخرى طالب الجيوش بالتوقف عمّا كانوا يرومونه على أمل تطبيق عثمان لعهوده، بإقامة حكم الله في الأرض مجدّداً, وبالفعل نجح علي في محاولته, وانقادت الجيوش لأوامره, وتخلت عن تصميمها, لكن عثمان وبعد أن أعلن ندمه عمّا فعل أمام الملأ ووعدهم بإنصافهم وتطبيق حكم الله مجدداً, لم يف لهم بوعوده؛ نتيجة خضوعه لمخططات مروان! الأمر الذي أدّى إلى امتعاض علي× من موقف عثمان، واتّخاذه قراراً بعدم التدخل بعد ذلك، خصوصاً أنّه وعد الناس أن عثمان سيغير من سياسته ويحكمهم بما أنزله الله تعالى, فلمّا لم يف عثمان بذلك, عادت الجيوش مجدّداً! واعتزل عليٌّ× القوم, ولم يلبّ طلب عثمان بالتدخل مرة أخرى.

 والقصّة وإنْ نقلت بوجوه مختلفة وألفاظ شتّى إلا أنها اتفقت على ما ذكرناه, وسنقتصر هنا من أجل توثيق هذه الحقائق على ما نقله البلاذري ونحيل القارئ إلى مصادر أخرى:

روى البلاذري في قصة طويلة أنه لما حاصر القوم عثمان وفشلت بعض الوساطات، قال له ابن عمر وغيره: ليس لهم إلاّ عليّ بن أبي طالب.

 «فبعث عثمان إلى عليّ فلما أتاه، قال: يا أبا الحسن أئت هؤلاء القوم فادعهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، قال: نعم إنْ أعطيتني عهد الله وميثاقه على أنك تفي لهم بكلّ ما أضمنه عنك، قال: نعم، فأخذ عليٌّ عليه عهد الله وميثاقه على أوْكَد ما يكون وأغلظ، وخرج إلى القوم، فقالوا: وراءك؟ قال: لا بل أمامي، تعطون كتاب الله وتعتبون من كلّ ما سخطتم، فعرض عليهم ما بذل عثمان، فقالوا: أتضمن ذلك عنه؟ قال: نعم، قالوا: رضينا، وأقبل وجوههم وأشرافهم مع عليّ حتّى دخلوا على عثمان وعاتبوه فأعتبهم من كلّ شيء، فقالوا: اكتب بهذا كتاباً، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين، إن لكم أن أعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه، يعطى المحروم ويؤمن الخائف ويرد المنفي ولا تجمر البعوث ويوفر الفيء، وعلي بن أبي طالب ضمين للمؤمنين والمسلمين، على عثمان بالوفاء بما في هذا الكتاب.

شهد: الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن مالك بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وسهل بن حنيف وأبو أيوب خالد بن زيد، وكتب في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين، فأخذ كلّ قوم كتاباً فانصرفوا.

وقال عليّ بن أبي طالب لعثمان: اخرج فتكلم كلاماً يسمعه الناس ويحملونه عنك وأشْهِد الله على ما في قلبك فإن البلاد قد تمخضت عليك، ولا تأمن أن يأتي ركب آخر من الكوفة أو من البصرة أو من مصر فتقول: يا عليّ اركب إليهم، فإن لم أفعل، قلت: قطع رحمي واستخف بحقي.

 فخرج عثمان، فخطب الناس، فأقر بما فعل واستغفر الله منه، وقال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يقول: من زَلّ فَلْيَنُبْ فأنا أول من اتعظ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم، فو الله لو ردني إلى الحق عبد لا تبعته، وما عن الله مذهب إلا إليه، فسرّ الناس بخطبته واجتمعوا إلى بابه، مبتهجين بما كان منه.

 فخرج إليهم مروان، فزبرهم، وقال: شاهت وجوهكم، ما اجتماعكم؟ أمير المؤمنين مشغول عنكم، فإن احتاج إلى أحد منكم فسيدعوه فانصرفوا.

 وبلغ علياً الخبر فأتى عثمان، وهو مغضب، فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بإفساد دينك وخديعتك عن عقلك؟ وإني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك، وما أنا بعائدٍ بعد مقامي هذا لمعاتبتك.

 وقالت له امرأته نائلة بنت الفرافصة: قد سمعت قول عليّ بن أبي طالب في مروان وقد أخبرك أنه غير عائد إليك، وقد أطعت مروان ولا قدر له عند الناس ولا هيبة، فبعث إلى عليّ فلم يأته»([180]).

ودلت بعض الأخبار على أن علياً× عاد وتكلم مع عثمان مرة أخرى, لكن لم ينفع أيضاً, وقد ذكر ذلك الطبري في قصّة طويلة حاصلها أنّ عثمان لما خاف القتل شاور نصائحه فأشاروا عليه أن يطلب من علي بن أبي طالب أن يردّهم عنه, فبعث إليه وقال له: «يا أبا حسن, إنه قد كان من الناس ما قد رأيت وكان مني ما قد علمت، ولست آمنهم على قتلى فارددهم عني فإن لهم الله عز وجل أن أعتبهم من كلّ ما يكرهون وأن أعطيهم الحق من نفسي ومن غيري وإن كان في ذلك سفك دمي».

 فقال له علي: «الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك, وإنّي لأرى قوماً لا يرضون إلا بالرضى, وقد كنت أعطيتهم في قدمتهم الأولى عهداً من الله لترجعن عن جميع ما نقموا فرددتهم عنك، ثم لم تف لهم بشيء من ذلك, فلا تغرني هذه المرة من شيء فإني معطيهم عليك الحق. قال: نعم فأعطهم، فوالله لأفين لهم».

فأخبر علي الناس بذلك, وطلبوا منه أن يستوثق من عثمان الأمر, فأخبر عثمان بذلك، فطلب منه مهلة ثلاثة أيام, «فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك, وكتب بينهم وبين عثمان كتاباً أجله فيه ثلاثاً على أن يرد كلّ مظلمة ويعزل كلّ عامل كرهوه، ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه من عهد وميثاق وأشهد عليه ناساً من وجوه المهاجرين والأنصار، فكف المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه».

 لكنّه أيضاً لم يف بما وعد, بل جعل يتأهب للقتال، فلما مضت الأيام الثلاثة ـ وهو على حاله لم يغير شيئاً مما كرهوه ولم يعزل عاملاًـ ثار عليه الناس([181]).

وأيّاً كان الأمر، فإن علياً× لم يألُ جهداً في إصلاح الأمر بين الثوار والخليفة عثمان, لكنّ الأخير أفشل كلّ مساعي عليّ في الصلح؛ لعدم إيفائه بوعوده, ولهذا رأى عليّ الوقوف عند هذا الحدّ واعتزال السعي مجدّداً بين الفريقين.

 ولو كان عثمان مصيباً لما كان من علي هذا الموقف, بل لكان أول الناصرين له, وقد صرح لعثمان من خلال النص السابق بأنه يعطي المقاتلين الحق إذا نكث عثمان بعهده تارة أخرى، فقال له: «فلا تغرني هذه المرة من شئ فإني معطيهم عليك الحق».

وكيف ما كان، فقد انتهى الأمر بقتل الخليفة ومبايعة علي× في قصة يطول شرحها, فحصل ما كان عليٌ يخشاه، وأن المسألة سوف لن تنتهي بمقتل عثمان فحسب, بل ستكون لها نتائج وخيمة على المجتمع الإسلامي، وهو ما حدث بالفعل، حيث وقعت حادثة الجمل, ثم صفين, تحت شعار المطالبة بدم عثمان، وأنه يجب عليه أن يقيم القصاص على قتلته أو أن يسلمهم, وقد وصلت هذه الصيحات إلى يومنا هذا، فها أنتم تقولون أن علياً اجتهد وأخطأ في عدم قتله لقتلة عثمان!!.

والحقيقة التي يجب أن تقال: إن علياً كان مصيباً في عدم معاقبته قتلة عثمان, وبيان ذلك يتضح من خلال أمور ثلاثة:

الأول: أن الصحابة قد اجتهدوا في قتلهم لعثمان, وكانوا يرون أنهم مصيبون في ذلك؛ لأن عثمان أحدث وغيّر وبدل بعد رسول الله، وقد استتابوه وأخذوا عليه العهود وطالبوه بالرجوع إلى الكتاب والسنة أو التنحي فلم ينفع ذلك, فقتلوه وهم غير نادمين, ومن لم يشترك منهم فقد لزم الصمت واعتزل الأمر, والغريب أنهم تركوا الخليفة عثمان بلا دفن ثلاثة أيام, ولم يتحرك الصحابة إلى القيام بهذه الوظيفة الشرعية, فإن تغسيل ودفن المسلم واجب على المسلمين, لكن الصحابة تركوا الأمر ثلاثة أيام, حتّى قام نفرٌ وبسرية تامة ودفنوه في حش كوكب, وهذا له دلالات ومعطيات عديدة نغضّ الطرف عنها.

فالصحابة مجتهدون في قتلهم لعثمان, فإن أصابوا فلهم أجران, وإن أخطأوا فلهم أجر, على أن المجتهد والمتأول ليس عليه قصاص وفق رؤيتكم، التي طالما صرحتم بها واعتمدتم عليها، وتبعاً لتلك الرؤية، فلا ضير في أن عليّاً× لم يحاسب ويقتص من الصحابة، كيف ذلك وهم قد اجتهدوا؟

2ـ لو أغضضنا الطرف عن تلك الرؤية، وقلنا إنّ المجتهد والمتأول قد تناله العقوبة أيضاً, فلا شكّ في أن عليّاً كان مصيباً في اجتهاده, لا أنه اجتهد فأخطأ، فقد عرفنا أن الأمة الإسلامية بأطرافها المترامية مصر والكوفة والبصرة والمدينة كلهم قد اشتركوا في قتل عثمان, وكان على رأس هؤلاء: الصحابة والتابعون وقرّاء القران, فكانوا يرون حقانية ما فعلوه، وعرفنا تصريحات الصحابة بعد الحادثة من عدم إظهار الندامة على قتله.

 وحينئذ ومع ملاحظة الأخطار التي تحيط وتتهدد المجتمع الإسلامي آنذاك, وأهمها خطر الانقسام الذي قد يعصف بالأمة الإسلامية, أدّى إلى أن يتخذ عليٌ× موقف الصمت, فالعقوبة إذا ثبتت فإنما هي ثابتة على الآلاف من المسلمين ومن ضمنهم كبار الصحابة والأجلاء من التابعين, فماذا يصنع علي× في ظرف كان يقتضي تضميد جراحات المجتمع ووأد الفتنة وحمل الناس على العدل والصلاح؟ وما عسى غيره لو تولى الخلافة أن يفعل أمام هذه المعطيات؟

 روى البلاذري: أن معاوية أرسل كتاباً إلى علي× يطلب فيه تسليم قتلة عثمان إليه, فلما وصل الكتاب إلى علي في الكوفة, اجتمع الناس في المسجد, وقرئ عليهم الكتاب, فقالوا: «كلنا قتلة عثمان وكلنا كان منكراً لعمله»([182]).

فرفض علي× طلب معاوية وكتب إليه كتاباً جاء فيه: «وذكرت عثمان وتأليبي الناس عليه، فإن عثمان صنع ما رأيت, فركب الناس منه ما قد علمت, وأنا من ذلك بمعزل, إلا أن تتجنى فتجنَ ما بدا لك.

وذكرت قتلته ـ بزعمك ـ وسألتني دفعهم إليك، وما أعرف له قاتلاً بعينه، وقد ضربت الأمر أنفه وعينيه, فلم أره يسعني دفع من قبلي ممن اتهمته وأظننته إليك، ولئن لم تنزع عن غيك وشقائك؛ لتعرفن الذين تزعم أنهم قتلوه طالبين لا يكلفونك طلبهم في سهل ولا جبل, والسلام»([183]).

وفي الأخبار الطوال للدينوري: أن عدد الذين قالوا: «كلّنا قتلة عثمان» كانوا بزهاء عشرة آلاف رجل وكانوا قد لبسوا السلاح([184]).

فلم يكن ممكناً الاقتصاص من هذه الشريحة الواسعة من المسلمين والتي تضم الصحابة والتابعين, كما لا يعقل أن يكون كلّ هؤلاء قد أخطأوا ولم يصيبوا, مع أن في جواب أمير المؤمنين× إلى معاوية كلمات واضحة في أن أعمال عثمان كانت غير مرضية، فقد جاء فيه: «فإن عثمان صنع ما رأيت فركب الناس منه ما قد علمت».

وفي لفظ الدينوري أنّ كتاب الإمام علي× جاء فيه: «أمّا بعد، فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك، تذكر فيه قطعي رحم عثمان، وتأليبي الناس عليه، وما فعلت ذلك، غير أنه رحمه الله عتب الناس عليه، فمن بين قاتل وخاذل، فجلست في بيتي، واعتزلت أمره، إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك، فأما ما سألت من دفعي إليك قتلته، فإني لا أرى ذلك، لعلمي أنك إنما تطلب ذلك؛ ذريعةً إلى ما تأمل، ومرقاةً إلى ما ترجو، وما الطلب بدمه تريد، ولعمري, لئن لم تنزع عن غيّك وشقاقك؛ لينزل بك ما ينزل بالشاق العاصي الباغي، والسلام»([185]).

فالناس كما وصفهم علي× كانوا بين قاتل وخاذل, ولم ينصر عثمان أحداً, فعلى مَنْ العقوبة, وممّن يؤخذ القصاص؟

 أمّا طلب معاوية, فقد أوضحه الإمام علي×, بأنه ذريعة إلى الحكم والظفر بالاستيلاء على السلطة, وإلا فإن معاوية لم ينصر عثمان في حياته، بل على العكس فقد كان من المتربصين به.

فالسكوت إذن كان عين الصواب, ولا يوجد اجتهاد خاطئ كما ادعيتم.

ولو فعلها علي وبدأ بمحاسبة السيدة عائشة وطلحة, لقلتم أيضاً أنه اجتهد وأخطأ.

الثالث: وفقاً لما نؤمن به من عقيدة, فقد ثبت عندنا أنّ علياً× معصوم، وأنّه يحظى بتسديد رباني، ولا يتطرق إلى أعماله الاجتهاد, كما هو اعتقادنا بنبي الإسلام محمد’, فعلي× إنما هو امتداد للشجرة النبوية، يوضح لنا الطريق ويبين لنا صوابه من خطأه, فقوله المتبع وفعله الحجة, فلا اجتهاد ولا تأويل بل هو التسديد الإلهي من السماء.

وبهذا يكون قد تمّ الجواب على ما تفضلتم به أوّلاً.

 أمّا الثاني: وهو أنّ عثمان بن عفان أفضل من ملء الأرض من مالك بن نويرة؛ فنقول: إنّ الله سبحانه وتعالى قد جعل ميزان التفاضل بالتقوى والعمل الصالح واقتفاء سنة النبيّ’ واتباعها, وقال عزّ من قائل: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}([186]), وفرض كون الخليفة أفضل يتوقف على غض النظر عمّا فعله, وعمّا اعتقده كبار الصحابة فيه.

قلتم: لم يعترض أحد من الصحابة على فعل خالد

قلتم في ص 101: «ألم يحدث هذا الفعل [من خالد بن الوليد] في حياة الصحابة, ولم يحدث منهم اعتراض إلا ما كان من عمر, فلم نسمع من علي ولا غيره من الصحابة أنّه أنكر ذلك...».

الجواب

 لم يكن الاعتراض محصوراً بعمر كما قلت، بل هناك غيره من الصحابة ممّن سجل اعتراضه على فعل خالد القبيح، منهم الصحابي أبو قتادة, وكان فيمن شهد أنّ مالك وجماعته أذّنوا وأقاموا وصلّوا([187])، فلما رأى ما فعل خالد قام «فناشده فيهم، فلم يلتفت إليه، فركب أبو قتادة فرسه، ولحق بأبي بكر وحلف: لا أسير في جيش وهو تحت لواء خالد, وقال: ترك قولي، وأخذ بشهادة الأعراب الذين فتنتهم الغنائم»([188]).

وفي تاريخ الإسلام: «وقال الموقري، عن الزهري, قال: وبعث خالد إلى مالك بن نويرة سرية فيهم أبو قتادة، فساروا يومهم سراعاً, حتّى انتهوا إلى محلّة الحي، فخرج مالك في رهطه، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المسلمون، فزعم أبو قتادة أنه قال: وأنا عبد الله المسلم، قال: فضع السلاح، فوضعه في اثني عشر رجلاً، فلمّا وضعوا السلاح ربطهم أمير تلك السرية, وانطلق بهم أسارى، وسار معهم السبي حتّى أتوا بهم خالداً، فحدّث أبو قتادة خالداً أن لهم أماناً, وأنهم قد ادّعوا إسلاماً، وخالف أبا قتادة جماعةُ السرية, فأخبروا خالداً أنه لم يكن لهم أمان، وإنما سُيّروا قسراً، فأمر بهم خالد فقُتلوا وقبض سبيهم، فركب أبو قتادة فرسه وسار قبل أبي بكر. فلما قدم عليه، قال: تعلم أنه كان لمالك بن نويرة عهد, وأنه ادّعى إسلاماً، وإنّي نهيت خالداً فترك قولي وأخذ بشهادات الأعراب الذين يريدون الغنائم، فقام عمر، فقال: يا أبا بكر, إن في سيف خالد رهقاً، وإن هذا لم يكن حقاً, فإنّ حقّاً عليك أن تقيّده، فسكت أبو بكر»([189]).

فهذا الاعتراض من هذا الصحابي وما رافقه من قَسَم بأنْ لا يسير في جيش تحت لواء خالد، لا يدع مجالاً للقول بالاجتهاد والتأوّل.

وممّن اعترض أيضاً على فعل خالد الصحابي متمّم أخو مالك، حينما جاء لأبي بكر يطلب بدم أخيه مالك, وأن يردّ عليهم سبيهم, فأمر أبو بكر بردّ السبي([190]) وودّى مالكاً من بيت المال([191]).

وفي البداية والنهاية: «وجاء متمم بن نويرة فجعل يشكو إلى الصديق خالداً، وعمر يساعده، وينشد الصديق ما قال في أخيه من المراثي، فودّاه الصديق من عنده»([192]).

فكيف تدّعي أنّه لم يعترض أحداً غير عمر بن الخطاب، على أنه يكفي اعتراض عمر في إبطال وهْم مقولة تأوّل فأخطأ, أفلم يعرف عمر القاعدة المذكورة؟ وإذا كان غير مدرك لها فهلا تعلمها من أبي بكر؟ فقد صرّح أبو بكر أن هذا اجتهاد وتأول، فلماذا لم يفقه عمر ذلك, ولماذا أصرّ على رأيه إلى أن حان وقت خلافته فقام بعزل خالد.

وفي هذا السياق، قال ابن عون كما ينقل الذهبي: «ولي عمر، فقال: لأنزعنّ خالداً, حتّى يعلم أن الله إنما ينصر دينه، يعني بغير خالد»([193]).

ونلاحظ هنا أن جملة: >يعني بغير خالد<، إنما هي من تفسير الراوي، الذي حاول التقليل من معنى الرواية وصرفها عن معناها الحقيقي، فإن ظاهر كلام عمر أن عزل خالد هو نصر لدين الله, وهذا يؤكد ثبات عمر على موقفه من خالد, ولم يعتقد بقاعدة تأوّل فأخطأ.

ونضيف هنا أمرين:

 الأول: أنّ عمر مع مكانته من أبي بكر ومع شدة جرأته إلا أنّه لم يستطع تغيير شيء من الواقع أمام إصرار أبي بكر, فإن أبا بكر أصرّ على عدم معاقبة خالد، مع وضوح القرائن التي تشير إلى أنّ خالداً كان عامداً وعلى علم بأنهم أذّنوا وصلّوا, فإذا كان عمر قد عجز عن معاقبة خالد، فسكت إلى وقت خلافته، فما بالك ببقية الصحابة, فسكوتهم حينئذ لا يدلّ على رضاهم ألبتة.

والأمر الثاني: لا يمكن القول بنحو الجزم بأن علياً وغيره من الصحابة لم يعترضوا، وأنهم سكتوا على الأمر، إلا إذا تيقنا بأن التاريخ قد نقل كلّ شاردة وواردة, ولم يترك شيء, لكن أنّى ذلك, والكثير من الحقائق قد ضاعت ولم يصلنا منها إلا النزر اليسير.

قلتم: الصحابة لم يخالفوا الاحكام القطعية ولا مروياتهم

في معرض ردّكم على سؤالنا بأنه: «هل يصحّ تبرير عمل الصحابة تحت ظلّ الاجتهاد في كلّ ما صدر عنهم من مخالفات الأحكام القطعية وأنهم مجازون في ارتكاب كلّ حرام وترك كلّ واجب».

ذكرتم في ص102ـ 104 أموراً عديدة تتلخص فيما يلي:

1ـ إنّ التعميم بلفظ كلّ يوحي بأنّهم قوم فجّار أضاعوا الدين وانتهكوا المحرمات وهو ثمرة الروايات الباطلة التي تربى عليها الشيعة.

2ـ إنّ الله أثنى على الصحابة وأنّهم رووا الدين, وأنّ كلّ خير في الأمّة لهم مثله إلى قيام الساعة، وانّه مغفور لهم فعلهم في ما لم يتعمدوا، كما في صحيح مسلم...، ثم قلتم: فليستعد الشيعة لخصامهم يوم القيامة.

3ـ تساءلتم: ما هي الأحكام القطعيّة التي خالفها الصحابة؟ وهل هي في القرآن أو السنّة؟ وهل رووا شيئاً ثمّ خالفوه بأنفسهم؟

4ـ إنّ الشيعة لا تؤمن بالسنّة التي صحّت في كتب المحدّثين من أهل السنّة، ويأخذون ما ينفعهم وإن كان ضعيفاً ويردون ما يخالفه وإن كان صحيحاً.

 

الجواب

نقول في الجواب عن كلّ ذلك: من المؤسف أن يتحول النقاش العلمي إلى ساحة خطابية تبتعد عن أسس وقواعد الحوار الصحيحة, فالتكرار الممل والاتهامات المتوالية والفهم العقيم، هي السمة التي اتبعتموها في هذا الكتاب! وعلى أية حال, نجيبكم مجملاً على كلّ ما ذكرتموه هنا بما يلي:

1ـ نعني بكلمة >كلّ<: (أي) ونعني بكلامنا الذي ذكرناه لكم هو: أن الصحابة هل لهم حق ارتكاب أيّ فعل تحت ظلّ الاجتهاد, فأنتم أجزتم لهم القتل والسبي وانتهاك الأعراض تحت ذريعة الاجتهاد, وهذا يعني أنّكم وفق اعتقادكم ذلك لا بدّ أن تلتزموا بأنّ الصحابة قوم فجار قد أضاعوا الدين؛ لذا نحن نسألكم: كيف تأوّلون عمل مَن يقتل المسلمين الأبرياء أو ينتهك أعراضهم ويسبي نساءهم، ولا نجد عندكم جواب يذكر؟

 فما قلناه هو ثمرة تأويلاتكم, وثمرة الروايات الصحيحة التي روتها كتبكم حول الصحابة وما فعلوه.

2ـ قد بيّنا مراراً أنّ الله سبحانه وتعالى لم يثن على جميع الصحابة، بل أثنى على قسم منهم، وكذلك النبيّ’ فإنه قد أثنى على قسم منهم, وتوعد قسماً آخر منهم بالنار، وذكرنا أنكم تعتبرون المنافقين من الصحابة، حسب تعريفكم للصحابي، كما ذكرنا لكم كلام النووي وابن حزم بأنّ المنافقين كانوا من الصحابة, وقلنا إنّ بعضهم أقيم عليهم الحد, فلا نفهم معنىً لعدم عقوبتهم والعفو عنهم، مع أنّ الرسول’ يذكر أنّ بعضهم في النار، والقرآن يؤكّد على أنّ التفاضل بالتقوى والعمل الصالح, والكثير من الأعمال السيئة للصحابة واضحة في التعمد وعدم النسيان والخطأ.

 فما أوردتموه من صحيح مسلم غير نافع في المقام؛ فإنه خاص بمن نسي وأخطأ في غير عمد وندم وتاب على فعله, وذكرنا سابقا أنّ الكثير ممّن فعلوا المعاصي لم يثبت أنّهم تابوا عن فعلهم, وقد ذكرنا مراراً أنّ حفظة الدين ليس الصحابة، بل هم أهل البيت^ بحسب الأدلة القرآنية والنبوية الواضحة في ذلك, فلا يلزم من نقد الصحابة ضياع الدين([194])، فليس هم الطريق المنحصر لرواية الدين, بل إنّ الطريق منحصر بأهل البيت^, ولئن كان هناك ضياع للدين فهو بتضييع مذهب أهل البيت وحجب الناس عنه, كما في حديث ابن عباس عن النبيّ’ قال: «وأهل بيتى أمان لأمّتي من الاختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس».

قال الحاكم فيه: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»([195]).

وأخرجه الحاكم أيضا من طريق محمد بن المنكدر عن أبيه أنّ النبيّ’ قال: «وأهل بيتي أمان لأمتي فإذا ذهب أهل بيتي أتى أمتي ما يوعدون»([196]).

وسكت عنه الحاكم وكذا الذهبي في إشارة جليّة إلى صحّته وعدم الطعن فيه, وقد وجدنا بعد التتبع أنّ رجال إسناده كلّهم بين ثقة وصدوق.

لذا نحن نقول: فليستعد من ظلم أهل البيت، وحجب بينهم وبين الناس إلى خصامهم يوم القيامة.

3ـ لا شكّ في أنّ بعض الصحابة قد خالفوا أحكاماً قطعيّة نصّ عليها القرآن, وذكرتها السنّة الشريفة, فقد شربوا الخمر, واقترفوا الزنا, وقاموا بالسرقة, وقتلوا الأبرياء, أفهل تشكك في قطعية مثل هذه الأحكام؟ أو تشكّك في صدور هذه المعاصي منهم؟

 وقد ذكرنا لك سابقاً مجموعة ممّن أقيم عليهم الحد بسبب المعاصي أعلاه, ومن بينهم من اشترك في غزوة بدر!

أمّا قولك: كيف أنّهم رووا ثم خالفوا، فهذا غريب منك! فليس كلّ من يروي شيئاً عن النبيّ’ يكون معصوماً فيما رواه من ناحية عملية, فما علاقة رواية الخبر ومعرفته بمخالفته؟

 فأنت تنكر عصمة الصحابة وتعتقد أنّهم أخطأوا وأذنبوا, فعجبا كيف لا يمكنك تصور أنّهم قد يروون أمراً ثمّ يخالفونه عملاً؟

وعلى كلّ حال إليك نماذج من روايات الصحابة التي خالفوا فيها ما يروونه:

مخالفات بعض الصحابة لروايتهم

أ ـ مخالفة أبي هريرة لروايته

المورد الأول: روايته لغسل الإناء سبعاً إذا شرب منه الكلب, ومخالفته لذلك:

 أخرج البخاري بسنده إلى أبي هريرة، قال: «إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) قال: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبعاً»([197]).

ثم خالف ذلك, وكان يغسل الإناء ثلاثاً.

أخرج الدارقطني عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: «إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرات»([198]).

المورد الثاني: رواية أبي هريرة جواز المسح على الخفين, ثم عمله خلاف ذلك:

 أخرج مسلم في كتابه (التمييز) عن أبي سلمة, عن أبي هريرة: «أن رجلاً قال يا رسول الله! ما الطهور بالخفين؟ قال: للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن»([199]).

والمقصود أنّ المسح على الخفّين مؤقت بوقت معين، وهو للمقيم يوم وليلة, وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ, قال الشيخ سيد سابق: «مدة المسح على الخفين للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها»([200]).

وقد أورد الطحاوي عدّة روايات عن مجموعة من الصحابة تفيد المعنى السابق, ثمّ قال: «فهذه الآثار قد تواترت عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بالتوقيت في المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليها, وللمقيم يوم وليلة»([201]).

لكن أبا هريرة أحد رواة الخبر قد خالف ذلك, وكان لا يمسح على الخفّين:

فقد أخرج مسلم في كتابه (التمييز) عن أبي زرعة قال: «سألت أبا هريرة عن المسح على الخفين, قال: فدخل أبو هريرة دار مروان بن الحكم، فبال ثمّ دعا بماء فتوضّأ وخلع خفّيه، وقال: ما أمرنا الله أن نمسح على جلود البقر والغنم»([202]).

وهنا قد تحير الإمام مسلم، إذ كيف يخالف أبو هريرة ما رواه, فحاول جاهداً أن يثبت أنّ الخبر في المسح عنه غير محفوظ, وأن أبا هريرة لم يكن يعلم بجواز المسح على الخفين! فقال معلقاً على الخبر الأول: «هذه الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست بمحفوظة, وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين»([203]).

ثمّ علّق على الرواية الدالة على إنكار أبي هريرة المسح على الخفين, قائلاً: «ولو كان قد حفظ المسح عن النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتدين به، فلما أنكره الذي في الخبر من قوله: ما أمرنا الله أن نمسح على جلود البقر والغنم، والقول الآخر: ما أبالي على ظهر حمار مسحت أو على خفي([204])، بان ذلك أنه غير حافظ المسح عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، وأن من أسند ذلك عنه عن النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) واهي الرواية أخطأ فيه: إمّا سهوا أو تعمّداً، فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض تتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم من الحفاظ»([205]).

وأقول معلّقاً على ذلك بأمرين:

الأول: نحن نرى صحة فعل أبي هريرة واقعاً, فهو موافق لمذهب أهل البيت^ القائل بعدم جواز المسح على الخفّين, لكن الحوار هنا مبتن على ما يذهب إليه أهل السنّة من جواز ذلك, فليلاحظ.

الثاني: أنّ الإمام مسلم حاول تضعيف الخبر من خلال عمل أبي هريرة المخالف له؛ صوناً لأبي هريرة من مخالفة النبيّ’, وهذا ما نكرره مراراً من أنّكم ترون عصمة الصحابة من الجهة العملية، لذا تأوّلون أعمالهم وتخرجونهم عن دائرة الطبيعة البشرية, فأبو هريرة بشر قد يخطئ وينسى ويسهو, لذا روى الخبر عن النبيّ’ ثم خالفه عملاً, والرواية ثابتة عن النبيّ’ على مبانيكم، فحمل طريق أبي هريرة على سهو الراوي أو خطأه أو عمده غير صحيح.

المورد الثالث: روايته جواز تطوع المرأة من بيت زوجها ثمّ إفتاؤه بخلاف ذلك:

أخرج البخاري وأبو داود من طريق عبد الرزاق عن معمّر عن همام, قال: «سمعت أبا هريرةL عن النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) قال: إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره فله نصف أجره»([206]).

وهو يدلّ على جواز تصدّق المرأة من بيت زوجها, لكن أبا هريرة خالف ذلك, وأفتى بعدم الجواز:

أخرج أبو داود عن عطاء، عن أبي هريرة: في المرأة تتصدق من بيت زوجها، قال: «لا، إلا من قوتها، والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدق من مال زوجها إلا بإذنه»([207]).

لذا اضطر أبو داود لتضعيف الخبر الوارد في صحيح البخاري من أجل فتوى أبي هريرة, فقال بعد هذا الخبر: «هذا يضعّف حديث همام»([208]).

ب ـ مخالفة عائشة لروايتها

المورد الأول: روت السيدة عائشة اشتراط النكاح بإذن الولي, لكنّها خالفت في عملها ذلك:

 أخرج الترمذي بسنده إلى السيدة عائشة: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل. فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له».

ثم قال الترمذي: «هذا حديث حسن وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن أيوب وسفيان الثوري وغير واحد من الحفاظ عن ابن جريج، نحو هذا»([209]).

وقد خالفت السيدة عائشة مضمون ما روته، فزوجت بنت أخيها حفصة بنت عبد الرحمن من المنذر بن الزبير, وأخيها غائب في الشام:

أخرج مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: «أنّ عائشة زوج النبيّ «ص» زوجت حفصة بنت عبد الرحمن، المنذر بن الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام...»([210]).

المورد الثاني: روايتها أنّ صلاة السفر ركعتين وعملها خلاف ذلك:

قال ابن حزم: «روت عائشة (رضي الله عنها) أنّ الصلاة فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر، وكانت هي تتم في السفر»([211]).

وهذا الخبر أخرجه مسلم عن الزهري عن عروة عن السيدة عائشة: «أن الصلاة أول ما فرضت ركعتين, فأقرت صلاة السفر وأتمّت صلاة الحضر، قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم في السفر؟ قال: إنها تأولت كما تأوّل عثمان»([212]).

المورد الثالث: روايتها أنّ لبن العجل ينشر الحرمة، وعملها خلاف ذلك:

قال ابن حزم أنّ السيدة عائشة: «روت التحريم بلبن العجل، ثمّ كانت لا تأخذ بذلك، ولا يدخل عليها مَن أرضعته نساء إخوتها، ويدخل عليها مَن أرضعته بنات أخواتها»([213]).

المورد الرابع: روايتها أنّ المراد من القُرء هو خصوص الحيض, بينما كانت ترى أن القرء هو الطهر لا الحيض, فكان اعتقادها خلاف ما روته:

أمّا روايتها فقد أخرجها النسائي عن الزهري عن عمرة عن السيدة عائشة: «أنّ أم حبيبة بنت جحش كانت تستحاض سبع سنين, فسألت النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) فقال: ليست بالحيضة, إنما هو عرق, فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها وتغتسل وتصلّى, فكانت تغتسل عند كلّ صلاة([214]).

وأمّا رأيها وتفسيرها الأقراء بالأطهار:

فقد أخرجه الشافعي عنها أنّها قالت: «وهل تدرون ما الأقراء؟ الأقراء الأطهار»([215]).

وأخرجه عنها ابن أبي شيبة بلفظ: «إنّما الأقراء الأطهار»([216]).

لذا حاول أحمد تضعيف روايتها؛ تفصياً من إشكال المخالفة, فقد ذكر ابن رجب وهو يبيّن قاعدةً في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه, عدة مصاديق, وقال: «ومنها حديث عائشة عن النبيّ أنه قال للمستحاضة: دعي الصلاة أيام أقرائك. قال أحمد: كلّ من روى هذا عن عائشة فقد أخطأ؛ لأنّ عائشة تقول الأقراء: الأطهار لا الحيض»([217]).

ج ـ مخالفة عبد الله بن عمر لروايته

المورد الأول: روايته لرفع يدي النبيّ’ في مواضع مختلفة من الصلاة ثم عمله خلاف ذلك:

 أخرج البخاري بسنده عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر, قال: «رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) إذا قام في الصلاة رفع يديه حتّى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبّر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده ولا يفعل ذلك في السجود»([218]).

ثمّ خالف ولم يرفع يديه إلا ّفي الافتتاح:

أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن مجاهد, قال: «ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح»([219]).

المورد الثاني: رواية ابن عمر تطوع النبي في السفر، ثم مخالفته لذلك:

أخرج الترمذي عن حجاج عن عطية عن ابن عمر، قال: «صليت مع النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) الظهر في السفر ركعتين وبعدها ركعتين».

 قال أبو عيسى: >هذا حديث حسن وقد رواه ابن أبي ليلى عن عطية ونافع عن ابن عمر<.

وأخرج عن عطية ونافع عن ابن عمر، قال: «صليت مع النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) في الحضر والسفر، فصليت معه في الحضر الظهر أربعاً وبعدها ركعتين, وصليت معه في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين والعصر ركعتين, ولم يصل بعدها شيئاً, والمغرب في الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات لا ينقص في حضر ولا سفر, وهي وتر النهار, وبعدها ركعتين».

قال أبو عيسى: «هذا حديث حسن، سمعت محمداً يقول: ما روى ابن أبي ليلى حديثاً أعجب إلي من هذا»([220]).

ونجد هنا أنّ ابن عمر يروي أنّ النبيّ’ قد صلّى النوافل في السفر, إلا أنّه خالف ذلك وأنكره:

أخرج البخاري عن عمر بن محمّد أن حفص بن عاصم حدثه قال: «سافر ابن عمر, فقال: صحبت النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) فلم أره يسبّح في السفر، وقال الله جل ذكره: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة»([221]).

وأخرج مسلم عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب: «قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلّى لنا الظهر ركعتين, ثم أقبل وأقبلنا معه حتّى جاء رحله, وجلس وجلسنا معه, فحانت منه التفاتة نحو حيث صلّى, فرأى ناساً قياماً, فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يُسبّحون. قال: لو كنت مسبّحاً أتممت صلاتي, يا ابن أخي: إنى صحبت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) في السفر, فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه الله...»([222]).

ومراد ابن عمر هنا بعدم الزيادة على ركعتين: أي عدم النوافل المرتبة في الصلاة, قال ابن حجر في شرحه لعبارة: «فلم أره يسبح في السفر<: «أي يتنفل الرواتب التي قبل الفريضة وبعدها...»([223]).

وجاء في لفظ الترمذي, عن نافع عن ابن عمر، قال: «سافرت مع النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) وأبي بكر وعثمان, فكانوا يصلّون الظهر والعصر ركعتين ركعتين, لا يصلّون قبلها ولا بعدها، وقال عبد الله: لو كنت مصلياً قبلها أو بعدها لأتممتها. وفي الباب عن عمر وعلي وابن عبّاس وأنس وعمران بن حصين وعائشة.

 قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم مثل هذا.

 وقال محمد بن إسماعيل: وقد روى هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر عن رجل من آل سراقة عن ابن عمر»([224]).

ومن هنا حاول ابن خزيمة تضعيف رواية ابن عمر الدالة على فعل النبيّ’ للتطوع في السفر؛ ليتخلص بذلك من إشكال المخالفة, فقال: «فابن عمر (رحمه الله) ينكر التطوع في السفر بعد المكتوبة، ويقول: لو كنت مسبحاً لأتممت الصلاة، فكيف يرى النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) يتطوع بركعتين في السفر بعد المكتوبة من صلاة الظهر، ثم ينكر على من يفعل ما فعل النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم)، وسالم وحفص بن عاصم أعلم بابن عمر وأحفظ لحديثه من عطية بن سعد»([225]).

وقال معلّقاً على الخبر الأوّل أيضاً: «وهذا الخبر لا يخفى على عالم بالحديث، أن هذا غلط وسهو عن ابن عمر؛ قد كان ابن عمر (رحمه الله) ينكر التطوع في السفر، ويقول: لو كنت متطوعاً ماباليت أن أتمّ الصلاة، وقال: رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لا يصلي قبلها ولا بعدها في السفر»([226]).

المورد الثالث: روايته المسح على الخفين ومخالفته في ذلك:

ذكر ابن رجب وهو يبيّن قاعدة في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه, عدة مصاديق, وقال: «ومنها أحاديث ابن عمر عن النبيّ في المسح على الخفين أيضاً أنكرها أحمد، وقال: ابن عمر أنكر على سعد المسح على الخفين فكيف يكون عنده عن النبيّ فيه رواية»([227]).

أمّا إنكاره المسح على سعد فقد روته مصادر عديدة:

فقد أخرجه مالك عن نافع، وعبد الله بن دينار: «أنهما أخبراه أن عبد الله بن عمر قدم الكوفة على سعد بن أبي وقاص، وهو أميرها، فرآه عبد الله بن عمر يمسح على الخفين. فأنكر ذلك عليه. فقال له سعد: سل أباك إذا قدمت عليه. فقدم عبد الله، فنسي أن يسأل عمر عن ذلك، حتّى قدم سعد، فقال: أسألتَ أباك؟ فقال: لا. فسأله عبد الله، فقال عمر: إذا أدخلت رجليك في الخفين، وهما طاهرتان، فامسح عليهما. قال عبد الله: وإن جاء أحدنا من الغائط؟ فقال عمر: نعم. وإن جاء أحدكم من الغائط»([228]).

وأخرجه عبد الرزاق, عن معمر, عن الزهري, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: «أن ابن عمر رأى سعد بن أبي وقاص يمسح على خفيه فأنكر ذلك عبد الله، فقال سعد: إن عبد الله أنكر عليّ أن أمسح على خفيّ، فقال عمر: لا يتخَلّجَنّ في نفس رجل مسلم أنْ يتوضأ على خفيه وإن كان جاء من الغائط»([229]).

بل إنّ الرواية وردت في صحيح البخاري, فقد أخرجها عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر, عن سعد بن أبي وقاص, عن النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم): «أنه مسح على الخفين، وأن عبد الله بن عمر سأل عمر عن ذلك، فقال: نعم, إذا حدثك شيئاً سعد عن النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) فلا تسأل عنه غيره.

 وقال موسى بن عقبة: أخبرني أبو النضر, أنّ أبا سلمة أخبره أن سعداً حدّثه، فقال عمر لعبد الله: نحوه»([230]).

والبخاري كما هي عادته في الاقتصار على النقل بالمعنى، فقد حذف إنكار ابن عمر على سعد!, لكن نفس سؤال ابن عمر لأبيه هو إنكار لفعل سعد،كما لا يخفى.

وفي روايةٍ: أنّ ابن عمر أنكر ذلك على سعد بن مالك، كما أخرجه ابن أبي شيبة, عن يحيى بن آدم, عن الحسن بن صالح, عن بسر بن لوف, عن ابن عمر: «أن سعد بن مالك مسح على الخفين, فأنكر ذلك عليه ابن عمر, فذكره لأبيه, فقال: سعد بن مالك أعلم منك»([231]).

وأمّا روايته المسح على الخفين، فنقتصر على ما أخرجه الترمذي عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت, عن النبيّ’: «أنه سئل عن المسح على الخفين. فقال: للمسافر ثلاثة، وللمقيم يوم».

ثمّ قال الترمذي: «وفي الباب عن علي، وأبي بكرة، وأبي هريرة، وصفوان بن عسال، وعوف بن مالك، وابن عمر، وجرير»([232]).

المورد الرابع: كان ابن عمر قد روى التسليمتين إلى اليمين واليسار عند انتهاء الصلاة، لكنّه عملاً كان يخالف ذلك, ويكتفي بتسليمة واحدة:

أمّا روايته التسليمتين, فقد قال ابن عبد البر: «وحديث ابن عمر رواه عمرو بن يحيى المازني, عن محمد بن يحيى بن حبان, عن عمه واسع بن حبان, قال: قلت لابن عمر: حدّثني عن صلاة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) كيف كانت؟ فذكر التكبير كلّما رفع رأسه وكلّما وضعه, وذكر السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه, السلام عليكم ورحمة الله عن يساره.

رواه ابن جريج, وسليمان بن بلال, وعبد العزيز بن محمد الدراوردي, كلهم عن عمرو بن يحيى المازني, وهو إسناد مدني صحيح»([233]).

والحديث أخرجه أحمد والنسائي وأبو يعلى وغيرهم([234]).

وأمّا مخالفته, فقد أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف تحت باب: مَن كان يسلّم تسليمة واحدة, قال: «حدّثنا عبد الأعلى, عن خالد, عن أنس بن سيرين, عن ابن عمر, أنّه كان يسلّم تسليمة<([235]).

وقال: >حدّثنا وكيع, عن مالك بن دينار, عن نافع, عن ابن عمر, أنه كان يسلّم تسليمة»([236]).

د ـ مخالفة ابن عباس لروايته

المورد الأوّل: روايته لوقوع طلاق الثلاث واحدة, ومخالفته لذلك:

أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عبّاس, قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم».

وعن ابن طاووس, عن أبيه, أنّ أبا الصهباء قال لابن عبّاس: «أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) وأبي بكر وثلاثاً من إمارة عمر، فقال ابن عباس: نعم».

 وعن أيوب السختياني, عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس: «إن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك, ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع([237]) الناس في الطلاق فأجازه عليهم»([238]).

وقد خالف ابن عبّاس روايته هذه, وكان يرى طلاق الثلاث يقع ثلاثاً:

قال ابن عبد البر: «فذكر أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثني عباد بن العوام, عن هارون بن عنترة, عن أبيه, قال: كنت جالساً عند ابن عبّاس, فأتاه رجل, فقال: يا [بن] عباس إني طلقت امرأتي مائة مرة وإنما قلتها مرة واحدة، فقال: بانت منك بثلاث, وعليك وزر سبع وتسعين».

 قال: «وحدثني وكيع عن سفيان, قال: حدثني عمرو بن مرة, عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس، فقال: إني طلقت امرأتي ألفاً ـ أو قال مائة ـ قال بانت منك بثلاث, وسائرهن وزراً, اتّخذت بها آيات الله هزواً».

 وذكر عبد الرزاق, عن الثوري, عن عمرو بن مرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عبّاس, مثله.

 وقال عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج: «أخبرني عكرمة بن خالد: أن سعيد بن جبير أخبره أن رجلاً جاء إلى ابن عبّاس فقال: [إنّي] طلقت امرأتي ألفا، فقال: تأخذ [ثلاثاً] وتدع تسعمائة وسبعاً وتسعين».

 قال: «وأخبرنا ابن جريج قال: أخبرني ابن كثير والأعرج, عن ابن عبّاس, مثله».

 وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: «أخبرني عبد الحميد بن رافع عن عطاء ـ بعد وفاته ـ أنّ رجلاً قال لابن عباس: رجل طلق امرأته مائة، قال ابن عباس: يأخذ من ذلك ثلاثاً ويدع سبعاً وتسعين».

 قال: «أخبرنا معمر, عن أيوب, عن عبد الله بن كثير, عن مجاهد, قال: سئل ابن عبّاس عن رجل طلق امرأته عدد [نجوم السماء], قال: يكفيه من ذلك رأس الجوزاء».

 قال أبو عمر: «فهذا سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وغيرهم يروون عن ابن عبّاس في طلاق الثلاث المجتمعات أنهنّ لازمات واقعات»([239]).

المورد الثاني: روايته إجزاء الحج عن الصبي، ومخالفته لذلك:

أخرج مسلم عن ابن عباس، قال: «رفعت امرأة صبياً لها، فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر»([240]). وهذا يدلّ على إجزاء الحج للصبي.

لكن ابن عبّاس خالفه, وكان يرى أن الحج لا يجزي إلا بعد البلوغ:

 لذلك, قال البخاري في التاريخ الكبير في معرض ردّه على الحديث أعلاه: «وقال أبو ظبيان وأبو السفر عن ابن عباس: أيما صبي حج ثم أدرك فعليه الحج، وهذا المعروف عن ابن عباس»([241]).

وقد أورد هذه المخالفة ابن رجب تحت عنوان: قاعدة: (في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه)([242]) فهو يرى أن قول ابن عباس مخالف لروايته هذه.

هذا فيما يخص مخالفات بعض الصحابة لما رووه.

4ـ عطفاً على النقطة الثالثة السابقة، نقول:

 نعم, الشيعة لا تعتقد بما ثبت عندكم من روايات مطلقاً، كما أنّكم لا تعتقدون بما ثبت عند الشيعة، وذكرنا لك أنّنا نحتجّ عليك بكتبكم بما يوافق منهجكم التصحيحي, ولا نستدلّ بها, وهذا واضح لا يخفى على العلماء والمحققين.

 أمّا قولك بأننا نحتجّ بالضعيف: فهذا مجاف للحقيقة، ونترك الحكم للقارئ ليرى هل أنّنا نحتجّ بالضعيف فعلاً, أم بما هو ثابت عند علماء أهل السنّة, وليرى من الذي ضعّف الثابت الصحيح فراراً من لوازمه؟!

قلتم: قتال الصحابة لعلي كان عن شبهة

في معرض ردّكم على سؤالي: بأنه كيف يصحّ تبرير عمل الصحابة تحت ظل الاجتهاد... حتّى في الخروج على إمام زمانهم, وإزهاق أرواح كثيرة, وسفك دماء غزيرة؟

قد ذكرتم في ص102: أن ظاهرهم كان قتالاً على شبهة، ولم يخرجوا بقصد الخروج، وإنّما للمطالبة بدم عثمان، فإن علياً آوى قتلته, فهذا ظاهرهم وأمّا سرائرهم فالله يعلم بها.

الجواب

1ـ تقدّم الحديث عن ذلك في مبحث أبي الغادية الجهني، وبيَّنا هناك أن الخروج لم يكن عن شبهة, بل كان عمدياً، مخالفاً للشرع الحنيف، وقد بينا ثلاثة وجوه لذلك، وهي ملخصاً:

أولاً: أنّ النبيّ’ قد أخبر بأنّ أبا الغادية في النار؛ لقتله عمّار بن ياسر([243])، ومع الشبهة والاجتهاد، كما تزعم، لا يمكن أن يخبر النبيّ’ بدخوله النار.

ثانياً: أنّ الاجتهاد لا بدّ أن يكون بعد التفحص ومعرفة الآثار الواردة عن النبيّ’, وعرفنا هناك أنّ النبيّ’ أخبر مسبقاً بأن عمّار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار([244]), وأخبر أنّ علياً مع الحق والحق مع علي([245])، فكيف ساغ لمعاوية قتال علي مع تصريح النبيّ’ قبل ذلك بأنّ من يقاتله في خندق الباطل, ويكون داعية إلى النار؟

ثالثاً: أنّ المجتهد الطالب للحقيقة يعود لصوابه، بل ويندم شديد الندم إذا عرف خطأ اجتهاده, وهذا ما لم نره من معاوية! فلمّا أخبروه بمقتل عمّار وما سمعوه من النبيّ’ بخصوصه لم يعر أي اهتمام للأمر, وكلّ ذلك تقدّم.

2ـ تقدّم في مبحث سياسة عثمان، ورؤيتنا لموقف علي من الأحداث، أنّه لم يكن في وسع الإمام عليّ أنْ يقتل قتلة عثمان، كيف؛ وقد اشترك في دمه خيار الصحابة والتابعين وقراء القرآن؟

كما اتّضح أن السيّدة عائشة وطلحة كانوا من المؤلّبين على عثمان, وكان هناك عشرة آلاف كلّهم يقول: نحن قتلة عثمان, فهل يمكن لعلي× قتل هؤلاء جميعاً, وهل يمكنه تسليمهم إلى معاوية؟

فهذا الأمر لم يكن في دائرة الممكن؛ حتّى يطلب معاوية بقتلة عثمان، ويقاتل ويسفك الدماء من أجل ذلك.

ومعاوية أذكى من أن يغفل عن أن هذا الأمر مستحيل الوقوع, لذا اتخذه شعاراً لكي يحقق مآربه من خلاله, وقد أجابه علي× بإحدى الرسائل بأنّك تطلب ذلك ذريعة إلى ما تأمل, وكلّ ذلك قد تقدم بيانه وتفصيله فلا نعيد([246]).

 3ـ لم يكن مسوغ شرعي عند معاوية للمطالبة بدم عثمان، فإن ولي دمه كان منحصراً باثنين فقط, هم: أولاد عثمان, والخليفة الشرعي, والثاني كان عليّا× وهو أدرى وأحق بالقصاص لو كان ممكناً, ولا توجد ذرة حق لمعاوية في المطالبة بالقتلة, فكيف يسلمهم الإمام إلى معاوية وهو الخليفة الشرعي، ومعاوية كان عاصياً شاقاً لعصى المسلمين، خارجاً على خليفة زمانه، رافضاً للبيعة, فبأيّ مبرر ومسوغ شرعي يسلمهم إليه؟

 أفلم يكن معاوية يعلم أن طلبه خلاف الشريعة, وأنه ليس ولياً لدم عثمان, فكيف يكون قتاله لشبهة, وهو عالم أنه يطلب ما لا حقّ له به؟

هذا وقد كفانا مؤنة الجواب على هذه المسألة, العالم السنّي المعاصر حسن بن فرحان المالكي, حيث قال وهو يرد على عبد الحميد فقيهي: «أولا: كون معاوية هو ولي دم عثمان باطل؛ فإن أبناء عثمان هم أولياء دم عثمان، وكانوا شباباً بالغين خرجوا مع عائشة يوم الجمل، فهم أولياء دمه وليس معاوية!!.. أما كونه كبير أسرة بني أمية، فإن القبلية قد أبطلها الإسلام.. فقول الفقيهي فيه إقرار بشرعية (العصبية القبلية) على حساب (الأحكام الشرعية)، وللأسف أن أكثر المؤرخين الإسلاميين اليوم إذا تحدثوا عن خلاف معاوية فإنهم يرتكزون على (الجانب القبلي الجاهلي) في تسويغ خروج معاوية, وينسون الجانب الشرعي الإسلامي أو يتناسونه!! على أية حال؛ لن يكون معاوية أحرص على تطبيق الشرع من علي، ولن يكون أعارب لخم وجذام ومسلمة الفتح أحرص على ذلك من البدريين والمهاجرين والأنصار الذين كانوا مع علي!!!.

ثانياً: إنْ سلّمنا أن معاوية له الحق في المطالبة بدم عثمان، فإن المطالبة الشرعية لا تكون بالسيف، فإذا حاول كلّ صاحب حق أن يأخذ حقه من الإمام بالسيف فهذا فيه شر عظيم، وشق للعصا، ومفسدة أكبر مما يرجى من المصلحة، وقد رأينا النتائج.

ثالثاً: معاوية نفسه عندما تولّى الخلافة تخلّى عمّا كان يطالب به من قتل قتلة عثمان!! فهذا يدلّ على أنه لم تكن له بينة على أحد منهم بعينه، أو أنه خشي ازدياد الفتنة، وهذه يعتذر بها الفقيه عن معاوية ولا يعتذر بها عن علي، مع أنّ علياً أولى بالعذر هنا, وأحرص على تطبيق الشرع من معاوية باتفاق كلّ العقلاء وأهل الإسلام...»([247]).

ونحن نضيف نقطة أخرى ها هنا وهي: أنّ معاوية لم يكن ينتصر لعثمان في حال حياته، مع طول فترة الحصار على بيت الخليفة، واستمرار المكاتبات، وتحرك الجيوش من مختلف الأمصار، وكان قادراً على نصرته, لكنه كان يغض الطرف عن كلّ ذلك, وكأنّه كان ينتظر مقتل عثمان ليطالب بدمه فيما بعد، ليكون ذلك وسيلة لغصب الخلافة من صاحبها الشرعي!!

ثم لو كان جاداً فعلاً في مطالبته بقتلة عثمان فلماذا لم يعاقب طلحة والسيدة عائشة، فلم يكونوا تحت سيطرة الإمام علي، بل خرجوا عليه قبل ذلك, فأين كان معاوية عنهم, ولماذا لم يبعث رجاله في طلبهم, فطلحة كان من أشد الناس على عثمان, فلماذا لم يقتص منه معاوية؟!

وبهذايتضح أنّ معاوية كان عامداً باغياً خارجاً على إمام زمانه دون شبهة أو تأويل, وهو من الدعاة إلى النار بنصّ قول النبيّ’ المتقدّم «ويح عمّار تقتله الفئة الباغية, عمّار يدعوهم إلى الله [وفي لفظ إلى الجنة] ويدعونه إلى النار»([248]).

مبدأ الاجتهاد والخطأ وعمومه لغير الصحابة

في معرض ردّكم على سؤالي: بأن الاجتهاد هل يختص ببعضهم (الصحابة) أو يعمّهم ويشمل من يأتي بعدهم, اقتداء بسيرتهم, وعملا ًبقول النبيّ’: (أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم).

قلتم: القول بعمومه تهكم، وحديث اصحابي كالنجوم مكذوب

ذكرتم: «هذا من باب التهكم لا من باب الاستفسار... وأن الخطأ من صفات البشر ومن قال: إنه يُقتدى بالمخطئ في خطئه؟... وأن الحديث مكذوب...».

الجواب

 نعم؛ نعلم أن الحديث موضوع مكذوب، لكن لم نضعه للتهكم، بل للإشارة إلى أنّكم تعملون بمضمونه خارجاً وإن كنتم تقرّون بكذبه نظرياً, فلا تقبلون نقد الصحابة ولا التعرض إلى أفعالهم، وأن من يُفسِّق أي أحد منهم فهو زنديق، حتّى لو كان الصحابي يحمل مبررات تفسيقه معه, فأنتم وضعتم هالة من القداسة على الصحابة، وأخذتم تتأولون لهم أي فعل, حتّى سفك الدماء وانتهاك الأعراض, فإذا كان كذلك, فالمقتدي بهم سيكون حاله من حالهم، فالصحابي عندما يقتل ويزني وهو مع ذلك مستحق للجنان؛ لأنه متأول كما تزعمون، فمن تبعه في ذلك فالمفترض أن يكون مثله بلا فرق.

حجية قول الصحابي

ثمّ إن تعظيمكم للصحابة وصل مرحلة أنّكم تعدونهم مصدراً تشريعياً, مع طرو الخطـأ والنسيان عليهم، بل مع فعلهم المنكر والقبيح كشرب الخمر وفعل الزنا!! وتوجد في علم الأصول بحوثٌ مكثّفة حول حجيّة مذهب الصحابي من عدمها, فإذا كان قول وفعل الصحابي حجّة فما المانع من اتّباعه فيما يقول ويفعل؟

وقبل الختام لا بد من التدليل على أن الكثير من علمائكم ذهبوا إلى حجيّة قول الصحابي وأن قولهم سنة كقول النبيّ’, قال النووي: «وقول الصحابي حجّة أيضاً عند أبي حنيفة»([249]).

 وقال: «وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني: قول الصحابي إذا انتشر حجّة مقطوع بها»([250]).

وفي حاشية رد المختار لابن عابدين: «والحاصل أن قول الصحابي حجّة يجب تقليده عندنا إذا لم ينفه شيء آخر من السنّة»([251]).

وقال الغزالي: «وقد ذهب قوم إلى أن مذهب الصحابي حجّة مطلقاً، وقوم إلى أنه حجة إن خالف القياس، وقوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر خاصة لقوله: اقتدوا باللذين من بعدي، وقوم إلى أنّ الحجّة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتّفقوا...»([252]).

وقد ذكر النووي معركة الآراء في قول الصحابي إذا انتشر أو لم ينتشر، وإذا وجد له مخالف أو لم يخالفه أحد, وهل يُقدّم على القياس أم لا وهكذا([253]).

ويقول الشاطبي في الموافقات: «سنّة الصحابة (رض) سنّة يعمل عليها ويرجع إليها»([254]).

إذن، فهناك معركة أصوليّة في حجيّة قول الصحابي، مع أنّهم أناس يخطأون ويذنبون.

فإذا كان الخطأ من صفات البشر كما تقول, فلماذا تحاولون إخراج الصحابة عن حقيقة البشرية, ولماذا يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم, ولماذا يؤجرون على كلّ أعمالهم وإن كانت خطأ, ولماذا لا يجوز التعرّض لهم ولا نقدهم؟ ولماذا ولماذا...وستبقى علامات الاستفهام سارية المفعول تتكرر مع استمراركم على هذا النهج.








حوار في
الآيات الورادة في مرضى القلوب والمشكّكين وغيرهم


أجبتم في ص106ـ 109 على الآيات الواردة في ذمّ مرضى القلوب, والمشكّكين, والذين يؤذون الله ورسوله’, والذين يظنّون بالله غير الحقّ بعدّة أجوبة, جميعها قابلة للدفع، وقد اعتمدت فيها بشكل رئيس على التفريق بين المنافقين والصحابة، وأهم ما ذكرته في كلامك هو:

قلتم: هذه الآيات مختصة بالمنافقين وهم غير عدول

أولا: ذكرتم أنّ هذه الآيات مختصة بالمنافقين، ولا يوجد أحد من قال بعدالتهم، وها هي كتب السير تذكر الصحابة العدول، ووردت بعض الآثار فيها أسماء المنافقين، ولم تسم أحداً من الصحابة المؤمنين بالنفاق... ولم يطلق أحد من أهل السنة على المنافقين بأنّهم ذوو عدالة وتقوى.

الجواب

تقدّم أنّ المنافقين كانوا معدودين من الصحابة؛ لأنّهم رأوا رسول الله’، وكانوا مؤمنين به بحسب الظاهر, والواقع لا يعلمه إلا الله, فهم داخلون في تعريفكم للصحابي.

 وتقدم أيضاً اعتراف ابن حزم والنووي بأن المنافقين كانوا معدودين من الصحابة، ومر أيضاً أنّ النبيّ’ أطلق لفظ الصحابي على مجموعة من المنافقين في عصره, وأطلق لفظ الصحابي على مجاميع توعدهم في النار في أحاديث الحوض التي مرت سابقاً وغيرها.

 وعرفنا أيضاً أن المنافقين كانوا غير معروفين، ولم ينكشف إلا القليل منهم، وقد أطلع الله نبيه’ على بعض منهم، كما أنّ النبيّ’ أطلع حذيفة على عدد منهم([255]).

 وبعد هذا كيف يمكن لكم أن تميزوا المنافقين من الصحابة؟ وما دام لم ينكشف أمرهم فهم من الصحابة ظاهراً، كونهم قد رأوا النبيّ ’ وأسلموا ظاهراً، فلا بدّ أن تشملهم العدالة والتقوى، بل ينبغي التأسّي بهم كالتأسي بصالح الصحابة!!

قلتم: الشيعة لا يمكنهم التفريق بين الصحابة والمنافقين

ثانياً: ذكرتم أنّ الشيعة لا يستطيعون التفريق بين الصحابة والمنافقين, ولا يستطيعون تبيين من هم المنافقون الذين أطلق عليهم أهل السنّة بأنّهم ذوو عدالة وتقوى؟

وثالثاً: أنّ المفسّرين حصروا تفسير الآيات بخصوص المنافقين، ولم ينسبوا أعمالهم إلى أي من الصحابة، كما لم يثبت أن أحداً من الصحابة الذين آمنوا بالنبيّ (صلى الله عليه وسلم) من المهاجرين والأنصار قد قال شيئاً من ذلك.

الجواب

نقول: نحن من نطالبك بأسماء المنافقين؛ لأنّ الآيات ذمت طوائف عديدة, وهؤلاء رأوا النبيّ’ وآمنوا به ظاهراً, فهم منتشرون بين الصحابة ومعدودون منهم, فكيف يمكنك أن تنفي وجودهم ضمن الصحابة والقرآن لم يسمّهم بأسمائهم, فنحن وطبقاً للآيات ندّعي أنّ في الصحابة منافقين مع أنّهم رأوا النبيّ’ وآمنوا به ظاهراً, ولم نعرفهم, ولم يبيّنهم لنا الله أو رسوله’, ولا يمكنك أنْ تنفي هذا المدّعى، وعليه فهذا العلم بوجود المنافقين بينهم يمنع من الحكم على جميع الصحابة بالعدالة.

 ثمّ كيف لك أنْ تثبت أن أحداً من الصحابة لم يقل ويفعل شيئاً مما ذكرته مضمون الآيات, فأين عندئذ مصاديق وتطبيقات هذه الآيات خارجاً؟

فهل يعقل أنْ تتحدّث الآيات بشكل نظري وخيالي؟ أم أن ما تحدثت عنه موجوداً, وقد اختلطت مصاديقه في عداد الصحابة العدول؟

إن الآيات صريحة في أن هناك عدداً ليس بالهيّن من المنافقين ومرضى القلوب والمرتابين، وأنّ النبيّ’ بنفسه لم يكن يعرفهم أجمع, فأين هم, وما هي أسماؤهم, فأنتم إذن من خلط بين الصحابة الأجلاء وبين المنافقين بقاعدة أنّ جميع الصحابة عدول, وعرّفتم الصحابي بأنّه كلّ من رأى رسول الله وآمن به.

 فلا بدّ إذن أن يكون كلّ شخص من المنافقين والمرتابين والمؤذين لله ورسوله ـ ما دام لم ينكشف حاله ـ عادلاً يجب احترامه وتقديسه, أمّا نحن فنرفض ذلك المبدأ، ونتقيد بالقرآن والسنة، ولا نقول بعدالة أحد إلا أن يقوم الدليل الخاص على عدالته، وإلا فإمّا أن يثبت انحرافه أو يبقى في دائرة الجهالة، التي تشمل النفاق أو الفسق أو العدالة.

 فالقاعدة عندنا أن الصحابة ثلاثة أنواع:

 الأول: من ثبتت عدالتهم, وهم محل تقدير وتبجيل, وهم شريحة كبيرة جداً، فقد ذكرنا سابقاً أنّ من اشترك مع علي× في حروبه فقط, كان زهاء ثلاثة آلاف صحابي من المهاجرين والأنصار. والنوع الثاني: هم المنافقون والفسّاق, والنوع الثالث: من لم يثبت في حقه لا فسق ولا نفاق ولا تعديل، فهو مجهول الحال.

 وهذه القاعدة أوضحتها الآيات الذاكرة للمنافقين أو الواردة في ذمّ بعض الصحابة، وكذا الروايات النبوية الذاكرة للمنافقين أو الذامة لعدد كثير من الصحابة، وأيضاً التاريخ المؤكّد لارتكاب بعض الصحابة لمخالفات فظيعة لا يقدم عليها المتدين العادي، كالقتل والزنا وشرب الخمر وغيرها, بل عرفنا أن ذلك البعض قد خالفوا النبيّ’ مراراً وأطلق عليهم لفظ العصاة, وغضب عليهم.

فلا يمكن حينئذ القول بعدالة الصحابة أجمع، ولا يمكن بعد أن ثبت وجود عصاة ومنافقين في نطاق الصحابة غير متشخّصة أعيانهم أن نجري أصالة العدالة في كلّ الصحابة, لعلمنا بأنّ عدداً معتدّاً بهم ليسوا كذلك, فأنتم تثبتون العدالة لهم؛ لكونهم صحابة, لا لكون الدليل دلّ على وثاقتهم, وعرفنا أنّه لا يوجد دليل عام على عدالة الصحابة أجمع.

قلتم: لا نستطيع إثبات ايمان الصحابة إلا عن طريقهم

ذكرتم: إنّ إيمان الصحابة ثبت بطريقهم هم فإذا كان إيمانهم ثابتاً استطعنا التفريق بين المؤمنين والمنافقين، وإلا فلا نستطيع أن نثبت إيمانهم.

الجواب

إنّ إيمان ووثاقة الصحابة لا يمكن أن نعرفه من طريقهم هم، كما زعمت ذلك أنت؛ لأن ذلك ـ كما يقول أهل المنطق ـ يستلزم توقف الشيء على نفسه، وهو غير ممكن؛ ضرورة أن إيمانهم لا بد أن يثبت في رتبة سابقة، بما ورد من أعمالهم واستقامتهم على الشريعة وطاعتهم لرسول الله’ لا بمجرد دعواهم ذلك([256]).

 أضف إلى ذلك: إن ثبوت إيمان شخص بدليل معتبر لا يعني بقاءه عادلاً إلى يوم القيامة, فإن بعض الصحابة اعترفوا بتضييع الدين والإحداث بعد رسول الله وحتّى الصلاة فقد ضُيّعَت([257]).

وقد تقدّم بيان كلّ ذلك في البحوث السابقة بذكر الشواهد والأدلة فلا نعيد.

فتبيّن من جميع ذلك, أنّ جوابك ممّا لا محصل له، وأنّ الآيات حجّة دامغة تثبت وجود عدد معتد به من المنافقين في زمن النبيّ’, وهذا العدد مبثوث ومنتشر بين الصحابة, وانتم تُجلّونهم وتقدّرونهم باعتبارهم من الصحابة بحسب الظاهر.

قلتم: جعل المنافقين من الصحابة تجني على النبي

في معرض ردك على كلامنا الذي قلنا فيه: «حصيلة ما يلاحظ في هذه الآيات: أنّ في الأصحاب عدولاً وثقات من غير شك وريب, ومنهم أيضاً غير عدول وضعاف».

فذكرتم في جوابكم على كلامي هذا جواباً خطابياً لا يمت للعلم وأهله بصلة حاصله: أننا نتجنى بكلامنا على رسول الله’ حينما نجعل المنافقين أصحابه، فإن المرء قرين أصحابه ويوزن بهم، فمن كان أصحابه فضلاء كان فاضلاً, ومن كانوا غير ذلك كان مثلهم.

ثم ذكرت أن علماء الأمّة، بل وحتّى جهلتها لم يقولوا أن المنافقين من أصحاب رسول الله’...ثم تساءلت: من هم العدول؟ ومن هم غير العدول؟ وحين افتقرت إلى الدليل أخذتك الحمية ورحت تتهجم كعادتك، فاتهمتنا بالقول بأننا نعتقد أن أصحاب النبيّ منافقون أو فساق, وزوجات النبيّ كافرات أو فاسقات, وجميع آل بيته كفار أو فساق إلا علياً وبعض ذريته, والقرآن محرّف أو ناقص..أيّ دين هذا؟!

الجواب

1ـ هذا كلام بعيد عن الصياغة العلمية والحوار الصحيح، فلا يحمل أي دليل، بل هو إسفاف من القول لا قيمة له.

2ـ وفقاً لما ذكرته، وأنّ الشخص يوزن بأصحابه، مع ملاحظة أنّكم ترون الرؤية المجرّدة للنبي’ كافية في تحقّق الصحبة, ينبغي أن تعتقد أنّ جميع أصحاب الأنبياء السابقين عدول وثقات, فكلّ أصحاب موسى× عدول، وكلّ أصحاب عيسى× عدول، وكذا أصحاب هود وصالح ونوح ولوط وبقية الأنبياء (عليهم جميعا سلام الله) كلهم عدول!!

وإلا لو لم تعتقد بذلك، وكنت ترى أن بعضهم لم يكن كذلك، كما هو الصحيح، فإنّك ستتهم جميع الأنبياء السابقين بالانحراف والفسق وعدم الفضيلة.. فأنت أسّست قاعدة وقلت: «فإن الشخص يوزن بأصحابه فمن كان أصحابه فضلاء كان فاضلاً, ومن كانوا غير ذلك كان غير ذلك», فاستعد إذن لملاقاة الأنبياء يوم الحساب!

 أمّا نحن فنجلّ الأنبياء وعلى رأسهم نبيّنا محمد’ من أن ننسب إليه ما ينقصه، ونقول بعصمتهم جميعاً من الصغائر والكبائر مطلقاً, بخلافكم حيث جوزتم على الأنبياء المعاصي، والعياذ بالله. ونقول انّه’، ومن سبقه من الأنبياء، بعثوا إلى أمم فيها الصالح والطالح، فبلّغوا رسالتهم على أتمّ وجه وأحسنه، وأنذروا أممهم، وأقاموا عليهم الحجّة، فمنهم من آمن وصلح حاله، ومنهم من تظاهر بالإيمان، ومنهم من كفر, فلا توزن الأنبياء بأممهم، ولا بكل من شاهدهم وحادثهم وتظاهر بالإيمان بهم.

ولو سلّمنا لك بذلك القول، فأنت تقرّ وتعترف أيضاً بأنّ صحابة النبيّ’ غير معصومين ويخطأون, وقد ثبت أنّ منهم من شرب الخمر ومنهم من زنا ومنهم من قتل النفس المحترمة... فهل توزن النبيّ’ بهم؟

فهل إذا شربوا الخمر نقيس النبيّ’ بهم فهم أصحابه, وإذا زنوا نقيسه بهم فهم أصحابه, وإذا سرقوا كذلك؟ إنّ هذا غاية الطعن والجرأة على رسول الله’.

3ـ ذكرنا بما لا مزيد عليه, أن المنافقين كانوا من الصحابة, وأن الخليفة عمر كان لا يصلّي على أحد مات حتّى يسأل حذيفة, وأن المنافقين غير معروفين، وكانوا ضمن مجتمع الصحابة، فقد رأوا النبيّ’ وآمنوا به ظاهراً([258]), وأنتم ترونهم عدولاً ثقات يجب تقديسهم واحترامهم.

4ـ يمكنك أن تميّز الصحابة العدول عن غيرهم بالرجوع إلى روايات الحوض، وترى كيف أن جمعاً من الصحابة يساقون إلى النار والنبيّ’ يقول: يا رب أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك([259])، ويمكنك أن تشخّصهم حين تقرأ: أنّ عمّار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار([260])، ويمكنك أن تعرفهم حين تقرأ قول النبيّ’ لعلي×: لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق([261])، وحين تعرف أن علياً مع الحق ومع القرآن([262]) وتعرفهم حين تعلم: أن ثلاثة جيوش قاتلت علياً×، وتعرفهم حين تقرأ قول ابن تيمية: «فإن كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبّونه ويقاتلونه»([263]). فلا يخفى عليك الميزان ـ بعد ذاك ـ في معرفة الصحابة العدول من غيرهم.

5ـ أمّا اتّهامك بأننا نعدّ الصحابة منافقين أو فساقاً, فقد تقدم أن الصحابة عندنا على أقسام، فمنهم من ثبتت عدالته، ومنهم ثبت نفاقه وفسقه، ومنهم المجهولون، وهذا التقسيم مستند إلى القرآن والسنة، كما تقدّم... وأمّا اتّهامك وإيحاؤك للقارئ بأن الشيعة تعتقد أنّ جميع زوجات النبيّ’ كافرات أو فاسقات، فسيأتي بطلان هذا الزعم، وأنه تحكم بلا دليل، وقد تعودنا على ذلك منكم، فكثيراً ما يعوزكم الدليل, فتكيلون الاتهامات، خصوصاً أنّ لغة التكفير شائعة في مذهبكم.

وأمّا اعتقاد الشيعة بأن جميع آل بيته كفار أو فساق إلا علياً وبعض ذريته!! فهو افتراء كبير وتجن في وضح النهار، ولا أخال أنك تصدّق بذلك, ويا حبذا لو ترشدنا إلى دليل واحد يبين أنا نكفر كلّ أهل البيت أو نفسقهم؟ وما هكذا تورد يا سعد الإبل!

وأمّا أنّ القرآن محرّف أو ناقص؛ فهذا ما لا نعتقد به، ولا نقول به، ونرفض كلّ ما دل على ذلك, فعقائد المذهب وخصائصه تعرف بما عليه مشهور علمائه ومحققيه, لا بشواذ الآراء, ولا برواياته الضعيفة أو المردودة.

 لكن في المقابل نطلب منك أن تدلّنا على آيات الرضاع المحرِّم التي رواها مسلم عن السيّدة عائشة, فمالنا لا نجدها في كتاب الله؟ فأين هي في القرآن؟ فقد توفي رسول الله وهن مما يقرأ([264])، فهل نسخت بعد وفاة رسول الله! أتقول بذلك؟ أم تنفي أن صحيح مسلم ثاني كتاب بعد كتاب الله؟

ثمّ أين الآيات التي أكلها الداجن([265]), وأين بقية آيات سورة الأحزاب([266]), وأين ذهب ثلثي القرآن على رأي الخليفة عمر بن الخطاب حيث قال: «القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف»([267]). والقرآن الذي بين يدي المسلمين أقلّ من ثلث هذا! فكتبكم ملأى بروايات صحيحة في التحريف, فإذا كان بيتك من زجاج فلا ترم الناس بالحجارة!

وقولك مستغرباً: أيّ دين هذا؟ فنقول: نعم, أيّ دين هذا الذي يأكل آيات قرآنه الداجن؟! بل أيّ دين هذا الذي يُقدّس فيه من يشرب الخمر ويسرق ويزني وينافق؟!

 وأيّ دين هذا الذي ينتقص من مروءة نبيه ’ فيصفه بالبول واقفاً([268])، وأنه رجل مشغوف بالجنس يطوف على جميع نسائه في ليلة واحدة، بل في ساعة واحدة([269]), وأنّه يستمع للجارية وهي تضرب بالدف وتتغنى([270])؟!

بل ويحمل السيّدة عائشة لتتفرج على الحفلات وخدها على خده، ويرضى أن تغني الجواري بحضرتها ويكون مزمارة الشيطان في بيته ؟!([271]).

وأيّ دين هذا الذي يريد نبيّه الانتحار بمجرّد حبس الوحي عنه ([272])؟!

فهل هذا هو الدين الذي تفتخر به وترى غيرك ممن لا يدين بمثله مدعى للاستغراب؟

نسأل الله تعالى الهداية للجميع.










حوار
حول أمهات المؤمنين


رأي الشيعة في طهارة أمهات المؤمنين

كنا قد قلنا: إنّ مقام الصحابة لم يكن أكثر امتيازاً من أزواج النبيّ’...

قلتم: الشيعة يشككون في طهارة أمهات المؤمنين

وقد أجبتم في ص109: بأننا بعد أن شككنا في عدالة الصحابة انتقلنا إلى التشكيك في طهارة وإيمان أمّهات المؤمنين.

الجواب

إنّ الذي طعن في طهارة أزواج النبيّ’ هم الصحابة أنفسهم, ولم يذكر أيٌّ من الشيعة ذلك، ولم يرتضوه، فهم ينكرون كلّ ما يخالف كتاب الله، فكلّ خبر ظاهره الطعن بطهارة نساء النبيّ’ يعدّ مخالفاً للكتاب والسنة فغير مقبول، ونضرب به عرض الجدار.

أمّا أنتم فتؤمنون بكلّ ما في صحيح البخاري, وقد جاء فيه أنّ الذي رمى السيدة عائشة بالفاحشة هم ثلة من الصحابة, منهم حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ومِسْطَح بن أُثاثة([273]), ومِسْطَح هذا من أهل بدر, وحسان شاعر النبيّ’, وقد حدّهم النبيّ’ بعد أن أثبت الله براءة زوجته([274]) أفلا يكفيكم هذا في التراجع عن القول بعدالة الصحابة أجمع؟

 فكان حريّاً بكم أن تتورعوا عن رمي الشيعة بالطعن بطهارة نساء النبيّ بهتاناً وافتراءً, وبلا دليل ولا حجّة, وأنْ يكون محطّ اهتمامكم في هذه المسألة بمَن شكّك فعلاً من الصحابة في عرض النبيّ’؛ لذا أنصحك بأن تفتح كتاب البخاري وتبحث عن ذلك لتكن على بيّنة وتتراجع عن الافتراء والبهتان الذي رميتنا به.

ثمّ إنّ عقيدتنا واضحة وجليّة في طهارة نساء النبيّ’، فنحن نعتقد باستحالة إمكان الزنا في زوجات النبيّ’ فضلاً عن وقوعه, فهو محال عقلاً, بغض النظر عن وجود دليل نقلي على ذلك من عدمه.

 يقول السيّد الطباطبائي في تفسيره: «إنّ تسرّب الفحشاء إلى أهل النبيّ ينفّر القلوب عنه, فمن الواجب أن يطهر الله سبحانه ساحة أزواج الأنبياء عن لوث الزنا والفحشاء, وإلا لُغيت الدعوة, وتثبت بهذه الحجة العقلية عفتهن واقعاً لا ظاهراً فحسب»([275]).

وقال العلامة عبد الحسين شرف الدين بخصوص السيدة عائشة: «إنها عند الإمامية وفي نفس الأمر والواقع أنقى جيباً وأطهر ثوباً وأعلى نفساً وأغلى عرضاً وأمنع صوناً وأرفع جناباً وأعز خدراً وأسمى مقاماً من أن يجوز عليها غير النزاهة, أو يمكن في حقّها إلا العفة والصيانة، وكتب الإمامية قديمها وحديثها شاهد عدل بما أقول.

 على أن أصولهم في عصمة الأنبياء تحيل ما بهتها به أهل الإفك بتاتاً، وقواعدهم تمنع وقوعه عقلا؛ ولذا صرّح فقيه الطائفة وثقتها أستاذنا المقدس الشيخ محمّد طه النجفي أعلى الله مقامه وهو على منبر الدرس: بوجوب عصمتها من مضمون الإفك؛ عملاً بما يستقل بحكمه العقل من وجوب نزاهة الأنبياء عن أقل عائبة, ولزوم طهارة أعراضهم عن أدنى وصمة، فنحن والله لا نحتاج في براءتها إلى دليل, ولا نجوز عليها ولا على غيرها من أزواج الأنبياء والأوصياء كلّ ما كان من هذا القبيل.

قال سيدنا الإمام الشريف المرتضى علم الهدى في المجلس 38 من الجزء الثاني من أماليه ردّاً على من نسب الخنا إلى امرأة نوح ما هذا لفظه: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجب عقلا أنْ يُنَزّهوا عن مثل هذه الحال؛ لأنّها تعر وتشين وتغض من القدر، وقد جنب الله تعالى أنبياءه عليهم الصلاة والسلام ما هو دون ذلك تعظيماً لهم, وتوقيراً لكل ما ينفر عن القبول منهم»([276]).

هذه هي عقيدة الشيعة بوضوح في زوجات النبيّ’ وهذا هو رأيهم بيّن لا يعتريه شك.

بينما في المقابل نرى أن السلفيّة تصرّ على إمكانيّة وقوع الفاحشة على نساء النبيّ’, وأن ذلك ليس بممتنع عقلاً، يقول الألباني في ذلك: «ولكنّه سبحانه صان السيّدة عائشة رضي الله عنها وسائر أمهات المؤمنين من ذلك كما عرف ذلك من تاريخ حياتهنّ، ونزول التبرئة بخصوص السيدة عائشة رضي الله عنها، وإن كان وقوع ذلك ممكناً من الناحية النظرية؛ لعدم وجود نص باستحالة ذلك منهنّ».

فهو يصرّح بأنّ وقوع الزنا والفحشاء ممكن في حدّ ذاته على نساء النبيّ’, وبعد أن ذكر كلاماً طويلاً حول الموضوع قال: «واعلم أنّ الذي دعاني إلى كتابة ما تقدم، أن رجلاً عاش برهة طويلة مع إخواننا السلفيين في حلب، بل إنه كان رئيساً عليهم بعض الوقت، ثمّ أحدث فيهم حدثاً دون برهان من الله ورسوله، وهو أنْ دعاهم إلى القول بعصمة نساء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأهل بيته وذريته من الوقوع في الفاحشة، ولما ناقشه في ذلك أحد إخوانه هناك، وقال له: لعلك تعني عصمتهن التي دلّ عليها تاريخ حياتهن، فهن في ذلك كالخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة المشهورين، المنزهين منها ومن غيرها من الكبائر؟ فقال: لا، إنما أريد شيئاً زائداً على ذلك وهو عصمتهن التي دل عليها الشرع، وأخبر عنها دون غيرها مما يشترك فيها كلّ صالح وصالحة، أي العصمة التي تعني مقدماً استحالة الوقوع !...».

ثمّ ذكر كيف أنّه وعدّة من مشايخ السلفية حاوروا ذلك الرجل وحاولوا إرجاعه عن رأيه دون فائدة, فانتهى الأمر إلى مقاطعته([277]).

وغرضنا من نقل كلّ هذا الكلام؛ هو بيان الموقف السلفي المصرّ على عدم عصمة نساء النبيّ من الفاحشة، وأن ذلك ممكن على أمثال السيّدة عائشة, بل ويعتقدون بإقرار النبيّ’ لذلك، وأنّه شكّ بالسيّدة عائشة قبل تبرئتها من الوحي, وهذا الكلام فيه تجاسر على النبيّ’ ومقامه الكريم كما لا يخفى.

فمن الغريب إذن أن نرى فوّهات البنادق توجّه نحو الشيعة في مسألة اتّهام السيّدة عائشة, مع اعتقادهم بعصمة النبيّ’ واستحالة صدور الفاحشة على نسائه, وكما يقول المثل العربي: رمتني بدائها وانسلت, والله المستعان على ما تصفون.

قلتم: الأدب مع النبي إذا ذكر: أن يصلى عليه

ذكرنا أنّ التشرّف بصحبة النبيّ’ لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرّف بالزواج من النبيّ’، وقد قال سبحانه في شأن أزواجه: {يَا نسَآءَ النبيّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَة مُّبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}([278]).

وأجبتم:أوّلاً: أنّ الأدب مع النبيّ’ إذا ذكر أن يُصلّى عليه.

الجواب

لا شكّ أنّ هذا تصيّد بالماء العكر، فقد سقطت الصلاة هنا من الطباعة وليست من لفظ فمي, وأنت تعرف نحن لا نترك الصلاة على النبيّ’ بأيّ حال من الأحوال, كما تشاهده في تمام صفحات الكتاب, لكنّ الملفت للنظر أنّكم ترفضون الصلاة على الآل، فلم أرك تصلّي عليهم في كتابك هذا, ولا في أقوالك, وهذا خلاف تعليم رسول الله’ لكيفية الصلاة عليه, وبهذا تكون قد خالفت طريقة النبيّ’ وسنّته, ولم تعظم مكانته كما يريد هو, فالصحابة قد سألوه عن كيفية الصلاة عليه وعلمّهم ذلك، كما في البخاري وغيره، حيث قال لهم: «قولوا اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انّك حميد مجيد, اللهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد»([279]).

فهل هناك ما يبرر ترك الصلاة على الآل, وهل تعدّ نفسك مصلياً على النبيّ’ وأنت تخالف طريقته وسنّته في ذلك؟

قلتم: الشيعة ينفون قيمة الصحبة والزواج من النبي

ثانياً: ادّعيتم أنّنا ننفي أن توجد قيمة للصحبة والزواج من النبيّ’، ثم بدأتم تبينون أن لبعض الأماكن فضلاً, وأنّ لبعض الأزمان فضلاً, ومثلتم بالمدينة ومكّة, وبينتم أن الصحابة كانوا يتبركون بوضوء النبيّ وبشعره وملابسه...ثمّ ذكرتم قصّة مصطنعة على أن بعض الشيعة يفرح باستمتاع الخميني بطفلته الصغيرة البالغة أربع أو خمس سنوات! والحضور جالسون ويسمعون صراخ الطفلة مع الخميني وهو يستمتع بها!!

الجواب

1ـ أمّا هذه القصة فلا أخال أنّ من له عقل من أمثالك يصدّق بها, وقد ذكرنا لك مراراّ أنّ كتاب (لله ثمّ للتاريخ) هو ألعوبة تنطوي فقط على السذّج, ولا ينبغي التصديق بها([280]), وقد حاورناك مباشرة في هذا الكتاب, في بيتك في ليلة السبت المصادف 17 من ذي الحجة لسنة 1427هـ، وأوضحنا لك أن مؤلف هذا الكتاب المزيف يجهل أوضح مصطلحات الشيعة, وأن حسين الموسوي لا يعرفه أحد، وذكرنا لك نقوضاً عليه غير قابلة للرد، فقلت لي بعد ذلك: لو كانت الشيعة تكذب هذه القصة فأنا سوف أحذفها في الطبعات الأخيرة من كتابي([281]), ونتمنى أن نراك قريباً وأنت تفي بوعدك وتحذف هذه القصة من طبعات كتابك, ليكون الحوار بمستوى يليق بالطرفين.

على أن مخترع الكتاب لم يكن موفقاً في صياغة قصته الموضوعة بصورة تستميل القارئ, فإن كلّ من عرف شيعة العراق ومن جاورهم والساكنين معهم وخصوصاً شيعة جنوب إيران وتقاليدهم, وعرف النَفَس المحافظ والمتشدد إزاء مسألة الأعراض والزواج؛ لضحك وقهقه على كلام المؤلف, خصوصاً أنه يصور المسألة أن الخميني مع الفتاة الصغيرة والقوم ينتظرون ويسمعون صراخ تلك الطفلة, وأبوها بمنتهى السرور, فياله من وضّاع أحمق, إذ لا يوجد عاقل على وجه الكرة الأرضية يفعل هذا أو يصدّق به، خصوصاً أنّ من تقاليد عشائر العراق والعرب من جنوب إيران عدم حضور والد البنت ولا أقربائها في ليلة زفاف بنتهم حياء وخجلاً، فكيف أنّ الأب كان فرحاً مسروراً وهو يسمع صراخ ابنته, وهي طفلة, وبزواج منقطع وليس دائماً!!!

على أنّ الكل يعلم أنّ الزواج المنقطع، ولو كان حلالاً، إلاّ أنّه ليس له رواجاً ولا تطبيقاً عند غالبية الشيعة, فإن الأعراف العشائرية لا ترتض ذلك ولا تسمح به، خصوصاً بالكيفية المزرية التي يصورها الموسوي هذا.

ومن المؤسف أنّ الاختلاف في العقيدة تحول إلى تسقيط للشخصيات العلمية, ونشر ترهات وسفاسف نجلُّ عقولكم عن قبولها!!

2ـ لا يوجد عندنا ما يدلّ على عدم وجود قيمة للتشرف بصحبة النبيّ’ أو الزواج منه، وهو افتراء واضح, فأكثر من مرة نجدك تقوّلنا ما لم نقله, نعم نحن نقول: إنّ الصحبة لوحدها غير كافية في تحويل الإنسان من شخص عادي إلى شخص عادل يجب احترامه وتقديسه, فالصحبة بما هي ليس لها قيمة يرتفع على ضوئها مقام الإنسان, بل الصحبة مع العمل الصالح والإخلاص لله ترفع قيمة صاحبها إلى درجات عليا, فشرف الصحبة يعطي للإنسان قيمة عند تفانيه في الله وإخلاصه في عمله, أمّا الصحبة المجردة عن العمل, بل المشتملة على المعاصي والمحرمات, فهي ليست معياراً لتزكية أي شخص مهما كان.

 وهذا التفريق عند الشيعة بين الصحابة, وأن منهم من بلغ الدرجات العلى, ومنهم من لا يستحق وسمه بالعدالة ـ كما كررنا ذلك مراراً ـ ليس وليد أفكارهم, أو نتيجة تعصبات مذهبية, بل هو تمسّك محض بما جاء في القرآن والسنّة النبوية المباركة, حيث دلّت الآيات وكذا الروايات على أنّ جملة من الصحابة قد انحرفوا وحادوا عن جادة الصواب, وصرحت الروايات بدخول بعضهم النار, فكيف يمكن احترام الصحابة أجمع والحال هذه؟ فهل من يصرّح النبيّ’ بدخوله النار يكون محلا للاحترام والتقديس؟

 وهل من يطعن في عرض النبيّ’ ويتّهم زوجاته بالفاحشة جدير بالتقدير والاحترام؟

وكذا الكلام في زوجات النبيّ’, فالزواج والقرب من النبيّ’ يزيد من قيمة صاحبته إذا أخلصت وتفانت في طاعة الله تعالى, فإن التشرف بالقرب من النبيّ’ والزواج منه لا يختص بنبينا محمد’، فكل من تزوجت نبي من الأنبياء فلا شك في أنّ لها قيمة عالية, لكن بشرط طاعتها لله ورسوله, والقرآن هو الذي أرشدنا إلى ذلك، حيث ذمّ زوجة لوط وزوجة نوح لخيانتهما زوجيهما فلم يُغنيا عنهما من الله شيئاً, فالزواج والصحبة من دون عمل وتقوى وطاعة ليس لها قيمة تذكر؛ بل عقوبة العصيان وعدم الالتزام بالتقوى عليهن أشدّ من غيرهن, كما في قوله تعالي: {يَا نِسَاء النبيّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}([282]).

3ـ نحن لا ننكر أنّ لبعض الأوقات فضيلة خاصة كليلة الجمعة وأيّام العيد وغيرها, وأن لبعض الأمكنة فضائل خاصّة, كمكّة, والمدينة, وغيرها, لكنّ الغريب هو نكرانكم ذلك, واتهامكم من يعظّم مشهد الحسين ـ وهو سيّد شباب أهل الجنّة بنصّ قول رسول الله’ ـ بأنّه كافر ومشرك، ونهيكم عن تعظيم مشاهد الأئمة والصالحين, وتَسِمون من يزورونهم ويعظمهم بالكافر والمشرك, مع أنّ قصد الزائر هو طاعة الله في تلك الأماكن لبركتها وعظمها عند الله, وذلك لأنّها تشرّفت بضمّ جسد وليّ من أولياء الله, وهذا الأمر كان يفعله كبار علماء السلف, فابن حبّان كان يزور قبر الإمام عليّ بن موسى الرضا× ويدعو الله هناك فيستجاب له ذلك, وقد جرّب ذلك مراراً عديدة كما يقول([283]), وأبو عليّ الخلال من مشايخ الحنابلة في عصره كان يتوسّل بقبر موسى بن جعفر فيستجاب دعائه([284]), فلماذا حين يزور الشيعي قبور أئمّة أهل البيت يكون كافراً ومشركاً!!

قلتم: الزواج من النبي شرف ورفعة وتطهير من الدنس

ثالثاً: ذكرت أنّ الزواج منه شرفاً ورفعة..واستشهدت بالآيات: {يَا نِسَاء النبيّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاء النبيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}([285]). وذكرت أن الله بين أنهنّ لسن كأحد إن اتقين, ووعدهنّ بمضاعفة الأجر وبمضاعفة العقوبة، وأراد بهذه التشريعات أن يذهب عنهن الرجس ويطهرهنّ تطهيراً, وقلت بأنكم تعتقدون أن ذلك قد تحقق فيهنّ.

الجواب

ذكرنا لك أنّ شرف الصحبة وشرف الزوجية ليس لهما قيمة من دون عمل وتقوى, وها أنت تقرّر ما ذكرناه بذكرك للآية الدالة على ذلك, فالآية تقول: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}، فالمناط هو التقوى, فالزوجية والصحبة غير عاصمة من الانحراف, لكنها ترفع من شأن الإنسان المتقي, وحينئذ فلا معنى للتمسك بالعدالة من أجل الصحبة فقط, فهي غير عاصمة, لكنها ترفع من شأن من يتق الله سبحانه وتعالى.

قال ابن الجوزي: «(إنْ اتقيتن)، فشرط عليهن التقوى بياناً أن فضيلتهن إنما تكون بالتقوى، لا بنفس اتصالهن برسول الله»([286]).

أمّا آية التطهير, فنحن لا نشاطرك الرأي في شمولها لنساء النبيّ’ فالروايات دلّت على اختصاصها بأهل البيت: محمد’ وعلي وفاطمة والحسن والحسين^.

فقد أخرج مسلم عن السيّدة عائشة، قالت: >خرج النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) غداةً، وعليـه مِرْطٌ مُرجَّـلٌ من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمَّ جاء الحسين فدخل معه، ثمَّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمَّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمَّ قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}([287]).

وأخرج الترمذي عن أُمِّ سلمة، قالت: «إنَّ النبيّ جلَّل على الحسن والحسين وعليٍّ وفاطمة كساءً، ثمَّ قال: اللَّهم هؤلاء أهل بيتي وحامَّتي، أذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً»، فقالت أمُّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: إنَّك إلى خير».

قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح...»([288]).

وأخرج الحاكم عن أنس بن مالك: «أنَّ رسول الله كان يمرُّ بباب فاطمة ستَّة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}».

قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وأقرّه الذهبي في (التلخيص)([289]). وأخرجه الترمذي، وقال: «هذا حديث حسن»([290]).

إلى غير ذلك من الروايات الصحيحة الكثيرة، والتي تثبت بوضوح اختصاص عنوان (أهل بيت النبيّ) بأربعة، وهم عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين؛ لذا قرأنا فيما صحَّ عن النبيّ أنَّه منـعَ أمَّ سلمة منَ الدخول معهم، وقـال لها: «إنك إلى خيـر». كما عرفنا أنَّه كان يمرُّ ببيت فاطمة ـ وهو بيت علي والحسنين ـ مُدّة ستَّة أشهر ويقول: الصلاة يا أهل البيت، ثمَّ يتلو الآية الكريمة.. ولم نقرأ ولم نسمع أنَّه مَرَّ ساعةً واحدة على أحد بيوت أزواجه وفعل مثل ذلك. ثمَّ إنَّ وضع الكساء على هؤلاء الأربعة وقوله: اللَّهم هؤلاء أهل بيتي، فيه قرينة حالية واضحة على حصر أهل البيت في زمانه بهؤلاء الأربعة. وبهذا يندفع القول بأنَّها شاملة لنساء النبيّ فضلاً عن القول باختصاصها بهنَّ.

 فيتضح أنَّ الآية مُختصَّة بالخمسة أصحاب الكساء، وهم نبيُّنا محمَّدٌ، وعليُّ بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء، والحسن والحسين^.

وقد قال بهذا جمعٌ من علماء أهل السُّـنَّة، منهم: القرطبي([291])، والطحاوي([292]), وابن عساكر([293])، والسقاف([294])... وغيرهم.

قلتم: تشبيه الصحابة بحال أمرأتي نوح ولوط خطأ

رابعاً: ذكرتم ص113 أنّ تمثيل حال الصحابة بحال امرأتي نوح ولوط تمثيل خاطئ, سببه ما استقر في ذهن الشيعة من اتهام الصحابة بالكفر والخيانة...

الجواب

 نقول: عجباً لهذا الفهم غير السليم!! فإن المراد من التشبيه أنّ الصحبة لذاتها لا تغني من عذاب الله شيئاً, فزوجَتَي نوح ولوط خانتا زوجيهما, فالزوجية لم تعصمهما ولم تغن عنهما من عذاب الله شيئاً، كما صرّحت الآية, فالقرب من النبيّ’ من دون عمل وتقوى لا يغني, فالتشبيه في محلّه, ولا ربط له بكفر وخيانة الصحابة, فالتشبيه ليس منصباً على نوع العمل, بل ناظر إلى انتفاء فائدة الصحبة عند عدم العمل الصالح والتقوى, كما صرّح بذلك كبار علمائكم, كابن الجوزي, وابن القيّم, والشوكاني, وغيرهم([295]).

 مضافاً إلى أنّه تقدم مراراً بأنّنا لا نقول بكفر الصحابة, بل نقول: إنّ دعوى عدالتهم أجمع غير صحيحة.

قلتم: الكفر يحرم الاستفادة من الأنبياء بخلاف الإسلام

خامساً: ذكرتم أنّ الكفر يحرم الاستفادة من الأنبياء, أمّا الإسلام إذا شابه معصية فلا يحرمه الاستفادة؛ فإن المسلم العاصي تناله بركة متابعة النبيّ’، وذكرت رواية عن الشفاعة، وأردفتها بأنّ الخوارج والمعتزلة والشيعة الإمامية محرومون من هذه الشفاعة لإنكارهم لها.

الجواب

 قلنا: إنّ المراد من الآية هو أنّ الصحبة والقرب من النبيّ’ لذاته لا يعصم الإنسان ولا يغنيه من عذاب الله, فإذا كانت بعض زوجات الأنبياء قد خانتا وقد توعدهما الله بدخول النار, ولم ينفعهما أزواجهما في ذلك. فالصحابي أيضاً يجوز عليه الانحراف, ولا تغنيه الصحبة عن ذلك, وأوردنا لك أقوالاً عديدة لعلماء أهل السنّة تفسّر الآية بما ذكرناه([296]), وأنّها تحذير للسيّدة عائشة وحفصة حين تظاهرتا على النبيّ’ وأنّ زواجهما منه’ سوف لا ينفعهما, ونراك ـ كما سيأتي ـ عجزت عن ردها.

وإقحامكم لمسألة الشفاعة هنا لا يخلو من غرابة تدلّ على عدم تعمقك ودقتك في المطلب, فإن أمر الشفاعة مختصّ بيوم القيامة, والإيمان به لا يؤدي إلى تعطيل الأحكام في الدنيا والتعامل مع الأشخاص حسب أفعالهم وأقوالهم.

عقيدة الشيعة بالشفاعة

 والشيعة ممن يؤمنون بالشفاعة، بل هي من ضروريات اعتقاداتهم، وقد تحاورت معكم في بيتكم عن هذا الأمر وبينت لكم أنّنا من القائلين بالشفاعة في يوم القيامة([297]), لكن الغريب هو إقحامك الموضوع في غير محلّه, فالشفاعة غير مختصّة بالصحابة, بل غير مختصة بأهل الإيمان على ما قررت أنت نفسك في ص113, حيث قلت: «وهكذا تنال بركته صلوات الله وسلامه عليه حتّى غير المسلمين».

فكون شفاعته تنال غير المسلمين لا تعني أن امرأتي نوح ولوط سوف تنالهما شفاعته, ولا تعني أن جميع الكافرين سوف تنالهم أيضاً, وهذا واضح, فكون الشفاعة تنال من اتّبع نبي الإسلام’ لا تعني أنّ الجميع سيحضى بشفاعته, مضافاً إلى أنّ الشفاعة لم ترد في خصوص أزواج النبيّ’ وأصحابه، بل هي لأهل الكبائر من الأمّة, وبهذا تكون شاملة للجميع, فهل من تشمله الشفاعة نحكم عليه بالعدالة في الدنيا ويجب علينا احترامه وتقديسه, فشتّان ما بين الأمرين, فدمجك للمطلبين معاً غير صحيح.

 فالقول بالشفاعة لا يعني أنّ القرب من النبيّ’ بالزواج أو الصحبة عاصم ومنقذ من العذاب, فكما أنّ غير الصحابي قد تشمله الشفاعة مع كونه في الدنيا من أهل الكبائر, فكذلك الصحابي, ولا يعني هذا أن نقدس جميع الناس ونصفهم بالعدالة ونتأول لهم أعمالهم, فدلالة الآية تامة وصريحة في أنّ الانتساب إلى النبيّ’ بالصحبة والزوجية غير عاصم عن الانحراف, وغير منقذ من عذاب النار, ولم نجد منك ما ينهض لبيان أن الزوجية والصحبة لوحدهما ومن دون تقوى تعطي لصاحبهما قيمة وشرف أكثر من غيره.

هذا مضافاً إلى أنّا ذكرنا في البحوث السابقة أنّ النبيّ’ أخبر عن دخول جمع كبير من الصحابة في النار، وأنّ منهم عصاة لا يأتمرون بأوامره’ فلا نعيد.

ولنا تعقيب صغير قبل أن ننتقل إلى مطلب آخر، وهو أنك تعتقد بأنّ الشفاعة تنال حتّى غير المسلمين يوم القيامة، فأقول: لئن كان هذا اعتقادك, فلماذا لا تعتقد أن الشفاعة ستنال الشيعة من المسلمين؟ أم أن الشفاعة خصّصها الله تعالى بغير الشيعة من العالمين؟!!

قلتم: كتب الشيعة تجعل الأئمة أفضل من النبي

سادساً: قلت ص 113: كتبكم تجعل كلّ من انتسب إلى الأئمة مغفوراً له ولو عصى الله عزّ وجلّ, وتجعل من لم يوالهم في النار ولو عبد الله, فهل هم أفضل من رسول الله’؟ واستشهدت بروايتين من الكافي تدلّ الأولى على أن مبغض أهل البيت يدخل النار, وتدلّ الثانية على غفران ذنوب الموالين لأهل البيت^.

الجواب

إنّ ما ذكرته لا علاقة له بمحلّ النزاع, ولم نتبنَ ولا يتبنى أي مسلم قط بأنّ الأئمة أفضل من النبيّ’، غاية الأمر أن الشفاعة كما هي ثابتة للنبي’ فهي بحسب عقيدة الشيعة ثابتة لأهل بيته^, فنحن لم نقل إنها ثابتة لأهل البيت ولم تثبت للنبي’، وثبوتها لخلفائه وورثة علمه والأوصياء من بعده لا تعني تفضيلهم عليه.

وبعد أن أوضحنا لك عقيدتنا بالشفاعة بصورة مجملة، وبينّا لك أنك أخطأت محلّ الحوار, وخلطت المواضيع مع بعضها, نأتي لنتكلم عن الروايتين اللتين أوردتهما من الكافي:

الرواية الأولى: عن النبيّ’ أنّه قال: «... فلو أنّ الرجل من أمتي عَبَد الله عز وجل عمره أيام الدنيا, ثم لقي الله مبغضاً لأهل بيتي وشيعتي, ما فرج الله صدره إلا عن النفاق»([298]). واستفدت منها أن من لم يوالهم في النار ولو عبد الله.

 والجواب: إن الرواية واضحة وصريحة في أنّ مبغض أهل البيت^ في النار, وهذه عقيدة متفق عليها عند الشيعة والسنة, فإن حب أهل البيت ضرورة لا ينكرها أحد من الفريقين، ودلّت عليها الأخبار والروايات, وأن منكر الضرورة كافر بإجماع الفريقين, فلا ندري ما هو هدفك من الدفاع عن مبغضي أهل البيت^, أفهل نسيت أو تناسيت أن مسلماً في صحيحه يروي أن علياً لا يحبّه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق([299])، أو هل غَفلْتَ عن عقيدتك التي تدين الله بها وهي وجوب حبّ أهل البيت^, أفهل ينسجم الحب مع الدفاع عن مبغضيهم؟!!

والأغرب أنك قد علّقت بعد الروايتين بما نصه: «رحم الله أهل البيت كم لقوا من هؤلاء الكذابين من الافتراء».

أَفَترى أنّ تقرير عقيدة إسلامية متّفق عليها هو افتراء وكذب؟ فهل نفهم أنّك لا تؤمن بضرورة محبّة أهل البيت^؟

وهل تترحم على أهل البيت في الوقت الذي تدافع عن مبغضيهم؟

وما الذي تجنيه من دفاعك عن مبغضي أهل البيت؟ أسئلة بحاجة إلى تأمّل!

الرواية الثانية: ما ورد عن الإمام الكاظم× أنّه قال: «إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم, فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله حتمنا على الله في تركه فأُجبنا إلى ذلك, وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم وأجابوا إلى ذلك وعوضهم الله عز وجل»([300]).

والجواب: قد تقدّم أننا نؤمن بالشفاعة في يوم القيامة وهي ثابتة للنبي’ ولأهل بيته, والرواية تشير إلى هذا الأمر, وأنّ الأئمة من أهل البيت سوف يشفعون لشيعتهم يوم القيامة, فما علاقة هذا بالصحبة والزواج منه’ في دار الدنيا, فنحن لا ندّعي أنّ من كان مشمولاً بالشفاعة، فهو عادل في دار الدنيا يجب احترامه وتقديسه, بل نقول: إن الميزان هو التقوى, وكلّ إنسان خاضع في هذه الدار إلى القوانين الإلهية, أمّا الشفاعة فهي تفضّل وامتنان من الله تعالى لأمّة النبيّ محمّد’، بأنْ جعل لهم شفعاء يشفعون لهم يوم القيامة كلّ بحسبه.

مضافاً إلى أنّ شفاعة أهل البيت^ لاتشمل حتّى العاصي الذي يجهر بعصيانه لله سبحانه ليلاً ونهاراً, ثمّ يرجو شفاعة أهل البيت^ اتكالاً على محبتهم. فقد أخرج الكليني في الكافي بسنده إلى جابر, عن أبي جعفر ×, قال: «قال لي: يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول بحبّنا أهل البيت، فوالله, ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع, والتخشّع, والأمانة, وكثرة ذكر الله, والصوم, والصلاة, والبر بالوالدين, والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة, والغارمين, والأيتام, وصدق الحديث, وتلاوة القرآن, وكفّ الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء. قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله، ما نعرف اليوم أحداً بهذه الصفة، فقال: يا جابر، لا تذهبن بك المذاهب، حسب الرجل أن يقول: أحِبّ علياً وأتولاه ثمّ لا يكون مع ذلك فعّالاً؟ فلو قال: إني أحبّ رسول الله فرسول الله خير من علي× ثمّ لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ [وأكرمهم عليه] أتقاهم وأعملهم بطاعته، يا جابر، والله ما يتقرب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي, ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو، وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع»([301]).

 فهذا الحديث يلخّص موقف الشيعة ممّن يدعي حبّ أهل البيت ولا يعمل بعملهم.

أزواج النبي وأقوال العلماء في تفسير  آية: { فلم يغنيا }

ذكرنا عدّة أقوال لعلماء أهل السنّة تؤيد ما قررناه في الآية من أن الصحبة والزواج من النبيّ’ غير نافع بمجردها ومن دون تقوى وإخلاص, فلا ينفع الإنسان صلاح غيره كما لا تضر المطيع معصية غيره([302]).

وحيث إنكم أعدتم بعض الأقوال في تفسير الآية مجدداً وحاولتم الإجابة عليها, لذا نعود فنذكر الأقوال مرة أخرى، ونجيب عما أوردتموه عنها:

قول ابن الجوزي في تفسير الآية

كنا قد نقلنا قول ابن الجوزي حين قال: «قوله عزّ وجلّ: {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شيئاً} أي: فلم يدفعا عنهما من عذاب اللّه شيئاً، وهذه الآية تقطع طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه صلاح غيره، ثمّ أخبر أنّ معصية الغير لا تضرّ المطيع، بقوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ} وهي آسية بنت مزاحم (رضي اللّه عنها)، وقال يحيى بن سلام: ضرب اللّه المثل الأول يحذّر به عائشة وحفصة (رضي اللّه عنهما)، ثمّ ضرب لهما هذا المثل يرغبهما في التمسّك بالطاعة، وكانت آسية قد آمنت بموسى»([303]).

قول الطبري في تفسر الآية

ونقلنا لكم أيضاً قول الطبري بعد نقله الآية الشريفة، حيث قال: «لم يغن صلاح هذين عن هاتين شيئاً، وامرأة فرعون لم يضرّها كفر فرعون<. ثمّ روي عن بشر، قال: >ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط..} الآية، هاتان زوجتا نبي اللّه لمّا عصتا ربّهما، لم يغن أزواجهما عنهما من اللّه شيئاً»([304]).

قلتم: القرآن إنما يضرب الأمثال للتربية

وقد أجبتم عن هذه الأقوال: أولاً: أنّ القرآن يضرب الأمثال للتربية... يحذّر في المعصية ويرغب في الطاعة.

الجواب

صحيح أن القرآن يضرب الأمثال للتربية، إلاّ أنّه في الآية تعريض ظاهر شديد بزوجَتي النبيّ’ السيدة عائشة والسيدة حفصة، حين أفشتا سرّه, وتظاهرتا عليه, وآذتاه بذلك([305]), فالآية وردت في التهديد والوعيد والإنذار، وبيّنت صراحة أن الزواج من النبيّ’ سوف لن ينجيهما من عذاب الله إن لم يتوبا, ويؤيّد ذلك سياق الآيات الواردة في سورة التحريم، قال تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النبيّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فإن اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسـَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً}، ثم بعد عدة آيات تؤكّد على أن كلّ إنسان يُجزى بعمله، وتحثّ على التوبة، وتأمر النبيّ’ بمجاهدة الكفار والمنافقين، يأتي قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شيئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إذ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}([306]).

فالآيات تناولت التهديد والإنذار لنساء النبيّ’، وأوضحت كبر فعلهما بحيث قال الله: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فإن اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}.

انظر! فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة, كلّهم بعد ذلك يقفون مع رسول الله’ ضدّ ذلك التظاهر وينصرونه, ثم أكّدت الآيات على أنّ كلّ إنسان يجزى بعمله فقط, ثم شددت على جهاد الكافرين والمنافقين، ثمّ ضرب الله مثلاً أكّد فيه أنّ العاصم من الله هو التقوى، فلا ينفع الارتباط بالنبيّ’ بلا إيمان وتقوى, كما أن الارتباط بالمسيء لا يضرّ بعمل الإنسان الصالح عند الثبات على الإيمان والتقوى.

فالقرآن يقرّر قاعدة واضحة وجلية وهي أنّ المعيار إنّما هو التقوى, فلا القرب من الصالحين بزواج أو غيره ينفع بلا عمل، ولا القرب من العصاة كذلك يضرّ مع العمل والتقوى والإيمان.

أما قولكم: ليس في المثل ما يصف السيدة عائشة وحفصة بالكفر أو يصفها بالمعصية.

 فجوابه: أننا لم نقل: إنّ المثل وصفهما بالكفر أو المعصية, بل المثل قرّر عدم الانتفاع من النبيّ’ عند المعصية، وأن الزواج منه لوحده غير كاف في النجاة من عذاب الله.

على أنّ الآيات التي في أول السورة قررت المعصية فلاحظ.

قلتم: قول ابن الجوزي لا يتنافى مع الشفاعة

ثانياً: أقررتم قول ابن الجوزي بأن الآية تقطع طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه صلاح غيره... وأكّدتم هذا المعنى بذكر رواية نبوية, وأجبتم بأن هذا لا يتنافى مع الشفاعة، فإن عدم الانتفاع سببه الكفر لا الإيمان.

الجواب

مع إقراركم بكلام ابن الجوزي، وقبولكم بأن المسؤولية أمام الله فردية تكون قد وافقتنا فيما نقول، ثم إنّ الشفاعة التي ذكرتها وحاولت الاستدلال بها غير مختصة بنساء النبيّ’, وغير مختصة بصحابته, بل هي لأهل الكبائر من أمته’ في يوم القيامة, فهل نقدس ونحترم أهل الكبائر في الدنيا؛ لأنّه من المحتمل أن تشملهم شفاعة النبيّ’؟ ثمّ ما علاقة هذا بالزواج من النبيّ’ أو مصاحبة النبيّ’، فكون الشفاعة تشمل حفصة والسيدة عائشة وأصحاب النبيّ’ لا يعني أنّ قربهم من النبيّ’ كان مفيداً ونافعاً, بل يثبت أنّ حالهم كحال غيرهم ممّن تشملهم الشفاعة.

قلتم: أمهات المؤمنين بشر وبحاجة إلى التربية

ثالثاً: ذكرتم: أنّ زوجات النبيّ’ لم يخرجن عن دائرة البشرية, فهنّ يحتجن إلى تربية وتوجيه.. وحياته أسوة, فلا يتحقق كلّ شيء بالخوارق..

الجواب

 نعم, إنّ نساء النبيّ’ لم يخرجن عن دائرة البشرية, وهذا ما نؤكّده لكم مراراً, وعليكم أن تثبتوا لنا بأن الجميع قد تأثّر بفكر النبيّ’ ووصل إلى درجة عالية من التقوى والصلاح, فإن النبيّ’ كان منذراً ومبلغاً ولم يستخدم الإعجاز في تغيير سرائر زوجاته وسائر الناس, فمنهم من آمن ومنهم من كفر, وأنتم تعترفون أنّ هناك من بين الصحابة الذين آمنوا قد ارتدّ وكفر, وهذا لا يعني أنّ النبيّ’ لم يكن معلّماً صالحاً, بل إنّ السرائر كانت مريضة وتحمل بداخلها رواسب الجاهلية([307]).

مضافاً إلى أنّ هذا الكلام خارج عن محل الآية, فالنزاع في أنّ نفس الزوجية هل هي منجية من عذاب الله أم لا؟ والآية تقرّر أنّ المنجي هو العمل الصالح, والزوجية بلا عمل لا نفع لها, فما ربط التربية بالموضوع؟ ومن المسلّم أنّ من يستلهم تعاليم النبوة ويتّبع النبيّ’ ويطيعه سيكون في الجنة ولو لم يکن من أصحابه , لكن هذا أجنبي عن محل النزاع.

قلتم: ابن الجوزي لم ينف التشريف بالزواج من النبي

رابعاً: ذكرتم: إن ابن الجوزي لم ينف حصول التشريف بالزواج منه, وإنّما يقرّر أن الإنسان محاسب على عمله... وذكرتم له كلاماً آخر يدلّ على تشريفهنّ ويذكر بعض مزاياهنّ وسيأتي ذكره أثناء الجواب.

الجواب

 إنّ ابن الجوزي استفاد قاعدة من الآية، فقال: «إنّ الآية تقطع طمع من ركب المعصية, ورجا أن ينفعه صلاح غيره» فهو يقرّر أن الزواج من النبيّ’ من دون عمل صالح ولا تقوى غير مفيد, فكلامه صريح في عدم الانتفاع من النبيّ’ بمجرد الزواج منه’، أمّا ما ذيلت به كلامك من أن ابن الجوزي لم ينف حصول التشريف بالزواج، وأنّه ذكر في موضع آخر أنّ المفسرين قالوا: إنّ الله أثابهن بثلاث: التفضيل على سائر النساء, وجعلهن أمّهات المؤمنين، وحظر عليه طلاقهنّ، فهو غير نافع في المقام لأمور:

أـ إنّك اقتطعت من كلام ابن الجوزي ما له ربط بالموضوع, وهذا تدليس على القارئ لا يناسب صدوره من المحققين, فأنت ذكرت التفضيل على سائر النساء, وسكتَّ ولم تكمل العبارة, حيث جاء فيها: «ثم أظهر فضيلتهن على النساء بقوله: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء}([308])... قال ابن عباس: يريد ليس قدركنّ عندي مثل قدر غيركنّ من النساء الصالحات أنتنّ أكرم عليّ وثوابكنّ أعظم», فأنت حذفت التكملة المشتملة على دليل القول؛ لأنّك تعلم أنّ ابن الجوزي قد فسّرها بخلاف رأيك, فبعد عدة أسطر نلاحظ أنّ ابن الجوزي يصرّح قائلاً: «{إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}، فشرط عليهنّ التقوى بياناً أنّ فضيلتهنّ إنّما تكون بالتقوى، لا بنفس اتصالهنّ برسول الله»([309]), فابن الجوزي إذن يصرّح بعدم الانتفاع، فلا تفتري عليه وتحرّف كلامه, وتقطع منه ما شئت وتوهم القارئ أنّه لا يقول بذلك!!

ب ـ لا تنافي بين حظر طلاقهن عليه’ ووجوب احترامهن وتفضيلهن في التعامل على سائر النساء باعتبارهن زوجاته’ وأمهات المؤمنين، وبين إمكان دخولهن النار إن لم يتّقين, فالزوجية ليست حائلاً دون دخولهن النار، وليست حائلاً دون ارتكابهن المعاصي؛ وهذا هو محل النزاع, فالمزايا التي ذكرتها لا يوجد ما يدلّ فيها على عدم محاسبتهنّ إنْ عصين.

ج ـ إنّ أفضليتهن على سائر النساء لا نسلّم بها؛ فإن الأخبار الصحيحة على خلاف ذلك:

أخرج الحاكم عن السيدة عائشة: «أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال وهو في مرضه الذي توفي فيه: يا فاطمة, ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين, وسيّدة نساء هذه الأمّة, وسيّدة نساء المؤمنين».

قال الحاكم: «هذا إسناد صحيح ولم يخرجاه هكذا». وصحّحه الذهبي في التلخيص([310]).

وأخرج الحاكم عن حذيفة رضي الله عنه, عن رسول الله’, قال: «نزل من السماء ملك, فاستأذن الله أن يسلّم عليّ, لم ينزل قبلها, فبشرني أنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة», صحّحه الحاكم والذهبي([311]).

وأخرج الترمذي بسنده عن أنس: «أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) قال: حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران, وخديجة بنت خويلد, وفاطمة بنت محمّد، وآسية امرأة فرعون». قال الترمذي: «هذا حديث صحيح»([312]).

وأخرج الحاكم عن ابن عبّاس، قال: «قال رسول الله: أفضل نساء العالمين: خديجة بنت خويلد, وفاطمة بنت محمّد, ومريم بنت عمران, وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون», صحّحه الحاكم والذهبي([313]).

فهل يوجد في هذه الروايات الصحيحة الصريحة ما يشير إلى تفضيل السيدة عائشة وحفصة على سائر النساء؟! بل رأينا كما تقدّم أنّ السيدة عائشة بنفسها روت أنّ فاطمة سيّدة نساء العالمين وسيّدة نساء هذه الأمة وسيّدة نساء المؤمنين, وكان ذلك في مرض النبيّ’ الذي توفي فيه, فهو آخر ما صدر منه’ في خصوص هذا الأمر.

قول ابن قيم في تفسير الآية

ومن ضمن الأقوال التي نقلناها لكم حول تفسير الآية قولاً لابن قيّم الجوزية، حيث قال: «ثمّ في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة، فإنّها سيقت في ذكر أزواج النبيّ، والتحذير من تظاهرهنّ عليه، وأنهنّ إن لم يطعن اللّه ورسوله ويردن الدار الآخرة، لم ينفعهنّ اتصالهنّ برسول اللّه، كما لم ينفع امرأة نوح ولوط اتّصالهما بهما، ولهذا ضرب لهما في هذه السورة مثل اتّصال النكاح دون القرابة. قال يحيى بن سلام: ضرب اللّه المثل الأول يحذّر عائشة وحفصة، ثمّ ضرب لهما المثل الثاني يحرضهما على التمسّك بالطاعة»([314]).

قول الشوكاني

كنّا قد نقلنا لكم قولاً للشوكاني، كان في سياق توضيح كلام ابن القيم، حيث قال: «وما أحسن من قال: فإن ذكر امرأتي النبيّين بعد ذكر قصّتهما ومظاهرتهما على رسول اللّه يرشد أتمّ إرشاد ويلوح أبلغ تلويح إلى أنّ المراد تخويفهما مع سائر أمّهات المؤمنين, وبيان أنّهما وإن كانتا تحت عصمة خير خلق اللّه وخاتم رسله؛ فإن ذلك لا يغني عنهما من اللّه شيئاً...»([315]). وقد أجبتم بجوابين:

قلتم: ذلك لا يخرج عن مسالة التربية

الأول: أنّ ذلك لا يخرج عن مسألة التربية... وأن الانتساب إلى النبيّ’ لا يكفي في النجاة من عذاب الآخرة، لكن ذلك لا يعني إلغاء فضيلة الزواج منه’.

الجواب

فيما يخص الجواب الأول: فإنّك اعترفت أنّ مفاد الآية هو أنّ الانتساب إلى النبيّ’ لا يكفي في النجاة من عذاب الآخرة, وهذا هو محل الكلام والخلاف معكم, فقد دلّت الآيات على أنّ الزوجية لوحدها غير كافية في النجاة من النار, فكذلك الصحبة, ونحن لم نلغ شرف الصحبة والزوجية، بل قلنا إنّ شرف الصحبة والزوجية يتأتّى مع العمل الصالح والتقوى, فالصحابي وزوج النبيّ’ إذا أخلصوا لله وعملوا صالحاً فلا شكّ في أنّ منزلتهما عظيمة عند الله, فنحن أكّدنا مراراً على مسألة التقوى, والآية قيدت أفضلية نساء النبيّ’ بشرط التقوى: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} وهذا ما صرّ ح به ابن الجوزي ونقلناه لك آنفاً.

فتحصّل من الآية ومن كلمات علماء أهل السنّة ومن كلماتكم أيضاً أنّ الصحبة أو الزوجية لوحدها غير عاصمة من النار, وهو اعتراف وإقرار بما ذكرناه مراراً، ولله الحمد.

قلتم: النصوص لم تنقل بشكل كامل

ذكرتم في جوابكم الثاني على قول ابن القيم والشوكاني، أن ما نقلناه لكم من النصوص لم يكن نقلاً كاملاً.

الجواب

نقول: فلنترك فيه الحكم للقارئ، وسيرى أننا نقلنا بأمانة ما يتعلق بموضوع النقاش والحوار وهو أن الزواج من النبيّ’ لوحده لا يغني من الله شيئاً.

وأمّا ما ذكره الشوكاني من أنّ حفصة والسيدة عائشة قد تابتا من عملهنّ، وما ذكره ابن القيّم من أن في ضرب المثل للمؤمنين بمريم اعتباراً آخر, وهو تسلية السيدة عائشة وتوطين نفسها على ما قاله الكاذبون بعد قصّة الإفك، فهذا خارج عن محلّ الحوار والنزاع, ولعلّك تلوّح هنا إلى تهمة الشيعة بأنهم يتعرّضون إلى عرض السيدة عائشة، وهو من أعظم الافتراءات عليهم؛ فإن العقيدة الشيعية قائمة على تبرئة جميع نساء الأنبياء من الفاحشة, والتبرؤ ممن ينسب ذلك إليهن, ولا نتولى ولا نقدّس من يتهم النبيّ’ في عرضه مهما كان, لذا نطلب منك أن تعلن براءتك من مِسْطَح الصحابي البدري الذي كان ممّن رموا السيدة عائشة بارتكاب الفاحشة, وكذلك الصحابي حسّان والصحابية حمنة, وتقدم ذكر ذلك([316]).









حوار حول
أقوال علماء السنة في عدالة الصحابة


قول السيوطي وابن الحاجب

ذكرنا لك قول ابن الحاجب والسيوطي وغيرهما في التصريح بعدم القول بعدالة الصحابة أجمع.

 قلتم: لم يشذ عن القول بالعدالة إلا المبتدعة

قد أجبتم عن ذلك بأن الإجماع متحقّق ولم يشذّ عنه إلاّ المبتدعة, وأنّ ابن الحاجب أورد الأقوال المخالفة بصيغة التمريض ولم ينسب القول إلى أحد علماء أهل السنّة، وكذا السيوطي فإنّه قيّد القول بالأكثر لورود أقوال ضعيفة خروجاً من حرج ذكر الإجماع, والأقوال الضعيفة لا يعتدّ بها, ثم ذكرت أنّ القصد من عدالتهم هو قبول رواياتهم من غير بحث عنهم, وأنّ إجماع المحدّثين, بل إجماع الفقهاء والأصوليين والمفسرين على الأخذ برواية الصحابي من دون فحصٍ عن حاله([317]).

الجواب

أوّلاً: أنّ ابن الحاجب والسيوطي حينما يتكلّمان فإنّما يتكلّمان عن علماء أهل السنّة, وحين يذكران أنّ هناك أقوالاً أخرى أو أنّ الأكثر من العلماء على القول بالعدالة جميعاً, فإن مرادهم الأكثر من علماء أهل السنّة, أي أنّ المخالف هو من علماء أهل السنّة أيضاً, وإلاّ لكان عليهما التصريح بالإجماع؛ لأنّ المخالف لو كان من غير أهل السنّة فهو لا يخلّ بالإجماع عندكم, ولا تنظرون إلى رأيه حين البحث عن تحقق الإجماع، وإلاّ لو اعتبر رأي غير أهل السنة لما تحقق إجماع عندكم إلاّ في نوادر المسائل, وهو واضح لا يحتاج إلى بيان.

ثانياً: أنّنا لم نكتف بنقل هذين القولين, بل نقلنا أقوالاً أخرى, منها قول التفتازاني الصريح في عدم عدالة الصحابة جميعاً, وهو غير قابل للتأويل, فهو ذكر أنّ بعض الأصحاب قد حاد عن طريق الحق, وبلغ حد الظلم والفسق([318]).

فتجزئة الجواب بهذا الشكل غير صحيح؛ لأنه من خلال قول التفتازاني وكذلك الأقوال التي ذكرها الغزالي والأقوال الأخرى التي نقلناها لك يتبين جليّاً أن مراد السيوطي وابن الحاجب أنّ المخالفين هم من أهل السنّة أيضاً, وسيأتي الكلام عن بقيّة الأقوال عند ذكرك لها، فانتظر.

ثالثاً: أنّ التعاريف التي ذُكرت في تعريف الصحابي كثيرة, وعند التتبع نجد أنّ هناك اختلافاً كبيراً فيها، وأن ّ هناك آراء ومذاهب, وحينئذٍ, فإن نفس الاختلاف في تعريف الصحابي عند أهل السنّة يخرج أناساً ويدخل آخرين, فمثلاً على التعريف الذي يشترط في الصحبة طول المعاشرة, أو الاشتراك في غزوة أو غزوتين, أو الاختصاص بالنبيّ’ اختصاص المصحوب, سيخرج كثيراً من الصحابة الذين أدخلهم تعريف كفاية الرؤية, وحينئذ, فإنّ اختلاف أهل السنة في تعريف الصحابي لا يفضي إلى القول بعدالة جميع من تعتقدونه عادلاً على تعريفكم, بل إنّ الكثير ممن هو في تعريفكم سيكون خارجاً وفق التعاريف الأخرى, وهذا يعني أنّ القائلين بالتعاريف الأُخر وهم كُثر, لا يرون عدالة جميع الصحابة, ولا يرون أن الرؤية لوحدها كافية.

وقد ذكر الدكتور عبد الكريم النملة سبعة مذاهب في تعريف الصحابي, ثم اختار ورجّح مذهب الأصوليين القائل: إنّ الصحابي من رأى النبيّ’ واختصّ به اختصاص المصحوب مطلقاً([319])، وبذلك يكون الأصوليون ومن تبعهم قد أخرجوا جماعة كبيرة من الصحابة, وخصوصاً الطلقاء ممن أسلم يوم فتح مكة، فهؤلاء لا بدّ أن ينظر في حالهم, ولا تجري بحقهم أصالة العدالة، فهم ليسوا من الصحابة عندهم وإن كانوا صحابة حسب تعريفكم للصحابي.

كما أنّ الباحث السنّي المعاصر حسن بن فرحان المالكي ذكر التعاريف المتنوعة للصحابي, واختار أنّ الصحبة مختصّة بالمهاجرين والأنصار دون غيرهم, وأسماها بالصحبة الشرعية، وهي الشاملة لمن صحب النبيّ’ إلى يوم الحديبية, فصلح الحديبية هو الحدّ الفاصل بين الصحبة الشرعية والصحبة العامّة, واختار أنّ العدالة غير شاملة لهؤلاء فرداً فرداً, وإن كان يرى عدالة أغلبهم, إلاّ أنّه ذكر ثلاثاً وسبعين صحابيّاً ممّن اتّهم أغلبهم بالنفاق وأساؤوا الصحبة، وكانوا ممّن صحب النبيّ’ قبل الحديبية.

ثم ذكر أنّه بهذا التعريف للصحابي سوف يخرج عدداً كبيراً من الصحابة ممن دُوّنوا في تراجم الصحابة, فلا بدّ أن يبحث عن حالهم واحداً واحداً, كما أنّه نص على فسق وانحراف البعض منهم: كمعاوية بن أبي سفيان, والوليد بن عقبة, وبسر بن أبي أرطاة, وأبو الغادية قاتل عمار, والحكم بن أبي العاص, ومسرف بن عقبة, وغيرهم كثير([320]).

فالقول بعدم عدالة الصحابة أجمع ليس من متفردات الشيعة, وليس من قول المبتدعة، بل هو من صلب أقوال علماء أهل السنّة, وإن الأسماء التي ذكرها الباحث السنّي حسن بن فرحان غير مختصّة به, بل يدخل الكثير منهم في تعريف الأصوليين, وكذا في بعض التعاريف الأُخر. ومن شاء الاطلاع على تعاريف أهل السنة للصحابي ومذاهب العلماء فيه, فليراجع كتاب مخالفة الصحابي للدكتور النملة, وكتاب (الصحبة والصحابة) للأستاذ حسن بن فرحان المالكي.

فتلخّص أنّ المخالفين لعدالة الصحابة أجمع، بمعنى عدالة كلّ من رآه’، هم عدد كبير من علماء أهل السنّة, وقد أقام الاستاذ المالكي أدلّة عديدة على عدم عدالتهم أجمع مبتدئاً بالقرآن ثمّ بالسنّة ثمّ بأقوال الصحابة والتابعين.

ونطرح هنا سؤالاً, وهو: هل ترون أنّ جمهور الأصوليين ومن تبعهم، بل ومن كان قبلهم من السلف ممّن لا يرى عدالة جميع الصحابة, كلّ هؤلاء مبتدعة وزنادقة, أم يختص ذلك بالشيعة فقط؟! ولا تنسى أنّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.

قلتم: عدم عدالة الصحابة تستلزم ضياع الشريعة

استشهدتم لمبدأ عدالة الصحابة بما قاله الجويني من أن السبب الداعي لذلك هو الحفاظ على الشريعة، فقلتم: «قال الجويني: ولعلّ السبب في قبولهم من غير بحث عن أحوالهم أنّهم نقلة الشريعة, ولو ثبت التوقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول’, ولما استرسلت على سائر الأعصار»([321]).

الجواب

أوّلاً: أنّ السبب المحتمل الذي ذكره الجويني يفيد أنّ البحث عن حالهم قد يوجب التوقف في رواياتهم, مما يؤدي إلى انحصار الشريعة على عهد الرسول’؛ وهذا فيه إقرار بأن البحث عن حالهم قد لا يوصل إلى العدالة, فقد تكون النتيجة فسق المبحوث عنه, أو التوقف في حاله, كما أنّ كلامه يفيد أنّ القول بعدالة الصحابة مبتنٍ على سبب معين, وحينئذ ننظر إلى هذا السبب, فإنْ استطعنا إبطاله فقد بطل الكلام من رأس, ويقتضي حينئذ إعادة النظر بكلّ ما ادعيتموه من أدلّة توحي بعدالة الصحابة أجمع, وسوف ترون أنّ الأدلة غير تامّة, ولا تثبت هذا المدّعى, وغاية ما تقتضيه: عدالة بعض الصحابة لا كلهم, وهذا ما نذهب إليه.

ثانياً: أنّ السبب الذي ذكره الجويني غير صحيح, فقد ذكرنا مراراً أنّ طريق الشريعة غير مقتصر على الصحابة, بل هو منحصر بما ثبت عن النبي’ وأهل البيت^, والأدلة على ذلك كثيرة محقّقة في محلّها, فعدم القول بعدالة الصحابة أجمع لا يلزم منه محذور ضياع الشريعة, فالشريعة محفوظة بخلفاء النبيّ’ وأوصيائه وهم أهل بيته^.

ثالثاً: حتّى لو تنزلنا وقلنا: إنّ الصحابة هم طريق الشريعة, فلا يلزم من ذلك عدم البحث عن حالهم, بل لا بدّ من البحث وأخذ الشريعة عن العدول منهم دون من أحدث وغيّر وبدّل وافترى على الله كذباً, ودون من نجهل حاله, فإن معرفة ما جاء به النبيّ’ هو غاية المبتغى, فكيف نتساهل به بهذه الطريقة, بل لا بدّ أن نعرف الشريعة ممّن ثبتت عدالته ووثاقته وعدم انحرافه عن نبيّ الإسلام محمّد’.

رابعاً: أنّ عدد الصحابة على ما يقرّر أهل السنة أكثر من مئة ألف, وأن المترجم لهم في الكتب لا يبلغون عشر عددهم الحقيقي([322]), وإذا أضفنا إلى ذلك أن الصحابة الذين روي عنهم أقل من ألف صحابي كما عدّهم ابن حزم([323]), فكيف تقول بأنّ القول بعدم عدالة جميع الصحابة يوجب تضييع الشريعة؟ فالشيعة لا تقول بأنّ الصحابة ليس فيهم عدول أصلاً, بل لا شكّ أنّ فيهم العدل وفيهم غير العدل أيضاً, فما هو الوجه في ضرورة عدالة حتّى غير الرواة منهم؟ وإذا أمكن القول بعدم عدالة ممّن كانوا غير رواة منهم, لأمكن القول بعدم عدالة حتّى بعض الرواة منهم؛ لأنّ القول بعدالة الرواة منهم دون غيرهم ترجيح بلا مرجح، والشريعة لا تتوقف على عدالة الرواة فرداً فرداً, بل يكفي في وصولها عدالة عدد معتدٌّ به منهم.

 فتلخّص أنّه على جميع الآراء لا يتمُّ قولكم في ضياع الشريعة.

تصريح التفتازاني بعدم عدالة جميع الصحابة

ذكرنا لكم كلام التفتازاني: «إنّ ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ, والمذكور على ألسنة الثقات, يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحقّ, وبلغ حدّ الظلم والفسق, وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرياسة والميل إلى اللذات والشهوات, إذ ليس كلّ صحابي معصوماً, ولا كلّ من لقي النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) بالخير موسوماً»([324]).

وأكملتم بقية كلامه وهو: «إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنهم محفوظون عمّا يوجب التضليل والتفسيق؛ صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة سيما المهاجرين منهم والأنصار, والمبشرين بالثواب في دار القرار».

قلتم: للتفتازاني كلام آخر يصرح بعلو شأن الصحابة

وقد أجبتم عن كلام التفتازاني بعدّة أمور:

1ـ إنّ له كلاماً متقدّماً يصرّح فيه بانعقاد الإجماع على علّو شأنهم, وعدم الإصغاء إلى كلام الروافض، سيما الغلاة منهم، في بغض بعض الصحابة والطعن فيهم, بناء على حكايات وافتراءات لم تكن في القرن الثاني والثالث.

الجواب

 إنّ كلام التفتازاني صريح في أنّ ظاهر الأدلة أنّ بعض الصحابة حاد عن طريق الحقّ, وبلغ حدّ الظلم والفسق, وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرئاسة, وأنّ ليس كلّ من لقي النبيّ’ بالخير موسوماً, فهذا كلام صريح على أنّ الأدلة تقتضي أنّ من الصحابة من حاد عن الحق وارتكب الظلم والفسق, ولا يوجد في كلامه الذي قاله قبل ذلك مخالفة لهذا الكلام, فإنه هناك ذكر وجوب إيجاد المخارج والتأويلات لهذه الأفعال, حيث قال: «يجب تعظيم الصحابة, والكفّ عن مطاعنهم وحمل ما يوجب بظاهره الطعن فيهم على محامل وتأويلات, سيما للمهاجرين والأنصار وأهل بيعة الرضوان ومن شهد بدراً وأحداً والحديبية»([325]) لكنّك لم تذكر هذه الفقرة من كلامه.

ويتّضح حينئذ, أنّ الإجماع المدّعى على علوّ شأنهم هو إجماع بعد التأويل، ومخالف لظاهر الأدلة, فهو إجماع غير ذي قيمة.

فالتفتازاني إذن يوافق الشيعة في أنّ ظاهر الأدلة يقتضي القول بعدم عدالة الصحابة أجمع؛ لأن فيهم من انحرف وحاد عن طريق الحق, وهذا يكفينا من كلامه, وموافق لما بيّناه لكم مراراً من المخالفات العديدة للصحابة التي تفضي إلى القول بعدم عدالتهم جميعاً.

ولا أظنّ أنّه يخفى عليك أنّ التفتازاني صرّح بعقيدته في الصحابة حيث قال: «فإن قيل عدالة جميع الصحابة ثابتة بالآيات والأحاديث الواردة في فضائلهم. قلنا: ذكر بعضهم أنّ الصحابي اسم لمن اشتهر بطول صحبة النبيّ عليه الصلاة والسلام على طريق التتبع له والأخذ منه، وبعضهم أنه اسم لمؤمن رأى النبيّ× سواء طالت صحبته أم لا, إلاّ أنّ الجزم بالعدالة مختص بمن اشتهر بذلك، والباقون كسائر الناس فيهم عدول وغير عدول»([326]).

وهذا قول صريح في أنّ بعض الصحابة عدول وبعضهم غير عدول.


قلتم: التفتازاني قد خالف أقوال أهل السنة

2ـ ذكرتم أنّ التفتازاني بقوله هذا يكون قد خالف أقوال أهل السنّة...

الجواب

لا شك أنّ التفتازاني من علماء أهل السنّة, واعترافكم بمخالفته هو دليل على صحّة ما نقول به, وهو أنّ هناك من علماء أهل السنّة ممّن لا يرتضون القول بعدالة الصحابة أجمع, إلاّ إذا كنتم ترون أنّ التفتازاني ليس من أهل السنّة باعتباره من الأشاعرة, وأنتم لا ترون الأشاعرة من أهل السنّة! ولذا لا ندري هل مخالفة التفتازاني لكم تدخلة في قائمة الزنادقة والمبتدعين أم لا؟ أفليس من يجرح شهودكم مبتدعاً وزنديقاً! أم أنّ هذا الحكم يجري على الشيعة دون غيرهم؟

قلتم: التفتازاني لا يطعن بالطبقات العليا للصحابة

3ـ قولكم: إنّ التفتازاني لم يرد بكلامه الطعن في الطبقات العليا من الأصحاب..

الجواب

 نحن نتكلّم عن عدالة جميع الصحابة, لا طبقة مخصوصة منهم, والتفتازاني يقرّ ببلوغ بعضهم حدّ الفسق والظلم, ويصرح في قوله الآخر أنّ بعض الصحابة عدول وبعضهم غير عدول, وهذا هو محل الحوار بيننا وبينكم, أما لأي مدى يرى عدالة الصحابة؟ وهل أن الطبقات العليا مشمولة بالعدالة أم لا؟ فهذا خروج عن محلّ الحوار والنزاع, وهذه جزئيّات المسألة, فبعد أن يتبيّن لك أنّ القول بعدالة الصحابة أجمع فيه خلاف بين العلماء، يأتي الحوار حينئذ في أي من الصحابة ممكن أن يكون عادلاً دون غيره.

قلتم: كلام التفتازاني يشمل حتى علي×

4ـ قلتم: كلام التفتازاني في الطعن يشمل الصحابة المتقاتلين في عهد علي ومعاوية ويحتمل كلامه الطعن في كلّ منهما، ونحن نبرّئ كلاً منهما عن قوله وإن كنا نعتقد أنّ عليّاً هو المحق...

الجواب

أـ التفتازاني من علماء أهل السنّة, وحينما نذكر قوله إنّما نحتج به عليكم, فعلى فرض أنّ كلامه شاملاً لعلي وأصحابه ومعاوية وأصحابه, فذاك يكون أدلّ على المطلوب؛ فإنّه يتوسع في الطعن في الصحابة ويشمل أعداداً كبيرة منهم بما فيهم عليّاً×.

ولا يؤثر ذلك في عقيدتنا، بل ينقض عقيدتكم؛ لأنّ ذكرنا له من باب الإلزام عليكم، كما هو مقتضى المناظرة.

ب ـ إنّ التفتازاني أوضح عقيدته بصورة جليّة قبل ذلك، وذكر أنّ عليّاً كان مصيباً في حروبه, فكيف جاز لك تحميل كلامه ما لا يحتمل! واتهامه بأن كلامه يحتمل الطعن في كلا الفريقين؟! هل لأن الرجل أشعري العقيدة أم ماذا؟! وأمّا تصريح التفتازاني بأحقية علي× فقد ذكره قبل صفحات قليلة, ولا نراك لا تعرف ذلك, فإن كلام التفتازاني هذا وقع بين كلاميه اللذين ذكرتهما آنفاً حول عدالة الصحابة, فنحن نستبعد عن أمثالك أن لا يقرأ المطلب كاملاً ثمّ يجيب عن الاحتمالات الموجودة, وعلى أيّة حال فقد قال التفتازاني: «والذي اتّفق عليه أهل الحق, أنّ المصيب في جميع ذلك علي (رضي الله تعالى عنه)؛ لما ثبت من إمامته ببيعة أهل الحل والعقد، وظهر من تفاوت ما بينه وبين المخالفين سيما معاوية وأحزابه، وتكاثر من الأخبار في كون الحق معه...»([327]).

قلتم: التفتازاني لم يعتمد على الكتب الحديثية

5ـ قلتم: إنّ التفتازاني اعتمد في حكمه على كتب التواريخ, ولم يستطع أن يورد كتاباً من كتب الحديث المعتمدة, وكتب التاريخ مملوءة بالروايات الضعيفة والمكذوبة...

الجواب

 هذا الكلام منكم في غاية الغرابة! فإن التفتازاني صرّح في عبارته بأن ذلك مذكور على ألسنة الثقات, فلمَ تمسكتَ بقوله: على الوجه المسطور في كتب التواريخ، وتركت عبارته الصريحة بأنه أخذ ذلك عن الثقات, على أنّ كتب التاريخ فيها من الصحيح الكثير فكيف اتهمت التفتازاني بالاعتماد على الضعيف والموضوع, ثمّ إنّ التفتازاني أراد هنا بيان خلاصة ما استفاده من المنقول من ألسنة الثقات، سواء من التاريخ أو الحديث، فكيف تتهمه بأنه لم يستطع أن يورد كتاباً من كتب الحديث, فهو ليس في مقام الاستدلال, بل في مقام بيان نتائج ما توصل إليه من عقائد وآراء من خلال أخبار الثقات!!

على أنّه لا يخفى على أمثالك, أنّ ما توصل إليه التفتازاني هو صحيح معتبر ثابت في كتب التاريخ وكتب الحديث, فالصحابة كانت بينهم محاربات ومشاجرات لا يمكن لأي باحث إنكارها, كما أنّه وقعت منهم مخالفات عديدة للسنّة النبوية والشريعة المقدّسة سواء في عهد النبيّ’ أو بعده, وهذه الأمور هي التي دعتكم إلى التمسك بعدم الخوض في ما جرى بين الصحابة, وقلتم بالتأويل والاجتهاد في أفعالهم, فالباحث المنصف يعرف أنّ ما قاله التفتازاني هو قول كلّ علماء أهل السنّة, وهو المنطَلَق الذي انطلقوا منه لتأويل أفعالهم وما جرى بينهم.

الغزالي ينقل اختلاف العلماء في عدالة الصحابة

 ذكرنا لكم أنّ الغزالي نقل اختلاف العلماء في حكم الصحابة, وقد أوردتم هنا بعضه وأجبتم عليه([328]), ونحن نذكره هنا كاملاً ثم نجيب على كلامكم: قال الغزالي: «إنّ عدالتهم معلومة بتعديل اللّه عزّ وجل إيّاهم, وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيهم» ثمّ نقل اختلاف العلماء في حكم الصحابة بقوله: «وقد زعم قوم أنّ حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث، وقال قوم: حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهور الحرب والخصومات، ثمّ تغيّر الحال وسفكت الدماء، فلا بدّ من البحث، وقال جماهير المعتزلة: عائشة وطلحة والزبير وجميع أهل العراق والشام فسّاق بقتال الإمام الحق. وقال قوم من سلف القدريّة: يجب ردّ شهادة عليّ وطلحة والزبير مجتمعين ومفترقين< [إلى هنا ينتهي نقلكم].

وبقية كلام الغزالي هو: >لأنّ فيهم فاسقاً لا نعرفه بعينه. وقال قوم: نقبل شهادة كلّ واحد إذا انفرد؛ لأنّه لم يتعيّن فسقه، أما إذا كان مع مخالفه فشهدا ردّا; إذ نعلم أنّ أحدهما فاسق، وشكّ بعضهم في فسق عثمان وقتلته...»([329]).

والنقل صريح في أنّ هناك من لا يرى عدالة الصحابة أجمع, وقد حاولتم الإجابة على ذلك بما يلي:

قلتم: ما ذكره الغزالي كان بصيغة التضعيف

أولاً: أنّ الغزالي ذكر مذهب أهل السنّة, وصدّر بقية الأقوال بقوله «وقد زعم قوم» وهذا يذكر لتضعيف القول وردّه, وذكر قول المعتزلة وهو قول خارج عن قول أهل السنّة.

الجواب

 إنّ تخصيص الغزالي للمعتزلة باسمهم يستفاد منه أنّ الأقوال الأخرى هي لأهل السنّة, ومجرد تصديرها بـ (وقد زعم قوم) ومخالفته لها وتضعيفه لها لا يدلّ على عدم وجودها, فهي تدلّ أن هناك قوم من أهل السنّة يروون وجوب البحث عن حال الصحابي.

وإذا كانت عبارة: (زعم قوم) كفيلة بردّ القول, فتعال معي إلى الآمدي فإنه ذكر الأقوال ولم يقل: (زعم قوم)، بل قال: «اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة, وقال قوم: إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية. ومنهم من قال: إنهم لم يزالوا عدولاً إلى حين ما وقع من الاختلاف والفتن فيما بينهم، وبعد ذلك، فلا بدّ من البحث في العدالة عن الراوي أو الشاهد منهم، إذا لم يكن ظاهر العدالة، ومنهم من قال بأن كلّ من قاتل علياً عالما منهم، فهو فاسق مردود الرواية والشهادة، لخروجهم عن الإمام الحق. ومنهم من قال بردّ رواية الكل وشهادتهم؛ لأن أحد الفريقين فاسق، وهو غير معلوم ولا معين. ومنهم من قال بقبول رواية كلّ واحد منهم وشهادته إذا انفرد؛ لأن الأصل فيه العدالة، وقد شككنا في فسقه، ولا يقبل ذلك منه مع مخالفة التحقق فسق أحدهما من غير تعيين»([330]).

فإذن هناك جماعة من أهل السنّة تذهب إلى عين ما تقول به الشيعة من وجوب البحث عن حال الصحابي, وهذا ما أردنا إثباته لك.

قلتم: أقوال الغزالي شاذة وبعضها شامل حتى لعلي×

ثانياً: أوضحتم أنّ هذه أقوال شاذّة تذكر لتحذير القارئ, وليس لها أثر في التطبيق, ولا تعارض بأقوال آلاف العلماء.

ثالثاً: بعض هذه الأقوال تطعن في جميع المتقاتلين وترد شهادتهم وهم: علي وطلحة والزبير، فهل يمكن أن نعتبرها ونحترمها.

والشذوذ لا تخلو منه طائفة والعبرة بمذهب الطائفة.

الجواب

 ليتكم تتبعون هذه القاعدة في سائر أجوبتكم، وتعرفون أن الشذوذ لا تخلو منه طائفة, وأن تحتجون علينا بما عليه المحققون من علمائنا لا بعلماء موهومين لا حقيقة لهم كمؤلف (لله ثم للتاريخ) ولا بروايات ضعيفة لا قيمة علمية لها.

وعلى أيّة حال، فنحن لا ننكر أن جملة من علماء أهل السنّة على عدالة جميع الصحابة, لكن أنكرنا الإجماع، وقلنا بوجود المخالف، سواء كان من المتقدمين أو المتأخرين, وهذا يعني أنّ القول بعدم عدالة الصحابة ليس قولاً شاذاً، كما حاولتم إيهام القارئ بذلك, بل هو قول لجملة من علماء أهل السنّة, ولا زال متداولاً إلى اليوم, وذهب له علماء لهم وزنهم العلمي.

وكون بعض الأقوال تفسق الطرفين! فهذا توسع في الإشكال, ولا يلزمنا شيء من ذلك؛ فإنما نورد لكم هذه الأقوال من باب الاحتجاج عليكم, وعدم احترامكم لهذه الأقوال لا يلغي وجودها عند أهل السنّة، لا سيما وأننا لسنا بصدد بيان ما هو القول الصحيح من عدمه, بل قَصْدُنا هو بيان أنّ هناك من أهل السنّة من لا يرى عدالة الصحابة أجمع, وها أنتم تقرون بذلك, وتتنازلون عن الإجماع المدّعى على عدالة جميع الصحابة.

رأي الغزالي في عدالة الصحابة

ثم إنّ الغزالي بنفسه لا يذهب إلى القول بعدالة الصحابة أجمع, فهو لا يرى أنّ كلّ من رآه’ صحابياً, بل يرى أنّ الصحابي هو من كثرت صحبته كما صرح في المستصفى بعد أنْ ذكر الأقوال أعلاه([331]).

وسيأتي تصريح الدكتور النملة, حيث عدّ الغزالي من الذاهبين إلى تعريف الأصوليين الذي يرى أن الصحابي من اختص بالنبيّ’ اختصاص المصحوب.

تصريح العلماء بأن العدالة لا تشمل جميع الصحابة

كنا قد ذكرنا لكم بأنّه قد صرّح جماعة من أكابر علماء أهل السنّة من المتقدّمين والمتأخرين بأنّ الصحابة غير معصومين، وفيهم العدول وغير العدول..ثمّ بدأنا نذكر لك الأقوال, وأنت علقت على الفقرة أعلاه في ص121- 122 بما حاصله:

قلتم: هؤلاء العلماء لا يطعنون بالصحابة

أوّلاً: قلتَ: كلامك يوحي بأنّ من ذكرتهم يطعنون في عدالة الصحابة, وهذا ليس صحيحاً, فإنّ أكثر من أوردت أسماءهم يتحدّثون عن عدم عصمتهم, وعدم وجوب متابعتهم في فتاواهم...

الجواب

 إنّ أكثر الكلمات التي نقلناها تنفي القول بعدالة الصحابة أجمع, وتفيد أنّ بعضهم غير عادل, وأنّ بعضهم كفّر بعضاً, وبعضهم قاتل بعضاً, وكذّب بعضهم بعضاً, ولعن بعضهم بعضاً, وأفتى بعضهم برأيه بمحضر النبي ’, وسنبيّن مرادنا من كلّ قول عند نقاشك لكلّ قول على حده.

قلتم: بعض هؤلاء ليسوا علماء بل هم أعداء الدين

ثانياً: قلتم: أوردت أشخاصاً من أذناب المستشرقين ممّن أساءوا إلى الدين وردّدوا آراء أعدائه، ووصفتهم بأنهم من أكابر علماء أهل السنّة وهذا فيه تساهل...

الجواب

 إنّ معظم الكلمات التي نقلناها هي لأناس من أكابر علماء أهل السنّة, ولهم وزنهم وقيمتهم العلمية, وبمجرّد اختلافك معهم في الرأي لا يقلّل من شأن أقوالهم وآرائهم, أمّا من وصفتهم بأذناب المستشرقين, ويبدو أنّك تريد بذلك الدكتور طه حسين وكذلك الدكتور أحمد أمين, فهذان لهما وزنهما العلمي في الساحة الثقافية والأدبية عند معظم الجماهير العربية, فالملايين من المسلمين السنّة تتوق لقراءة كتبهم ومؤلفاتهم. مضافاً إلى ذلك, فإن ما توصلوا إليه من نتائج من خلال سبر أغوار الأخبار والتاريخ هي نتيجة منصفة يصل إليها كلّ باحث يتجرد عن قبلياته العقدية, فوسمكم لهم بأنهم من أذناب المستشرقين مع ما فيه من إهانة لشريحة واسعة من أبناء المجتمع المصري, فهو لا يقلّل من شأن ما توصلوا إليه من نتائج, لأنّ القرآن والحديث والتاريخ يؤيّد هذه النتائج.

قول ابن حزم في عدالة الصحابة

كنا قد استشهدنا بكلام لابن حزم يفهم منه عدم عدالة الجميع، فقلتم: «ثم أوردت كلام ابن حزم وهو: فمن المحال أن يأمر النبيّ باتّباع كلّ قائل من الصحابة (رضي اللّه عنهم)، وفيهم من يحلّل الشيء وغيره منهم يحرّمه» إلى أن قال: >وقد كان الصحابة يقولون بآرائهم في عصره فيبلغه ذلك فيصوّب المصيب ويخطّئ المخطئ... » إلى هنا ينتهي نقلكم، وتكملة القول: «فذلك بعد موته أفشى وأكثر»، ثمّ ذكر موارد متعدّدة ممّا أفتى به الصحابة فأنكره رسول اللّه([332]).

قلتم: لا يوجد في قول ابن حزم نفي لعدالة الصحابة

فأجبتم بعد ذلك بعدّة نقاط:

أولاً: أين في قول ابن حزم نفي عدالة الصحابة في هذا النص، أو في بقيّة قوله؟...

الجواب

 إنّما ذكرنا كلام ابن حزم لنبيّن أنّ الهالة القدسيّة التي تضفونها على الصحابة غير صحيحة, وأنّهم كانوا يتجرّأون على الإفتاء برأيهم في زمان النبيّ’, ويخطئون في موارد متعددة, فكيف بما بعد النبيّ’، وهذا بنفسه يلقي الضوء على ضرورة إعادة النظر في كلّ ما ورد عن الصحابة, فكيف نطمئن إلى نقل من تجرأ وأفتى برأيه والنبيّ’ حيٌّ يرزق؟

فإنْ قلتم: إنّ إفتاءهم لم يكن لمجرد الرأي، بل لوصول أخبار إليهم عن النبيّ’ تبيّن عدم صحّتها فيما بعد, أو أنّهم فهموا من كلامه خلاف ما يريده؟

أجبنا: أنّ ذلك يوجب التوقف في كلّ ما نقلوه؛ لأنّه إنْ قلنا: إنّ الأخبار التي أفتوا في ضوئها لم تكن صحيحة، فهذا يعني أنّ أخبار الصحابة لا يمكن الوثوق بها. وإن قلنا: إنهم فهموا خلاف قوله، فهذا يعني أنهم مع كونهم في زمنه’ قد أفتوا بخلاف مراده وفهموا ما لا يريده, فكيف نطمئن لنقلهم من بعده’؛ خصوصاً مع المنع من نقل الحديث وتدوينه؟ فكل ما نقله الصحابة حينئذ يكون معرَّضاً للخطأ, والاحتياط في الدين يقتضي التثبت فية من دراسة متنه والتدقيق في سنده.


  
قلتم: لا ندعي عصمة الصحابة والعبرة بروايته لا برأيه

ثانياً: قلتم: نحن لا ندّعي العصمة في أحد من الصحابة, والصحابي قد يجتهد في الاستنباط أو الاستدلال فيخطئ ويرده أخوه الصحابي, فالعبرة برواية الصحابي لا برأيه إذا خالف النص...

الجواب

 قد ذكرنا لكم سابقاً أنّكم من الناحية العملية تؤمنون بعصمة الصحابة, وتضفون عليهم هالة عجيبة من القدسية, وأن مجرد رؤية النبيّ’ كافية في تبرير عمله وإن أدّى ذلك إلى قتل آلاف الأبرياء, فهو صحابي مجتهد وله أجر, فقولكم فيهم أشدّ من العصمة, فهم مأجورون في خطئهم وصوابهم, فأي نوع من البشر هؤلاء بحيث يؤجرهم الله دائماً وهم يسفكون الدماء ويشربون الخمر ويزنون ويستحلّون الحرمات, وملائكة الله تسجل في كتبهم الحسنات تلو السيئات!!!

أما مسألة الاجتهاد في الاستنباط والخطأ في الاستدلال, فنضيف إليها الخطأ والسهو في الرواية, فقد ثبت الكثير من خطئهم فيها, وقد استدركتْ عليهم السيدة عائشة لوحدها أكثر من مئة مورد ممّا أخطأوا فيه النقل, فإذا كان الصحابة يخطئون في الاستنباط, ويخطئون في نقل الرواية, ويفتون بخلاف رأي النبيّ’ في زمنه, وبعد زمنه, فهل يبقى حينئذ مبرر للأخذ بروايتهم؟!


قول المازري في عدالة الصحابة([333])

قد علقتم([334]) على ما ذكرناه لكم من قول المازري في عدالة الصحابة وهو: «لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول، كلّ من رآه (صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم) يوماً ما، أو زاره لماماً([335])، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب، وإنّما نعني به الذين لازموه، وعزّروه ونصروه، واتّبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون»([336]).

وأجبتم عن ذلك بثلاثة وجوه:

قلتم: قول المازري رده العلماء

أجبتم أولاً: أنّ ابن حجر تعقّب قول المازري بأنّه >لم يوافق عليه, بل اعترضه جماعة من الفضلاء<.. فهو قول ردّه العلماء.

الجواب

 أنت تعترف الآن بوجود المخالف ممّن لا يقول بعدالة جميع الصحابة, وبهذا ينخرم الإجماع المدّعى, فالمخالف إذن موجود وهذا ما ادّعيناه, وردّ بعض العلماء له يؤكد وجود قولٍ خلاف نظرهم، وهو ما قلناه سابقاً، من أنّ هناك من علماء السنّة مَن يذهب إلى خلاف رأيكم، ولا يقولون بعدالة الصحابة أجمع.

ثم إنّ ردّ فرقة من العلماء له لا تعني عدم صحّته, فقد أشرنا سابقاً إلى أنّه يوجد في تعريف الصحابي خلاف كبير, وجمهور الأصوليين يرون أنّ الصحابي من رأى النبيّ’ واختصّ به اختصاص المصحوب...

 وذكر الدكتور النملة أنّه ذهب إلى ذلك إمام الحرمين في (التلخيص) وابن الصبّاغ في (العدّة) والغزالي في (المستصفى) وابن السمعاني في (قواطع الأدلة) والصيمري في (مسائل الخلاف) والقرافي في (شرح تنقيح الفصول)([337])، وقد أوردنا لك فيما سبق تصريح التفتازاني بعدم عدالة جميع الصحابة.

وقال الباحث السني حسن بن فرحان المالكي بعد أن بيّن أنّ هناك مذهبين في تعريف الصحابي ما نصّه: «أمّا المذهب الأول ـ وهو الأقرب للصواب ـ الذي لا يكتفي بالرؤية واللقيا فهم جمهور علماء المسلمين المتقدمين من محدثين وفقهاء على حد سواء.

ويتميز هذا المذهب بوجود صحابة أثرت عنهم أقوال تفيد إخراج بعض من رأى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من الصحبة كما سيأتي.

ومن أبرز الذاهبين إلى هذا المذهب من الصحابة والعلماء عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأم المؤمنين عائشة بنت الصديق وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله والأسود بن يزيد النخعي وسعيد بن المسيب ومعاوية بن قرة وشعبة بن الحجاج وعاصم الأحول والواقدي وأحمد بن حنبل (في قول) والبخاري (في قول) ومسلم وابن مندة ويحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والعجلي وأبو داود والخطيب البغدادي وابن عبد البر والبغوي وابن الجوزي والباقلاني والماوردي وأبو المظفر السمعاني والمازري والعلائي وابن الملقن وابن عماد الحنبلي وغيرهم.

وأصحاب هذا المذهب ـ وهو مذهب الأصوليين في الجملة ـ يعتمدون على الشرع أو العرف أو كلاهما في إثبات الصحبة التي تقتضي عندهم طول الملازمة مع حسن الاتباع وصلاح السيرة في الجملة، وليس جميع هؤلاء العلماء يشترطون هذه الشروط.

وهذه أقوال العلماء (علماء هذا المذهب) التي تدل على عدم اكتفائهم بالرؤية واللقيا؛ ولأن بعض الناس قد يتوهم عنهم خلاف ما قلناه من النقل العام, فإننا نذكر هنا نماذج من أقوالهم ممّا له دلالة على ما سبق ذكره»([338]). ثمّ شرع في سرد أقوالهم وبيان آرائهم.

فاتّضح إذن, أنّ الكثير من العلماء لا يرون كفاية مطلق الرؤية في تعريف الصحابي, وبالتالي سوف يخرج عدد كبير ممّن تعدونهم من الصحابة, وتحكمون على عدالتهم بناء على ذلك.

فهل كلّ هؤلاء تعدونهم شاذّين عن المذهب, فما هو مذهبهم إذن, ومَن هم علماؤه؟!

قلتم: قول المازري لا يختلف عما نقوله في عدالة الصحابة

الجواب الثاني: قلتم: ما ذكره المازري لا يخرج من حيث المضمون من مذهب أهل السنّة والجماعة, فإنّنا كذلك نقول: إنّما الصحابة الذين لازموه وعزّروه ونصروه واتّبعوا النور الذي أنزل معه...

الجواب

إنّ ما ذكره المازري يختلف عمّا تذهبون إليه اختلافاً كبيراً, وبناءً على تعريفه سوف يخرج عدد كبير ممّن تُسمّونهم بالصحابة, ولعلّك قرأت أنّ ابن حجر بعد أن تعقّب قول المازري بأنّه اعترضه جماعة من الفضلاء, أضاف قائلاً: «قال الشيخ صلاح الدين العلائي: هو قول غريب يخرج كثيراً من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة، كوائل بن حجر، ومالك بن الحويرث. وعثمان بن أبي العاص، وغيرهم، ممن وفد عليه (صلّى الله عليه وسلّم) ولم يقم عنده إلاّ قليلا وانصرف، وكذلك من لم يعرف إلاّ برواية الحديث الواحد، ولم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل، والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور، وهو المعتبر. والله سبحانه وتعالى أعلم»([339]).

فقوله إذن يخرج جماعة كبيرة من الصحابة, وعرفنا أنّ ذلك مذهب الكثير وغير مختص به وحده.

ثم إنّ ادّعاءكم أنه يوافقكم في الرأي هو ادّعاءٌ غريب! فأنتم تُصرّون على عدالة كلّ من رأى النبيّ’, وهو يصرح أن الرؤية غير كافية، فأين الموافقة إذن؟! مضافاً إلى أنّه صرّح ـ على ما في بعض النقول ـ أنّ في الصحابة عدولاً وغير عدول، فقال: «في الصحابة عدول وغير عدول ولا نقطع إلاّ بعدالة الذين لازموه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه, وأمّا عدالة كلّ من رآه (عليه الصلاة والسلام) يوم ما أو زاره لماماً أو اجتمع به لغرض وانصرف فلا نقطع بها، بل هي محتملة وجوداً وعدماً»([340]).

فتلخص: أنّ القائلين بعدم عدالة الصحابة أجمع هم عدد كبير من علماء أهل السنة, منهم التفتازاني والمازري اللذان أوردنا تصريحهما بذلك.

قلتم: الاختلاف بين أهل السنة لا يؤثر على عظماء الصحابة

الجواب الثالث: قلتم: هذه قضية بين أهل السنّة, وكلّهم يعظم عظماء الصحابة ويعترف بفضلهم, ولا يتّفقون مع الإمامية في معتقدهم في عظماء الصحابة.

الجواب

 نعم، هي قضية خلافية بين أهل السنة، أحببنا أن نبيّنها لك حتّى لا تتوهم، ولا يتوهم القارئ تبعاً لقولك، أن القائلين بعدم عدالة الصحابة أجمع هم الشيعة فقط, بل إن هذا الأمر عليه جمع كبير من علماء أهل السنّة, والحوار هنا غير مختص بطبقة معيّنة من طبقات الصحابة، فإن هذا خروج عن موضوع النقاش، الذي هو عدالة الصحابة أجمع بما فيهم الطلقاء، وكل من رآه’ ولو ساعة من الزمن, وقد ثبت أنّ جملة كبيرة من علماء أهل السنّة لا يرتضون هذا الأمر.

ومن الواضح أيضاً أنّكم لا تملكون الحجج في دفع ما قلناه، وأنّى لكم ذلك وتصريحات الكثير من علمائكم ظاهرة وجليّة في خلاف ما قلتموه, فعليكم الإقرار والاعتراف بأنّ مذهب الأصوليين وجملة كبيرة من علماء السلف والخلف لا يرون عدالة الصحابة أجمع, وبذا تبطل النظرية التي تمسكتم بها من الأساس.

رأي ابن العماد الحنبلي في عدالة جميع الصحابة

ذكرتم كلامنا في أنّ ابن عقيل قال بعد نقل كلام المازري: «قال السيد الآلوسي: وإلى نحو هذا ذهب ابن العماد في شذرات الذهب<.

وأجبتم على ذلك بأمور:

قلتم: هذا الرأي عن طريق ابن عقيل وهو مجهول

أولاً: أنّ ابن عقيل شخص معاصر مجهول غير معروف عند أهل السنة وقد استدللت بكلامه مرتين([341]