قصة الحوار الهادئ

مع

        الدكتور السلفي أحمد بن سعد حمدان الغامدي

    (أستاذ الدراسات العليا بجامعة أم القرى)

(تحليل ونقد لشبهات الدكتور الغامدي)


(الجزء الأول)

 

أ. د. محمد الحسيني القزويني

أستاذ الحوزة العلمية في قسم الدراسات العليا في قم المقدسة

ورئيس قسم الحديث وعضو الهيئة العلمية بجامعة أهل البيت (علیهم السلام) العالمية


 

 







هوية الكتاب


اسم الكتاب:............................... قصة الحوار الهادئ مع د. الغامدي

تأليف:.............................................. أ. د. محمد الحسيني القزويني

الإخراج الفني:....................................................... محسن الجابري

الناشر:......................... مؤسسة وليّ العصر# للدراسات الإسلامية

  رقم الإيداع الدولي للدورة:....... 9 ــ 33 ــ 8615 ــ 964 ــ 978

رقم الإيداع الدولي (ج1): ....... 1 ــ 34 ــ 8615 ــ 964 ــ 978

الطبعة:....................................................... الثانية 1433هـ ـ 2012م

عدد النسخ:................................................................. 5000 نسخة

يحق للجميع طبع الكتاب ونشره مع إعلام المؤلف والناشر قبل ذلك








شكر وتقدير


 أتقدّم بالشكر الجزيل لكلّ من ساعدني في تأليف هذا الكتاب، وهم كلّ من:

أولاً: د.حاتم البخاتي.

ثانياً: د.حكمت الرحمة.

ثالثاً: د.فلاح الدوخي.

كما أتقدّم بجزيل الشكر للسيد رضا البطاط لقيامه بمراجعة الكتاب وتصحيحه.

متمنياً للجميع كلّ خيرٍ، وداعياً لهم بالتوفيق وحسن العاقبة.

 


مقدمة المؤلف

الحمد للّه الذي فطر الخلائق وبرأ النسمات، وأقام على وجوده البراهين والدلالات، وكان من لطفه أنه لم يترك الخلق حائرين، بل أرسل إليهم مبشّرين ومنذرين؛ ليستأدوهم ميثاق فطرته؛ ويذكّروهم منسي نعمته، وأيّدهم بالمعجزات والآيات البيّنات.

وصلى اللّه على خيرة خلقه محمد الذي ختم اللّه به الرسالات والنبوات، وعلى آله المصطفين والحجج المنتجبين.

لقد كانت دراسة العلوم الدينية بالإضافة إلى دراستي الأكاديمية حلماً طالما راودني، ورغبة تجيش في أعماق نفسي، فكان من منّه سبحانه وإحسانه لي أن حقق لي تلك الرغبة، فالتحقت بدراسة العلوم الدينية في مدينة قزوين، وبعد ذلك انتقلت إلى مدينة قم المقدسة، مدينة العلم والعلماء؛ لأواصل مسيرتي العلمية بكل مثابرة وجدّ.

وفي أثناء ما كنت أتلقى العلوم والمعارف الإسلامية كان يؤرّقني كثيراً تساؤلٌ واستفهامٌ عن الفرق بيني كمسلم شيعي وبين أترابي من أتباع الديانات الأخرى كالمسيحية واليهودية، فكنت أسأل نفسي دائماً: هل أنّ اعتناقي للدين الإسلامي ناجم عن القناعة بالدليل والبرهان، أم أنني ورثت ذلك عن آبائي بحكم البيئة التي أعيشها كما هو الحال في أصحاب الديانات والمذاهب الأخرى؟ فلذا كنت ـ إلى جانب دراستي للفقه والأصول والتفسير وعلوم العربية وغيرها ـ مهتماً بدراسة الأديان والمذاهب، فأخذتُ أبحث عن كلّ كتاب ومقال ودراسة في هذا المضمار، وأخذت أطالعها وأتأملها بدقة، وأدوّن أغلب ملاحظاتي واستنتاجاتي وتساؤلاتي.

ومن الكتب التي طالعتها وتأثرت بها كتاب الرحلة المدرسية، وكتاب الهدى إلى دين المصطفى للشيخ البلاغي، حتى أنني قرأت الكتاب المقدّس الذي يشمل العهدين القديم والجديد، وكنت أحمل ما يتحصّل عندي من تساؤلات واستفهامات لأطرحها على أصحاب الفضيلة من العلماء وأساتذة الحوزة، الذين كثيراً ما كانوا ينيرون لي طريقي ويرفعون عن عيني غشاوة الحيرة والجهل.

وبعد البحث والتنقيب ثبت لي أحقيّة الدين الإسلامي، وأنه الدين المرضي عند الله سبحانه.

وبعد ذلك بدأت رحلتي المضنية في التحقيق والتمحيص عن المذهب والفرقة المحقة بين فرق الدين الإسلامي ومذاهبه، وكلما تتلبّد أفكاري بغيوم الحيرة والتساؤل كنت أجد ضالتي المنشودة عند أصحاب السماحة والفضيلة أمثال: آية الله النوري الهمداني، وآية الله جعفر السبحاني، والعلامة محمد جواد مغنية، والسيد جعفر مرتضى العاملي وغيرهم، فكنت أبدأ بطرح تساؤلاتي وإشكالاتي عليهم، وما يعرض لدي أثناء البحث والتحقيق بين ثنايا الكتب وركام الأقوال، فلم يهدأ لي بال أو يقرّ لي قرار حتى استطعت أن أصل إلى قناعة راسخة ويقين ثابت في كون الشيعة الإمامية الاثني عشرية هم الفرقة المحقة من بين فرق المسلمين وطوائفهم؛ لأنهم من تمسك بأهل البيت وسار على المنهج الذي اختطه الرسول الأكرم’.

من هذا المنطلق، وبعد وقوفي على تلك الأرضية الصلبة، شعرت أنه من واجبي أن أدافع عن مذهب أهل البيت بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن أجادل بالتي هي أحسن؛ لعل الله يهدي بي إلى الحق من فتح الله قلبه وبصيرته للهدى، وألقى السمع وهو شهيد.


 

 

 



 




لقاءات ومناظرات

 


تمهيد

إننا وفي ضوء التعاليم الإسلامية المستقاة من الكتاب والسنة، وبحكم ممارستنا العملية في مجال الحوار والمناظرة، نجد ـ قبل الدخول في مثل هذه البحوث ـ من الضروري الإشارة بنحو الإيجاز إلى الآداب العامة لها.

آداب المناظرة

لا شكّ في أنّ الحوار العلمي والاحتجاجات والمناظرات القائمة على الأسس المنطقية والأخلاقية من أفضل الوسائل للوصول إلى الحقائق والكشف عنها، وقد حث القرآن الكريم على هذه الطريقة من البحث العلمي، إذ قال تعالى: {فَبَشّـِرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}([1]).

ومن السبّاقين في هذا المضمار هم أئمة أهل البيت(علیهم السلام)، فالكتب الروائية مملوءة بالاحتجاجات والمناظرات التي دارت بينهم وبين أصحاب المذاهب الفكريّة الأخرى من المسلمين وغيرهم، في جانبي المعارف الاعتقادية والأحكام الشرعية.

وانطلاقاً من قوله تعالى: {ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}([2])، فلابدّ للمناظرَينِ أن يكونا مطّلعَينِ على آداب المناظرة وفنونها لكي تكون المناظرة ناجحة، ويجب أن يتّبعا آدابها لكي يخرج الطرفان منها بنتيجة مثمرة; لأنّه ربما يكون الرجل من أعلم أهل زمانه ولكنّه غير مطّلع على فنون المناظرة، فلا يكون ناجحاً فيها، وكذا لو لم يتبعا تلك الآداب، فإن النتيجة ستكون غير مثمرة.

فينبغي للمناظر مراعاة أسس وشرائط نجاح المناظرة، وهذه الأسس تارة تكون أخلاقية، وأخرى تكون علمية ترتبط بمنهج المناظرة، وسنشير إجمالاً إلى بعض هذه الأسس.

أهم الأسس الأخلاقية

1ـ ينبغي أن يكون قصد المناظر للّه والوصول إلى الحق والهداية إليه، لأن «من كان للّه، كان اللّه له»([3])، فلا ينبغي أن يكون المقصود من المناظرة هو بيان غزارة علمه مثلاً، وصحة نظره، فإنّ ذلك مراء، وقد ورد النهي الشديد عنه.

2ـ ينبغي له أيضاً أن يتوكّل على اللّه: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ويفوّض أمره إليه، متيقناً بأنّ من فوّض أمره إلى اللّه فإنّ اللّه سيقيه {سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا}.

3ـ وانطلاقاً من قوله تعالى: {قُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً} يجب أن يختار كلّ من الطرفين ألفاظاً وعبارات بعيدة عن إثارة مشاعر الطرف الآخر، بحيث يبتعد عما من شأنه أن يسبب الحقد والشحناء، ويفسد الغرض من المجادلة التي يجب أن تكون بالتي هي أحسن.

أهم الأسس المنهجية في المناظرة

1ـ لابدّ للمناظر ـ قدر الإمكان ـ أن يسند كلامه إلى كتاب اللّه المتّفق عليه بين الشيعة والسنّة، مستفيداً من كلام المفسّرين المعتمدين عند المناظر المخالف له في الرأي.

2ـ يجب أن يستفيد المناظر من الكتب المعتبرة عند الطرف المقابل، ولا يتعب نفسه بالنقل عن الكتب التي لا قيمة لها عنده، كما يجب على المناظر أن يستدلّ بالروايات الواردة في السنة المتفق عليها بين الطرفين، أو يحتجّ من السنة بما هو حجّة عند المخالف ـ وإن لم تكن حجّة عنده ـ كالاستدلال بالأحاديث التي صرّح علماء الجرح والتعديل بتوثيق رواتها عندهم أو تعديلهم بحيث تكون رواياتهم حجة عنده، أو حكم علماؤهم وفقهاؤهم بصحّتها لكي يلتزم بتلك الروايات.

وقد أشار إلى هذا الأمر ابن حزم في قوله: «لا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا، فهم لا يصدّقونها، ولا معنى لاحتجاجهم علينا برواياتهم فنحن لا نصدّقها، وإنّما يجب أن يحتجّ الخصوم بعضهم على بعض بما يصدقّه الذي تقام عليه الحجّة به»([4]).

ولا يخفى أنّ المخالف الذي لا يقبل بروايةٍ قد فرض صحّتها على ضوء كلمات علماء الجرح والتعديل من أئمة مذهبه، لا مجال للتكلم معه أبداً، ولا بد من تركه؛ لأنّ الجدال معه عقيم ولغو، ونحن منهيون عن اللغو.

فإذن، لا معنى لاستدلال المناظر الشيعي على السنّي بكتاب الكافي والتهذيب وأمثالهما، كما أنّه لا معنى لاحتجاج السنّي على الشيعي بصحيح البخاري ومسلم وأشباههما.

يجب أن لا يقاطع أحدهما كلام خصمه في المناظرات الكلامية المباشرة; لأنّ ذلك يوجب عدم وصول كلّ من الطرفين إلى ما قصد من كلامه، ويشوّش الفكر ويخرج البحث عن المِحْور الصحيح؛ فلايكون ناجحاً.

هذا، وسيتجلّي للناظر في هذا الحوار وهذه المكاتبات التزامنا بهذه الآداب والقواعد المقرّرة للبحث والمناظرة، كما كنا نأمل أن يلتزم الطرف الآخر بذلك أيضاً، نسأل اللّه عزّ وجلّ أن يوفّق الجميع لمعرفة الحقّ واتّباعه، والوصول إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة; إنّه سميع مجيب.

تجاربي في الحوار والمناظرة

لقد كانت حياتي حافلة بالمحطات والقصص والمفارقات والمناقشات والمناظرات في سبيل الدعوة إلى الحق، والتي امتدت زهاء عقود من الزمن ومع مختلف العلماء وأساتذة الجامعات والحوزات في داخل إيران وخارجها، ولو أردت أن أدون تفاصيلها لملأت منها المجلدات الكثيرة، بيد أني ولأجل ذات الغاية والهدف وهي الدعوة إلى الله سبحانه ولإضاءة جانب من وجه الحقيقة أشير إلى بعض تلك القصص والمواقف والحوارات مع علماء وأتباع مذاهب أهل السنة، وما جرى فيها من مناقشات ومطارحات وحوارات هامة ومفيدة، وعلى نحو الإيجاز والاختصار؛ لأضع القارئ الكريم في صورة ما جرى ويجري من خلافات واختلافات بين المسلمين؛ وليشخّص بنفسه طريق الصواب ويتحسس معالمه، وكذلك لتكون مفردات تلك المواقف وأحداثها عظة وعبرة تنفع المؤمنين، فإليك ـ عزيزي القارئ ـ شذرات من بعض تلك القصص والمواقف:

أولا: في إيران

 لقاء مع أحد علماء أهل السنة في خراسان

كنت حريصاً على الحوار واللقاء والانفتاح على علماء أهل السنة في داخل إيران؛ لأنهم ـ مهما كان ـ تربطنا بهم بالإضافة إلى أخوة الدين رابطة الانتماء لهذا الوطن الكريم، فكانت لي علاقات ولقاءات وحوارات كثيرة عبر إقامة المؤتمرات والندوات مع العديد من هؤلاء العلماء، فكنت كثيراً ما أزورهم في مناطق سكناهم وأماكن دراستهم وتدريسهم، وأتحدث إليهم وأحاورهم بكل ودّ واحترام، وهم أيضاً يبادلونني مثل ذلك، فكانت تسود تلك اللقاءات أجواء الأخوة والمحبة والصفاء.

وفي يوم من الأيام، وفي إحدى لقاءاتي معهم، جمعتني الصدفة مع أحد علماء أهل السنة الكبار من أهالي خراسان، وكان أستاذاً فاضلاً يدرّس في أحدى المدارس الدينية لأهل السنة، فدار بيني وبينه بحث ونقاش حول الصحابة والشيخين بالخصوص، فبادر إلى القول بأن الشيعة لا يحترمون الصحابة ويتطاولون على مقامهم، فقلت له: بأن في صحاحكم روايات لا تنسجم مع ما تعتقدون في الصحابة، مفادها: بأن علياً× والعباس يعتقدان بأن عمر آثم غادر، وهذا موجود في صحيح مسلم، فقال: إنّ هذا كذب وافتراء على مسلم، وتجاوز عليّ بكلام نابٍ وبعبارات حادة، فما كان بأسرع من أن أتيت بكتاب صحيح مسلم وأطلعته على مكان الرواية، فلما قرأها دهش وخجل جداً ولم ينبس ببنت شفة، ولمّا عرفت ذلك منه؛ وصوناً لكرامته غيّرت دفة الحديث، ولم أعقب على الموضوع، فشعر بذلك وعلم أني لم أرد إهانته أو التشفي منه؛ مما أوجب محبة لي في قلبه، فأكبر موقفي وقدّره، فكان هذا باعثاً لاستمرار البحث والتواصل فيما بيننا.

وبعد مضي شهرين اتصل بي هاتفياً؛ ليقول لي: يا فلان، إنّ عقيدتي بدأت تتزلزل وإني وجدت كثيراً مما يقوله الشيعة موجوداً في كتبنا، فقلت له: اتق الله يا شيخ! ولا تجعل الوساوس تتطرق إلى قلبك وواصل البحث والتحقيق حتى يزول ذلك الشك من نفسك، ولكنه وبعد مدة اتصل بي أيضاً، وقال لي: إنه بدأت تتكون لدي قناعات بأن الشيعة على حق، وإني أخذت أميل إلى ما يقولون ويطرحون من أدلة، وكنت بدوري أحثه على البحث والتحقيق أكثر.

فاستمر ذلك بيننا ما يربو على السنتين حتى تولدت لديه قناعة قوية بأحقية مذهب أهل البيت(علیهم السلام)، فجاء إلى بيتنا في مدينة قم المقدسة، وهناك أعلن استبصاره وتشرفه باعتناق مذهب أهل البيت (علیهم السلام)، وكان ذلك بمحضر جمع مبارك من العلماء الأعلام أمثال: آية الله العظمى الشبيري الزنجاني وآية الله العظمى الشيخ السبحاني والشيخ آية الله الخزعلي وآية الله المقتدائي، وكان ذلك سنة 1406هـ..

 وبعد ذلك توطدت بيني وبين هذا العالم أواصر الصداقة والمحبة، وهو الآن من أعز أصدقائي، وتربطنا به علاقة طيبة ومتينة، ولله الحمد والمنة.

 مع طلبة من المذهب الشافعي

تمتاز بعض الجامعات والمعاهد بتنوع الدارسين فيها من كلّ الجنسيات والمذاهب الإسلامية، ففي إحدى الجامعات العالمية كنت أدرِّس مادتي التاريخ الإسلامي والفرق والمذاهب، وكان أغلب طلبتي من المذهب الشافعي وغيره من المذاهب الأخرى، الذين وفدوا للدراسة في هذه الجامعة، وكنت ألقي دروسي عليهم مبيناً كثيراً من حقائق التاريخ ووقائعه المغيبة، وما فعلته الحكومات الجائرة من طمس وتشويه لمعالم الحقيقة التاريخية، وكذلك كنت أتطرق إلى مناشئ الخلاف وأسباب الفرقة بين المسلمين، مبتعداً في طرحي عن كلّ ما يثير المشاعر والأحاسيس الدينية، متخذاً الموضوعية والحيادية سبيلاً للوصول إلى الحقيقة، وبعد انتهاء الدراسة في الجامعة تقدم إليّ ثلاثة من الطلبة وأرادوا أن يعلنوا تشيّعهم، فقلت لهم: إنكم مخطئون، حيث إنكم طيلة عشرين سنة تتلقون عقيدتكم وتسمعون علماءكم، فلا ينبغي أن تتخلوا عن ذلك لمجرد أنكم سمعتم مني ما أقول في مدة قصيرة، وكيف عرفتم أني على حق وصادق فيما أقول وأولئك ليسوا كذلك؟

فلا بدّ أن تذهبوا إلى علمائكم وتسألوا وتتحققوا وتبحثوا عن حقيقة ما ألقيت عليكم من دروس ومعلومات، فإن اكتشفتم أني على خطأ، وكانت إجابات علمائكم مقنعة لكم، فاعلموا أنّ مذهبكم هو الحق واثبتوا عليه، وكونوا كالجبل الراسخ في ذلك، وإن لم يجيبوا بما تقنع به أنفسكم، فأرجو منكم أن تعدّوا مذهب أهل البيت(علیهم السلام) مذهباً إسلامياً إلى جانب المذاهب الإسلامية الأخرى، وحينما كنت أتكلم معهم بهذه الطريقة كانت عيونهم تترقرق بالدموع تأثراً بما أقول، وودعتهم وأنا أحمل لهم كلّ حبّ وتقدير، داعياً الله لهم بالتوفيق والهداية.

وبعد عدة سنوات من تلك القصة وفد عدد من هؤلاء الطلبة إلى مدينة قم المقدسة؛ لدراسة العلوم الدينية في المدرسة الحجتية([5])، وبعد اطلاعي على ملفاتهم واستمارات قبولهم رأيت أنهم كتبوا في حقل المذهب السابق في الاستمارة: المذهب الشافعي، وفي حقل المذهب الحالي كتبوا: المذهب الشيعي، فحمدت الله على ما أنعم علينا وعليهم بالهداية إلى مذهب أهل البيت(علیهم السلام)، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

وهكذا بقيت مواظباً على الدرس والتدريس في الجامعات والحوزات العلمية مع مواصلة البحث والتحقيق والغوص في كتب الشيعة والسنة، فتحصل عندي خزين كبير من الأدلة والشواهد القرآنية والروائية وأقوال علماء الفريقين وذلك في جلّ مسائل الخلاف بين الشيعة والسنة، وقد تبلور بعضها على شكل كتب ودراسات ومقالات ولم تنقطع سجالاتي ومحاوراتي مع أساتذة الحوزة والجامعة، ومن مختلف المذاهب والاتجاهات والاختصاصات، إلى أن قدّر الله تعالى لي أن أتشرّف بزيارة الديار المقدسة في مكّة المكرمة والمدينة المنوّرة لأداء مناسك العمرة، وتوالت بعدها تلك الزيارات ليبدأ معها مشواري الطويل في الحوار والمناظرات والمناقشات ـ مع كبار علماء الوهابية والسلفية ـ والتي كانت غنية في أغلبها بالبحث العلمي والحوار الموضوعي الجادّ بحثاً عن الحق والحقيقة، وإليك بعض قصص تلك اللقاءات والحوارات:

ثانيا: في المدينة المنورة

(لقاء مع الشيخ عبد العزيز، وكيل الرئاسة العامة لشؤون المسجد النبوي)

في اليوم الأول من شهر رمضان المبارك سنة 1423هـ ذهبت إلى المسجد النبوي كموفد عن بعثة الحجاج الإيرانية، فشاهدت أثناء تجوالي في المسجد المبارك سوء المعاملة التي يلقاها حجاج بيت الله الحرام وضيوف الرحمن من بعض أفراد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذين يتصرفون مع الحجاج بكل غلظة وجفاء، فساءني ذلك كثيراً، فأبديت امتعاضي واعتراضي الشديد على ذلك، ولكنه لم يُجد نفعاً.

فقررت أن أوصل شكواي إلى أحد المسؤولين، فسألت عن الشخص المسؤول هناك، وبالقرب من باب البقيع أرشدني رجل كبير السن إلى أنه توجد خارج المسجد وكالة الرئاسة العامة لشؤون المسجد النبوي، وهناك يجلس الشيخ عبد العزيز، وهو المسؤول عن شؤون المسجد النبوي.

فعزمت على الذهاب إليه، وبعد برهة التقيت به فوجدته إنساناً في غاية الأدب وطيب اللقاء، فشكوت له التعامل السيئ الذي يمارسه أعضاء الهيئة مع الحجاج ومعي شخصياً، فأبدى أسفه واعتذر عن ذلك، ووعد باتخاذ الإجراء المناسب لعدم تكرار مثل هذه الأعمال، فشكرته على ذلك، وانصرفت.

 الاتهام بالشرك في المسجد النبوي

في يوم الجمعة الثالث من شهر رمضان المبارك، وبعد أداء صلاة العصر في المسجد النبوي المبارك قمت بتأدية بعض الأعمال والعبادات وأنا في رحاب تلك البقعة الطاهرة التي شهدت نزول الرحمة الإلهية، وإلى جوار قبر خاتم الأنبياء والمرسلين’ مستثمراً تلك الأجواء الإيمانية داعياً الله أن يتقبل منا ويغفر لنا ويرحمنا، وأنا في هذه الحالة وإذا برجل عربي كان يجلس إلى يساري وقد التفت إلي، وقال لي بلسان الناصح المشفق: من الخسارة أن تبطل أعمالك هذه بالشرك، وغداً يوم القيامة سوف تندم ولات حين مندم.

فقلت: أي عمل من أعمالي يدلّ على الشرك؟

قال: أنت إلى جانب قبر النبي وتتوسل به، والتوسل بالميت بأي شكل من الأشكال شرك.

فأجبته: إنّ القرآن الكريم يحكي لنا قول إخوة يوسف× لنبي الله يعقوب× وطلبهم منه بأن يستغفر الله لهم، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا}([6]) أكانوا مشركين بفعلهم هذا؟!

فقال: هذا التوسل مختص في حال الحياة، أما التوسل بالميت فهو شرك.

قلت: هل أنّ مقام النبي أفضل أم مقام الشهداء؟

قال: لا شك أنّ مقام النبي أفضل.

فقلت: إنّ الله سبحانه وتعالى قال في حق الشهداء: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}([7]).

فأجابني: إنّ هذه حياة برزخية والرسول’ يقول: ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله عزّ وجلّ إليّ روحي حتى أردّ عليه السلام([8]).

قلت له: ماذا تقصد بالحياة البرزخية، وهل هي مختصة بالشهداء أم أنّ جميع الناس لديهم هذه الحياة؟

فقال: هذه الحياة مختصة بالشهداء.

فبادرته بالقول: إنّ القرآن الكريم يقول في قضية آل فرعون إنهم يعرضون على العذاب في الغداة والعشي، قال تعالى: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}([9]) فماذا تقول؟!

فقال وهو غاضب منزعج: أنت مشرك، أنت مشرك!! وخرج من المسجد.

وفي هذه الأثناء كان هناك رجل مسنّ يسمع كلامنا، فتقدم إلي، وقال بنبرة تعلوها الإهانة والتحقير: هل تقرؤون القرآن؟

وهل تقرؤون تفسير القرآن؟

قلت: ماذا تقصد؟

قال: ما هو معنى الآية الشريفة: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}([10]).

قلت: المقصود أنّ النساء الخبيثات للرجال الخبيثين، والنساء الطيّبات للرجال الطيبين.

قال: إذن لماذا تكفرون عائشة؟

قلت: ومن قال إننا نكفر عائشة، إنّ هذا كذب وافتراء على الشيعة، فالشيعة لا تعتقد بكفر عائشة.

ولكن أجبني، ما هو فهمك لقوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}([11]).

ألم يكن نبيا الله نوح ولوط من الطيبين؟ ومع ذلك فإن زوجتيهما كافرتان داخلتان في جهنم؟

وابن الجوزي من كبار علماء أهل السنة، يقول: «قال يحيى بن سلام: ضرب الله المثل الأول يحذر به عائشة وحفصة»([12]).

وقال الطبري بعد نقله للآية الشريفة: «لم يغن صلاح هذين عن هاتين شيئاً، وامرأة فرعون لم يضرها كفر فرعون»([13]).

ثم روى أيضاً عن بشر قوله: «ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، قوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ...} الآية، هاتان زوجتا نبيي الله، لما عصتا ربهما، لم يغن أزواجهما عنهما من الله شيئاً»([14])، وقريب منه ما عن القرطبي في تفسيره([15]).

يقول ابن القيم، والذي يعد من تلامذة ابن تيمية: «ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة، فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي (صلّى الله عليه وسلّم) والتحذير من تظاهرهن عليه، وأنهن إن لم يطعن الله ورسوله (صلّى الله عليه وسلّم) ويردن الدار الآخرة لم ينفعهن اتصالهن برسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) كما لم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما»([16]).

والأكثر من هذا ما يقوله الشوكاني: من أنّ هذه الآية وجهت لوماً وتوبيخاً لعائشة وحفصة مع سائر أزواج النبي بأن زواجكن واقترانكن بأفضل خلق الله وخاتم النبيّين لا يجدي ولا يدفع عنكن عذاب الله، حيث قال: «فإن ذكر امرأتي النبيّين بعد ذكر قصتهما ومظاهرتهما على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يرشد أتم إرشاد ويلوح أبلغ تلويح إلى أنّ المراد تخويفهما مع سائر أمهات المؤمنين، وبيان أنهما وإن كانتا تحت عصمة خير خلق الله وخاتم النبيين، فإن ذلك لا يغني عنهما من الله شيئاً، وقد عصمهما الله عن ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة»([17]).

وعندما لم يكن لديه أي جواب غضب غضباً شديداً، ووجه لي عبارات الإهانة والتحقير، وخرج من المسجد.

فأسفت على ذلك التصرف الذي يبتعد عن روح الإسلام وأهدافه السامية وتعاليمه السمحاء، والتي من جملتها التحلي بالخلق الرفيع والسجايا النبيلة، ثم التفتُّ إلى بعض الشباب العرب ممن شهدوا الحوار الذي دار بيني وبينه، فقلتُ لهم: أرأيتم منطق هؤلاء الناس؟ فهم حين يعجزون عن الإجابة يعمدون إلى إهانة الآخرين ويوجهون لهم كلاماً بذيئاً غير لائق.

وإذا طالعتم كتب الشيعة والسنة ستجدون أنّ مراجع المذهب الوهابي أمثال ابن تيمية ومن تبعه من تلامذته قد اعتادوا على إهانة الطرف المقابل والتفوه بالكلام بالبذيء غير المناسب تجاهه، ولكن في المقابل ستجدون علماء الشيعة يتصرفون معهم بالحكمة والعقل ويترفعون عن ذلك، ويمكنكم أن تستشفوا ذلك من أسلوب العلامة الحلي ـ أحد كبار علماء الشيعة ـ في كتابه (منهاج الكرامة)، وفي مقابله لاحظوا كتاب (منهاج السنة) لابن تيمية الذي ألفه للرد على كتاب العلامة، وسوف ترون الفرق الشاسع بين الأسلوبين.

ولم يبد هؤلاء الشباب أي رد فعل على ما حصل، ولم يتخذوا أي موقف يذكر، فعند ذلك ودعتهم، وخرجت من المسجد.

لقاء مع أحد خريجي الجامعة الإسلامية

 في يوم السبت المصادف الرابع من شهر رمضان كنت ذاهباً لرؤية المكتبة الموجودة في باب عمر بن الخطاب (رض) في المسجد النبوي، وهناك تعرفت على أحد الطلبة المتخرجين من الجامعة الإسلامية في قسم الحديث، وكان اسمه (منذراً)، وقد علم أني إيراني الجنسية فكان الحوار بيننا ساخناً جداً، تناولنا فيه بعض المباحث، ومن جملة ما دار بيننا من حديث أنه سألني قائلاً: هل الكتب الروائية الشيعية لا سند لها؟

قلت: إنّ سبب سؤالك هو أنّ مكتبات أهل السنة تكاد تخلو من كتب الشيعة بينما تضم مكتباتنا العديد من كتب أهل السنة.

فقال لي: إنكم تحتاجون إلى كتبنا ونحن لسنا بحاجة إلى كتبكم.

فأجبته بالقول: إنّ الشيعة في مجال استنباط الأحكام والمعارف الإسلامية لديهم ما يكفي من الكتب الروائية والتفسيرية وغيرها، فلا يحتاجون إلى كتب أهل السنة.

وإنما يقرؤونها لمجرد الاطلاع على آرائهم لا أكثر.

قال: إنكم لا تملكون كتباً روائية أصلاً.

قلت: إنّ كتبنا الروائية أكثر من كتبكم، وإذا كنتم تفتخرون بأن عندكم الصحاح الستة، فإن الشيعة أيضاً لديهم الكتب الأربعة (الكافي والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه والاستبصار)، وكتاب الكافي وحده يضم بين دفتيه روايات أكثر من صحاحكم الستة عدداً؛ لأن جميع روايات الصحاح الستة حينما يحذف المكرر منها تطابق ما هو موجود في جامع الأصول لابن الأثير، حيث يوجد فيه (9884) حديثاً بينما عدد روايات الكافي لوحده (16199) حديثاً([18]).

قال: رواياتكم كلها مقطوعة وغير مسندة.

قلت: إنّ أغلب رواياتنا هي من الروايات المسندة؛ لأن كلّ أسانيدها تتصل بالأئمة المعصومين، وهم(علیهم السلام) يسندون ما يروونه إلى الرسول الأكرم’، فالروايات المروية عن الإمام الصادق× مثلاً مسندة، لأن الإمام الصادق، يقول: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين×، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله عز وجل»([19]).

وكذلك قال الإمام الباقر× لجابر: «يا جابر، لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنا نفتيهم بآثار من رسول الله’، وأصول علم عندنا نتوارثها كابر عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم»([20]).

وفي رواية جابر يقول: «قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر: إذا حدثتني بحديث فأسنده لي، فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن رسول الله، عن جبرئيل×، عن الله عز وجل. وكل ما أحدثك بهذا الإسناد، وقال: يا جابر، لحديث تأخذه من صادق خير لك من الدنيا وما فيها»([21]).

وقد ذكر العلامة المجلسي في بحار الأنوار حوالي (28) رواية في هذا المضمون تحت عنوان: «أنهم(علیهم السلام) عندهم مواد العلم وأصوله، ولا يقولون شيئاً برأي ولا قياس، بل ورثوا جميع العلوم عن النبي»([22]).

 وقد ذكر المرجع الكبير المرحوم السيد البروجردي في جامع أحاديث الشيعة ما يقارب (213) رواية تحت عنوان (باب حجية فتوى الأئمة المعصومين)([23]).

وبالإضافة إلى ذلك, فإنّ الروايات المقطوعة والمرسلة ليست حجّة عند علماء الشيعة، ولا يعملون بها، وفي هذه الأثناء أقيمت صلاة الظهر، وانتهى اللقاء.

 روايات الشيعة في كتب أهل السنة

وفي يوم الاثنين السادس من شهر رمضان ذهبت إلى المكتبة فوجدت ذلك الطالب مع اثنين من أصدقائه الّلذين يظهر أنهما أفضل منه في المستوى العلمي، وحينها تبادلنا الحوار، فقلت:

إنكم قلتم: إنّ أهل السنة ليسوا بحاجة إلى كتب ومرويات الشيعة، مع أنّ مثل الذهبي وهو من كبار علمائكم يصرح ويقول: «فلو رد حديث هؤلاء [الشيعة] لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة»([24]).

فلا شك في أنكم بحاجة إلى مرويات الشيعة، فكيف تنكر ذلك؟

 تهمة سب الصحابة

ثم سألني أحد رفيقي الطالب الّلذين كانا معه، فقال: ما هو موقفكم من الصحابة؟ أنتم تسبون الصحابة.

وقال الآخر: قد ذكر في كتبكم سب الخلفاء.

قلت: في أي كتاب وفي أي مستند؟

قال: في كتاب نهج البلاغة قد ذكر السب والشتم، وكذلك في كتاب الكافي.

قلت: في أي خطبة من خطب نهج البلاغة ذكر ذلك؟ يا حبذا لو ترشدني إليه.

وفي هذا الوقت أذن المؤذن للصلاة.

واتفقنا أن نبحث مسألة السب والشتم في نهج البلاغة في لقاء آخر بعد الصلاة، وبعد أن أنهيت صلاة العصر ذهبت إلى المكتبة، فلم أجد أحداً منهم هناك.

 اعتراضي على ما ينشر ويوزع من كتب ضد الشيعة

وفي اليوم نفسه، أي السادس من شهر رمضان المبارك، ذهبت بعد أداء الصلاة إلى وكالة الرئاسة العامة، لأن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانوا قد أعطوني كتابين: أحدهما كتاب (أهل البيت يدافعون عن أنفسهم)، والثاني كتاب (حكم سب الصحابة)، فذهبت للشيخ عبد العزيز لأقدم اعتراضي على ما ورد في هذين الكتابين من افتراءات وأكاذيب.

فقلت للشيخ: قد ذكر في كتاب (حكم سب الصحابة) بعض المطالب عن الإمام الصادق، والإمام السجاد‘، ولكن لم يذكر المصدر، وقد تتبعت مصادرنا فلم أجد ما هو منقول فيه، ويبدو لي أنه لم يراع الإنصاف والموضوعية في هذا الكتاب؛ لأنه يخالف أسلوب التحقيق المتعارف في هذه الأيام، فحين تنقل النصوص والمطالب لابد من ذكر اسم الكتاب الذي نقلت منه، واسم مؤلفه، ودار النشر، وسنة الطبع.

والملاحظ أيضاً أنّ كتاب (أهل البيت يدافعون عن أنفسهم) قد ذكرت فيه روايات عديدة نسبت للشيعة، مع ذكر المصادر، لكنه كذب محض، لعدم وجود تلك الروايات في المصادر المذكورة.

وذكرت له أيضاً أنّ كتاب (لله ثم للتاريخ) المنسوب لشخص اسمه سيد حسين الموسوي والذي لا وجود له أصلاً، بل هو اسم مستعار، هذا الكتاب يوزع مجاناً في المدينة المنورة على الشباب الإيرانيين، وهو مملوء بالمسائل الخلافية بين السنة والشيعة، وكل ما ذكر فيه هو كذب وافتراء، وأطلعته على بعض نماذج هذا الكذب، حيث يقول المؤلف الوهمي: «في زيارتي للهند التقيت السيد دلدار علي، فأهداني نسخة من كتابه (أسس الأصول)...».

ثم يذكر لقاءاته مع بعض علماء النجف كالسيد الخميني والسيد الخوئي والسيد السيستاني.... وغيرهم.

ثم خاطبت الشيخ قائلاً: يا جناب الشيخ، إنّ أي شخص له أقل اطلاع على مضمون هذا الكلام يعلم أنّ ما ذكر هو كذب ولا أساس له من الصحة؛ لأن السيد دلدار توفي سنة 1235هـ، أي أنه توفى قبل مائتي عام، وعلى هذا فالمفترض أن يكون عمر المؤلف الآن 230 سنة، فهل يعقل هذا؟!

ثم إنه قد نسب إلى الإمام الخميني (رض) بعض الأمور غير الواقعية، من قبيل أنه شاهد حادثة زواج الإمام الخميني زواجاً منقطعاً (متعة) من صبية عمرها ست سنوات، وكان هذا المؤلف موجوداً هناك حين تزوج الإمام بها، حتى أنه سمع صراخها!!!

وهذه المسألة لا يمكن أن يصدقها أي شخص يعرف أخلاق الإمام الخميني، وما هي إلا قضية خيالية نسجها المؤلف من خياله المريض.

ولو كانت هذه القضية صحيحة لطبّل لها شاه إيران في تلك الفترة، وكذلك لاستغلها صدام ذريعة للطعن عليه؛ لأنها تعد نقطة ضعف في شخصية الإمام.

وأيضاً قد ذكر في هذا الكتاب: إذا أنت تدخل منزل الشيعة، وتحل ضيفاً عليهم فإنهم يقدمون زوجاتهم ويجعلونها تحت اختيار الضيف؟!!

أيها الشيخ! ماذا تفعل لو أن أحداً افترى عليك مثل هذا الافتراء؟

كما أنّ المؤلف يقول أيضاً في محل آخر: قال الصادق: إذا طال بك السفر فعليك بنكاح الذكر!!

أيها الشيخ! لو أنّ أحداً افترى على الخلفاء، أو على أحد علمائكم مثل هذه الفرية، فماذا تفعل؟

وبعد أن ذكرت له هذه النماذج لاحظت أنّ الشيخ عبد العزيز قد تأثّر كثيراً، وأظهر أسفه الشديد تجاه هذه المسألة، وقال: إني لم أكن مطلعاً على تفاصيل هذه المسائل، وإلاّ فإني لم أكن لأسمح بتوزيعه في المسجد، واعتذر عن ذلك كثيراً، وطلب مني الحضور في يوم الثلاثاء بعد صلاة الظهر في نفس المكان.

وفي يوم الثلاثاء ذهبت إلى الشيخ ووجدته قد أحضر المسؤول الأول عن دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب مني أن أنقل وأعرض عليه تلك المسائل، وذكرت له بعضها، وبعد أن سمع بذلك، قال: إني لم أكن مطلعاً على هذه القضايا التي في الكتاب، وقد اطلعت يوم أمس فقط، لهذا أصدرت أمراً بمنع نشر الكتاب وتداوله، ولا يحق لأي شخص توزيعه في المدينة المنورة، وسنقوم بجمع كلّ النسخ المتواجدة في المكتبات.

 وفي الختام ودّعوني بكل احترام، وأنا بدوري شكرتهم على ذلك، وودعتهم.

وفي مساء ذلك اليوم كنت قد غادرت المدينة المنورة متجها إلى مكة المكرمة.

ثالثا: في مكة المكرمة

هل تعتقد الشيعة بأن جبرائيل خان الوحي؟

في ليلة الخميس، في التاسع من شهر رمضان المبارك، في الساعة التاسعة ليلاً كنت منشغلاً بالعبادة خلف مقام إبراهيم×، وبعد الفراغ من بعض ما كنت فيه من العبادة تعرفت على أحد طلاب جامعة أم القرى، الذي قدم نفسه على أنّ اسمه جحوني، ويدرس في المرحلة الرابعة، قسم الشريعة الإسلامية.

ثم تكلمنا بعض الشيء، وعندها قال: بأنّ الإيرانيين يعتقدون بخيانة جبرائيل، حيث بلّغ الرسالة لمحمد’ بدلاً عن علي×؛ ولذا فإنهم بعد صلاتهم يرفعون أيديهم وينزلونها ثلاث مرات ويقولون: خان الأمين.

قلت: هذا الشيء لا أساس له من الصحة، فلو أنّك جئتني بكتاب من كتب الشيعة، أو رواية ولو كانت ضعيفة فيها ما يدل على دعواك، لتركت التشيع وصرت سنياً.

والآن هنا آلاف الإيرانيين في مكة المكرمة، اذهب واجلس إلى جنب أي منهم، واسمع ما يقولون بعد صلاتهم، عندما يرفعون أيديهم وينزلونها.

قال: أنا قمت بذلك، ولكنني لم أستطع أن أسمع ما يقولون.

وفي هذا الحال كان أحد الإيرانيين يجلس في الصف الذي أمامنا، وآخر يجلس إلى جهة اليسار، فانتهزت الفرصة، وسألتهم، قائلاً: عفواً أخي! ما تقولون بعد إتمام صلاتكم عندما ترفعون أيديكم وتنزلونها؟

أجابوني: بأنّهم يقولون ثلاث مرات: الله أكبر.

لقد تركت هذه القضية أثراً عجيباً في نفسية هذا الطالب، فقال: أنا لا ينبغي لي أن أجادل في هذا المكان إلى جانب بيت الله الحرام.

فقلت: هذا ليس جدالاً، فإنك نقلت افتراءً على الشيعة، وقمتُ بإبطاله عملاً، وإنّ قولك هذا كان موجوداً على امتداد تاريخ الإسلام، فهو محض افتراء وكذب على أتباع أهل البيت(علیهم السلام).

 ثم قلت: أنا من أساتذة الحوزة العلمية والجامعة، ولدي مجموعة من الأسئلة أودّ أن أطرحها وأريد أن أسمع الإجابة الصحيحة عنها.

فأجابني: إنّي على استعداد أن أكتب هذه الأسئلة، ثم أطلب من بعض الأساتذة الإجابة عنها، وكذلك أنا مستعد أن أتكلم مع أحد الأساتذة في جامعة أم القرى، فهو متضلع وخبير في المسائل الإسلامية، وبإمكانك أن تطرح عليه كلّ ما تريد من الأسئلة.

قلتُ: أنا جاهز، ولكن بشرط أن لا يتهمني بالشرك مسبقاً.

قال: ما هي نماذج هذه الأسئلة؟

قلتُ: إنّ عمدة ما يُتّهم به الشيعة من قبل أهل السنة، هي قضية أصحاب رسول الله’، وأنا عمدة ما أطرحه عليه أيضاً مرتبط بهذه المسألة.

ومن ذلك ما جاء في صحيح البخاري، وصحيح مسلم، بأنّ رسول الله’ قال: «يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلؤون عنه، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى»([25]).

وفي رواية أخرى: «فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم»([26])، أي: إلا القليل.

وعن سهل بن سعد قال: «قال النبي (صلّى الله عليه وسلّم): ليردن عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم... فأقول: إنّهم مني، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك!! فأقول: سحقاً لمن غير بعدي»([27]).

فبادر إلى كتابة ما ذكرته له، وقال: أنا إلى الآن لم أر هذه الروايات، ولم أسمع بها.

قلت: الأهم من هذا أنّ ابن حزم ذكر في كتابه المحلى([28]) أنّ الوليد بن جميع قد روى أنّ أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاص أرادوا قتل النبيّ’ وإلقاءه من العقبة في تبوك، وقد ضعّف هذه الأخبار بالوليد بن جميع، ولكن عند مراجعتي لكتب رجال أهل السنة، رأيت أنّ أغلب علمائهم يقولون بتوثيقه.

فقد صرّح بوثاقته العجلي، ووثقه ابن معين([29]) وقال ابن سعد: «كان ثقة وله أحاديث»([30])، وأورده ابن حبّان في الثقات([31])، وقد نقل ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: «الوليد بن جميع ليس به بأس. نا عبد الرحمن، قال: ذكره أبى عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: الوليد ابن جميع ثقة. نا عبد الرحمن، قال: سئل أبي عن الوليد بن جميع، فقال: صالح الحديث. نا عبد الرحمن، قال: سألت أبا زرعة عن الوليد بن جميع، فقال: لا بأس به»([32]).

وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: «وثقه ابن معين، والعجلي. وقال أحمد وأبو زرعة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث»([33]).

وأعجب ما ورد في هذا الباب ما ذكره ابن كثير بأنّ عمر بن الخطّاب (رض) قال لحذيفة: «أقسمت عليك بالله أنا منهم؟ قال: لا، ولا أبرئ بعدك أحداً»([34]).

فكتب هذه المطالب في ورقة وأخذها معه، ولاحظت أنه كتب هذه المطالب بدقة، وقال: أنا سوف أسأل عن ذلك أساتذة الجامعة، وآتيك غداً ليلاً في هذا المكان، ومعي الجواب، وأنا أعلم بأن عمر (رض) من أصحاب رسول الله ‌الأوفياء، وعقلي يحكم بكذب هذه القضية.

فقلت: إنّها ليست مسألة حكم العقل أو عدمه، وإنما أريد أن أستفهم عما ذكره ابن حزم حول هذه القضية وردّه لها من جهة السند، مع أنّ علماء السنة قد وثقوا من نقلها، فما هو جواب علماء أهل السنة في هذه المسألة؟

وفي أثناء الحديث، قلت له: إنّ المسألة الأخرى المهمة بالنسبة لي: هي أنّ بعض علماء السنة نقلوا جملة من القضايا ونسبوها إلى الشيعة مع أنّها مزاعم كاذبة.

فعلى سبيل المثال: يقول ابن تيمية: الشيعة مثل اليهود، ويقولون بدل (السلام عليك) سام عليك، يعني: الموت لك.

ويقول أيضاً: إنّ الشيعة مثل اليهود، لأنّهم يعتبرون التصرف في أموال الناس مباحاً.

وكذلك يعتبرون خيانة الناس جائزة، وأمثال هذه الأمور.

فقال: بما أنّ ابن تيمية رجل موثوق، فإنّه إما أن يكون قد نقل له ذلك، أو أنّه قد رآه في مكان ما.

قلت: بعض علماء السنّة لا يعتبرون ابن تيمية ثقة، وذكروا في حقّه كثيراً من العبارات القاسية، مثل الحصني الدمشقي، وهو من علماء السنة شافعي المذهب، حيث قال في حق ابن تيمية: «حتى ظهر في آخر الزمان مبتدع من زنادقة حرّان، لبّس على أشباه الرجال، ومن شابههم من سيئي الأذهان، وزخرف لهم من القول غروراً، كما صنع إمامه الشيطان، فصدّهم بتمويهه عن سبيل أهل الإيمان، وأغواهم عن الصراط المستقيم إلى ثنيات الطريق ومدرجة النيران، فهم برزيّته في ظلمة الخطأ يعمهون، وعلى منوال بدعته يهرعون»([35]).

فأجاب: بأنه لا يعد كلام الحصني الدمشقي دليلاً، ولابد أن نرى علماء الرجال ماذا يقولون فيه.

قلت: إنّ علماء أهل السنة، يشيدون بالحصني الدمشقي، كالشوكاني، حيث يقول فيه: «وحضر جنازته عالم لا يحصيهم إلاّ الله، مع بعد المسافة وعدم علم أكثر الناس بوفاته، وازدحموا على حمله للتبرّك به، وختم عند قبره ختمات كثيرة، وصلّى عليه أمم ممن فاتته الصلاة على قبره، ورويت له منامات صالحة في حياته وبعد موته»([36]).

وفي البدر الطالع للشوكاني، قال: «السيد أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز العلوي الحسيني الحصني... وأخذ العلم عن جماعة من أهل عصره وبرع، وقصده الطلبة وصنف التصانيف»([37]).

وقال عمر رضا كحالة: «الحصني الدمشقي الشافعي، المعروف بالحصني (تقي الدين) فقيه، محدّث، ولد في الحصن، وتوفّي بدمشق في جمادى الآخرة»([38]).

وقال الزركلي: «تقي الدين الحصني (752ـ 829 ه‍ = 1351ـ 1426م) أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز بن معلى الحسيني الحصني، تقي الدين: فقيه ورع من أهل دمشق. ووفاته بها... له تصانيف كثيرة، منها (كفاية الاخبار) شرح به الغاية في فقه الشافعية، و(دفع شبه من شبّه وتمرّد)»([39]).

وقد فرح عندما سمع باسم الزركلي، وقال: كم جميل عندي بأن لك معرفة بكتاب الزركلي، وأنّك قد استفدت منه، فهو كتاب جيد.

قلت: هناك من ذمّ ابن تيمية، وهم غير الحصني الدمشقي، من قبيل: ابن حجر، والذهبي.

وفي هذا الوقت كان قد اقترب وقت السحور، فودع بعضنا بعضاً، وذهبنا على أمل اللقاء بأحد علماء أهل السنة الكبار في مكة المكرمة.

وبعد ليلتين، التقيت بالأخ جحوني الخبري في جوار بيت الله الحرام، وقال: إني التقيت بالشيخ محمد بن جميل بن زينو ـ وهو من كبار الأساتذة في مكة المكرمة يدرّس في دار الحديث إلى جانب البيت الحرام ـ وقد تذاكرنا ما دار بيننا فيما يتعلق بأسئلتكم، وأخذت منه موعداً للالتقاء به لكي يجيب عليها.

ومن ثم ذهبت معه إلى مكتب الاتصالات الكائن في باب عمر بن عبد العزيز، حيث تعرفنا على شخص يدعى (محمداً) أحد خريجي جامعة أم القرى وعضو في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بيت الله، وقد أهدى لي عدداً من كتب الشيخ محمد بن جميل بن زينو التي كان قد بعثها الشيخ، وقال: طالع هذه الكتب، وسوف نلتقي بكم في الليلة القادمة بعد الانتهاء من صلاة التراويح، لنذهب عند الشيخ محمد بن جميل بن زينو.

اللقاء بالشيخ محمد بن جميل بن زينو

في ليلة الأربعاء المصادف الخامس عشر من شهر رمضان، وبعد الانتهاء من صلاة التراويح ذهبنا إلى مكتب الاتصالات ومنه انطلقنا مع الشيخ محمد، وثلاثة من الطلاب المتخرجين من جامعة أم القرى في سيارته إلى بيت الشيخ محمد بن جميل بن زينو، الواقع في شارع العزيزية.

وبعد أن وصلنا وجدنا عنده عدداً من علماء اليمن، وهم يسألون الشيخ عن مسائل عدّة، وهو يجيب عن أسئلتهم، وهم يكتبون ما يجيب بعناية.

في البداية استقبلنا بكل حرارة، وقد أهدى لي أحد تأليفاته، وقال: رأيت في يوم من الأيام في مكة أحد علماء إيران، وقد جمع إلى جانبه عدّة من الأفراد وهو يتحدث إليهم. وقد أعطاني بعض أشعاره، وكانت أشعاراً جميلة جداً، وقد ذكرت هذه الأشعار في نهاية كتابي هذا الذي بين يديك.

فطلب مني الشيخ أن أقرأ هذه الأشعار المذكورة في كتابه، وفعلاً قرأت جميع تلك الأبيات التي كانت بحدود صفحتين، وقد سألني عن بعض الأبيات فقمت بتوضيحها له، فكان مسروراً بذلك.

ثم قال لي الشيخ: لماذا يسموننا بالوهابية مع أنّ القاعدة تقتضي أن يسمونا محمدية؛ لأننا من أتباع محمد بن عبد الوهاب؟

قلت: لعله بلحاظ أنّ (وهّاب) هو اسم من أسماء الله تعالى.

فسره ذلك، وربّت على كتفي وقال: بارك الله.

ثم سألني: لماذا تقدم المفعول به على الفعل في جملة (إياك نعبد)؟

قلت: لأنّ تقديم المفعول به على الفعل من أساليب الحصر.

ورأيته قد سُرّ بالإجابة على ذلك أيضاً.

قلت: يا شيخ، اسمح لي بأن أطرح بعض الأسئلة عليك وأرجو ألاّ تتهمني بالشرك والزندقة بسبب ذلك.

فتبسم الشيخ وقال: لماذا نتهمك بالشرك؟!

قلت: لأنّي قد حاورت الكثير من إخواننا أهل السنة، فحينما يعجزون عن الإجابة يتهمون الشخص بالشرك والزندقة، أو يوجهون له عبارات مهينة، ومن الأمثلة على ذلك ما حصل لي في سفري الأخير إلى المسجد النبوي الشريف.

ثم شرعت بحكاية قصة الشخصين اللذين كان قد دار بيني وبينهما حوار ونقاش حول بعض المسائل الخلافية في المسجد النبوي.

فقال لي: إنّ تصرفهما ليس صحيحاً وهو بعيد عن أخلاق المسلمين.

وبعدها قال: سل عما بدا لك فإني سوف أجيبك عنه.

توسل الصحابة بقبر النبي محمد’

قلت: كان أحد كتبك التي أرسلتها إليَّ مع أحد طلبتكم يتضمن بحثاً عن التوسل، وقد أثبتَّ فيه عدم جوازه اعتماداً على رواية واحدة فقط، ولم تذكر الروايات الأخرى المرتبطة بالموضوع، وهذا ليس بحثاً موضوعياً، وبعيد عن المنهج الصحيح للبحث.

فقال: أي رواية تقصد؟

قلت: رواية عمر بن الخطاب، التي نقلتها عن صحيح البخاري: «عن أنس (رض): أنّ عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنّا كنا نتوسل إليك بنبيّنا (صلّى الله عليه وسلّم) فتسقينا، وإنّا نتوسل إليك بعم نبيّنا فاسقنا»([40]).

مع أنّ عبارة (كنا نتوسل بنبيّنا) مطلقة، شاملة لحياته وبعد مماته، ولا توجد قرينة تقيد ذلك الإطلاق بخصوص حياة النبيّ’.

بالإضافة إلى أنّه لا يمكن أن نفترض أنّ عملاً كان جائزاً في حياته، ولكنه غير جائز وشرك بعد مماته’.

قال الشيخ محمد بن جميل بن زينو: لم يثبت لدينا في مورد بأن الصحابة قد توسلوا بقبر النبي بعد رحلته صلى الله عليه وسلم.

قلت: كيف لا؟! وتوجد رواية قد وردت في الكثير من كتبكم تثبت بأن أحد الصحابة كان يتوسل بقبر النبيّ‌’.

وهنا قال أحد الحاضرين معترضاً: إنّ القول (يا رسول الله) شرك.

قلت: قد جاء في هذه الرواية قول: يا رسول الله، فقرأتها لهم، فقلت: روى البيهقي وابن أبي شيبة بسنده إلى الأعمش، عن ابن صالح، قال: «أصاب الناس قحط في زمن عمر (رض) فجاء رجل إلى قبر النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، فقال: يا رسول الله هلك الناس، استسق لأمّتك، فأتاه رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) في المنام، فقال: ائت عمر فأقرأه مني السلام، وأخبره أنّهم مسقون، وقل له: عليك الكيس! عليك الكيس! قال: فأتى الرجل عمر، فبكى عمر (رض)، وقال: يا ربّ ما آلو إلاّ ما عجزت عنه»([41]).

قال الشيخ: هذه الرواية غير صحيحة.

قلت: لقد صحّح هذه الرواية ابن حجر في فتح الباري وابن كثير في البداية والنهاية.

قال ابن حجر: «روى ابن أبي شيبة، بإسناد صحيح»([42])، وقال ابن كثير عن رواية البيهقي: «هذا إسناد صحيح»([43]).

فأمر بجلب كتاب فتح الباري والبداية والنهاية، ولكن للأسف لم يكن عنوان الصفحة التي ذكرتها متطابقاً مع الطبعة التي عنده؛ لاختلاف الطبعات.

فقلت له: إنّ طبعة هذين الكتابين تختلف عن الطبعة التي نقلت عنها المصدر، ولكن غداً مساءً سوف أثبت لكم ذلك، أو آتيكم بجهاز الحاسوب لتروا بأمّ أعينكم المطلب الذي ذكرته لكم.

قال الشيخ: حسناً نحن بانتظاركم في الجلسة القادمة.

اشتراك بعض الصحابة في محاولة اغتيال رسول الله’

قلت: يا شيخ! ينقل ابن حزم الأندلسي في كتابه المحلى بأنّ أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاص أرادوا قتل النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم)، وإلقاءه من العقبة في تبوك، ولكنه ادّعى بأنّ هذه الأخبار من موضوعات وليد بن جميع، وهو هالك([44]).

والحال أنّ كبار علماء الرجال قد وثقوه، من قبيل العجلي([45])، وابن معين([46])، وابن سعد([47]).

قال الذهبي في ميزان الاعتدال: «وثقه ابن معين، والعجلي. وقال أحمد وأبو زرعة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث»([48]).

وأورده ابن حبان في الثقات([49]).

وأعجب ما ورد في هذا الباب هو ما ذكره ابن كثير: «بأنّ عمر بن الخطاب، قال لحذيفة: أقسمت عليك بالله أنا منهم؟ قال: لا، ولا أبرئ بعدك أحداً»([50]).

فأجاب قائلاً: لحد الآن لم أرَ ولم أسمع مثل هذا المطلب، وأمر بجلب كتاب المحلّى، ولكن بذلوا الجهد في البحث عن الكتاب فلم يعثروا عليه.

نقد كتاب (لله ثم للتاريخ)

ونحن في هذه الحالة تناول الشيخ كتاباً بعنوان (لله ثم للتاريخ) وقرأ منه فقرة تتعلق بالسيد الخميني&.

فقلت: يا شيخ، إني لأعجب منكم ـ وأنتم بهذه المكانة العلمية ـ كيف تستندون إلى كتاب مؤلفه موهوم، ولا يتضمن إلا أكاذيب وافتراءات محضة؟!

 فقال: وكيف ذلك؟

قلت: أولاً: أنّ مؤلفه الذي يعرف بالسيد حسين الموسوي، لم يكن شخصية حقيقية واقعية، بل هو شخص مفتعل لا وجود له في الواقع، ولم يعرف علماء النجف طالباً أو عالماً شيعياً بهذا الاسم في النجف الأشرف أبداً.

وثانياً: أنّ نفس هذا المؤلف الوهمي، على فرض وجوده، قد قال في الكتاب المنسوب إليه في صفحة (104): «في زيارتي للهند، التقيت السيّد دلدار علي، فأهداني نسخة من كتابه أساس الأصول...».

 وقد ذكر في كتابه أنه التقى مرات عديدة بالإمام الخميني وغيره من كبار العلماء: كالسيد الخوئي، والسيد السيستاني، و.... في النجف الأشرف.

ثم خاطبت الجالسين قائلاً: أيها الإخوة الأعزاء! إني قد طالعت كتب المعاجم لعلماء الشيعة والسنة فوجدت أنهم ذكروا أنّ السيد دلدار النقوي توفي في سنة (1235هـ) وإليكم بعض النماذج:

 قال المحقق الطهراني: «أساس الأصول في الرد على الفرائد الاسترآبادية، للعلامة دلدار علي بن محمد معين نقوي النصير آبادي اللكنهوي المجاز من آية الله بحر العلوم المتوفى سنة (1235هـ)»([51]).

وقال السيد إعجاز حسين: «أساس الأصول في أصول الفقه، لمولانا السيد دلدار علي بن السيد محمد معين النصيرآبادي أعلى الله ذكره في أعلى عليين المتوفى سنة خمسة وثلاثين ومائتين بعد الألف، نقض فيه على صاحب الفوائد المدنيّة فيما أورده على الأصوليين»([52]).

قال إسماعيل باشا البغدادي في هدية العارفين: «النصر آبادي، السيد دلدار علي بن السيد معين الدين النصرآبادي الشيعي المجتهد في لكنهو توفي سنة (1235هـ)، خمس وثلاثين ومائتين بعد الألف، له أساس الأصول»([53]).

قال خير الدين الزركلي في الأعلام: «دلدار علي (1166 ـ 1235هـ ـ1753 ـ 1820م) دلدار علي بن محمد معين النقوي الهندي: مجتهد إماميّ، من نسل جعفر التواب أخي الحسن العسكري... من كتبه عماد الإسلام في علم الكلام، خمس مجلدات، وآخر لم يطبع، وأساس الأصول»([54]).

ثم قلت: أخبرني كيف يمكن لشخص قد التقى بالسيد دلدار قبل (210) سنة أن يلتقي بمراجع النجف الأشرف قبل عشر سنوات؟!

ثالثاً: أنّ الكاتب قد أورد بعض الروايات ونسبها إلى الصدوق في كتابه (من لا يحضره الفقيه)، وهذه الروايات ليس أنها غير موجودة في هذا الكتاب فحسب، بل لا وجود لها في كتبنا الأربعة ولا في بحار الأنوار.

فقال بعض الحاضرين: كيف يمكن لنا أن نتصور أنّ المؤلف يذكر رواية من مصدر ثم لا يكون لها وجود فيه؟!

فأجبته: إن كانت هذه الروايات التي استند إليها موجودة في كتاب (من لا يحضره الفقيه)، فأنا على استعداد أن أترك التشيع وأكون وهابياً.

فأوجد كلامي هذا إرباكاً وتلاوماً في المجلس، بحيث اعترض بعض الطلبة على الشيخ قائلاً: نحن طلبنا منك أن لا تستشهد بهذه الكتب في الجلسة، فإنّه يذهب بماء وجوهنا، ويوقعنا في الخجل والإحراج.

ابن تيمية يفتري على الشيعة

قلت: ذكر ابن تيمية مطالب تتعلق بالشيعة كلها كذب محض، ولا توجد مثل هذه المطالب في كتب الشيعة ولم يعتقد بها أحد من علمائهم.

قال: ما هي تلك المطالب التي ذكرها؟

وفي هذه الأثناء كنت قد كتبت بعض تلك المطالب من كتاب منهاج السنة في ورقة صغيرة وأريته إياها، وكانت تلك المطالب بالنحو التالي:

«الرافضة لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة، ولكن مقتاً لأهل الإسلام وبغياً عليهم.

وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال، وينزل سيف من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وينادي منادٍ من السماء.

واليهود يؤخرون الصلاة إلى اشتباك النجوم، وكذلك الرافضة يؤخرون المغرب إلى اشتباك النجوم، واليهود تزول عن القبلة شيئاً، وكذلك الرافضة.

واليهود تنود في الصلاة وكذلك الرافضة.

واليهود تسدل أثوابها في الصلاة وكذلك الرافضة.

واليهود لا يرون على النساء عدّة وكذلك الرافضة.

واليهود حرّفوا التوراة، وكذلك الرافضة حرّفوا القرآن.

واليهود قالوا افترض الله علينا خمسين صلاة، وكذلك الرافضة.

واليهود لا يخلصون السلام على المؤمنين إنّما يقولون سام عليكم، والسام الموت، وكذلك الرافضة.

اليهود لا يأكلون الجري والمرماهي والذناب، وكذلك الرافضة.

واليهود لا يرون المسح على الخفين، وكذلك الرافضة.

واليهود يستحلون أموال الناس كلهم وكذلك الرافضة، وقد أخبرنا الله عنهم بذلك في القرآن إنّهم (قالوا ليس علينا في الأميين سبيل)، وكذلك الرافضة.

واليهود تسجد على قرونها في الصلاة وكذلك الرافضة.

واليهود لا تسجد حتى تخفق برؤوسها مراراً شبه الركوع، وكذلك الرافضة.

واليهود تبغض جبريل ويقولون: هو عدونا من الملائكة، وكذلك الرافضة يقولون: غلط جبريل بالوحي على محمد (صلى الله عليه وسلم).

 وكذلك الرافضة وافقوا النصارى في خصلة النصارى: ليس لنسائهم صداق إنّما يتمتعون بهن تمتعاً، وكذلك الرافضة يتزوجون بالمتعة ويستحلون المتعة»([55]).

ثم قلت: هل رأيتم أحداً من بين مئات الآلاف من الشيعة الإيرانيين الحجاج قد انحرف عن الكعبة أثناء صلاته؟

أو أنهم قد قالوا في أثناء سلامهم: سام عليكم؟

وهل يستطع أحد أن يثبت أنه وجد في كتاب من كتب الشيعة نفي العدة عن النساء أو أنّ عالماً من علماء الشيعة لا يعتقد بعدة الطلاق.

قال الشيخ: في أي كتاب قد ورد ذكر هذه المطالب عند ابن تيمية؟

قلت: في كتاب منهاج السنة، المجلد الأول في صفحة (23ـ 27).

وهنا أظهر تعجبه من ذلك.

فقلت له: وقال ابن تيمية أيضاً: «لو كانت الشيعة من البهائم لكانت حُمُراً ولو كانت من الطير لكانوا رخَماً»([56]).

فلو أنّ شخصاً قد نسب إليك مثل هذه الافتراءات فماذا يكون ردّ فعلك؟

واللطيف في الأمر أنّ مثل هذه الأمور قد نقلها ابن تيمية عن الشعبي عن شخص اسمه (عبد الرحمن بن مالك بن مغول) الذي قد ضعفه علماء الرجال بشدة([57]):

قال أحمد بن حنبل: «خرقنا حديثه منذ دهر من الدهر»([58]).

وجاء في كتاب (الجرح والتعديل): «كذاب، وابنه أبو بهز السقر بن عبد الرحمن أكذب منه»([59])، وفي موضع آخر: «نا عبد الرحمن قال: قرئ على العباس بن محمد الدوري، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: عبد الرحمن بن مالك بن مغول قد رأيته، وليس هو بثقة. نا عبد الرحمن قال: سمعت أبي يقول: عبد الرحمن بن مالك بن مغول متروك الحديث»([60]).

وقال الخطيب البغدادي: «من أكذب الناس»([61]).

ونقل عن محمد بن عمار الموصلي قوله: «كان عبد الرحمن بن مالك بن مغول كذّاباً أفّاكاً، لا يشك فيه أحد»([62]).

قال الشيخ: أنا لم أر مطالب ابن تيمية هذه لحد الآن، ولكني شخصياً قد كتبت بعض المسائل حول الشيعة في بعض مؤلفاتي.

في هذه الأثناء نهض وأخرج من بين تأليفاته كتاباً، وفيه بعض ما يتعلق بالشيعة في صفحتين وقرأها.

بعد ذلك قال: هل رأيت كتاب الحكومة الإسلامية للإمام الخميني؟

قلت: نعم.

قال: إنّ الإمام الخميني يقول: إنّ مقام الأئمة هو أعلى من مقام الأنبياء والملائكة، فماذا تقول أنت؟

قلت: أنا لست من مقلدي الإمام الخميني، لكني من أهل الاجتهاد وأصحاب النظر، ولا بد أن ألحظ أدلة الإمام الخميني، فهل أنّ أدلته وما استند إليه صحيحة أم لا؟ فإذا كانت صحيحة فعقيدتي نفس عقيدة الإمام الخميني وإلاّ إذا لم تكن الأدلة صحيحة فلا أعتقد بمضمونها.

هل أن إضافة (حي على خير العمل) في الأذان بدعة؟

في هذا الوقت كان حاضراً معنا عالم من علماء اليمن، قال: يوجد في بلادنا بعض الشيعة الذين يقولون في أذانهم «حي على خير العمل».

قال الشيخ: ما هذه الخرافات التي يعتقد بها الشيعة؟ كيف يسمحون لأنفسهم بمثل هذه البدع؟

قلت: أولاً: أنّ هذه الفقرة موجودة في كتب أهل السنة، وقد كانت في صدر الإسلام من ضمن فقرات الأذان، لكن عمر (رض) قد نهى عنها.

 يقول القوشجي، وهو من علماء الكلام الكبار عند أهل السنة: «إنه (أي عمر بن الخطاب) خطب الناس، وقال: أيّها الناس، ثلاث كنّ على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، أنا أنهى عنهنّ، وأحرّمهنّ، وأعاقب عليهنّ، وهي: متعة النساء، ومتعة الحج، وحي على خير العمل»([63]).

ونقل الشوكاني عن كتاب الأحكام ليحيى بن الحسين بن القاسم المتوفى سنة 298: «وقد صحّ لنا أنّ حي على خير العمل كانت على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يؤذن بها، ولم تطرح إلاّ في زمن عمر، وهكذا قال الحسن بن يحيى: روي ذلك عنه في جامع آل محمد، وبما أخرج البيهقي في سننه الكبرى بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر أنّه كان يؤذّن بحي على خير العمل أحياناً»([64]).

وقال ابن حزم أيضاً: «وقد صحّ عن ابن عمر وأبي أمامة بن سهل بن حنيف: أنّهم كانوا يقولون في أذانهم: حيّ على خير العمل»([65]).

وكذلك نقل عدد من الصحابة والتابعين أنّ فقرة «حي على خير العمل» من ضمن الأذان، منهم:

1ـ عبد الله بن عمر([66]).

2ـ علي بن الحسين×([67]).

3ـ أبو اُمامة بن سهل بن حنيف([68]).

4ـ بلال مؤذن الرسول’([69]).

5ـ أبو محذورة مؤذن رسول الله’([70]).

6ـ زيد بن أرقم([71]).

وورد من طرقنا عن:

7ـ علي بن أبي طالب×([72]).

8ـ محمد الباقر×([73]).

9ـ جعفر الصادق×([74]).

وثانياً: ما معنى فقرة: «الصلاة خير من النوم» التي نسمعها في أذانكم؟ فكل شخص ـ حتى الأطفال ـ يعلمون أنّ الصلاة هي خير وأفضل من النوم.

وثالثاً: لو نظرنا إلى فقرة «حي على خير العمل» لوجدناها متناسبة مع ما قبلها من الفقرات «حي على الصلاة»، «حي على الفلاح»، أما فقرة «الصلاة خير من النوم» فلا نشعر بأي انسجام بينها وبين الفقرات التي قبلها.

فقال: نحن نذكر فقرة الصلاة خير من النوم في صلاة الصبح فقط.

في هذا الوقت، وفي حدود الساعة الثانية بعد منتصف الليل، انتهى اللقاء.

ثم ذكر الشيخ للطلاب الذين كانوا حاضرين معه في اللقاء بعض الأمور التي لم ألتفت إلى مراده منها.

 ثم ودّعتهم وخرجت على أمل اللقاء وإكمال الموضوع في الليلة القادمة.

مرافقة بعض الطلبة الجامعيين إلى محل سكناهم

ذهبت مع جمع من طلبة جامعة أم القرى إلى محل سكناهم واستراحتهم، وقد لاقيت منهم احتراماً كبيراً, وكانوا قد هيأوا لنا وجبة من الطعام للسحور، فتناولناها معاً.

والظريف في هذا اللقاء أنّ أحد الطلاب قال: أنتم معشر الشيعة تقولون: «يا علي» وهذا شرك!

فقلت: إذا كان هذا الشخص الذي يقول: «يا علي» معتقداً أنّ علياً سيعينه مستقلاً عن الله سبحانه وتعالى، فهذا عين الشرك، ولكن إذا كان يعتقد بأن علياً× سيعينه بإذن من الله سبحانه وتعالى، فلا ضير في ذلك، كما هو الحال في عيسى× حيث يقول القرآن: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ}ـ آل عمران: 49 ـ فإذا كان علي× بإذن الله يشفي المرضى ويحل مشاكل الناس فما هو الإشكال في ذلك؟

فتعجب السائل من هذا الجواب وعجز عن الرد.

واعترض عليه طالب آخر من الحضور، قائلاً: ألم يُطلب منكم أنّه غير الطالب (جابر) لا يحق لأحد أن يجيبه؟

فقال مستخفاً بالسائل: هل لك القدرة الآن على دفع إجابته!!؟ فأجبه إن استطعت، أجبه!

قلت: لماذا تستخف بالسائل؟ هو سأل وأنا أجبته، فما المشكلة في ذلك؟

وبعد تناول وجبة السحور أوصلوني بالسيارة إلى محلّ إقامتي.


   

 






حوارات ومكاتبات
مع الدكتور الغامدي

 


تمهيد

نظراً لما قام به الدكتور الغامدي من حذف جملة من الحوارات التي دارت بيننا واختزال بعضها في كتابه (حوار هادئ)، مع أهمية تلك الحوارات ودورها في رسم معالم الحقيقة، سوف أستعرض للقارئ الكريم ـ في هذا الكتاب ـ جميع ما جرى بيننا من الحوارات حتى التي أغفل ذكرها الدكتور في كتابه، كما سأضع فيه المكاتبات التي حصلت بيننا بكل تفاصيلها.


 

حوار مع الدكتور أحمد الغامدي

الأستاذ في الدراسات العليا بجامعة أم القرى

في الليلة السادسة عشرة من شهر رمضان المبارك لسنة 1423 هـ، بعد صلاة المغرب، وبمعية عدد من طلاب جامعة أم القرى، ذهبنا نحو بيت الدكتور أحمد بن سعد حمدان الغامدي، أحد أساتذة جامعة أم القرى الكبار، وقد استقبلنا بحفاوة وحرارة.

فتوجّه نحوي سائلاً: ماذا تدرِّسون في إيران؟

قلت: أدرِّس علم الرجال والحديث والفرق الإسلاميّة.

فقال: كتب رجال الشيعة مثل: رجال النجاشي والكشّي وغيرهما هي من ضعاف الكتب، فلم يذكر أي جرح أو تعديل للرواة فيها.

فقلت له: هل قرأت رجال النجاشي؟

قال: لا! ولكنّي قرأت مجمع الرجال للقهبائي، ولم أجد فيه أيّ جرح أو تعديل للرواة، ولم يذكر فيه مشايخ الرواة ولا تلاميذهم.

قلت: بل العكس هو الصحيح، فإنّ مجمع رجال القهبائي يضم كتاب رجال النجاشي وفهرست الشيخ الطوسي، وقد ذكرا فيه الجرح والتعديل لأغلب الرواة.

ويمكن لك أيضاً الرجوع إلى كتاب الرجال للسيّد الخوئي، الذي ذكر فيه أقوال كلّ الرجاليّين المتقدّمين الذين تعرّضوا إلى جرح وتعديل الرواة، وهكذا قد ذكر مشايخ كلّ راوٍ تحت عنوان (روى عن...) كما ذكر تلاميذه تحت عنوان (روى عنه...)، مضافاً إلى ذكر مواضع رواياته في الكتب الأربعة للشيعة (الكافي، الفقيه، التهذيب، والاستبصار) مشيراً إلى موارد اختلاف الكتب والنسخ، بحيث لا يوجد عند أهل السنّة كتاب رجاليّ بهذا الشكل.

فقال: إنّني لم أسمع بهذا الكتاب ولم أره.

تهجم الدكتور على الشيعة

وبعد ذلك بدأ بالكلام حول الشيعة، وأذكر خلاصة كلامه:

حيث قال: أرسل الباري تعالى الأنبياء والرسل لهداية البشر، وأرسل رسوله محمداً’ ليكمل الدين ويختم به.

وقد أرسل هذا الدين الكامل بواسطة الرسول العربي’ للعرب، ولو كانت أمّة خيراً منهم لأرسل الرسول محمداً’ إليهم....

وهذا الجيل الذي ربّاهم اللّه، من أفضل الأجيال، ولوكان جيل أفضل من هذا الجيل لأرسل الرسول إليهم.

وأنزل القرآن عربيّاً ليكون معجزة؛ لأنّ اللغة العربية أكمل اللغات وأفضلها، ولو كانت لغة أفضل من هذه اللغة لنزّل القرآن بتلك اللغة.

وقد أبلغ ما احتاجت إليه الأمّة لتكاملها خلال 23 سنة، ولم يقصّر في شيء، وقد شخّصت الأمة وظيفتها الشرعيّة، وانتخبت أبا بكر، وبايعه جميع المسلمين على ذلك، وكذلك علي× قد بايعه بعد ستّة أشهر، واستطرد قائلاً: ما قال عليٌ بأنّهم غصبوا حقي!

والزهراء÷ في مسألة الإرث طلبت من أبي بكر أمراً، ولكنّه، وبناءً على قول الرسول’: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث» لم ينفذ طلبها، وقد ماتت وهي غاضبة عليه.

وتزعم الشيعة أنّ الرسول الأكرم’ قد اختار عليّاً× للخلافة نيابة عنه، لكن الصحابة خالفوا ذلك، وهل يمكن للصحابة أن يخالفوا ذلك؟!

ومعنى هذا الكلام: أنّ جميع الأصحاب قد أخطأوا إلا قليلاً منهم جداً، وهذا القليل هم من كانوا على الحق ولم يخطأوا بحسب ظن الشيعة!

ونزول آية: {بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ} في حقّ عليً× من موهومات الشيعة، وليس لدينا رواية واحدة تؤيّد هذا المدّعى، وأنّ الرسول’ قد اختار علياً× للخلافة....

وتقول الشيعة بالتقيّة، حتى قالوا: «من لا تقيّة له لا دين له»....

وقد نقل في الكافي أنّ أبا حنيفة قد دخل على الإمام الصادق في يوم ما في أمر، وأقسم الإمام كذباً أمام أبي حنيفة، لكنّنا معاشر السنة، وإن كنّا لا نعترف به كإمام لكنّه موثّق وصادق عندنا.

وبعقيدتي أنّ 90 % من روايات الكافي، والتي نقلت عن الإمام الصادق×، هي كذب محض لا غير.

وتعتقد الشيعة أنّ القرآن ناقص، ويفسّرونه تفسيراً باطنيّاً، وأنّ كلّ ما نزل في القرآن الكريم من فضائل ومدائح هو في حقّ علي×، وكلّ نقص ومذمّة نزلت في حق أعدائه.

ويفسّرون البقرة بعائشة، مع أن آية: {الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} تدلّ على طيبة كلّ أزواج النبيّ’، ويستحيل أن تكون زوجته خبيثة.

وتدّعي الشيعة أنّ عليّاً قد عيّن أحد عشر نفراً من بعده للخلافة، وكلّهم من أولاده.

وقد رأيت في أحد كتب الشيعة أنّ زوجة الإمام الحسن العسكري لم تحمل، وقد فتّش بيته من قبل السلطة ولم يجدوا أطفالاً فيه، وقد قسمت التركة وأمواله بين الورثة.

فمتى سيظهر الإمام المهدي؟ هل سيكون ظهوره عند جبل رضوى؟ أم من السرداب؟

وأنتم تقولون: إنّ الظهور يجب أن تسبقه مقدّمات وتمهيد، وأنّ الدولة الإسلاميّة في إيران هي مقدمة وتمهيد لظهوره، فلماذا لا يظهر؟

اعتراضي على الدكتور أحمد الغامدي

وبعد أن أتم كلامه قلت له: لديّ عدّة اعتراضات على كلامكم، وأودّ أن أبيّنها لكم قبل الدخول بالموضوع.

فقال: تفضل.

فقلت: قلتم إنّ العرب هم أفضل قوميّة في العالم، ولكنّ القرآن الكريم يقول: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ}([75]).

فقال: ما هو المراد من الآية؟

قلت: تقول الآية: إنّ العرب قوم معاندون، ولو اُنزل على غيرهم لما آمنوا به، فما رأيك في ذلك؟

فقال: عليّ أن أرجع إلى التفاسير، وانتفض قائماً ليجلب تفسير ابن كثير وبدأ بالقراءة، فقال: ورد في هذا التفسير أنّ القرآن لونزّل على غير العرب ـ وبما أنّهم لا يعرفون العربيّة ـ لم يكونوا ليعرفوا معاني الآيات ويفهموها.

قلت: فلِمَ نزّل بالعربيّة، وقد آمن به غير العرب، كما هو المعمول به حاليّاً من ترجمة الكلمات العربيّة وتفسيرها إلى غير العربيّة، فبالإمكان أن تترجم باقي اللغات إلى العربية أيضاً.

فلم يحر جواباً، وقال: لنبدأ ببحث آخر، فهذا البحث لا فائدة فيه.

عجز الدكتور عن الإجابة عن آية التبليغ

قلت: أنتم ذكرتم أنّ آية التبليغ ونزولها في حقّ عليّ×، هي من موهومات الشيعة! والحقّ أنّ كثيراً من علماء السنّة قد صرّحوا بنزولها في حقه×، منهم ابن جرير الطبري في كتاب الإمامة.

قال: لايوجد للطبري كتاب باسم الإمامة، وهذه أيضاً من ألاعيب الشيعة، إذ ينسبون بعض الكتب لبعض الأفراد كذباً وزوراً.

قلت: إن كثيراً من علمائكم ذكروا بأن للطبري كتاباً باسم الإمامة أو الولاية([76]).

ثمّ أخرجت له من جيبي ورقة، وقرأت فيها: قد نقل هذا الحديث كثير من علماء أهل السنّة مثل: السيوطي في الدر المنثور([77])، والشوكاني في فتح القدير([78])، والحسكاني في شواهد التنزيل([79])، والفخر الرازي في التفسير الكبير([80])، والنيسابوري في أسباب النزول([81])، والعيني في عمدة القاري([82])، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة([83]).

فأجاب الدكتور أحمد الغامدي: ذكر أحدهم ذلك والبقية نقلوا عنه.

ومن ثمّ قام من فوره وأتى بفتح القدير، وأتى بالآية المختلف فيها، وأخذ يقرأ حتى وصل إلى عبارة: «أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر، عن أبي سعيد الخدري، قال: نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ} على رسول اللّه يوم غدير خم، في علي بن أبي طالبK. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود، قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه: (ياأيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك أنّ عليّاً مولى المؤمنين)».

ولما قرأ هذه العبارة تأمّل قليلاً، وقال بعدها: لِمَ تركتم كلّ موارد شأن النزول وتمسّكتم بهذه فقط؟!

قلت: أنتم تفضّلتم وقلتم: إنّ هذه من موهومات الشيعة، فأردت أن أثبت لكم العكس، وأنّها حقيقة لا وهم فيها.

فقال: عليّ الاطلاع على سند هذه الرواية، فابن مردويه فيه بعض الكلام.

فقلت: الرجاء أن تعلمني بالأمر إن توصّلتم إلى نتيجة في هذا الصدد.

وقد تألم كثيراً مما حصل، والتفت إليّ قائلاً: يوجد في كتب الشيعة أمور ذكرت تحت عنوان التقية، وقد نسبت للإمام الصادق×كذباً وزوراً، وهو منزّه وأجلّ من ذلك.

فقلت: يا جناب الدكتور، مع احترامي الشديد لكم، ولكنّي لا أقبل الاتّهامات من دون دليل وتوثيق، وأرجو أن تدعموا أقوالكم بالدليل القاطع؟

فقام متوجّهاً نحو مكتبته، وأتى ببعض الأوراق المصورة، وبدأ يقرأ الرواية التي وردت فيها التقية، وقد نقلت من الكافي:

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن بكار بن بكر، عن موسى بن أشيم، قال: «كنت عند أبي عبد اللّه× فسأله رجل عن آية من كتاب اللّه عز وجل، فأخبره بها ثمّ دخل عليه داخل سأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر الأوّل، فدخلني من ذلك ما شاء اللّه حتى كأن قلبي يُشرّح بالسكاكين.

فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطئ في واو وشبهه وجئت إلى هذا، يخطئ هذا الخطأ كلّه، فبينا أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية، فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي، فسكنت نفسي، فعلمت أنّ ذلك منه تقية.

قال: ثمّ التفت إليّ، فقال لي: يا بن أشيم، إنّ اللّه عز وجل فوّض إلى سليمان بن داود، فقال: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}([84]).

وفوّض إلى نبيّه، فقال: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، فما فوّض إلى رسول اللّه فقد فوّضه إلينا»([85]).

فقلت: وقع في سند الرواية موسى بن أشيم، وهو راو ضعيف.

وأخرجت ما ورد عنه في كتب الرجال عند الشيعة عن طريق الحاسوب بسرعة، فقرأ بنفسه ما ورد في رجال ابن داود: «غال خبيث»([86]).

وكذلك ما ورد في معجم رجال السيّد الخوئي، حيث قال: «إنّ ابن أشيم كان خطّابياً».

ونحن الشيعة نرى أنّ الخطّابية ليسوا بمسلمين؛ فضلاً عن كونهم من الشيعة.

وعندها رفع يديه مسلّماً ومذعناً، وهي أعلى درجات الشهامة والفضيلة، فقال: قبول! قبول!

ثم استطرد قائلاً: يوجد في الكافي مطلب آخر عن التقية، وأتى بأوراق مصوّرة أخرى عن رواية موجودة في الكافي، ولكن لم يذكر فيها رقم الصفحة ورقم الحديث، فاستطعت إخراجها عن طريق الحاسوب، وفيها:

>علي، عن أبيه، عن الحسن بن علي، عن أبي جعفر الصائغ، عن محمد بن مسلم، قال: دخلت على أبي عبد اللّه× وعنده أبو حنيفة، فقلت له: جعلت فداك رأيت رؤيا عجيبة، فقال لي: يا بن مسلم هاتها فإنّ العالم بها جالس (وأومأ إلى أبي حنيفة)، قال: فقلت: رأيت كأنّي أدخل داري وإذا أهلي خرجت عليّ فكسرت جوزاً كثيراً ونثرته عليّ، فتعجّبت من هذه الرؤيا، فقال أبو حنيفة: أنت رجل تخاصم وتجادل لئاماً في مواريث أهلك، فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها إن شاء اللّه.

فقال أبو عبد اللّه×: أصبت واللّه يا أبا حنيفة.

قال: ثمّ خرج أبو حنيفة من عنده، فقلت: جعلت فداك إنّي كرهت تعبير هذا الناصب.

فقال: يا بن مسلم، لايسؤك اللّه، فما يواطئ تعبيرهم تعبيرنا ولا تعبيرنا تعبيرهم، وليس التعبير كما عبّره.

قال: فقلت له: جعلت فداك فقولك: أصبت وتحلف عليه، وهو مخطئ؟

قال: نعم، حلفت عليه أنّه أصاب الخطأ.

قال: فقلت له: فما تأويلها؟

قال: يا بن مسلم، إنّك تتمتّع بامرأة فتعلم بها أهلك فتمزّق عليك ثياباً جدداً; فإنّ القشر كسوة اللب.

قال ابن مسلم: فواللّه ما كان بين تعبيره وتصحيح الرؤيا إلاّ صبيحة الجمعة، فلمّا كان غداة الجمعة أنا جالس بالباب إذ مرّت بي جارية فأعجبتني فأمرت غلامي فردّها، ثمّ أدخلها داري فتمتعت بها، فأحست بي وبها أهلي، فدخلت علينا البيت، فبادرت الجارية نحو الباب، وبقيت أنا، فمزّقت عليّ ثياباً جدداً كنت ألبسها في الأعياد»([87]).

فقلت: في بداية السند: علي بن إبراهيم وأبيه، وفي آخره: محمد بن مسلم وهم ثقات، ولكن في وسط السند يوجد: الحسن بن علي وأبو جعفر الصائغ وهما ضعيفان.

وقد ورد في جامع الرواة: «أبو جعفر، ضعيف جداً، قيل: إنّه غال لا يلتفت إليه»([88]).

وقال السيّد الخوئي عن الحسن بن علي: «الحسن هذا مشترك بين جماعة، والتمييز إنّما بالراوي والمروي عنه»([89]).

فسلّم وأذعن للحقيقة، ورفع يديه قائلاً: قبول! قبول!([90]).

التقية شعار الشيعة

قال: مسألة التقية من المسائل الأساسيّة عند الشيعة.

قلت: من محاسن الصدف، أنّني اليوم قد اقتنيت برنامجاً من سوق مكّة المكرمة، فيه فتاوى ابن تيمية، وفي إحداها: من دخل إلى مسجد، تقام الصلاة فيه بإمامة إمام ظالم، فلو لم يصلّ خلفه لم يأمن على نفسه الضرر، فيجب عندئذٍ الاقتداء به، ثمّ إعادة الصلاة([91]).

قلت: وفي الحقيقة إنّ هذا هو عين ما تعتقده الشيعة في التقيّة، وإذا لم يوجد مورد للخوف على النفس والمال فلا تقية حينئذٍ.

وقد رآني هؤلاء الإخوة من الطلاب في هذه الليلة كيف أني أقمت الصلاة خلف الإمام في المسجد، لكني لم أصلّ التراويح؛ لأنّها ليست من عقائدنا، وانشغلت بقراءة القرآن الكريم بدلاً عنها، ثمّ وافيناكم إلى بيتكم الكريم، فسأل الدكتور الطلاب عن ذلك فأجابوه بنعم، فأبدى تعجبه واستغرابه.

الشبهة في ولادة المهدي ×

قلت: ذكرتم أنّكم رأيتم في كتب الشيعة بأنّ الإمام الحسن العسكري× لم تكن زوجته حاملاً، فالرجاء اذكر لنا اسم الكتاب والمؤلف؟

فتأمّل قليلاً، وقال: الظاهر أنّ اسمه كان موسى.

قلت: موسى الموسوي واسم الكتاب (الشيعة والتصحيح)؟!

قال: بالضبط هو ذلك الكتاب.

قلت: هو ليس من الشيعة ولا من السنة، وهو شخص معروف بالفسق والفجور وشربه للخمرة, وهو مشهور في إيران بذلك، ولا أهمية ولا صحّة لكلامه أساساً.

فقال أحد الطلبة: وكيف يكون ذلك وبأيّ دليل؟

قلت: الصحف والجرائد في عهد الشاه مملوءة بأدلّة فجوره وفسقه، ويعرفه أكثر الطلبة والعلماء هناك.

ثمّ استطردت قائلاً: إنّ أكثر وأغلبية علماء الأنساب شهدوا بميلاد الإمام المهدي×، مثل النسابة الشهير أبو نصر سهل بن عبد اللّه، من أعلام القرن الرابع، حيث يقول: «ولد علي بن محمد النقي×، جعفراً وهو الذي تسمّيه الإماميّة جعفر الكذّاب، وإنّما تسمّيه الإماميّة بذلك؛ لادعائه ميراث أخيه الحسن، دون ابنه القائم الحجة×، لا طعن في نسبه»([92]). وهذا يدل على أن للإمام العسكري× ولداً باسم الحجة، ولا شك في نسبه، وادعاء جعفر الكذاب عدم وجود ولد له ـ لأخذ ميراثه ـ باطل([93]).


  لماذا بايع الإمام علي× بعد ستة أشهر؟

قلت: لماذا بايع الإمام علي× أبا بكر بعد ستّة شهور؟

فقال: لم يتخلّف علي× إلاّ أنّه كان يعتقد أنّ له حقّاً.

قلت: ألم يكن ذلك الحق هو حق الخلافة؟

قال: لا، بل كان يعتقد أنّ له رأياً.

قلت: فما معنى كلّ تلك الاحتجاجات والمناشدات التي صدرت من علي× حول حق الخلافة؟

قال: لا دليل لها ولا أساس لها من الصحّة.

قلت: هل تبقى على رأيك في عدم وجود رواية صحيحة كتبت حول حق علي× في الخلافة؟

قال: نعم.

فقلت: أحب أن أكتب عين عبارتكم بالضبط.

قال: اكتب: لا توجد رواية صحيحة تثبت أنّ عليّاً هو الخليفة بعد النبيّ’.

قلت: لاتوجد لدينا فرصة الآن، وإلا لأخرجت لكم الكثير من الروايات الصحيحة في هذا المجال (في خلافة علي×)، ولكنّي أقدّم لكم كتاب المراجعات هذا لشرف الدين، ففيه ما طلبتم.

وفيه: بعد ما نزلت الآية: {وأنْذِر عَشِيرَتَكَ الأقرَبينَ} جمع الرسول’ أربعين من رؤساء قريش وقال: «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع»([94]).

فقد صرّح بصحّته جمع من العلماء كابن جرير الطبري فيما نقله المتقي في كنز العمال: 13 / 128 ح 36408، والهيثمي في مجمع الزوائد: 8 / 302، وأبي جعفرالإسكافي كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 13 / 243، والحاكم في مستدرك الصحيحين: 3 / 133 والذهبي في تلخيص المستدرك، ـ في حديث طويل ـ والشهاب الخفاجي في شرحه على الشفا للقاضي عياض، نسيم الرياض: 3 / 35، ووردت الرواية في كتاب المختارة للضياء المقدسي، الذي التزم فيه بأن لا يروي في كتابه هذا إلاّ الروايات الصحيحة المعتبرة، كما صرّح بذلك جمع كعبد اللّه بن الصديق المغربي في ردّ اعتبار الجامع الصغير: 42، وقال ابن حجر: «ابن تيمية يصرّح بأنّ أحاديث المختارة أصحّ وأقوى من أحاديث المستدرك» فتح الباري: 7 / 211.

وعشرات من الروايات التي ذكرت في كتاب المراجعات التي تدلّ على إمامة وخلافة علي بن أبي طالب×.

فقال: سأقرأ الكتاب.

تهمة تكفير المسلمين

فقال حينذاك: أنتم تقطعون بنجاسة غير الشيعي!

قلت: أين سمعت هذا المدعى، وفي أي من الكتب قد رأيته؟

قال: الشيعة تقول: إن الإمامة من أصول الدين، فكيف لمنكر أصلاً من أصول الدين يكون مسلماً.

قلت: ترى الشيعة أنّ أصول الدين هي: التوحيد والنبوة والمعاد. أمّا العدل والإمامة فهي من أصول المذهب، كما صرّح بذلك الإمام الخميني& بقوله: «فالإمامة من أصول المذهب لا الدين»([95])، هذا أولاً.

وثانياً: لم يفت أيّ من العلماء من الشيعة لا قديماً ولاحديثاً بنجاسة أو كفر أهل السنة وخروجهم عن الإسلام.

قال: أريد أدلّة من علماء الشيعة في هذا الصدد.

قلت: من جميل ومحاسن الصدف يوجد عندي في حاسوبي المحمول أكثر من ألفي عنوان وكتاب لفقهاء الشيعة، ومن تلك الكتب: العروة الوثقى، وقد علّق على هذا الكتاب العشرات من فقهائهم، فلن تجد فيه تكفيراً لأهل السنة ألبتة.

أضف إلى ذلك؛ أنّ الشيعة يتزوجون من أهل السنّة والسنّة يتزوجون من الشيعة، وأعرف الكثير من الإخوة في إيران قد أعطوا بناتهم للسنّة وهكذا العكس، وكلامكم هذا لا يدل إلاّ على عدم الاطلاع على الحقائق وبما يجري على أرض الواقع.

وفوق هذا كلّه؛ ألم آكل في بيتكم الطعام وأشرب القهوة و...

وقد تأثّر من كلامي هذا ولم يحر جواباً.

مؤامرة اغتيال النبي

وفي هذه الأثناء قام أحد الطلبة قائلاً:

سل الدكتور أحمد الغامدي سؤالك الذي سألته البارحة للشيخ محمد بن جميل بن زينو، كي يجيب عليه بجوابه الكافي.

فقلت: أورد ابن حزم في كتابه المحلى: «أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاص (رضي الله عنهم) أرادوا قتل النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وإلقاءه من العقبة في تبوك».

ثمّ يضعف هذه الأخبار لأنها من طريق الوليد بن جُميع، وهو هالك([96])، والحال أنّ أرباب الرجال من أهل السنة قد وثّقوه([97]).

فقال: إنّ ابن حزم ليس بثقة ولا اعتبار بنقله.

قلت: إنّه يروي وينقل.

فقال: على أيّة حال فلا عبرة بروايته.

قلت: لقد وثّقه أغلب علماء السنة ويعتبرون كلامه.

فهذا الذهبي إمام الجرح والتعديل عندكم قد وثّقه، قائلاً: «ابن حزم، الإمام الأوحد، البحر، ذو الفنون والمعارف... ورزق ذكاءً مفرطاً، وذهناً سيّالاً وكتباً نفيسة كثيرة... فإنّه رأس في علوم الإسلام، متبحّر في النقل، عديم النظير...»([98]).

وشهد له بالصدق والأمانة والديانة والحشمة والسؤدد([99]).

وقال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام: «وكان أحد المجتهدين، ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل المحلى لابن حزم»، قال الذهبي بعد نقله هذا: «لقد صدق الشيخ عز الدين...»([100]).

وقريب من هذا عن السيوطي في طبقات الحفاظ([101]).

قال الزركلي: «ابن حزم: عالم الأندلس في عصره، وأحد أئمّة الإسلام، كان في الأندلس خلق كثير ينتسبون إلى مذهبه، يقال لهم: (الحزميّة)»([102]).

وبعد هذا لم يكن من جواب للدكتور أحمد الغامدي إلا أنه قال: هو ليس من أهل المذاهب الأربعة وهو ظاهريّ المذهب، ولا عبرة بكلامه.

إصرار الدكتور على التواصل

وفي هذه الأثناء قاربت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، وانتهى اللقاء، وأصرّ الدكتور على التواصل، وقال: اكتب لي أسئلتك، وسأجيب عنها بالفاكس على عنوانكم.

وأخيراً ودعنا الدكتور بحرارة، وقال: إن البيت بيتكم، زورونا عندما تنزلون مكة المكرمة.

وبعد عودتي للفندق كتبت عدة أسئلة وأرسلتها بيد الأخ جابر ـ وهو أحد تلامذة الدكتور أحمد الغامدي ـ ليسلّمها إليه.

وإليكم نصّ الرسالة:

نص الرسالة المرسلة إلى الغامدي

(مع تعديل في التركيب اللفظي والإملائي لبعض المفردات والعبارات)

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الأخ الفاضل المحقّق الأستاذ سماحة الدكتور أحمد بن سعد حمدان

السلام عليكم

أقدّم شكري الوافر إلى سماحتكم، كما أقدّم ثنائي العطر؛ لما شاهدت من أخلاقكم الحسنة وكرمكم الجميل.

ولقد استفدت من جنابكم كثيراً وأرجو أن يستمرّ هذا اللقاء ولا يكون هذا آخر العهد منكم لنا.

وفي الختام أحبّ أن أقدّم لسماحتكم بعض الأسئلة، راجياً أن أجد عندكم أجوبة مستدلّة ومبرهنة تقنع النفس بها.

فأسأل: ماذا يقول سماحة الأستاذ فيما رواه البخاري وغيره بأنّ عدة من الأصحاب يدخلون النار يوم القيامة، ويقول رسول اللّه’: «يا ربّ أصحابي! أصحابي! فيقال: ما تدري ما أحدثوا بعدك، فإنّهم ارتدّوا بعدك على أعقابهم».

ألم يكن في مضمون هذه الروايات مخالفة لوثاقة الأصحاب؟

وماذا تقول فيما ورد من سبّ الأصحاب بعضهم بعضاً؟ هل يوجب الفسق في السابّ أم لا؟

أو أن الاجتهاد والخطأ والوصول إلى أجر واحد، يختصّ بالأصحاب فقط، أو نقول بأنه يعمّ غيرهم من الفقهاء وأصحاب الفتيا؟

وماذا تقول فيما جرى على بعض الأصحاب من الحدّ، فهل يكشف ذلك عن فسقهم أم لا؟

وماذا تقول فيمن أمر بقتل عثمان من الأصحاب أو اشترك في قتله؟ هل تحكم فيهم بأنّهم اجتهدوا وأخطأوا ولهم أجر واحد أم لا؟

ثم إنه قد ورد في الروايات المتعدّدة بأنّ النبيّ’ قال: «فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني»، وورد أيضاً: «بأنّ فاطمة هجرت أو غضبت على أبي بكر ولم تكلّمه حتّى ماتت».

وكما صرّحتم في كلامكم بأنّ فاطمة ماتت وهي غاضبة على أبي بكر.

فهل هذا لا يتعارض مع ما دلّ على حرمة إيذاء الرسول’؟!

ثم إنه قد ورد في الروايات الكثيرة بأنّ النبيّ قال عند موته: «ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً» ومنعه عمر وقال: «إنّ النبيّ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه»، بحيث تأذى رسول اللّه وقال: «قوموا عنّي». فهل يكون عمر أعلم من النبيّ بمصالح الأمّة؟ وهل أن رسول اللّه لم يكن يعلم أن كتاب الله لا يكفي للناس؟ ألا يعد هذا منافياً لقوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى}([103]).

وسمعت من سماحتكم بأنّ قوله تعالى: {وَالطَّيباتُ لِلطَّيِّبِينَ}([104]) يدلّ على أنّ عائشة أمّ المؤمنين، كانت طيّبة؛ لكون النبيّ من الطيّبين.

فماذا يقول سماحة الأستاذ في توجيه هذه الآية، وما في قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَتَ نُوح وامْرَأَتَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}([105])؟ فهل النبيّ نوح لم يكن طيّباً وكذلك لوط؟

وقد أشرتم في مطاوي كلامكم بأنكم تعتقدون أنّ تسعين بالمائة مما في الكافي مما هو منقول عن الصادق كذب، فكيف يمكن التوفيق بين كلامكم هذا مع ما قاله الذهبي: «فلو ردّ حديث هؤلاء (الرواة الشيعة) لذهب جملة من الآثار النبويّة وهذه مفسدة بيّنة»([106]).

فيا حبذا لو أوضحتم كلامكم هذا وأجبتم عنه بأدلّة مقنعة، فنكون لكم من الشاكرين.       

أبو مهدي محمد الحسيني القزويني / 17 رمضان المبارك 1423هـ


رسالة الدكتور أحمد بن سعد حمدان الغامدي

من مكة المكرمة ـ عبر الفاكس ـ وجوابه عن الأسئلة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

حديث البخاري في دخول عدة من الأصحاب النار

يحتاج الجواب على ذلك إلى توطئة وهي تتعلق ببيان فضل الأصحاب:

أولاً: قد ثبت بالأدلة القاطعة من القرآن الكريم والسنة النبوية فضل الأصحاب وتزكيتهم من ربّ العالمين ومن نبيّه سيّد المرسلين’، ومن ذلك ما يلي:

 أ ـ من القرآن الكريم

1ـ قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}([107]).

أثنى عزّ وجلّ على جميع المهاجرين وجميع الأنصار بدون قيد؛ لأنّ (أل) للعموم فيما دخلت عليه، وجميع الذين اتّبعوهم بإحسان، فالمتّبعون قيّدهم بالإحسان، وهذا أصل، فلا يخرج أحد من المهاجرين والأنصار إلاّ بدليل قطعيّ، والآية في غاية الوضوح.

ثمّ أثنى عزّ وجلّ على الذين اتّبعوهم بإحسان، والذين اتبعوهم هم أهل السنّة وليسوا الشيعة; لأنّ الشيعة ما بين مكفّر لهم وذامّ لهم ـ أعني الشيعة الإماميّة المتأخّرين بدون استثناء.

2ـ وقال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}([108]).

ذكر عزّ وجلّ أنّه ربّاهم ورعاهم، كما يرعى النبتة التي تخرج من الأرض حتّى نضجت واكتملت، وأنّ ذلك سيكون سبباً لغيظ الكفار، فمن كرههم أو غاضهم لحقه الوعيد.

3ـ وقال تعالى: {إنّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ}. إلى أن قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ...}([109]).

حكم عزّ وجلّ للمهاجرين الذين جاهدوا في سبيله ولإخوانهم الأنصار بأنّهم مؤمنون حقّاً ووعدهم مغفرة ورزقاً كريماً.

أليس هذا ثناء من اللّه عزّ وجلّ على المهاجرين والأنصار، وتأكيد إيمانهم بما لا يدع مجالاً للشكّ فيهم؟ فمن شكّ فيهم فقد كذب اللّه عزّ وجلّ، ولعلّ اللّه سبحانه وتعالى عالم الغيب أراد أن يرد على كلّ من سيأتي بعد فيطعن فيهم.

4ـ وقال تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنكُم مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}([110]).

هذه الآية الكريمة تمدح الذين آمنوا من قبل الفتح، وأنفقوا في سبيل اللّه، وقاتلوا لإعلاء كلمة اللّه عزّ وجلّ، وأنّ من لحقهم بعد ذلك لا يدرك فضلهم، وهذه شهادة عظيمة من اللّه عزّ وجلّ.

5ـ وقال تعالى: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}([111]).

أرأيت هذا التقسيم العجيب لطوائف المؤمنين..

مهاجرون.

أنصار.

متّبعون يحبّونهم ويدعون لهم ولا يكرهونهم.

أين مكان الإماميّة هنا؟؟

وأين مكان أهل السنّة هنا؟؟

هذه بعض الآيات التي تثني على جيل الصحابة، الذين جاهدوا لرفع راية الإسلام، وما تراه في العالم الإسلامي من خير فهو بسببهم.

ثمّ جاءت أجيال أهل السنّة لتكمل السيرة، فنقلت الدين، وفتحت الأرض، وعلّمت الناس دينهم، فأين الأرض التي فتحها أهل التشيع؟

إنّ معتقد أهل التشيّع يلزم منه أنّ الدين لم يطبق; لأنّ الصحابة بعد موت النبيّ’ خانوه ولم ينفذوا أمره، وجاء أئمّة أهل التشيّع بعد عليّKولم يتمكّنوا من إبلاغ الدين; لأنّهم لم يمكّنوا، إذن الدين الحق لم يظهر، وإنّما عملت به الشيعة في الخفاء وهذا يخالف القرآن الكريم. قال اللّه تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}([112]).

ألم يتحقّق هذا الوعد، فاستخلف اللّه عزّ وجلّ الأمّة الإسلاميّة ومكّن لهم الدين، وأمن الناس في عهود الحكومات الإسلاميّة؟!

ب ـ ومن السنّة

1ـ عن أبي سعيد الخدريK قال: «قال رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم): لا تسبّوا أصحابي، فلو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه»([113]).

وهذا قاله’ لخالد، عندما سبّ عبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن من السابقين وخالد ممّن أسلم بعد.

2ـ وعن عبد الرحمن بن عمر رضي اللّه عنهما([114])، عن النبيّ’ قال: «خير الناس قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم...»([115]).

وفضائل الصحابة بأسمائهم في الصحيحين وغيرها كثيرة، فراجعها إن شئت.

وأنت تعلم أنّ المحقّقين من أهل السنّة يتثبتون في الرواية ويدقّقون في الرواة، وخاصّة البخاري ومسلماً فلا يوردون إلاّ ما صحّ عندهم.

بعد هذه المقدمة ننظر في الرواية التي وردت في الحديث السابق:

 هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة منهم عبد اللّه بن عباس، وأبو هريرة، وأنس، وأسماء بنت أبي بكر، وكلّها في صحيح البخاري، وله ألفاظ:

ففي رواية عبد اللّه بن عباس: «أنّه سيجاء برجال من أمّتي...».

وفي رواية لأبي هريرة: «ألا ليذادن رجال عن حوضي...».

هنا عدة وقفات

أولاً: هذه الروايات رواها الصحابة أنفسهم (رضي اللّه عنهم)، وهذه لأمانتهم وصدق إيمانهم ولو كانوا قد ارتدّوا ما رووها.

ثانياً: المعنى: إمّا أنّه يراد به الصحابة أنفسهم جميعهم، وهذا مردود للآيات السابقة والأحاديث الصحيحة في فضلهم جميعاً وفي فضائل أفرادهم.

وإمّا أن يراد به بعضهم؛ وهذا يحتاج إلى دليل قطعيّ، وهذا غير موجود.

وإمّا أن يراد به بعض أفراد الأمّة وسمّاهم بأصحابه؛ لأنّ كلّ أمّته أصحابه; لمشاركته في دينه وفي الجنّة، أي يصاحبونه فيها، فعندما يقدم هؤلاء على حوضه، وعليهم علامة المسلمين بآثار الوضوء ويمنعون عن الحوض فيقول: أصحابي... وفي بعضها لا يقول أصحابي، وإنّما يقول: ألا هلمّ، وفي بعضها بالتصغير: أصيحابي، فالذي يظهر أنّ هذا هو المراد، وهو الذي نعتقده.

حديث فاطـمة: إنما فاطـمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها

سبب هذا الحديث، كما هو معروف، أنّ عليّاًK أراد أن يتزوّج ابنة أبي جهل.

وهنا وقفات:

1ـ إنّ علياً× هو الذي ورد فيه الحديث، فهل فعله هذا كان كفراً، حاشاهK وإنّما أراد أمراً مباحاً في الشرع، وهو التعدّد في الزواج، ولم يكن يعلم أنّ لابنة رسول اللّه’ خصوصيّة خاصّة فخطب عليها.

وفعله هذا كشف ثلاثة أمور:

أ ـ أن يكون كفراً، وهذا لم يقل به أحد، ولم يرد أنّه أسلم من جديد.

ب ـ وإمّا أن يكون معصية فتاب منها، فقبلت توبته، فمحيت معصيته.

ج ـ أو يكون اجتهاداً خاطئاً، ومغفوراً له اجتهاده.

2ـ هذا الفعل من عليK يدلّ أنّه غير معصوم.

3ـ إنّ أبا بكرK لم يفعل فعلاً مباحاً له أن يفعله وأن لا يفعله، وإنّما فعل فعلاً واجباً روى فيه حديثاً عن نبيّه’، وهو لشدّة حبّه لرسول اللّه’، وخوفه من ربّه ما كان ليعصيه، وقد سمعه يقول: «لا نورّث ما تركناه صدقة».

4ـ هذا الحديث رواه أبو بكر وعمر بن الخطّاب وقد أشهد عليه عمر من حضره من الصحابة منهم عثمان وعلي والعباس وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقّاص فأقرّوا به، كما في الصحيحين: أخرجه البخاري في الفرائض/ باب قول النبيّ’: «لا نورث< وفي الجهاد والمغازي. ورواه مسلم في: الجهاد/ باب حكم الفيء.

وقد سلّمها عمر لعلي والعباس ليلياها، فاختلفا.

5ـ إنّ علياً× بعد أن تولّى الخلافة لم يغيّر شيئاً ممّا كان في عهد الشيخين، فلم يقسّم ميراثاً ولم يعط الحسن والحسين شيئاً منه؛ ممّا يدلّ على أنّه قد تحقّق عنده قول أبي بكرK.

6ـ وفاطمة (رضي اللّه عنها) طالبت بميراثها ظنّاً منها أنها ترث كما يرث بقيّة الناس، فلمّا أخبرت بالحديث لا نظنّ بها (رضي اللّه عنها) أنّها استمرت على مطالبتها; لأنّها ما كانت لتخالف أباها (عليه الصلاة والسلام)، ولو خالفت لكان اتّباع أمر أبيها ـ وهو المشرِّع ـ أولى من اتّباع قولها.

7ـ هب أنّ أبا بكر اجتهد فأخطأ ـ وهذا فرض ممتنع، لوجود النصّ، لكن هب ذلك ـ فليس أقلّ من فعل عليK، وما أجبتم عن عليKكان الجواب به عن أبي بكرK.

قال الله تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}.

وهنا عدة وقفات، منها:

1ـ الآية نزلت لتبرئة عائشة (رضي اللّه عنها) ممّا رميت به، وأخبر تعالى أنّ الخبيثات للخبيثين و... الخ، ليدلّ على أنّه عزّ وجلّ ما كان ليدع امرأة خبيثة زوجة لرسول اللّه أطيب الطيبين.

والمراد هنا بالخبيث هو: (الزنا)، أمّا زوجتا نوح ولوط (عليهما السلام) فقد كانتا كافرتين، والزواج من الكافرة في شريعتهم جائز، أمّا في شريعتنا فلا يجوز إلاّ من الكتابيّة المحصنة (أي: غير زانية).

وأمّا الزواج من الزانية فلا يجوز في شريعتنا ولو كانت مسلمة; لما يؤدّي إليه من مفاسد واختلاط الأنساب ونحو ذلك، كما قال تعالى: {الزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.

فالفرق إذن واضح.

2ـ الآية برأت عائشة (رضي اللّه عنها) ووعدتها بمغفرة ورزق كريم، فدلّ هذا على أنّها تموت على الإيمان; لأنّ حكم اللّه عزّ وجلّ لا يتغيّر.

حديث ابن عباس (رضي الله عنهما)

وهذا فيه عدّة أمور، منها:

1ـ إرادة النبيّ’ أن يكتب كتاباً لئلا يختلف الصحابة (رضي اللّه عنهم)، ولم يذكر القضّية التي أراد’ أن يكتبها، ولو كانت أمراً واجباً من واجبات الدين لما ترك كتابتها للغطهم، بل يخرجهم ويستدعي من يكتب، خاصّة وقد عاش بعد ذلك أربعة أيّام; لأنّ هذا كان يوم الخميس، كما في لفظ آخر للبخاري: «يوم الخميس وما يوم الخميس»([116])، وتوفّي يوم الاثنين.

2ـ إنّ الموجودين اختلفوا وليس هذا خاصّة بعمرK.

3ـ إنّ عمرK قد شهد له النبيّ’: «إنّه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدّثون وإنّه إن كان في أمّتي هذه منهم فإنّه عمر بن الخطّاب»([117]).

وقوله: «والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجّاً إلاّ سلك فجّاً غير فجّك»([118]).

وروى البخاري ومسلم من فضائله ستّة عشر حديثاً في أصحّ الكتب، ومنها عن محمّد بن الحنفيةK قال: «قلت لأبي: أيّ الناس خير بعد رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم)؟ قال: أبو بكر، قلت: ثمّ من؟ قال: ثمّ عمر، وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثمّ أنت؟ قال: ما أنا إلاّ رجل من المسلمين»([119]).

وروى ابن عباسK قال: «وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلّون قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلاّ رجل أخذ منكبي فإذا عليّ بن أبي طالب، فترحّم على عمر وقال: ما خلّفت أحداً أحبّ إليّ أن ألقى اللّه بمثل عمله منك، وأيم اللّه، إن كنت لأظنّ أن يجعلك اللّه مع صاحبيك، وحسبت أنّي كنت كثيراً أسمع النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر»([120]).

هذه بعض شهادات الصحابة من آل بيت رسول اللّه’.

4ـ إنّ النبيّ’ كان يأخذ أحياناً بقول عمر وينزل القرآن بموافقتهK، كما في اتخاذ مقام إبراهيم مصلّى، والحجاب، وغيرهما.

فلعلّه هنا مال النبيّ’ إلى قولهK، ولعلّ عمرK قال ذلك لمّا رأى ما به من الوجع فكان رأفة به’ أو نحو ذلك، ولا يتصوّر أنّه أراد إيذاءه’ وهو ممّن شهد له القرآن; لأنّه من المهاجرين ومن السابقين الأوّلين وفضائله في السنّة كما تقدم.

هذه هي أهم ما سألت عنه..

وأما البقيّة فهي قضايا اجتهادية.

نظرات في اتجاهات أهل السنة والشيعة ومناهجهم

المتأمّل للعقيدتين يستنتج ما يلي:

1ـ يفهم من عقيدة أهل السنة أنّ النبيّ’ بعث إلى الناس عامّة، وأنّه يجب أن ينقل أتباعه سنّته إلى من لم يعرفها.

والشيعة يفهم من عقيدتهم أنّ النبيّ’ بعث إلى عليّK، وأنّ اللّه عزّ وجلّ قد أمر وأعاد في الوصيّة لعلي، وأنّ الأمر بالإبلاغ أي إبلاغ الوصيّة، فلا يجوز أخذ العلم إلاّ منهK، إذن كلّ الدين المبلّغ من غيره ليس ديناً.

2ـ من عقيدة أهل السنة أنّ فهم الدين ممكن لكلّ إنسان، وأنّ بإمكان الإنسان أن يكون عالماً ويتحمّل الأداء.

وأمّا أهل الشيعة فتشترط وجود معصوم يرجع إليه، وهذا يعني أنّه لابدّ أن يكون في كلّ بقعة معصوم ليرجع إليه، إذ كيف يستطيع من بالمشرق أو بالمغرب أن يعمل فيما يجد من مسائل؟!

فإذا جاز له الاجتهاد فما الحاجة للمعصوم؟

3ـ أهل السنّة يعظمون الصحابة الذين هم نقلة الدين والمجاهدون في سبيله، الذين فتحوا الأرض شرقاً وغرباً وحفظوا القرآن والسنّة وبلغوها للعالم.

وأما أهل التشيّع فهم يطعنون في الصحابة، ويلتمسون أخطاءهم، ويتجاهلون فضلهم وبلاءهم، ويقيّدون عمومات القرآن بناءً على ما رسخ في أذهانهم من معتقدات.

4ـ يظهر من معتقدات أهل السنّة أنّ الدين قد ظهر وعمل به الناس وفتحت عليه البلدان. وأمّا أهل التشيّع فإنّ الدين لم يظهر ولم يعمل به.

5ـ أهل السنّة يفهم من معتقدهم أنّهم يجلّون عليّاًK ويعتقدون أنّه كان شجاعاً في ذات اللّه عزّ وجلّ، ولا يمكن أن يكون وصيّاً ويسكت طيلة حياته بعد موت النبيّ’ وهي قرابة خمس وعشرين سنة.

ولو تكلّم في شيء من ذلك لرواه رواة أهل السنّة كما رأينا طرفاً من رواياتهم، فهم يروون كلّما رأوه أو سمعوه، وقد ترد روايات لكنّها لا تصحّ، ونحن لا ننكر أنّ كتب أهل السنّة قد وردت فيها روايات؛ ربما لأنّ الرواية ـ كما هو معروف ـ قد تعرّضت لكثير من الكذب.

وأمّا أهل التشيّع فإنّهم زعموا أنّهم يجلّون عليّاًK، وزعموا أنّه لم يظهر أنّه وصي رسول اللّه’ خوفاً على نفسه، وهذا من أقبح التصورّات، وإن كانوا قد أوردوا أخباراً لا يخفى عدم صحّتها على المحقّقين.

6ـ إنّ أهل السنّة يعتقدون أن ّ الإمامة أمر اصطلاحي شوريّ، للأمّة أن تختار من تراه أهلاً لذلك، ليحكمها بالقرآن والسنّة، ولا حرج في الاختلاف في مجالات الفهم.

وأمّا أهل التشيّع فإنّه يفهم من عقيدتهم أنّه يجب على اللّه أن ينصّب إماماً، وأنّ هذا الإمام هو عليK مع أنّه لم يرد في القرآن ولا في السنّة، أيّ لفظ في ذكر الإمامة أو الوصاية، وإنّما هي عمومات قابلة للتأويل على أوجه.

وقضيّة الإمامة قضيّة كبيرة؛ فلو كانت مطلباً دينيّاً محدّداً لنزلت آيات بلفظها، ولجاءت أحاديث بلفظها، سواء عمل الناس بها أو لم يعملوا، ثمّ لأبقى اللّه عزّ وجلّ نسل الأئمّة إلى قيام الساعة.

فإنّ اللّه عزّ وجلّ قد صرّح بأقلّ من ذلك في قضيّة زيد وزوجته وتردّد النبيّ’ في مصارحة زيد بذلك.

فأيّ القضيتين أهمّ يا ترى؟!

7ـ والذي عمله الشيعة بعد انقطاع النسل هو الذي عمله أهل السنّة بعد موت النبيّ’، مع أنّ أهل التشيّع حاولوا المغالطة، فبقوا مدّة بدون تجمّع ثمّ ابتدعوا (ولاية الفقيه)، ألا قالوا بها بعد موت النبيّ’ وأنهوا معاناتهم إلى اليوم؟!

8ـ يعترف أهل السنّة بأنّه قد حدث كذب على رسول اللّه’ من بعض الرواة من بعد الصحابة (رضي اللّه عنهم); لأنّ الصحابة كلّهم عدول، ولم يجرب عليهم تعمد الكذب، وعدم اعتقاد عدالتهم هدم للدين.

وأمّا أهل التشيّع فلا يرون ذلك; بل يصفون كثيراً من الصحابة بالكذب وهذا يشكّك في كامل الدين، إذ لا دين حقّ يمكن أن نتعبد اللّه به من رواة كفرة كذّابين.

وهذا هو الذي شكّك في مقاصد الشيعة؛ إذ موقفهم من الصحابة يهدم كامل الدين، ويطعن في ربّ العالمين وفي نبيّه سيّد المرسلين.

9ـ يعترف أهل السنّة بأنّ أحاديث كثيرة وآثاراً كثيرة قد ظهر لهم بطلانها، أدخلها قوم أرادوا هدم الدين، أو جهلة لينصروا الدين وقد كشفها أهل العلم.

وإذا كان قد وضع في كتب السنّة ألف حديث مثلاً، فقد وضع في كتب التشيّع اثنا عشر ألفاً; لأنّ أكثر الوضع على المعصوم عند أهل السنّة ولا معصوم إلاّ رسول اللّه’، وأمّا أهل التشيّع فعندهم اثنا عشر معصوماً; فكم يا ترى سيكون عدد الموضوعات؟ والمطلّع على كتب الطائفتين يتّضح له صدق ذلك.

10ـ إنّ أهل السنّة يفهم من عقيدتهم أنّهم لا يقولون بعصمة أحد بعد رسول اللّه’ ولا أبي بكر وعمر، وإن كانوا يرون أنّ اجتهادهم إذا لم يخالف نصّاً فإنّه مشروع.

وأمّا أهل التشيّع فإنّهم يقولون بعصمة أئمّتهم، وإذا رأوا أحدهم يخالف قواعد معتقدهم زعموا أن ذلك (تقيّة)؛ يا لها من جرأة!!

والحسن يتخلّى عن الإمامة، وهو معصوم، ويتخلّى عن ركن من أركان الإيمان؛ حفاظاً على حياته، كما زعموا.

أيليق بإنسان من بيت النبوّة يعتقد أنّه وصيّ من اللّه عزّ وجلّ وهي مرتبة نبويّة لو صحّت، ثمّ يتنازل حفاظاً على حياته، ونحن نرى التاريخ مملوءاً بمن ثبت على دينه حتّى قتل في سبيل اللّه، وهم ليسوا بأنبياء ولا بأوصياء معصومين!!

فهذا الخميني ثبت على عقيدته وأوذي وأخرج ثمّ رجع منتصراً، إذن الخميني خير من وصي رسول اللّه’.

11ـ منهج أهل السنّة في قبول الروايات منهج حازم، فإنّهم قد دوّنوا تراجم جميع الرواة وحكموا عليهم من خلال مرويّاتهم، فما قبله ميزان الجرح والتعديل قبلوه، وما خالفه ردّوه، وهذه قاعدة من خالفها أعادوه إليها.

ولا يوجد لدى أهل التشييع مثل ذلك. وبإمكانك أن تأخذ عدداً من أوّل أيّ كتاب من كتب التراجم لدى أهل السنّة، وعدداً مماثلاً من كتب التراجم عند الشيعة وقارن بين المعلومات المدوّنة عندهما...

وأنت (محدّث) وابحث: (متجرّداً).

وفيما يلي مقارنة:

أ ـ تهذيب الكمال عند أهل السنّة.

أحمد بن إبراهيم الموصلي.. كنيتة.. بلده.

 أسماء شيوخه: أورد أكثر من عشرين راوياً.

 أسماء تلاميذه كذلك.

 ثمّ درجته.

 وهكذا كلّ راو تقريباً إلاّ النادر.

ب ـ أما في كتاب مجمع الرجال عند الشيعة.

أوّل راوٍ فيه:

آدم بن إسحاق بن آدم، له كتاب، أخبرنا به عدّة من أصحابنا، عن...

 فلا شيوخ ولا تلاميذ ولا درجة.

والثاني: (آدم بن إسحاق) كذلك، وفيه أنّه ثقة، ولم يذكر شيوخه.

وفي الحقيقة؛ من يطلّع على المنهجين بعين الإنصاف يرى البون شاسعاً، واللّه الموفّق.

نصوص من كتب الخميني([121])

1ـ لو كانت مسألة الإمامة قد تمّ تثبيتها في القرآن، فإنّ أولئك الذين لا يعنون بالإسلام والقرآن إلا لأغراض الدنيا والرئاسة كانوا يتّخذون من القرآن وسيلة لتنفيذ أغراضهم المشوّهة، ويحذفون تلك الآيات من صفحاته ويسقطون القرآن من أنظار العالمين إلى الأبد... كشف الأسرار: ص131.

2ـ وواضح أنّ النبيّ لو كان بلّغ بأمر الإمامة طبقاً لما أمر به اللّه وبذل المساعي في هذا المجال لما نشبت في البلدان الإسلامية كلّ هذه الاختلافات... كشف الأسرار: ص155([122]).

3ـ لقد جاء الأنبياء جميعاً من أجل إرساء قواعد العدالة في العالم لكنّهم لم ينجحوا حتّى النبيّ محمّد خاتم الأنبياء الذي جاء لإصلاح البشريّة وتنفيذ العدالة وتربية البشر لم ينجح في ذلك. نهج خميني: ص46([123]).

4ـ إنّ النبيّ أحجم عن التطرق إلى الإمامة في القرآن لخشيته أن يصاب القرآن من بعده بالتحريف، أو أن تشتدّ الخلافات بين المسلمين فيؤثر ذلك على الإسلام. كشف الأسرار: ص149.

أرأيت يا أخ([124]) محمّد، كيف تنتهي العقيدة الشيعيّة؟ اتّهام الصحابة بإخفاء آيات... وهل يستطيع بشر أن يخفي شيئاً من كتاب تعهّد الخالق عزّ وجلّ بحفظه، أليس هذا طعناً في الخالق؟!

ثمّ أرأيت أنّه انتقل من اتّهام الصحابة إلى اتّهام سيّد البشر’ بأنّه لم يبلغ كما أمره به ربّه... وهل يبقى بعد هذا إيمان برسول اللّه’، الذي يزعم الخميني أنّه لم ينفذ أمر خالقه؟!

 ثمّ أرأيت الحكم (برسوب) محمّد’ وجميع الأنبياء في ميزان الخميني؟!

هذه ثمرات العقائد الباطلة يحدّد أصحابها مقصداً معيّناً، ثمّ يحاكمون الخالق عزّ وجلّ والرسول’ إليه.

ولو تتبّعت كلام الخميني لما وجدته يعظّم اللّه عزّ وجلّ فهو يذكره سبحانه بدون تعظيم (اللّه) في أكثر صفحات كشف الأسرار([125]).

ولا يعظّم رسوله’ (محمّداً)، كما هو مبيّن في هذه النصوص.

اللّهمّ إنّي أستغفرك يا ربّ من هذه النصوص، وأعتذر إلى رسولك’ عظيم الدنيا وسيّد البشر وخليل الرحمن من نقل هذه النصوص، وأعتذر إلى سادات المؤمنين الخلفاء الراشدين من كتابة هذه النصوص.

واللّه الهادي إلى سواء السبيل



نص الرسالة التي أرسلتها إلى الدكتور أحمد بن سعد حمدان

والتي ضمّنتُها ردوداً لشبهاته التي أثارها في رسالته السابقة

بسم الله الرحمن الرحيم

أخي في الله الدكتور أحمد بن سعد حمدان الغامدي المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أشكرك على ما كتبت وأرسلت إليّ (عبر الفاكس) من جواب على أسئلتي بخصوص الصحابة وغير ذلك وأعتذر عن تأخير الإجابة؛ لكثرة انشغالي بالتدريس والتحقيق، بحيث لا يبقى لي في كلّ أسبوع إلاّ القليل جداً من ساعات الفراغ، وقد صرفت ذلك القليل أيضاً بمراجعة رسالتك الممتعة والتدقيق فيها.

ولمّا أحسستُ برغبتك في تحليل ما كتبتَ، فآثرت أن أستجيب لرغبتك، مستخيراً الله تعالى في ذلك، ولكنّ القيام بتحليل جميع ما في رسالتك الكريمة يحتاج إلى كتاب مستقلّ، لذا سوف نركِّز على بعض ما جاء فيها وما يعدّ من أهمّ المسائل.

ولكن أودّ ـ قبل أن أبيّن لكم بعض ملاحظاتي ـ أن ألفت نظركم إلى بعض النكات الهامّة التي توضح جليّة الحال.


أولاً: الإنصاف في الكلام المتعلق بالخلاف

1ـ قلت لكم حين زيارتي لشخصكم النبيل وفي بيتكم الكريم: بأنّي أدرّس طلاّب العلوم الدينيّة في الحوزة العلميّة والجامعة زهاء عشرين سنة، وكثيراً ما يكون طلاّبي في الجامعة من غير الإيرانيين، وقد يصادف في بعض الفصول الدراسيّة أن يكون كلّ طلاّبي من إخواننا أهل السنّة، وكثيراً ما تطرح في قاعة التدريس مسائل ترتبط بالخلاف الواقع بين السنّة والشيعة، والشبهات المطروحة بينهما، فيرغب كلّ من طلاّب الطائفتين أن يستمع لما يقتنع به.

2ـ ولمّا كان أساس تدريسي يدور حول علوم الرجال والحديث والفرق الإسلاميّة؛ فقد جمعت كلّ ما يتعلّق به من كتب الشيعة والسنّة، بحيث يبلغ عدد ما في مكتبتي الخاصّة زهاء ثمانية آلاف كتاب، ما يقارب ثلاثة آلاف منها يختصّ بكتب أهل السنّة من الفقه والأصول والرجال والكلام وغيرها.

وممّا يؤسف له جدّاً أنّنا لم نجد في المكتبات الخاصّة أو العامّة لإخواننا السنّة شيئاً يعبأ به من كتب الإماميّة. والغريب أنّ بعضهم يتقوّل على الإماميّة وينقل عنهم ما لا أثر له في كتبهم، كما قلت ذلك في لقائي مع سماحة الشيخ جميل بن محمد بن زينو حين قرأ عليّ بعضاً مما في كتاب (للّه ثمّ للتاريخ): بأنّ مؤلّف الكتاب قد نقل روايات كثيرة عن كتاب (من لا يحضره الفقيه) في بعض الصفحات، مع أنها لا توجد لا في هذا الكتاب ولا في غيره من الكتب الحديثيّة للشيعة.

3ـ كثيراً ما اتّفق لي بعد أن سألت بعض علماء أهل السنّة في إيران وخارجها عن بعض الشبهات العقائديّة وغيرها ـ مع الأسف الشديد ـ أني كنت أواجه بدل الجواب الصحيح المقنع، بالافتراء والتّهم والسباب([126])، مع العلم بأنّ هذا منهج من لا دليل له، ولعلّكم أوّل من شاهدته في حياتي مترفعاً عن ذلك الأسلوب القبيح.

4ـ وقد ذكرت في كتابي الذي بعثته إليكم بأنّي ألتمس أجوبة مستدلّة تقنع النفس بها، ولمّا أجلت النظر فيما بعثته لي، لم أعثر فيه على ضالّتي المنشودة؛ وذلك أنّ الاستدلال على موضوع خاصّ بالكتاب والسنّة إنّما يتمّ فيما إذا تم سرد الآيات والروايات المتعلّقة به قاطبةً، لا أن ننتقي ما يفيدنا في البحث ونغضّ الطرف عمّا يضرّنا; لأنّ فيه مجانفة لروح التحقيق العلمي.

وهكذا يلزم للمحقق فيما إذا كان ينقل كلاماً عن رجل أو فرقة، أن يذكر مصدر كلامه؛ حتى يمكن للآخرين ملاحظة المصدر ثمّ القضاء والتمييز بين الحق والباطل.

والمشهود في كتابكم في قضيّة الصحابة والسيّدة عائشة هو ذكر الآيات والروايات التي تدلّ على المدح مع التأويل والتفسير بما يخالف السياق، كما سنشير إليه، من دون ذكر ما ورد في الذمّ، ليتمكن المخاطب من المقارنة بينهما فيحكم بينهما ليصل إلى النتائج المفيدة.

أيّها الأخ العزيز، قد ذكرتم في رسالتكم هذه تحت عنوان: (نظرات في اتجاهات أهل السنة والشيعة ومناهجهم) بعض ما يرتبط بعقائد الإمامية من دون ذكر قائله أو مأخذه، كقولكم «والشيعة يفهم من عقيدتهم كذا وكذا»([127]).

إنّي أؤكّد لكم بأنّي لم أسمع إلى الآن هذه المطالب من أحد من علماء الشيعة، وما قرأتها في كتاب من الكتب المعتبرة عندهم. وأقول لكم بحقّ، لو طُرحت مثل هذه الكلمات في الحوزات العلميّة أو في الجامعة، فلا يقبلها أحد من الطلابّ; إلاّ مع الدليل، وإلاّ سيتّهمون قائلها بالكذب والافتراء، ولا يجيزون له أن يحضر الدرس لا في الحوزة العلميّة ولا في الجامعة.

إنّ من يتصف بالأمانة ـ كما وجدت جنابك على هذا ـ لابد أن يذكر من هو قائل هذا القول من الشيعة، فهل المراد مما يسمّونهم الشيعة الغلاة كالخطابيّة والغرابيّة والعلباويّة والمخمسّة والبزيعيّة وأشباههم من الفرق الهالكة المنقرضة، هم الشيعة الإماميّة؟ ألا يعدّ هذا من الظلم الفاحش؟ فالشيعة الإمامية ـ كما هو معروف عنهم ـ لا يعدّون هؤلاء من الفرق الإسلاميّة، فضلاً عن عدّهم من الشيعة الإمامية.

وقد حكم فقهاء الإماميّة في كتبهم الفقهيّة بضلالة الغلاة([128])، وأفتوا بأنّهم خارجون عن الإسلام وإن انتحلوه([129]).

ففي جواهر الكلام([130]): لا كلام في نجاستهم وكفرهم، ثمّ نقل عن عدّة من الفقهاء الإجماع على ذلك([131])، وحكموا بنجاستهم([132])، ونجاسة ذبيحتهم([133])، ونجاسة سؤرهم([134])، وعدم جواز تغسيل موتاهم والصلاة عليهم([135]) وعدم جواز التزوّج بهم([136])، وأنّهم لا يرثون المسلمين([137]).

وقالوا أيضاً بعدم جواز الرواية عنهم; بل سقوط رواية من روى عنهم([138])، وعدم اعتبار توثيقهم([139]).

يا أخي الكريم، بعد هذا، هل من الإنصاف حمل عقائد بعض الفرق الباطلة البائدة على مطلق الشيعة؟ بحيث يتوهّم الجاهل بأنّه مذهب الجميع؟ وهل يجيز لنا الشرع أن نرمي الصالح بحجر الطالح، ونأخذ البريء بذنب المسيء؟

وأقسم باللّه، أنّ ما رأيت في سماحتكم من الإنصاف والكمال قد جعلني أقول بكلّ ثقة: بأنّكم لو أخذتم رأي الإماميّة من كتبهم المدونّة طيلة أربعة عشر قرناً، لكان رأيكم فيهم غير هذا الذي قرأته في أجوبتكم.

فأرجو من جنابكم أن تأخذ في الفقه، كتاب جواهر الكلام للشيخ محمد النجفي، أو منتهى المطلب للعلامة الحلّي، من الإماميّة، وتأخذ كتاب المغني لابن قدامة أو المبسوط للسرخسي أو مواهب الجليل للرعيني أو تلخيص الحبير لابن حجر وفتح العزيز للرافعي، من أهل السنّة، وتقارن بين المجموعتين ثمّ تقضي بما هو الصحيح عندكم.

وهكذا تأخذ كتاب معجم رجال الحديث، من رجال الشيعة، وتهذيب الكمال أو سير أعلام النبلاء، من أهل السنّة، ثمّ تقارن بينهما. وكتابي المحاضرات ومصباح الأصول للسيّد الخوئي، في أصول الفقه للشيعة، وكتاب الأحكام للآمدي أو المحصول للرازي أو المستصفى للغزالي أو الفصول للجصّاص، في أصول الفقه لأهل السنّة، ثمّ تقارن بينهما.

فلا يصحّ الاعتماد في نقل بعض الدواهي ونسبتها إلى الشيعة؛ استناداً إلى من تقدّم من مخالفيهم، من دون الرجوع في معرفة أقوال الإماميّة إلى علمائهم وأخذ مذهبهم في الأصول والفروع من مؤلّفاتهم.

ومن الغرائب أنّ أحمد أمين المصري كتب في كتابه فجر الإسلام «والحق أن التشيّع كان مأوى يلجأ إليه كلّ من أراد هدم الإسلام»([140])، وبعد انتشار كتابه، سافر إلى بغداد والنجف، فاعترض عليه أحد علماء الشيعة وعاتبه على تلك الهفوات، وكان أقصى ما عنده من الاعتذار هو عدم الاطّلاع وقلّة المصادر؟!([141]).

وهذا ابن حزم الظاهري يقول: «ومن الإماميّة من يجيز نكاح تسع نسوة»([142]) فإذا يقرأ الطالب هذا عن ابن حزم ثمّ يرجع إلى كتب الإمامية الفقهيّة فإنه يجد إجماعهم قاطبة نصّاً وفتوى على حرمة الزواج فوق الأربعة، وأنّ ذلك الحكم من ضروريّات مذهبهم، فيستغرب من عدم ورع ابن حزم.

بل لمن يحقق ويبحث يجد الأمر بالعكس من ذلك، حيث ذهب جماعة من أئمّة أهل السنة إلى جواز التزوّج بالتسع، مستدلّين بالآية الكريمة، فقد قال فخر الدين الزيلعي الحنفي ما نصّه: «وقال القاسم ابن إبراهيم: يجوز التزوّج بالتسع، لأنّ اللّه تعالى أباح نكاح ثنتين بقوله (مثنى)، ثمّ عطف عليه (ثلاث ورباع) بالواو وهي للجمع، فيكون المجموع تسعاً، ومثله عن النخعي وابن أبي ليلى»([143]).

ومنهم من قال بجواز التزوّج بأيّ عدد شاء، بل ذهب جماعة منهم إلى جواز التزوّج بأيّ عدد أريد، فقد قال نظام الدين الأعرج المفسّر النيسابوري في تفسير الآية المذكورة: «ذهب جماعة إلى أنّه يجوز التزوّج بأيّ عدد أريد، لأنّ قوله: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاء} إطلاق في جميع الأعداد»([144]).

وهكذا حين يقرأ الطالب السنّي الذي يعيش وسط ملايين من الشيعة، قول الجبهان([145]) بأنّ الشيعة تعتقد بأنّ نكاح الأمّ هو من البرّ بالوالدين، وأنّه عندهم من أعظم القربات([146])، فيعلم يقيناً بأنّه ليس في هذا المؤلّف أثر من الديانة والتقوى.

أيّها الأخ العزيز، هل يسمح أمثال جنابكم، إذا قرأنا ما نسب إلى الخطابيّة والحدثيّة (وهما فرقتان من أهل السنّة المعتزلة) من أنّهم يذهبون إلى إثبات حكم من الأحكام الإلهيّة في المسيح موافقة للنصارى وإلى التناسخ([147]) و...الخ، ثمّ نقول: إنّ ذلك إذن هو معتقد جميع أهل السنّة؟!

وهل من الإنصاف أنّ من قرأ عن أبي حنيفة، أنّه يقول: «لا يجب الحدّ بوطء من استأجر امرأة ليزني بها»([148]) ثمّ ينسب ذلك إلى جميع أهل السنّة؟

وقد روى الخطيب بإسناده عن أبي بكر بن عيّاش، أنّه قال لحفيد أبي حنيفة: «كم من فرج حرام أباحه جدّك»؟([149]).

ونقل ابن حبّان عن هدبة بن عبد الوهاب أنه كان يقول:

فكم من فرج محصنة عفيفة

 

أحلّ حرامها بأبي حنيفة([150])

وهنا ألفِتُ نظركم السامي إلى آراء بعض علماء الأزهر الشريف حول الشيعة الإماميّة التي صدرت بعد قراءة كتبهم:

يقول الأستاذ عبد الهادي مسعود الأبياري([151]) في تقديمه كتاب المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي لمؤلفه توفيق الفكيكي: >وليس من شك في أن المذهب الشيعي ـ وهو فرع من أهم فروع المذاهب الإسلامية العامة ـ والذي يدين به أكثر من مائة مليون مسلم في أنحاء الهند وباكستان والعراق وإيران...

ولقد تابعت كثيراً من كتب الشيعة، وتابعت مختلف الآراء التي قيل بأنها تختلف عما يتجه إليه أهل السنة، فوجدته خلافاً على شكليات لا أصل لها من جوهر الأمور»([152]).

ويقول الدكتور أبو الوفاء التفتازاني([153]): «وقع كثير من الباحثين ـ سواء في الشرق أو الغرب، قديماً وحديثاً ـ في أحكام كثيرة خاطئة عن الشيعة، لا تستند إلى أدلة، أو شواهد نقلية جديرة بالثقة. وتداول بعض الناس هذه الأحكام فيما بينهم دون أن يسائلوا أنفسهم عن صحتها أو خطئها.

وممّا لا شكّ فيه أنّ أيّ باحث يتصدّى للبحث عن تاريخ الشيعة أو عقائدهم أو فقههم لابدّ له من الاعتماد أولاً وقبل كلّ شي على تراث الشيعة أنفسهم في هذه المجالات... وكان من بين العوامل التي أدت إلى عدم إنصاف الشيعة أيضاً أن الاستعمار الغربي أراد في عصرنا هذا أن يوسع هوة الخلاف بين السنة والشيعة، وبذلك تصاب الأمة الإسلامية بداء الفرقة والانقسام، فأوحى إلى بعض المستشرقين من رجاله بتوخّي هذا الفن باسم البحث الأكاديمي الحر. ومما يؤسف له أشد الأسف أن بعض الباحثين من المسلمين في العصر الحاضر تابع أولئك المستشرقين في آرائهم دون أن يتفطن إلى حقيقة مراميهم».

 إلى أن قال: «إنّ مدى الخلاف الموجود بين السنّة والشيعة ليس فيما يبدو لنا بأبعد ممّا هو موجود مثلاً بين مذهبي الإمام مالك وأتباعه من أهل الحديث والإمام أبي حنيفة وأتباعه من أهل الرأي والقياس»([154]).

ثانياً: غرابة الموضوع بحاجة إلى دليل ساطـع

إذا كان المدّعى أمراً غريباً على العقول، فإثباته يحتاج إلى دليل ساطع مقنع، مثلاً إذا ادّعى القائل بأنّه كان في جانب البحر عدد كثير يتجاوز الآلاف من الناس، وتمكّن أحدهم من السير على وجه الماء دون الآخرين، فهذا أمر ممكن، ولكنّه من الغرابة بمكان، لا يحصل الإيمان به إلاّ بدليل قويّ، وما أشبه هذا المثال بنظريّة عدالة الصحابة; فإنّ كلّ من رأى النبيّ’ ساعة أو يوماً أو أسبوعاً أو شهراً صار عادلاً، فهو وإن كان أمراً ممكناً غير محال، ولكنّه من الغرابة بمكان، إذ لم يتّفق ذلك لأحد من الأنبياء والمصلحين، ومن المعلوم أنّ عدد الصحابة يتجاوز مائة ألف([155]) وإن كان عدد من سجلّت أسماؤهم أقلّ من عشرة آلاف([156])، فالقول بعدالتهم من أوّلهم إلى آخرهم وأنّهم رجال مثاليّون، من أغرب الغرائب الممكنة التي لا تثبت إلاّ بدليل قويّ يقطع جميع الشبهات حول عدالتهم.

ثالثاً: الصحبة ونفي البعد الإعجازي

إنّ الصحابة اختلفت مقدار صحبتهم للنبي’، فبعضهم صحب النبيّ’ من أوّل ساعة من ساعات البعثة إلى آخر لحظة من لحظات حياته، وبعضهم أسلم بعد البعثة وقبل الهجرة، وكثير منهم أسلموا بعد الهجرة، وبعضهم أدركوا من الصحبة سنة أو شهراً أو أيّاماً أو ساعات.

فهل يصحّ أن يقال: إنّ صحبة ساعات أو أيّام، قلعت ما في نفوسهم من جذور غير صالحة، وملكات رديئة، وكوّنت منهم شخصيّات ممتازة تجعلهم أعلى وأجلّ من أن يقعوا في إطار الجرح والتعديل؟

إنّ تأثير الصحبة عند من يعتقد بعدالة الصحابة كلّهم أشبه شيء بمادّة كيمياويّة تستعمل في تحويل عنصر كالنحاس إلى عنصر آخر كالذهب، فكأنّ الصحبة قلبت كلّ مصاحب ولو في مدّة ساعات، إلى إنسان مثاليّ يتحلّى بالعدالة، وهذا ممّا لا يقبله البرهان والعقل السليم؛ لأنّ الرسول الأعظم’ لم يقم بتربية الناس وتعليمهم عن طريق الإعجاز، قال تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً}([157]) و:{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}([158])، بل قام بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الحق مستعيناً بالأساليب المتعارفة، كتلاوة القرآن الكريم وبعث رسله ودعاة دينه إلى الأقطار، ونحو ذلك، والدعوة القائمة على هذا الأساس يختلف أثرها في النفوس حسب اختلاف استعدادها وقابليّاتها، فلا يصحّ لنا أن نزن الجميع بكيل واحد.

القرآن يمدح صنفا من الأصحاب ويذم بعضا آخر منهم

فلهذا نرى أن القرآن يقسّم الأصحاب إلى أصناف يمدح صنفاً منهم كما يذمّ الصنف الآخر، أمّا الممدوحون فهم كما ذكرتم: السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار، والمبايعون تحت الشجرة وأصحاب الفتح و...

فالناظر المتجرّد عن كلّ رأي مسبق والبريء قلبه من كلّ مرض، يجد في نفسه تكريماً لهؤلاء الصحابة، غير أنّ الرأي الحاسم في عامّة الصحابة يستوجب النظر إلى كلّ الآيات القرآنيّة الواردة في حقّهم. حيث إنّ في القرآن الحكيم آيات، تدلّ بوضوح على وجود مجموعات من الصحابة تضادّ الأصناف السابقة في الخلقيّات والملكات والسلوك والعمل، كالمنافقين الذين جرّعوا رسول اللّه’ الغصص طيلة مدّة حياته.

فلو كان المنافقون جماعة قليلة غير مؤثّرة، لما رأيت هذه العناية البالغة في القرآن الكريم، وهناك ثلّة من المحقّقين كتبوا حول النفاق والمنافقين رسائل وكتباً، وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليهم، فبلغ مقداراً يقرب من عشر القرآن الكريم([159])، وهذا يدلّ على كثرة أصحاب النفاق وتأثيرهم يوم ذاك في المجتمع الإسلامي.

وسنشير إلى بعض ما ورد فيهم، وفي غيرهم ممن ورد ذمهم في القرآن الحكيم:

الآيات الواردة في المنافقين

أ: الآيات الواردة في حقّ المنافقين بحيث تعرب بوضوح عن وجود جماعة من المنافقين المعروفين بالنفاق بين الصحابة آنذاك، وكان لهم شأن ودور في المجتمع الإسلامي، بحيث نزلت في حقّهم سورة مستقلّة.

ب: الآيات الدالّة على وجود المنافقين المحتفّين حول المدينة، ومن أهل المدينة أيضاً جماعة مردوا على النفاق، وكان النبيّ الأعظم لا يعرف بعضهم، قال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّـنَ الاَْعْرَابِ مُنَـافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}([160]).

قال ابن كثير: «يخبر تعالى رسوله (صلوات اللّه وسلامه) عليه أن في أحياء العرب ممّن حول المدينة هم منافقون وفي أهل المدينة أيضاً منافقون {مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ} أي: مرنوا واستمرّوا عليه»([161]).

لقد بذل القرآن الكريم عناية خاصّة بعصبة المنافقين، وأعرب عن نواياهم وندّد بهم في السور المتعدّدة، الدالّة على أنّ المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الإسلامي، بين معروف عرف بسمة النفاق وغير معروف بذلك، مقنّع بقناع التظاهر بالإيمان والحبّ للنبيّ’، بحيث كان كلّ من حول النبيّ’ يخاف على نفسه أن تنزل فيه آية تفضحه بمرأى المسلمين ومسمعهم.

كما قال ابن الجوزي في زاد المسير: «قال عمر بن الخطابK: ما فرغ من تنزيل براءة حتّى ظننّا أن لن يبقى منّا أحد إلاّ ينزل فيه شيء»([162]).

وقال السيوطي: «وأخرج أبو عوانة وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس (رضي اللّه عنهما) أنّ عمر (رض) قيل له: سورة التوبة، قال: هي إلى العذاب أقرب! ما أقلعت عن الناس حتّى ما كادت تدع منهم أحداً»([163]).

عدة وقفات وأسئلة

ولنا هنا عدة وقفات:

أ: أين ذهب هؤلاء المنافقون بعد رسول اللّه’ وقد جرّعوه الغصص مدّة حياته؟

ب: كيف انقطع الكلام فيهم بمجرّد انقطاع الوحي ولحوق النبيّ’ بالرفيق الأعلى؟

ج: هل كانت حياته سبباً في نفاق المنافقين؟! وموته سبباً في إيمانهم وعدالتهم وصيرورتهم أفضل الخلق بعد الأنبياء؟!

د: كيف انقلبت حقائقهم بعد وفاته’ فأصبحوا ـ بعد ذلك النفاق ـ بمثابة من الفضل، لا يقدح فيها شيء على رغم ما ارتكبوه من الجرائم والعظائم؟

هـ: ما الدليل على هذه الدعاوى، من كتاب، أو سنّة، أو عقل، أو إجماع، أو قياس؟

و: هل انقطع أمر النفاق وانقرض المنافقون؟! أو صلح بالهم ببركة خلفاء الرسول؟! أو استمرّ أمرهم بأشدّ ممّا كان في عصر رسول اللّه’ وتبدلّ السرّ بالجهر!!! كما في صحيح البخاري عن حذيفة بن اليمان، قال: «إنّ المنافقين اليوم شرّ منهم على عهد النبيّ، كانوا يومئذٍ يسرّون، واليوم يجهرون».

أو تبدّل نفاقهم بالكفر كما في المصدر نفسه عن حذيفة، بأنّه قال: «إنّما كان النفاق على عهد النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم)، فأمّا اليوم فإنّما هو الكفر بعد الإيمان»([164]).

ز: وبعد ذلك كلّه؛ ماذا تقول بما ورد بأنّ عمر بن الخطاب لم يكن يصلّي على أحد مات، إلاّ بعد شهادة حذيفة بأنّه لم يكن من المنافقين؟!!

كما قال ابن كثير: «وذكر لنا أن عمر بن الخطابKكان إذا مات رجل ممّن يرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة فإن صلّى عليه وإلاّ تركه»([165]).

وكيف نجيب الطالب إذا استفسر عن مدلول ما ورد من أنّ أمر النفاق وعدم تغلغل الوعي الإيماني في نفوس الصحابة بلغ إلى درجة يشكّ الخليفة عمر بن الخطاب في أنّه منهم أم لا؟

كما ذكر ذلك ابن كثير والطبري: «وذكر لنا أنّ عمر قال لحذيفة: أنشدك اللّه أمنهم أنا؟ قال: لا، ولا أومن منها أحداً بعدك»([166]).

ح: هل نقبل بأن يقال: إنّ المنافقين كانوا معروفين فلا نخلطهم بالصحابة؟ ثمّ كيف نبرّر ونؤّول ما ورد في صحيح البخاري عن عمر بن الخطّاب، حين قام وقال: «يا رسول اللّه دعني أضرب عنق هذا المنافق. [أراد عبد اللّه بن اُبيّ]، فقال النبيّ: دعه لا يتحدّث الناس أنّ محمداً يقتل أصحابه»([167]).

وهكذا في قضيّة (ذو الخويصرة) فأجاب رسول اللّه’: «معاذ اللّه أن يتحدّث الناس أنّي أقتل أصحابي، إنّ هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية»([168]).

وفي قصّة حاطب، قال: «دعني أضرب عنق هذا المنافق؟»([169]).

وهاهنا وقفة أخرى: كيف يطلق عمر على صاحب رسول اللّه بأنّه منافق ويطلب ضرب عنقه، وهو جائز لا طعن فيه!! ولكن من قال فيه بأنّه صحابيّ غير عادل، فيحكم عليه بالزندقة؟!!!

ط: وإذا كان الأصحاب كلّهم عدول بلا استثناء، فما معنى الحدود الشرعيّة التي أقامها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي× بحق الزناة والسرّاق وشاربي الخمر من الصحابة؟

ي: ما هو المراد من الاجتهاد والتأويل الذي يبرّر لصاحبه ما يرتكب من المخالفات للكتاب أو السنّة؟ كما في قضيّة خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة، وأبي الغادية في قتل عمّار و...؟

وهل يصحّ تبرير عمل الصحابة تحت ظلّ الاجتهاد في كلّ ما صدر عنهم من مخالفة الأحكام القطعيّة؟ وأنّهم مرخصون في ارتكاب كلّ حرام وترك كلّ واجب، حتّى في الخروج على إمام زمانهم، وإزهاق أرواح كثيرة، وسفك دماء غزيرة، ولم يعدّ ذلك ذنباً لهم; بل إنّهم مثابون ولهم أجر في جميع ذلك أيضاً؟!! لأنّهم كلّ ما فعلوه إنما كان بالاجتهاد، والعمل به واجب، ولا تفسيق بواجب([170]).

وهل هذا الاجتهاد يختصّ ببعضهم أو يعمّهم ويشمل من يأتي من بعدهم، اقتداءً بسيرتهم وعملاً بقول النبيّ’: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم».

الآيات النازلة في مرضى القلوب

ج: الآيات القرآنيّة الواردة في حقّ مرضى القلوب، الذين يتلون المنافقين في الروحيّات والملكات، قال سبحانه بحقّهم: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَـافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً}([171]).

فكيف يمكن أن يوصف الذين ينسبون خلف الوعد إلى اللّه سبحانه وإلى الرسول’ بالتقوى والعدالة؟

الآيات النازلة في المشككين وذوي الفتنة

د: الآيات الواردة في ذوي التشكيك والإثارة للفتنة والسمّاعين لهم، قال تعالى فيهم: {إِنَّمَا يَسْتَـأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأَْخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ *وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَـاعِدِينَ *لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُواْ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيم بِالظَّـالمِينَ}([172]).

الذين يؤذون النبي

هـ: الآيات النازلة في الذين يؤذون رسول اللّه’، ويستحقّون بذلك عذاباً أليماً: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النبيّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}([173]).

فهل يحكم العقل السليم بعدالة من أوعده اللّه بالعذاب ولعنه، حيث قال تعالى: {إنّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا والاَْخِرَةِ وأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً}([174]).

الذين يظنون بالله الظنون الكاذبة

و: الآيات التي تدلّ على أنّ جمعاً من الصحابة كانوا يظنّون باللّه الظنون الكاذبة، ظنّ الجاهليّة من أهل الشرك باللّه، شكّاً في أمر اللّه، وتكذيباً لنبيّه’، وظنّاً منهم أنّ اللّه خاذل نبيّه، ومُعْلّ([175]) عليه أهل الكفر([176]). وقد عرّفهم الحق سبحانه بقوله: {وَطَـائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَـاهِلِيَّةِ}([177]).

فهل يمكن أن يعدّ الذين هم أهل الشكّ والريب في اللّه عزّ وجل([178]) من العدول الثقات؟

فحصيلة ما يلاحظ في هذه الآيات أنّ في الأصحاب عدولاً وثقات من غير شكّ ولاريب، ومنهم أيضاً غير عدول وضعاف.

رابعاً: مقام الصحابة ليس بأفضل من أزواج النبي

 إنّ التشرّف بصحبة النبيّ’ لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرف بالزواج من النبيّ’، وقد قال سبحانه في شأن أزواجه: {يَا نسَآءَ النبيّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً}([179]).

وصحبة الصحابة لم تكن بأكثر ولا أقوى من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط فما أغنت الصحبة عنهما من اللّه شيئاً، قال سبحانه: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}([180]).

ونقرأ لك يا أخي ما ورد عن أكابر علماء السنّة في تفسير هذه الآية الشريفة:

قال ابن الجوزي: «قوله عزّ وجلّ {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} أي: فلم يدفعا عنهما من عذاب اللّه شيئاً، وهذه الآية تقطع طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه صلاح غيره، ثمّ أخبر أنّ معصية الغير لا تضرّ المطيع، بقوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ} وهي آسية بنت مزاحم (رضي اللّه عنها)، وقال يحيى بن سلام: ضرب اللّه المثل الأوّل يحذر به عائشة وحفصة (رضي اللّه عنهما)، ثمّ ضرب لهما هذا المثل يرغبهما في التمسّك بالطاعة وكانت آسية قد آمنت بموسى»([181]).

وقال الطبري بعد نقله الآية الشريفة: «لم يغن صلاح هذين عن هاتين شيئاً، وامرأة فرعون لم يضرّها كفر فرعون. ثمّ روى عن بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط...} الآية، هاتان زوجتا نبي اللّه لمّا عصتا ربّهما، لم يغن أزواجهما عنهما من اللّه شيئاً»([182]).

وقريب منه عن القرطبي في تفسيره([183]).

وقال ابن قيّم الجوزية: «ثمّ في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة، فإنّها سيقت في ذكر أزواج النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) والتحذير من تظاهرهنّ عليه، وأنهنّ إن لم يطعن اللّه ورسوله (صلّى الله عليه وسلّم) ويردن الدار الآخرة، لم ينفعهنّ اتصالهنّ برسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم)، كما لم ينفع امرأة نوح ولوط اتّصالهما بهما، ولهذا ضرب لهما في هذه السورة مثل اتّصال النكاح دون القرابة.

قال يحيى بن سلام: ضرب اللّه المثل الأوّل يحذّر عائشة وحفصة، ثمّ ضرب لهما المثل الثاني يحرضهما على التمسّك بالطاعة»([184]).

وأوضح منه ما أورده الشوكاني بقوله: «وما أحسن من قال: فإن ذكر امرأتي النبيّين بعد ذكر قصّتهما ومظاهرتهما على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يرشد أتمّ إرشاد ويلوح أبلغ تلويح إلى أنّ المراد تخويفهما مع سائر أمّهات المؤمنين وبيان أنّهما وإن كانتا تحت عصمة خير خلق اللّه وخاتم رسله; فإنّ ذلك لا يغني عنهما من اللّه شيئاً...»([185]).

خامساً: أقوال علماء أهل السنة في عدالة الصحابة

وقد كتبت في رسالتك الكريمة: «والذين اتّبعوهم هم أهل السنّة وليسوا الشيعة، لأنّ الشيعة ما بين مكفّر لهم وذامّ لهم ـ أعني الشيعة الإماميّة المتأخّرين­ بدون استثناء».

أقول: أيّها الأخ العزيز، لقد كنت عزيزاً عندي كثيراً؛ لما شاهدت منك من الإنصاف الجميل والأخلاق الحسنة، ولكن لا ينقضي تعجّبي من صدور هذه العبارة من مثل جنابكم، بحيث كلمّا قرأتها ازدادت حيرتي وتعجبي!! كيف خفي عليك كلام القوم من السنّة والشيعة في عدالة الصحابة([186]).

فلئن حكم ابن حزم بأنّ الصحابة كلّهم من أهل الجنّة قطعاً([187])، وقال ابن الأثير: «كلّهم عدول لا يتطرّق إليهم الجرح»([188])، وادّعى بعضهم الإجماع على ذلك، كما صرّح ابن حجر العسقلاني بقوله: «اتّفق أهل السنّة على أنّ الجميع عدول»([189]). وقال ابن عبد البر: ثبتت عدالة جميعهم: >لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة»([190]).

فقد ذهب غيرهم كابن الحاجب إلى عدم وقوع الإجماع على ذلك; بل إن القول بعدالة الجميع هو قول الأكثر لا الجميع، كما صرّح بقوله: «الأكثر على عدالة الصحابة، وقيل: كغيرهم، وقيل: إلى حين الفتن، فلا يقبل الداخلون، لأنّ الفاسق غير معيّن، وقالت المعتزلة: عدول إلاّ من قاتل عليّاً»([191]).

وكذا في جمع الجوامع وشرحه، حيث قال: «والأكثر على عدالة الصحابة لا يبحث عنها في رواية ولا شهادة»([192])، ثمّ نقل الأقوال الأخرى.

كما ذهب بعض الأعلام كالتفتازاني، بأنّ بعض الأصحاب قد حاد عن طريق الحقّ، وبلغ حدّ الظلم والفسق([193])، وسوف يأتي نصّ كلامه آنفاً.

وهذا أبو حامد الغزالي (المتوفّى 505)، بعد أن قال: «إنّ عدالتهم معلومة بتعديل اللّه عزّ وجل إيّاهم وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيهم» قد نقل اختلاف العلماء في حكم الصحابة بقوله: «وقد زعم قوم أنّ حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث، وقال قوم: حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهور الحرب والخصومات، ثمّ تغيّر الحال وسفكت الدماء، فلابدّ من البحث، وقال جماهير المعتزلة: عائشة وطلحة والزبير وجميع أهل العراق والشام فسّاق بقتال الإمام الحق.

وقال قوم من سلف القدريّة: يجب ردّ شهادة عليّ وطلحة والزبير مجتمعين ومفترقين، لأنّ فيهم فاسقاً لا نعرفه بعينه.

وقال قوم: نقبل شهادة كلّ واحد إذا انفرد؛ لأنّه لم يتعيّن فسقه، أمّا إذا كان مع مخالفه فشهدا ردّا; إذ نعلم أنّ أحدهما فاسق، وشكّ بعضهم في فسق عثمان وقتلته...»([194]).

في الصحابة: العدول وغير العدول

قد صرّح جماعة من أكابر علماء أهل السنّة من المتقدّمين والمتأخّرين بأنّ الصحابة غير معصومين، وفيهم العدول وغير العدول، وإليك نصّ كلمات بعضهم:

هذا ابن حزم (المتوفى 456)([195]) يقول: «فمن المحال أن يأمر النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) باتّباع كلّ قائل من الصحابة (رضي اللّه عنهم)، وفيهم من يحلّل الشيء وغيره منهم يحرّمه» إلى أن قال: «وقد كان الصحابة يقولون بآرائهم في عصره (صلّى الله عليه وسلّم) فيبلغه ذلك، فيصوب المصيب ويخطئ المخطئ، فذلك بعد موته (صلّى الله عليه وسلّم) أفشى وأكثر»([196])، ثمّ ذكر موارد متعدّدة ممّا أفتى به الصحابة فأنكره رسول اللّه’([197]).

وقال بعد صفحات: «وأمّا قولهم: إنّ الصحابة (رضي اللّه عنهم) شهدوا الوحي فهم أعلم به، فإنّه يلزمهم على هذا أنّ التابعين شهدوا الصحابة، فهم أعلم بهم، فيجب تقليد التابعين. وهكذا قرناً فقرناً، حتّى يبلغ الأمر إلينا فيجب تقليدنا، وهذه صفة دين النصارى في اتّباعهم أساقفتهم، وليست صفة ديننا، والحمد للّه ربّ العالمين»([198]).

وهذا المازري (المتوفّى530)([199])، يقول في (شرح البرهان): «لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول، كلّ من رآه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم يوماً ما، أو زاره لمّاً ما، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب، وإنّما نعني به الذين لازموه، وعزّروه ونصروه، واتّبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون»([200]). وقال ابن عقيل ـ بعد نقل كلام المازري ـ: «قال السيّد الآلوسي: وإلى نحو هذا ذهب ابن العماد الحنبلي([201]) في شذرات الذهب»([202]).

وقال الذهبي: «ولو فتحنا هذا الباب [الجرح والتعديل] على نفوسنا لدخل فيه عدّة من الصحابة والتابعين والأئمّة، فبعض الصحابة كفّر بعضهم بعضاً بتأويل ما!! واللّه يرضى عن الكلّ ويغفر لهم!! فما هم بمعصومين، وما اختلافهم ومحاربتهم بالتي تليّنهم عندنا»([203]).

ثمّ قال: «وأمّا الصحابة (رضي اللّه عنهم) فبساطهم مطويّ، وإن جرى ما جرى، وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات!! فما يكاد يسلم أحد من الغلط ولكنّه غلط نادر لا يضرّ أبداً! إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوا العمل، وبه ندين اللّه تعالى»([204]).

المشاجرات التي بلغت حد الظلم والفسق

وقال سعد الدين التفتازاني([205]) المتوفّى سنة 791 هـ: «أن ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقاة يدل بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن طريق الحق وبلغ حد الظلم والفسق، وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد، وطلب الملك والرياسة، والميل إلى اللذات والشهوات؛ إذ ليس كلّ صحابي معصوماً ولا كلّ من لقي النبي (صلّى الله عليه وسلّم) بالخير موسوماً، إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنهم محفوظون عما يوجب التضليل والتفسيق، صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حق كبار الصحابة، سيما المهاجرين منهم والأنصار، والمبشرين بالثواب في دار القرار»([206]).

أقول: ويؤيّده ما ورد عن أبي بكر خطاباً للمهاجرين: «وجعلتم لي شغلاً مع وجعي جعلت لكم عهداً من بعدي، واخترت لكم خيركم في نفسي، فكلكم ورم لذلك أنفه رجاء أن يكون الأمر له، ورأيت الدنيا قد أقبلت ولما تقبل وهي جائية، وستنجدون بيوتكم بسور الحرير ونضائد الديباج وتألمون ضجائع الصوف الأذري»([207]).

وقال ابن خلدون المتوفّى سنة 808 هـ: «إنّ الصحابة كلّهم لم يكونوا أهل فتيا، ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم، وإنّما كان ذلك مختصّاً بالحاملين للقرآن، العارفين بناسخه ومنسوخه، ومتشابهه ومحكمه، وسائر دلالته بما تلقّوه من النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم)»([208]).

يقول الدكتور طه حسين المتوفى سنة 1393 هـ([209]): «ولا نرى في أصحاب النبيّ ما لم يكونوا يرون في أنفسهم، فهم كانوا يرون أنّهم بشر، فيتعرّضون لما يتعرّض له غيرهم من الخطايا والآثام، وهم تقاذفوا التهم الخطيرة، وكان منهم فريق تراموا بالكفر والفسوق... والذين ناصروا عثمان من أصحاب النبيّ كانوا يرون أنّ خصومهم قد خرجوا على الدين وخالفوا عن أمره، وهم جميعاً من أجل ذلك قد استحلّوا أن يقاتل بعضهم بعضاً، وقاتل بعضهم بعضاً بالفعل يوم الجمل ويوم صفّين... وإذ دفع أصحاب النبيّ أنفسهم إلى هذا الخلاف، وتراموا بالكبائر وقاتل بعضهم بعضاً في سبيل اللّه، فما ينبغي أن يكون رأينا فيهم أحسن من رأيهم في أنفسهم، وما ينبغي أن نذهب مذهب الذين يكذّبون أكثر الأخبار التي نقلت إلينا ما كان بينهم من فتنة واختلاف.

فنحن إن فعلنا ذلك لم نزد عن أن نكذّب التاريخ الإسلامي كلّه، منذ بعث النبيّ، لأنّ الذين رووا أخبار هذه الفتن، هم أنفسهم الذين رووا أخبار الفتح وأخبار المغازي وسيرة النبيّ والخلفاء، فما ينبغي أن نصدّقهم حين يروون ما يروقنا، وأن نكذّبهم حين يروون ما لا يعجبنا، وما ينبغي أن نصدّق بعض التاريخ ونكذّب بعضه الآخر، لا لشيء إلا لأنّ بعضه يرضينا وبعضه يؤذينا»([210]).

الصحابة يلعن بعضهم بعضا

قال الدكتور أحمد أمين المتوفى سنة 1373 هـ([211]): «إنّا رأينا الصحابة أنفسهم ينقد بعضهم بعضاً، بل يلعن بعضهم بعضاً، ولو كانت الصحابة عند نفسها بالمنزلة التي لا يصحّ فيها نقد، ولا لعن، لعلمت ذلك من حال نفسها، لأنّهم أعرف بمحلّهم من عوام أهل دهرنا، وهذا طلحة والزبير وعائشة ومن كان معهم وفي جانبهم، لم يروا أن يمسكوا عن عليّ، وهذا معاوية وعمرو بن العاص لم يقصرا دون ضربه وضرب أصحابه بالسيف، وكالذي روي عن عمر من أنّه طعن في رواية أبي هريرة وشتم خالد بن الوليد وحكم بفسقه... وقلّ أن يكون في الصحابة من سلم من لسانه أو يده، إلى كثير من أمثال ذلك ممّا رواه التاريخ...

وكان التابعون يسلكون بالصحابة هذا المسلك، ويقولون في العصاة منهم هذا القول، وإنّما اتّخذهم العامّة أرباباً بعد ذلك.

والصحابة قوم من الناس، لهم ما للناس وعليهم ما عليهم. من أساء ذممناه، ومن أحسن منهم حمدناه، وليس لهم على غيرهم كبير فضل إلاّ بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير; بل ربما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم، لأنّهم شاهدوا الأعلام والمعجزات، فمعاصينا أخفّ لأنّنا أعذر»([212]).

قال ابن عقيل المتوفى سنة 1350 هـ([213]): «وأمّا تعديلهم كلّ من سمّوه بذلك الاصطلاح صحابيّاً، وإن فعل ما فعل من الكبائر، ووجوب تأويلها له فغير مسلّم; إذ الصحبة مع الإسلام لا تقتضي العصمة اتّفاقاً حتّى يثبت التعديل ويجب التأويل، على أنّهم اختلفوا في ذلك التعديل اختلافاً كثيراً والجمهور هم القائلون بالعدالة»([214]).

وقال محمد ناصر الدين الألباني المعاصر: «كيف يسوغ لنا أن نتصوّر أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) يجيز لنا أن نقتدي بكلّ رجل من الصحابة، مع أنّ فيهم العالم والمتوسّط في العلم ومن هو دون ذلك، وكان فيهم مثلاً من يرى أنّ البَرد لا يفطر الصائم بأكله»([215]).

وقريب من ذلك عن الشوكاني المتوفى سنة 1255هـ([216])، والشيخ محمود أبو ريّة المتوفى سنة 1370هـ([217])، والشيخ محمد عبده([218]) المتوفى سنة 1323هـ، والسيّد محمد رشيد رضا المتوفى سنة 1354هـ([219])، والرافعي المتوفى سنة 1356هـ([220]).

وهذا بعينه هو رأي الشيعة الإماميّة.

القول بأفضلية بعض التابعين على الصحابة

ذهب بعض العلماء إلى أنّ من يأتي بعد الصحابة قد يكون أفضل منهم، قال القرطبي: «وذهب أبو عمر بن عبد البرّ([221]) [المتوفى 463] إلى أنّه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممّن كان في جملة الصحابة، وإنّ قوله×: (خير الناس قرني) ليس على عمومه، بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول، وقد جمع قرنه جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود...»([222]).

وهكذا نقل النووي عن القاضي عياض، عن ابن عبد البرّ([223])، والمُنَاوي في فيض القدير، والمباركفوري في تحفة الأحوذي، وابن حجر في فتح الباري، وإن تعقّبه([224]).

الصحابة أبصر بحالهم من غيرهم

لا شكّ في أنّ من سبر تاريخ الصحابة بعد رحيل الرسول يجد فيه صفحات مليئة بألوان الصراع والنزاع بينهم، حافلة بتبادل السبّ والشتم; بل تجاوز الأمر بهم إلى التقاتل وسفك الدماء، فكم من بدري وأحديّ انتهكت حرمته، أو أريق دمه بيد صحابيّ آخر، وهذا ممّا لا يختلف فيه اثنان.

فإذا كان الصحابي يعتقد أنّ خصمه الصحابي الآخر منحرف عن الحقّ، ومجانب شريعة الله ورسوله، وأنّه جهنميّ يستحقّ القتل، وهو على هذا الأساس يبيح سلّ السيف عليه وقتله، فكيف يجوز لنا أن نحكم بعدالتهم ونزاهتهم جميعاً، والحال أنّ الصحابة أعرف منّا بنوازع أنفسهم وبنفسيّات أبناء جيلهم؟ وهل سمعت ظئراً أعطف بالطفل من أمِّه؟

قال ابن عقيل: «إن الصحابة أنفسهم لا يدعون لأنفسهم هذه المنزلة التي ادعاها بعض المحدثين لهم من العدالة العامة فيهم، وهم أعرف بأنفسهم وبمن عاصروه وعاشروه من هؤلاء الذين كادوا يتخذون الصحابة أنبياء معصومين، كيف وقد نقل عنهم وشاع وانتشر رد بعض منهم روايات البعض الآخر واتهامه في النقل وعدم قبول ما جاء به إلاّ بعد تثبت شديد وتحر عظيم، (وقد صح) عن علي (كرم الله وجهه) أنه يقول: ما حدثني أحد بحديث عن رسول الله إلا استحلفته، وما استثنى أحداً من المسلمين إلا أبا بكر»([225]).

عدالة جميع الصحابة أبعد من قول الشيعة بعصمة أئمتهم

وقال ابن عقيل أيضاً: «إننا أهل السنة قد أنكرنا على الشيعة دعواهم العصمة للأئمة الاثني عشر(علیهم السلام)، وجاهرناهم بصيحات النكير وسفهنا بذلك أحلامهم ورددنا أدلتهم بما رددنا، أفبعد ذلك يجمل بنا أن ندعي أن مائة وعشرين ألفاً، حاضرهم وباديهم، وعالمهم وجاهلهم، وذكرهم وأنثاهم، كلهم معصومون، أو كما نقول: محفوظون من الكذب والفسق، ونجزم بعدالتهم أجمعين، فنأخذ رواية كلّ فرد منهم قضية مسلمة، نضلل من نازع في صحتها ونفسقه، ونتصامم عن كلّ ما ثبت وصح عندنا، بل وما تواتر من ارتكاب بعضهم ما يخرم العدالة وينافيها، من البغي، والكذب، والقتل بغير حق، وشرب الخمر، وغير ذلك مع الإصرار عليه، لا أدري كيف تحل هذه المعضلة، ولا أعرف تفسير هذه المشكلة»([226]).

الاتهام بالزندقة لمن ينتقص أحدا من الصحابة

ومع هذا كلّه نرى أنّ بعضهم يتّهم من ينتقد الصحابة بالزندقة والخروج من الدين والإلحاد، كما قال السرخسي: «من طعن فيهم فهو ملحد، منابذ للإسلام، دواؤه السيف، إن لم يتب»([227]).

وروى الخطيب البغدادي بإسناده عن أحمد بن محمد بن سليمان التستري، يقول: «سمعت أبا زرعة يقول: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة»([228]).

ثمّ إنّ ابن حجر بعد أن نقل كلام أبي زرعة المتقدم، قال: «والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة، من أدلّها على المقصود ما رواه الترمذي وابن حبّان في صحيحه من حديث عبد اللّه بن مغفل، قال: قال رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم): اللّه اللّه في أصحابي، لا تتّخذوهم غرضاً، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللّه، ومن آذى اللّه فيوشك أن يأخذه»([229]).

أقول: وقد رواه الترمذي في سننه، ثمّ قال: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه»([230]).

قال الألباني في شرح كتاب السنّة لعمرو بن أبي عاصم الضحّاك بعد نقله الحديث: «إسناده ضعيف; لجهالة عبد اللّه بن عبد الرحمن. ويقال عبد الرحمن بن زياد، وقد تكلّمت عليه وخرجت حديثه في الضعيفة (2901)»([231]).

وقال أيضاً في ضعيف سنن الترمذي: «ضعيف ـ تخريج الطحاوية 471 (673)، الضعيفة 2901 (ضعيف الجامع الصغير وزيادته الفتح الكبير 1160)»([232]), هذا أولاً.

وأمّا ثانياً: فقوله: «فبحبّي أحبّهم» أي: بسبب حبّي إيّاهم أحبّهم، «ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم» أي: بسبب بغضي إيّاهم أبغضهم.

يعني بذلك أنّ من علامات حبّ النبيّ’، هو حبّ كلّ من يحبّه النبيّ’ وبغض من يبغضه، كما قال القاضي عياض في شرح الحديث: «فبالحقيقة من أحبّ شيئاً أحبّ كلّ شئ يحبه، وهذه سيرة السلف حتى في المباحات وشهوات النفس.

 وقد قال أنس حين رأى النبي (صلّى الله عليه وسلّم) يتتبع الدباء من حوالي القصعة: فما زلت أحبّ الدباء من يومئذ.

 وهذا الحسن بن علي وعبد الله بن عباس وابن جعفر أتوا سلمى وسألوها أن تصنع لهم طعاماً مما كان يعجب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم). وكان ابن عمر يلبس النعال السبتية ويصبغ بالصفرة إذ رأى النبي (صلّى الله عليه وسلّم) يفعل نحو ذلك.

 ومنها بغض من أبغض الله ورسوله ومعاداة من عاداه ومجانبة من خالف سنته وابتدع في دينه واستثقاله كلّ أمر يخالف شريعته. قال الله تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الاَْخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}»([233]).

فتدلّ الرواية على وجوب حبّ كلّ صحابيّ يحبّه النبيّ’، وبغض كلّ صحابي يبغضه النبيّ’.

ولا ريب أنّ حبّ جميع الصحابة ولو كان فيهم من يبغضه النبيّ’ أو أغضبه أو لعنه، فليس من حبّ النبيّ’ في شيء، كما ورد عن علي بن أبي طالب×: «أصدقاؤك ثلاثة، وأعداؤك ثلاثة، فأصدقاؤك: صديقك، وصديق صديقك، وعدو عدوك. وأعداؤك: عدوك، وعدو صديقك، وصديق عدوك»([234]).

فقد ظهر بذلك فساد ما ذهب إليه بعض الشارحين، بما يتفق مع هواه، كالمُنَاوي في شرح الحديث بقوله: «(فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم) أي: فبسبب حبّهم إيّاي، أو حبّي إيّاهم، أي: إنّما أحبّهم لحبّهم إيّاي أو لحبّي إيّاهم (ومن أبغضهم فببغضي) أي: فبسبب بغضه إيّاي (أبغضهم) يعني: إنّما أبغضهم لبغضه إيّاي، ومن ثمّ قال المالكيّة: يقتل سابّهم»([235])، وقريب منه ما عن المباركفوري في تحفة الأحوذي([236]).

وأنت ترى كيف فرّق بين قوله’ «فبحبّي أحبّهم» وقوله «فببغضي أبغضهم»، حيث فسّر الأوّل: بأنّ حبّ الأصحاب، إمّا بسبب حبّ هؤلاء الأصحاب رسول اللّه’، أو حبّ رسول اللّه’ إيّاهم، ولم يقل في الثاني: فبغض الأصحاب لبغضهم رسول اللّه’ أو بغض رسول اللّه’ إيّاهم; بل فسّر بما هو معناه: «لا يبغض الأصحاب إلاّ من كان يبغضني»، أي: سبب بغض المبغض للأصحاب هو وجود بغض رسول اللّه’ في قلبه. وهذا في الحقيقة تفسير بما يخالف سياق الحديث من كلّ وجه.

سادسا: آراء الشيعة الإمامية في الصحابة

 أمير المؤمنين وأصحاب رسول الله:

من أراد أن يقف على رأي الشيعة في الصحابة، فعليه بما يقوله إمام المسلمين علي× في حقّهم:

«لقد رأيت أصحاب محمد فما أرى أحداً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً يراوحون بين جباههم وخدودهم ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبلّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاء الثواب»([237]).

وقال أيضاً: «أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمّار وأين ابن التيهان وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة؟ أوه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبّروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنّة وأماتوا البدعة، دعوا للجهاد فأجابوا ووثقوا بالقائد فاتّبعوه...»([238]).

علي بن الحسين والأصحاب

وهذا هو الإمام علي بن الحسين‘ يذكر في بعض أدعيته صحابة النبيّ’ بقوله: «اللهم وأصحاب محمد خاصة، الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه، وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته...»([239]).

قول الشيخ حسين العاملي المتوفى سنة 984 هـ

قال الشيخ عزّ الدين حسين بن عبد الصمد العاملي، والد الشيخ البهائي، من أئمّة الفقه والحديث: «ليس في مذهبنا وجوب سبّهم، وإنّما يسبّهم عوام الناس المتعصّبون، وأمّا علماؤنا فلم يقل أحد بوجوب سبّهم، وهذه كتبهم موجودة.

وأقسمت له أيماناً مغلّظة([240]) بأنّه لو عاش أحد ألف سنة وهو يتديّن بمذهب أهل البيت(علیهم السلام) ويتوّلاهم، ويتبرّأ من أعدائهم، ولم يسبّ الصحابة قطّ، لم يكن مخطئاً، ولا في إيمانه قصور»([241]).

قول السيد علي خان الشيرازي المتوفى 1130 هـ:

قال السيّد علي خان الشيرازي: «حكم الصحابة عندنا في العدالة حكم غيرهم، ولا يتحتم الحكم بالأيمان والعدالة بمجرد الصحبة ولا يحصل بها النجاة من عقاب النار وغضب الجبار إلاّ أنّ يكون مع يقين الإيمان وخلوص الجنان، فمن علمنا عدالته وإيمانه وحفظه وصية رسول الله في أهل بيته، وأنّه مات على ذلك كسلمان وأبي ذر وعمار واليناه وتقربنا إلى الله تعالى بحبه، ومن علمنا أنه انقلب على عقبه وأظهر العداوة لأهل البيت(علیهم السلام) عاديناه لله تعالى، وتبرأنا إلى الله منه، ونسكت عن المجهولة حاله»([242]).

ثمّ قال: «اعلم أن كثيراً من الصحابة رجع إلى أمير المؤمنين×، وظهر له الحق بعد أن عانده، وتزلزل بعضهم في خلافة أبى بكر وبعضهم في خلافته×، وليس إلى استقصائهم جميعاً سبيل، وقد اتفقت نقلة الأخبار على أن أكثر الصحابة كانوا معه× في حروبه. قال المسعودي في مروج الذهب: كان ممن شهد صفين مع علي× من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلاً، منهم سبعة عشر من المهاجرين وسبعون من الأنصار، وشهد معه ممن بايع تحت الشجرة، وهي بيعة الرضوان، من المهاجرين والأنصار ومن سائر الصحابة تسعمائة، وكان جميع من شهد معه من الصحابة الفين وثمانمائة»([243]).

ثمّ اختصّ الباب الأوّل من كتابه، إلى الطبقة الأولى ببني هاشم وساداتهم من الصحابة العليّة، وعدّ منهم أربعة وعشرون رجلاً([244]).

واختصّ الباب الثاني منه بذكر غير بني هاشم من الصحابة المرضيّة والشيعة المرتضويّة (رضوان اللّه عليهم)، وذكر فيه زهاء خمسين رجلاً منهم([245]).

قول السيد محسن الأمين المتوفى 1371هـ

قال السيّد محسن الأمين العاملي: «حكم الصحابة في العدالة حكم غيرهم، ولا يتحتم الحكم بها بمجرد الصحبة، وهي لقاء النبي مؤمناً به ومات على الإسلام، على ما قال ابن حجر في الإصابة: أنه أصح ما وقف عليه في تعريف الصحابي. وإن ذلك ليس كافياً في ثبوت العدالة، بعد الاتفاق على عدم العصمة المانعة من صدور الذنب، فمن علمنا عدالته حكمنا بها وقبلنا روايته ولزمنا له من التعظيم والتوقير بسبب شرف الصحبة ونصرة الإسلام والجهاد في سبيل الله ما هو أهله، ومن علمنا منه خلاف ذلك لم تقبل روايته، أمثال مروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة وبسر بن أرطاة وبعض بني أمية وأعوانهم، ومن جهلنا حاله في العدالة توقفنا في قبول روايته... ومما يمكن أن يذكر في المقام أن النبي توفي ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة على ما حكاه ابن حجر في الإصابة عن أبي زرعة الرازي([246]). وقيل مات عن مائة وأربعة عشر ألف صحابي، ومن الممتنع عادة أن يكون هذا العدد في كثرته وتفرق أهوائه وكون النفوس البشرية مطبوعة على حبّ الشهوات كلهم قد حصلت لهم ملكة التقوى المانعة عن صدور الكبائر والإصرار على الصغائر بمجرد رؤية النبي والإيمان به.

ونحن نعلم أن منهم من أسلم طوعاً ورغبة في الإسلام، ومنهم من أسلم خوفاً وكرهاً، ومنهم المؤلفة قلوبهم، وما كانت هذه الأمة إلا كغيرها من الأمم التي جبلت على حب الشهوات، وخلقت فيها الطبائع القائدة إلى ذلك إن لم يردع رادع والكل من بني آدم، وقد صح عنه إنه قال: (لتسلكن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو دخل أحدهم جحر ضب لدخلتموه).

 ولو منعت رؤية النبي من وقوع الذنب لمنعت من الارتداد الذي حصل من جماعة منهم كعبد الله بن جحش وعبيد الله بن خطل وربيعة بن أمية بن خلف والأشعث بن قيس([247]) وغيرهم.

هذا مع ما شوهد من صدور أمور من بعضهم لا تتفق مع العدالة كالخروج على أئمة العدل، وشقّ عصا المسلمين، وقتل النفوس المحترمة، وسلب الأموال المعصومة، والسبّ والشتم، وحرب المسلمين وغشهم، وإلقاح الفتن والرغبة في الدنيا، والتزاحم على الإمارة والرياسة، وغير ذلك مما كفلت به كتب الآثار والتواريخ وملأ الخافقين»([248]).

قول محمد حسين آل كاشف الغطاء المتوفى 1373هـ

قال محمد حسين آل كاشف الغطاء، وهو من كبار علماء الشيعة: «ولا أقول: إنّ الآخرين من الصحابة وهم الأكثر الذين لم يتسموا بتلك السمة قد خالفوا النبي ولم يأخذوا بإرشاده، كلا ومعاذ الله أن يظن فيهم ذلك، وهم خيرة من على وجه الأرض يومئذ، ولكن لعل تلك الكلمات لم يسمعها كلهم، ومن سمع بعضها لم يلتفت إلى المقصود منها، وصحابة النبي الكرام أسمى من أن تلحق إلى أوج مقامهم بغاث الأوهام»([249]).

إلى أن قال: «لا يذهبن عنك أنه ليس معنى هذا أنا نريد أن ننكر ما لأولئك الخلفاء من الحسنات، وبعض الخدمات للإسلام، التي لا يجحدها إلا مكابر، ولسنا بحمد الله من المكابرين، ولا سبابين ولا شتامين، بل ممن يشكر الحسنة ويغضي عن السيئة، ونقول: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وحسابهم على الله، فإن عفا فبفضله، وإن عاقب فبعدله»([250]).

قول السيد شرف الدين العاملي المتوفى 1377 هـ

قال السيّد عبد الحسين شرف الدين، من أكابر علماء الشيعة بلبنان: «إن من وقف على رأينا في الصحابة علم أنه أوسط الآراء، إذ لم نفرط فيه تفريط الغلاة الذين كفروهم جميعاً، ولا أفرطنا إفراط الجمهور الذين وثقوهم أجمعين، فإنّ الكاملية ومن كان في الغلو على شاكلتهم، قالوا: بكفر الصحابة كافة، وقال أهل السنة: بعدالة كلّ فرد ممن سمع النبي أو رآه من المسلمين مطلقاً، واحتجوا بحديث كلّ من دب أو درج منهم أجمعين أكتعين أبصعين.

أما نحن فإن الصحبة بمجردها وإن كانت عندنا فضيلة جليلة، لكنها ـ بما هي ومن حيث هي ـ غير عاصمة، فالصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول، وهم عظماؤهم وعلماؤهم، وأولياء هؤلاء، وفيهم البغاة، وفيهم أهل الجرائم من المنافقين، وفيهم مجهول الحال.

فنحن نحتج بعدولهم ونتولاهم في الدنيا والآخرة، أما البغاة على الوصي، وأخي النبي، وسائر أهل الجرائم والعظائم كابن هند، وابن النابغة، وابن الزرقاء وابن عقبة، وابن أرطاة، وأمثالهم فلا كرامة لهم، ولا وزن لحديثهم.

ومجهول الحال نتوقف فيه حتى نتبيّن أمره، هذا رأينا في حملة الحديث من الصحابة وغيرهم، والكتاب والسنة بيننا على هذا الرأي، كما هو مفصل في مظانه من أصول الفقه.

لكن الجمهور بالغوا في تقديس كلّ من يسمونه صحابياً حتى خرجوا عن الاعتدال، فاحتجوا بالغث منهم والسمين، واقتدوا بكل مسلم سمع النبي أو رآه اقتداءً أعمى، وأنكروا على من يخالفهم في هذا الغلو، وخرجوا في الإنكار على كلّ حد من الحدود، وما أشدّ إنكارهم علينا حين يروننا نرد حديث كثير من الصحابة مصرحين بجرحهم أو بكونهم مجهولي الحال عملاً بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينية، والبحث عن الصحيح من الآثار النبوية، وبهذا ظنوا بنا الظنونا، فاتهمونا بما اتهمونا، رجماً بالغيب، وتهافتاً على الجهل، ولو ثابت إليهم أحلامهم، ورجعوا إلى قواعد العلم، لعلموا أنّ أصالة العدالة في الصحابة مما لا دليل عليه، ولو تدبروا القرآن الحكيم لوجدوه مشحوناً بذكر المنافقين منهم، وحسبك من سوره: التوبة، والأحزاب، {وإذا جاءك المنافقون}، ويكفيك من آياته المحكمة: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ}... فليتني أدري أين ذهب المنافقون بعد رسول الله وقد كانوا جرعوه الغصص مدة حياته، حتى دحرجوا الدباب وصدوه عن الكتاب، وقد تعلمون أنه خرج إلى أحد بألف من أصحابه فرجع منهم قبل الوصول ثلاث مئة من المنافقين، وربما بقي معه منافقون لم يرجعوا خوف الشهرة، أو رغبة بالدفاع عن أحساب قومهم، ولو لم يكن في الألف إلا ثلاثمائة منافق، لكفى دليلاً على أن النفاق كان زمن الوحي فاشياً، فكيف ينقطع بمجرد انقطاع الوحي ولحوق النبي بالرفيق الأعلى؟...

وما ضرنا لو صدعنا بحقيقة أولئك المنافقين، فإن الأمة في غنى عنهم بالمؤمنين المستقيمين من الصحابة، وهم أهل السوابق والمناقب، وفيهم الأكثرية الساحقة، ولا سيما علماؤهم وعظماؤهم حملة الآثار النبوية، وسدنة الأحكام الإلهية: {وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّـت تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، وهم في غنى عن مدحة المادحين بمدحة الله تعالى، وثنائه عليهم في الذكر الحكيم، وحسبهم تأييد الدين، ونشر الدعوة إلى الحق المبين.

على أنا نتولى من الصحابة كلّ من اضطر إلى الحياد ـ في ظاهر الحال ـ عن الوصي، أو التجأ إلى مسايرة أهل السلطة بقصد الاحتياط على الدين، والاحتفاظ بشوكة المسلمين، وهم السواد الأعظم من الصحابة (رضي الله تعالى عنهم أجمعين) فإنّ مودة هؤلاء لازمة والدعاء لهم فريضة، {وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولاِِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالاِْيمَانِ ولاَ تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}»([251]).

قول الشهيد محمد باقر الصدر (1402هـ)

قال الشهيد الصدر([252]): «إن الصحابة بوصفهم الطليعة المؤمنة والمستنيرة كانوا أفضل وأوسع بذرة لنشء رسالي، حتى أن تاريخ الإنسان لم يشهد جيلاً عقائدياً أروع وأطهر وأنبل من الجيل الذي أنشأه الرسول القائد»([253]).

ولا أظنّ بأنّ الشيخ ابن تيمية استطاع فيما كتب أن يمتدح الصحابة بأكثر من هذا الذي قاله فيهم الزعيم الشيعي الكبير السيّد الصدر.

قول الشيخ السبحاني (معاصر)

قال سماحة آية اللّه الشيخ جعفر السبحاني، وهو من أكابر علماء وأساتذة الحوزة العلميّة بقم المقدّسة:

«إنه من المستحيل أن يحب الإنسان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفي الوقت نفسه يبغض من ضحى بنفسه ونفيسه في طريق رسالته، والإنسان العاقل لا يمكنه أن يجمع في قلبه حالتين متضادتين، والذي دعا أهل السنة إلى اتهام الشيعة بالسب هو اعتقادهم بعدالة الصحابة كلهم من أولهم إلى آخرهم، والشيعة الاثنا عشرية لا تعترف بذلك، بل إنّ الصحابة والتابعين وغيرهم من تابعي التابعين عندهم في صف واحد، ولا ترى أي ملازمة بين كون الرجل صحابياً رأى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبين كونه رجلاً مثالياً يكون القدوة والأسوة للمسلمين إلى يوم القيامة. بل تعتقد أن مصير الصحابة كمصير الآخرين فيهم الصالح والتقي والمخلص، وفيهم الطالح والمنافق ويدلّ على ذلك أمور كثيرة...»([254]).

وقال أيضاً: «على أن ما نحن بصدد بحثه ودراسته هنا هو عدالة جميع الصحابة لا سبّ الصحابة، وإن من المؤسف أنه لم يفرق بعض بين المسألتين، وإنما عمد إلى اتهام المخالفين في المسألة الأولى والإيقاع فيهم في غير ما حق.

وفي الخاتمة نؤكد على أن الشيعة الإمامية لا ترى احترام صحبة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مانعاً من مناقشة أفعال بعض صحابته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والحكم عليها، وتعتقد بأن معاشرة النبي لا تكون سببا للمصونية من المعاصي إلى آخر العمر... على أن موقف الشيعة، في هذا المجال ينطلق من الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة، والتاريخ القطعي، والعقل المحايد الحصيف»([255]).

وبعد إلفات نظركم السامي إلى هذه الأُمور فلنرجع إلى تحليل ومناقشة ما جاء في رسالتكم الكريمة:

نظرة مجردة إلى روايات الحوض

 قلتم: >أولاً: هذه الروايات رواها الصحابة أنفسهم (رضي اللّه عنهم)، وهذا لأمانتهم وصدق إيمانهم، ولو كانوا قد ارتدّوا ما رووها.

ثانياً: المعنى: إمّا أنّه يراد به الصحابة أنفسهم جميعهم، وهذا مردود للآيات السابقة والأحاديث الصحيحة في فضلهم جميعاً وفي فضائل أفرادهم.

وإما أن يراد به بعضهم وهذا يحتاج إلى دليل قطعيّ، وهذا غير موجود.

وإمّا أن يراد به بعض أفراد الأمّة وسمّاهم بأصحابه؛ لأنّ كلّ أمّته أصحابه; لمشاركته في دينه وفي الجنّة، أي يصاحبونه فيها، فعندما يقدم هؤلاء على حوضه، وعليهم علامة المسلمين بآثار الوضوء ويمنعون عن الحوض فيقول: أصحابي... وفي بعضها لا يقول أصحابي، وإنّما يقول: ألا هلمّ، وفي بعضها بالتصغير: أصيحابي، فالذي يظهر أنّ هذا هو المراد وهو الذي نعتقده<.

أحاديث الحوض على ما نقله الشيخان

أقول: قبل أن أجيب عن كلامكم هذا، أذكر أحاديث الحوض على ما نقله البخاري ومسلم في صحيحيهما حتى يعرف القارئ حقيقة ما ورد في الأصحاب، ثمّ نعقّب على ما ذكرت.

إنّ الروايات التي وردت في الصحيحين حول الصحابة في باب الحوض على أقسام:

1ـ ما يدل على إحداث الصحابة بعد الرسول

روى البخاري عن ابن عباس قال: «ألا وإنّه يجاء برجال من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: ياربّ أصيحابي، فيقال: إنّك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك»([256]).

وفي رواية أخرى: «فأقول: ياربّ أصحابي! فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»([257]).

وهكذا في رواية عن أنس([258])، وأبي سعيد الخُدري([259])، وأبي هريرة([260])، وعن ابن المسيّب([261]).

2ـ ما يدل على ارتدادهم بعد مفارقة النبي

روى البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه’: «يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: أصحابي؟ فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم»([262]).

وفي رواية أخرى عن أبي هريرة: «إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القَهْقَرَى»([263]).

3 ـ ما يدل على إبعادهم عن الحوض

روى مسلم بسنده عن أبي هريرة، عن رسول الله’، قال: «وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادنّ رجال عن حوضي، كما يذاد البعير الضالّ، أناديهم: ألا هلمّ، فيقال: إنّهم قد بدّلوا بعدك فأقول: سحقاً سحقاً»([264]).

وفي رواية البخاري: «أنا فرطكم على الحوض ولَيُرْفَعَنَّ معي رجال منكم ثمّ لَيُخْتَلَجُنَّ دوني»([265]).

ورواه مسلم أيضاً عن أمّ سلمة([266]).

وروى البخاري ومسلم عن أنسK، عن النبيّ’ قال: «ليَرِدَنّ عليَّ ناس من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني»([267])، ورويا ذلك عن أبي وائل أيضاً([268]).

4 ـ ما يدل على دخولهم النار

روى البخاري عن أبي هريرة، عن النبيّ، قال: «بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلُمّ، فقلت: أين؟ قال: إلى النار واللّه! قلت: وما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القَهْقَرَى»([269]).

5 ـ ما يدل على أنه لا يخلص منهم إلا القليل

روى البخاري بسنده عن أبي هريرة عن النبيّ قال: «...ثمّ إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلُمّ قلت: أين؟ قال: إلى النار واللّه! قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يَخْلُص منهم إلاّ مثلَ هَمَل النَّعَم»([270]).

6 ـ ما يدل على دعاء الرسول’ عليهم

أخرج البخاري بسنده عن أبي سعيد الخُدري، عن النبيّ’، قوله: «فأقول: إنّهم منّي فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي»([271]). وروى مسلم قريباً منه عن أبي هريرة([272])، وعن أمّ سلمة([273]).

ما هو المراد من الأصحاب في حديث الحوض؟

اُختلف في المراد من الأصحاب في حديث الحوض، هل المراد منه هو المعنى المصطلح، أي: كلّ من صحب رسول اللّه ورآه، كما عرّفه أبناء أهل السنّة، أو المراد منه هو المعنى اللغوي أي كلّ من تبعه وكان موافقاً له في سلوكه؟

قال القاضي عياض عند تأويله أحاديث الحوض: «فإن أصحابه وإن شاع عرفاً فيمن يلازمه من المهاجرين والأنصار شاع استعماله لغة في كلّ من تبعه مرة»([274]).

ويلاحظ عليه:

 أولاً: أنّ المراد بالردّة في هذه الروايات ليست ردّة الكفر أو الارتداد والخروج عن الإسلام; بل المراد بها تخلّفهم عن إحدى أهمّ الواجبات الدينيّة، كما صرّح ابن الأثير في النهاية بقوله: «وفي حديث القيامة والحوض (فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم) أي: متخلفين عن بعض الواجبات، ولم يرد ردة الكفر»([275]).

ونحن نعتقد أن المراد منها هو ترك وصيّة النبيّ’ في عليّ وأهل بيته، كما أنّ المراد من الأحداث هي الوقائع والبدع التي أحدثت بعد رسول اللّه’، كما سيوافيك ذلك عن براء بن عازب، وأمّ المؤمنين عائشة وأبي سعيد الخدري.

وثانياً: إنّما الكلام في كلمة (الأصحاب) الواردة في لسان النبيّ، لا الواردة في اللغة أو في لسان التابعين بعد مضيّ سنوات، فمراده منها ـ كلمة الأصحاب ـ هم الذين صحبوه ورأوه بلا ريب.

وثالثاً: لو حملنا كلمة الأصحاب الواردة في لسان النبيّ على مطلق من تبع النبيّ’، فلابدّ من حمل هذه اللفظة على هذا المعنى في عامّة الموارد، مثل قوله: «لا تسبّوا أصحابي» و«أصحابي كالنجوم» و.... وهذا ما لا يرتضيه أحد.

ما يدل على أن الصحابة هم الذين صحبوا النبي ورأوه

ورابعاً: ملاحظة متن روايات الحوض وغيرها تثبت بأنّ المراد من الصحابة هم الذين صحبوه ورأوه من دون شكّ في ذلك، وإليك بعض هذه الروايات:

1ـ التصريح في بعض الروايات بكلمة (صحبني ورآني)

ففي مسند أحمد عن أبي بكرة، أنّ رسول اللّه’ قال: «ليردنّ عليّ الحوض رجال ممّن صحبني ورآني، حتّى إذا رفعوا إليّ ورأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولنّ ربّ أصحابي! أصحابي! فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟»([276]).

قال ابن حجر: «ولأحمد والطبراني من حديث أبي بكرة رفعه (ليردنّ عليّ الحوض رجال ممّن صحبني ورآني) وسنده حسن. وللطبراني من حديث أبي الدرداء نحوه وزاد: (فقلت: يا رسول اللّه ادع أن لا يجعلني منهم، قال: لست منهم). وسنده حسن»([277]).

وفي صحيح مسلم عن عبد العزيز بن صهيب، قال: «حدّثنا أنس بن مالك أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) قال: ليردنّ عليّ الحوض رجال ممّن صاحبني حتى إذا رأيتهم ورفعوا إليّ، اختلجوا دوني فلأقولنّ: أي رب! أصيحابي أصيحابي! فليقالنّ لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»([278]).

وفى تفسير الطبري: «والذي نفس محمد بيده، ليردنّ عليّ الحوض ممّن صحبني أقوام، حتّى إذا رفعوا إليّ ورأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولنّ: ربّ أصحابي، أصحابي، فليقالنّ: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»([279]).

2ـ تعبير النبي’ عن المخاطبين بالصحابة وعن الذين يأتون فيما بعد بالإخوان:

 ورد في صحيح مسلم: «عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم) أتى المقبرة فقال: السلام عليكم، دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول اللّه؟

قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمّتك يا رسول اللّه؟

فقال: أرأيت لو أنّ رجلاً له خيل غرّ محجّلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: فإنّهم يأتون غرّاً محجّلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادّن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضالّ أناديهم ألا هلمّ، فيقال: إنّهم قد بدلّوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً»([280]).

وفي رواية عبد الرزاق: «ثمّ يلتفت إلى أصحابه، وفيهم يومئذٍ الأفاضل، فيقول: أنتم خير، أم هؤلاء؟ فيقولون: نرجو أن لا يكونوا خيراً منّا، ـ إلى أن قال: ـ فإنّ هؤلاء قد مضوا، وقد شهدت لهم، وإنّي لا أدري ما تحدثون بعدي»([281]).

وفى تفسير الثعالبي: «ثمّ أقبل على أصحابه فقال: هؤلاء خير منكم، قالوا: يا رسول اللّه! إخواننا، أسلمنا كما أسلموا، وهاجرنا كما هاجروا، وجاهدنا كما جاهدوا، وأتوا على آجالهم فمضوا فيها وبقينا في آجالنا، فما يجعلهم خيراً منّا؟

قال: هؤلاء خرجوا من الدنيا لم يأكلوا من أجورهم شيئاً وخرجوا وأنا الشهيد عليهم، وأنّكم قد أكلتم من أجوركم ولا أدري ما تحدثون من بعدي؟

قال: فلمّا سمعها القوم عقلوها وانتفعوا بها، وقالوا إنّا لمحاسبون بما أصبنا من الدنيا وأنّه لمنتقص به من أجورنا»([282]).

3ـ طلب الأصحاب من النبي’ أن يدعو اللّه أن لا يجعلهم من المطرودين:

ورد في معجم الطبراني، عن أبي الدرداء، قال: «قال رسول الله: لا ألفين ما نوزعت أحداً منكم على الحوض، فأقول: هذا من أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، قال أبو الدرداء: يا نبي الله، ادع الله أن لا يجعلني منهم، قال: لست منهم»([283]).

وروى الهيثمي عن أبي الدرداء، قال: «قال رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم): لألفينّ ما نوزعت أحداً منكم عند الحوض، فأقول: هذا من أصحابي، فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. قال أبو الدرداء: يا رسول اللّه، ادع اللّه أن لا يجعلني منهم، قال: لست منهم. رواه الطبراني في الأوسط والبزار بنحوه ورجالهما ثقات»([284]).

وهكذا استعاذة ابن أبي مليكة باللّه من رجوعه على الأعقاب، كما في صحيح البخاري ومسلم: عن ابن أبي مليكة، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: «قال النبي (صلّى الله عليه وسلّم): إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ ناس من دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم، فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا»([285]).

وفي معجم الطبراني: «فكان ابن أبي مليكة يقول: اللّهمّ إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نغيّر ديننا»([286]).

4ـ بكاء أبي بكر حين سمع حديث الحوض وارتداد الأمة بعد النبي’:

كما في الموطّأ عن مالك، عن أبى النضر مولى عمر بن عبيد اللّه: «أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لشهداء أحد: هؤلاء أشهد عليهم، فقال أبو بكر الصديق: ألسنا يا رسول الله بإخوانهم؟ أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): بلى، ولكن لا أدرى ما تحدثون بعدي، فبكى أبو بكر، ثم بكى، ثم قال: أئنا لكائنون بعدك؟»([287]).

فلو كان المراد من الأصحاب في هذه الأحاديث هم الذين يأتون بعد زمان الصحابة، فما معنى قوله’: >ممّن صاحبني ورآني<؟ بل ما معنى كلام أبي الدرداء واستعاذة ابن أبي مليكة وبكاء أبي بكر؟

5ـ قوله’: >منذ فارقتهم<:

كما في صحيح البخاري: «وإنّ أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم»([288])، وهذا صريح بأنّ المراد من الصحابة هم الذين عاشوا في عصر النبيّ’ وبقوا أحياءً بعد وفاته.

 6ـ قول رسول اللّه في حديث الحوض: >وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم<، وشهادته’ على من مضى من الأصحاب:

في رواية البخاري: «ثمّ يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال فأقول: أصحابي، فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}»([289]).

وفى مصنّف عبد الرزاق، عن معمّر قال: «وأخبرني من سمع الحسن يقول: قال النبي (صلّى الله عليه وسلّم) للشهداء يوم أحد: إن هؤلاء قد مضوا، وقد شهدت عليهم، ولم يأكلوا من أجورهم شيئاً، ولكنكم تأكلون من أجوركم، ولا أدري ما تحدثون بعدي»([290]).

وفيه أيضاً عن ابن جريج، قال: «حدثت أن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) كان ينطلق بطوائف من أصحابه إلى دفنى بقيع الفرقد، فيقول: السلام عليكم يا أهل القبور، لو تعلمون مما نجاكم الله مما هو كائن بعدكم، ثم يلتفت إلى أصحابه، وفيهم يومئذٍ الأفاضل، فيقول: أنتم خير أم هؤلاء؟ فيقولون: نرجو أن لا يكونوا خيراً منا، هاجرنا كما هاجروا وجاهدنا كما جاهدوا وأتوا على آجالهم فمضوا فيها وبقينا في آجالنا، فما يجعلهم خيراً منا؟! قال: هؤلاء خرجوا من الدنيا ولم يأكلوا من أجورهم شيئاً، وإنكم تأكلون من أجوركم، فإن هؤلاء قد مضوا، وقد شهدت لهم، وإني لا أدري ما تحدثون بعدي»([291]).

قال الثعالبي في تفسيره: «وروى ابن المبارك في (رقائقه) من طريق الحسن عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) انه خرج في أصحابه إلى بقيع الغرقد، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور لو تعلمون ما نجاكم الله منه مما هو كائن بعدكم! ثم أقبل على أصحابه، فقال: هؤلاء خير منكم، قالوا: يا رسول الله، إخواننا، أسلمنا كما أسلموا وهاجرنا كما هاجروا وجاهدنا كما جاهدوا وأتوا على آجالهم فمضوا فيها وبقينا في آجالنا، فما يجعلهم خيراً منا؟! قال: هؤلاء خرجوا من الدنيا لم يأكلوا من أجورهم شيئاً، وخرجوا وأنا الشهيد عليهم، وأنكم قد أكلتم من أجوركم ولا أدرى ما تحدثون من بعدي، قال: فلمّا سمعها القوم عقلوها وانتفعوا بها، وقالوا: إنا لمحاسبون بما أصبنا من الدنيا وإنّه لمنتقص به من أجورنا»([292]).

وفي تاريخ المدينة لابن شبة النميري: «إن هؤلاء مضوا لم يأكلوا من أجورهم شيئاً، وشهدت عليهم، وإنكم قد أكلتم من أجوركم بعدهم، ولا أدري كيف تفعلون بعدي»([293]). وفي موضع آخر قال: «ولا أدري كيف تصنعون بعدي»([294]).

وهذا يدلّ على أنّ الرسول’ لم يكن مطمئنّاً لما ينتهي إليه أمر أصحابه بعده، ولم يكن يعتقد أنّ مجرّد صحبتهم له تدخلهم الجنان وتجعلهم معصومين، أو أنّها تكون أماناً لهم من كلّ حساب وعقاب، عملوا ما عملوا، وفعلوا ما فعلوا، فإنّ ذلك خلاف ما قرّره القرآن الذي يقول: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}([295]).

7ـ انشغال بال رسول اللّه’ وقلقه ممّا يصنع الصحابة:

لقد مرّ قوله’ في قضيّة بكاء أبي بكر: «لكن لا أدري ما تحدثون بعدي؟»([296])، وتقدّم قوله| أيضاً في قضيّة شهداء أحد: «ولا أدري ما تحدثون بعدي»([297])، وفي قضية بقيع الغرقد عن تفسير الثعالبي ومصنف عبد الرزّاق «وإنّي لا أدري ما تحدثون بعدي»([298])، وعن تاريخ المدينة: «لا أدري كيف تفعلون بعدي»([299])، أو «ولا أدري كيف تصنعون بعدي»([300]).

8 ـ ارتداد الصحابة على الأدبار:

ورد في روايات الحوض أيضاً: «إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى»([301]).

وفي قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}([302]).

وكأنّ هذه الأحاديث واردة مورد التفسير لهذه الآية، ومؤكّدة لتحقّق مضمونها بعد وفاته.

9ـ اعتراف بعض الأصحاب بأنهم أحدثوا بعد رسول اللّه’:

أـ اعتراف البراء بن عازب

رواه البخاري عن محمد بن فضيل، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، قال: «لقيت البراء بن عازب رضي اللّه عنهما، فقلت: طوبى لك صحبت النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) وبايعته تحت الشجرة!! فقال: يا ابن أخي إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده»([303]).

والبراء بن عازب من أكابر الصحابة، ومن السابقين الأوّلين الذين بايعوا النبيّ’ تحت الشجرة، يشهد على نفسه وغيره من الصحابة بأنّهم أحدثوا بعد وفاة النبيّ’ كي لا يغترّ بهم الناس، وأوضح بأنّ صحبة النبيّ’ ومبايعته تحت الشجرة والتي سميّت بـبيعة الرضوان لا تمنعان من ضلالة الصحابي بعد النبيّ’.

ب ـ اعتراف أبي سعيد الخدري

روى ابن عدي قال: >ثنا بهلول بن إسحاق، ثنا سعيد بن منصور، ثنا خلف بن خليفة، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا له: هنيئاً لك يا أبا سعيد برؤية رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وصحبته، قال: أخي إنك لا تدري ما أحدثنا بعده»([304]).

رواه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق وابن حجر في الإصابة في ترجمة سعد بن مالك بن سنان([305]).

وإنّها أيضاً لشهادة كبرى من صحابيّ كبير، كان على الأقلّ صريحاً مع نفسه ومع الناس.

ج ـ اعتراف عائشة أمّ المؤمنين

وهكذا قد اعترفت عائشة أيضاً قبل موتها بأنّها قد أحدثت بعد رسول اللّه، كما روى الحاكم عن قيس بن أبي حازم، قال: «قالت عائشة (رضي الله عنها)، وكأن تحدث نفسها أن تدفن في بيتها مع رسول اللّهوأبي بكر، فقالت: إنّي أحدثت بعد رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم) حدثاً، ادفنوني مع أزواجه، فدفنت بالبقيع. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»([306]).

10ـ النبيّ’ يعرفهم ويعرفونه

روى أبو حازم عن سهل بن سعد قال: «قال النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم): إنّي فرطكم على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثمّ يحال بيني وبينهم، قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عيّاش وأنا أحدّثهم بهذا الحديث، فقال: هكذا سمعت سهلاً يقول؟

فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد: (فيقول: إنّهم منّي، فقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي)». أخرجه البخاري ومسلم([307]).

ومعلوم أنّ المراد بقرينة قوله: «وليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني» و«سحقاً لمن بدّل بعدي» أصحابه الذين عاصروه وصحبوه وبقوا بعده مدّة ثم مضوا.

وهكذا في مسند أحمد: «حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا أبو عامر، ثنا زهير، عن عبد الله بن محمد، عن حمزة بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: سمعت النبي (صلّى الله عليه وسلّم) يقول على هذا المنبر: ما بال رجال يقولون: إنّ رحم رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لا تنفع قومه! بلى والله إنّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فرط لكم على الحوض، فإذا جئتم، قال رجل: يا رسول الله، أنا فلان بن فلان، وقال أخوه: أنا فلان بن فلان، قال لهم: أما النسب فقد عرفته ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى»([308]).

ورواه أبو يعلى في مسنده([309])، والمتقي في كنز العمال([310]).

وقال الهيثمي: «رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير عبد اللّه بن محمد بن عقيل، وقد وثق»([311]).

تذييل:

أولاً: هل المراد من المرتدين هم أصحاب الردة؟

يمكن أن يقال: إنّ المراد بالمرتدّين هم أصحاب الردّة الذين قاتلهم الخليفة أبو بكر([312])، وهم معلومون، فلا تصل النوبة إلى الشك والتوقّف عن التمسّك بتلكم العمومات القاضية بعدالتهم.

ولكن هذا الاحتمال بعيد جدّاً; لأنه ينافي ما صرّح به في رواية أبي هريرة التي يقول فيها: «فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم»([313])، وهي أبلغ كناية عن قلّة الناجين منهم، ومعنى ذلك أنّها حكمت على أكثرهم بالارتداد، ومعلوم أنّ هؤلاء المرتدّين الذين حاربهم الخليفة لا يعبرون عن تلك الكثرة.

مع منافاة هذا الاحتمال للحقائق التي بدرت من الصحابة من خوفهم واستعاذتهم وبكائهم وتصريحهم بإحداثهم، وهم ليسوا من جند سجاح ولا من زمرة الأسود العنسي.

وظهر بهذا فساد ما ذهب إليه القاضي عياض بأنّ المراد بهم من ارتدّ من الأعراب الذين أسلموا في أيّامه كأصحاب مسيلمة والأسود وأضرابهم([314]).

ثانياً: لماذا لم يغير رسول الله الجدر وباب الكعبة؟

 أخرج البخاري ومسلم وابن ماجه والترمذي والنسائي وأحمد كلّهم عن عائشة ـ واللفظ للبخاري ـ أنّها قالت: «سألت النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) عن الجُدر، أمن البيت هو؟ قال: نعم، فقلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إنّ قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولو لا أنّ قومك حديث عهدهم بالجاهليّة أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه في الأرض»([315]).

وفي لفظ ابن ماجه: «ولو لا أنّ قومك حديث عهد بكفر، مخافة أن تنفر قلوبهم». وعلّق العلاّمة السندي على هذا الحديث في حاشيته على سنن النسائي بقوله: «إنّ الإسلام لم يتمكّن في قلوبهم [يعني الصحابة] فلو هدمت لربما نفروا منه»([316]).

كلام في الآيات التي تثني على طـوائف من الصحابة

وقد مدح اللّه سبحانه وتعالى في كتابه طوائف من الصحابة، ونحن نذكرها على الترتيب الذي جاء في رسالتكم، ثمّ نقوم بالتحليل.

الآية الأولى

قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}([317])، وهذه الآية لا تدلّ على الثناء على جميع المهاجرين والأنصار كما سيتضح، فقد أثنى سبحانه في هذه الآية على طوائف ثلاث:

الأُولى: السابقون الأوّلون من المهاجرين، وهم الذين هاجروا أيّام هجرة النبيّ أو بعدها بقليل، وبما أنّ لفظة (مِنْ) في {مِنَ الْمُهَاجِرِينَ} للتبعيض، فهو يخرج المتأخّرين من المهاجرين. فالآية تثني على السابقين من المهاجرين، لا على عامّة المهاجرين.

وبعبارة أخرى: إنّما يصحّ الاستدلال بشمول الثناء في الآية لجميع المهاجرين والأنصار إذا ثبت بدليل قطعيّ أنّ (من) بيانيّة لا تبعيضيّة، وأيّ دليل قطعيّ على ذلك؟

الثانية: السابقون من الأنصار، وهم الذين سبقوا في نصرة النبيّ بالإنفاق والإيواء، ولا يدخل مطلق الأنصار ولا أبناؤهم وحلفاؤهم، وذلك لأنّ تقدير الآية: والسابقون الأوّلون من الأنصار.

فالآية تثني على السابقين الأوّلين من الأنصار لا على عامّتهم.

وبما أنّ الموضوع هو السبق في الهجرة، والسبق في النصرة، فلا ينطبق العنوانان إلاّ على الذين هاجروا أو نصروا قبل أن يُشيّد بنيان الدين، وتهتّز راياته، وهم على أصناف:

منهم: من آمن بالنبيّ وصبر على الفتنة والبلاء، ومفارقة الديار والأموال بالهجرة إلى الحبشة أو إلى المدينة.

ومنهم: من آمن به’ ونصره وآواه وآوى أصحابه من المهاجرين، واستعدّ للدفاع عن الدين قبل وقوع الوقائع.

وهذا ينطبق على من آمن بالنبي’ قبل الهجرة ثمّ هاجر قبل وقعة بدر، التي منها ابتدأ ظهور الإسلام على الكفر، أو آمن بالنبي وآواه وتهيّأ لنصرته عندما هاجر إلى المدينة.

فالمبدأ هو ظهور أمر النبيّ في الفترة المكيّة، والمنتهى هو قبل ظهور الإسلام وغلبته على أقوى مظاهر الشرك في المنطقة، أعني: غزوة بدر.

وعلى ضوء ذلك يتبيّن المراد من الطائفة الأخيرة، أعني:

الثالثة: الذين اتّبعوا السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار بإحسان، وهذه الطائفة عبارة عمّن أسلم بعد بدر إلى بيعة الرضوان أو إلى فتح مكّة، فلا تشمل الوافدين من العرب في العامّ التاسع الذي يطلق عليه عام الوفود.

وأمّا وجه الثناء على التابعين مع أنّهم ربما لم ينصروا النبيّ الأكرم’ في مغازيه، فلكونهم تضرّروا وكابدوا المصاعب بفقد أقربائهم في المعارك، وربّما لحقهم بعض الأذى، والمراد من التابعين بإحسان هم الذين صلحت سيرتهم وسلوكهم فصاروا بعيدين عن اقتراف الذنوب، ومساوئ الأخلاق، فاتّبعوهم بإحسان.

وأين هذه الآية من تعديل عشرة آلاف صحابيّ سُجّلت أسماؤهم في المعاجم، أو مائة ألف صحابيّ صحبوا النبيّ في مواقف مختلفة، ورأوه وعاشروه؟! هذا هو المفهوم من الآية، حسب القرائن البينة.

فلنعد إلى ما ذكرتموه حول الآية ثمّ نأخذ بالتحليل:

هذا نصّ كلامكم:

«أثنى عز ّوجلّ على جميع المهاجرين وجميع الأنصار بدون قيد; لأنّ (أل) للعموم فيما دخلت عليه، وجميعِ الذين اتّبعوهم بإحسان، فالمتّبعون قيّدهم بالإحسان، وهذا أصل فلا يخرج أحد من المهاجرين والأنصار إلاّ بدليل قطعيّ، والآية في غاية الوضوح.

ثمّ أثنى عزّ وجل على الذين اتّبعوهم بإحسان، والذين اتّبعوهم هم أهل السنّة وليسوا الشيعة; لأنّ الشيعة ما بين مكفرّ لهم وذامّ لهم، أعني الشيعة الإماميّة المتأخّرين بدون استثناء».

1ـ قلتم: «أثنى عز ّوجلّ على جميع المهاجرين وجميع الأنصار، بدون قيد، لأنّ (أل) للعموم فيما دخلت عليه».

يلاحظ عليه: أنّه سبحانه لم يثن على عامّة المهاجرين ولا على عامّة الأنصار; بل على صنف خاصّ منهم، وهم السابقون الأوّلون فحسب، ولو كان المراد الثناء على عامّتهم من دون اعتبار السبق والأوّليّة كان ذكر «السابقون الأوّلون» زائداً مستدركاً.

وكون اللام للعموم لا ينافي ما ذكرناه، لأنّ المراد هو العموم من هذا الصنف لا كلّ المهاجرين والأنصار.

 2ـ قلتم: «وهذا أصل فلا يخرج أحدٌ من المهاجرين والأنصار إلاّ بدليل قطعيّ».

قلت: نعم، هذا أصل، لا في عامّة المهاجرين والأنصار; بل في خصوص السابقين الأوّلين منهم، فلا يعدل عن هذا الأصل إلاّ بدليل قطعيّ، مثلاً إذا دلّ دليل على أنّ صحابيّاً من السابقين والأوّلين عدل عن الحقّ، فيؤخذ بالدليل الثاني، فإذا دلّ الدليل على أنّ حارث بن سويد من الصحابة البدريين قتل المجذر بن زياد المسلم يوم أحد لثأر جاهليّ، يحكم بخروجه من الآية([318])، أو دلّ على أنّ قدامة بن مظعون البدري، شرب الخمر([319])، وهكذا دواليك...

 3 ـ قلتم: «ثم أثنى عز ّوجلّ على الذين اتّبعوهم بإحسان، والذين اتّبعوهم هم أهل السنّة»

يلاحظ عليه: أنّ قوله سبحانه: {والَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بإحسان} فعل ماض يحكي عن تحقّق التبعيّة بإحسان عند نزول الآية، فلابدّ أن يكون التابعون بإحسان من جملة الصحابة، فكيف تفسّرونه بأهل السنّة إلى يوم القيامة، ثمّ تخرجون الشيعة مع أنّ الطائفتين خارجتان عن مفاد الجملة، وإلاّ كان اللازم أن يقول عزّ وجلّ: والذين يتّبعونهم بإحسان.

ويدلّ على ذلك: أنّ الطوائف الثلاث المذكورة في هذه الآية ذكرت في سورة الحشر على ما قدّمناه وقد عبّر سبحانه عن هذه الطائفة الثالثة بالنحو التالي: {والَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا...} فلو كان المراد عامّة المسلمين أو طائفة منهم، كان اللازم أن يقول: والذين يجيئون من بعدهم.

اختلاف المفسرين في معنى السابقين الأولين والتابعين لهم

4 ـ قلتم: «والآية في غاية الوضوح».

قلت: إنّ هذا التعبير من سماحتكم في غاية الغرابة، كيف تصفون الآية بغاية الوضوح وقد اختلف المفسّرون في تعيين المراد من الآية اختلافاً شديداً؟! وسوف نذكره ليتبيّن مدى صحّة قضائكم في معنى الآية بأنّه في غاية الوضوح:

فهذا ابن الجوزي الحنبلي يقول: في تفسير قوله تعالى: {والأوّلون} ستّة أقوال.

«أحدها: أنهم الذين صلّوا إلى القبلتين مع رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، قاله أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، وقتادة.

والثاني: أنهم بايعوا رسول الله بيعة الرضوان، وهي الحديبية، قاله الشعبي.

والثالث: أنهم أهل بدر، قاله عطاء بن أبي رباح.

والرابع: أنهم جميع أصحاب رسول الله، حصل لهم السبق بصحبته. قال محمد بن كعب القرظي: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وأوجب لهم الجنة محسنهم ومسيئهم في قوله [تعالى]: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ}.

والخامس: أنهم السابقون بالموت والشهادة، سبقوا إلى ثواب الله تعالى. ذكره الماوردي.

والسادس: أنهم الذين أسلموا قبل الهجرة، ذكره القاضي أبو يعلى»([320]).

وقريب من هذا ما في جامع البيان لابن جرير الطبري([321]).

وهذا السيوطي، بعد أن نقل عن ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما، بأنّ المراد من السابقين الأوّلين، هم الذين صلّوا القبلتين قال: «أخرج ابن مروديه، عن ابن عباس: {وَالسَّابِقُون الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ}، قال: أبو بكر، وعمر، وعلي، وسلمان، وعمّار بن ياسر»([322]).

كما اختلفوا أيضاً في معنى التابعين: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بإحسان} على أقوال عديدة، كما قال ابن الجوزي: «قوله تعالى: {اتّبعوهم بإحسان} من قال: إنّ السابقين جميع الصحابة جعل هؤلاء تابعيّ الصحابة، وهم الذين لم يصحبوا رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم)، وقد روي عن ابن عباس، أنّه قال: والذين اتّبعوهم بإحسان إلى أن تقوم الساعة، ومن قال: هم المتقدّمون من الصحابة، قال: هؤلاء اتّبعوهم في طريقهم واقتدوا بهم في أفعالهم، ففضل أولئك بالسبق وإن كانت الصحبة حاصلة للكلّ، وقال عطاء: اتّباعهم إيّاهم بإحسان أنّهم يذكرون محاسنهم ويترحّمون عليهم»([323]).

قال ابن جرير والسيوطي أيضاً: «والذين اتّبعوهم بإحسان ممّن بقي من أهل الإسلام إلى أن تقوم الساعة»([324]).

وقال الثعالبي:

«وقال الشعبي: من أدرك بيعة الرضوان والذين اتّبعوهم بإحسان، يريد سائر الصحابة ويدخل في هذا اللفظ التابعون وسائر الأمّة لكن بشريطة الإحسان»([325]).

قال الشوكاني: «(الذين اتّبعوهم بإحسان) الذين اتّبعوا السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار وهم المتأخّرون عنهم من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة، وليس المراد بهم التابعين اصطلاحاً.

وقوله: (بإحسان) قيد للتابعين، أي: والذين اتّبعوهم متلبّسين بإحسان في الأفعال، والأقوال، اقتداء منهم بالسابقين الأوّلين»([326]).

باللّه عليك أيّها الأخ العزيز! كيف تكون الآية في غاية الوضوح مع هذا الاختلاف بين العلماء والمفسّرين فيها؟!

وفي الختام نحن لا نصدّق كلّ هذه الأقوال; بل المختار عندنا هو ما ذكرنا سابقاً, والغاية من الاستشهاد هو إثبات أنّ الآية ليست كما تفضّلتم به: كونها في غاية الوضوح!

الآية الثانية

قال الله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ معه أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تراهم رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً منَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التوراة ومَثَلُهُمْ في الاِْنجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَـآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمَاً}([327]). والآية لا تدل على فضل جميع الصحابة، كما سيتضّح.

5ـ قلتم: «ذكر الله عز ّوجلّ أنّه ربّاهم ورعاهم كما يرعى النبتة التي تخرج من الأرض حتّى نضجت واكتملت، وأنّ ذلك سيكون سبباً لغيظ الكفّار فمن كرههم أو غاضهم لحقه الوعيد<. يلاحظ عليه: أنّ ظاهر كلامكم أنّه سبحانه وتعالى في هذه الآية يصف جميع الصحابة بأنّه ربّاهم ورعاهم، كما يرعى النبتة التي تخرج من الأرض، ولكنّه غير تامّ للوجوه الآتية:

أ ـ هل المراد من قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ مَعَهُ} هو المعيّة الجسمانيّة أو أنّ المراد هو المعيّة الروحيّة، فتنطبق على الذين كانوا معه في صلابة الإيمان والعقيدة والعمل والسيرة؟ وبما أنّه لا قيمة للجسم في المعيّة، تختصّ الآية بالطائفة الثانية، ولم يكن كلّ الصحابة على هذا النمط، بدليل الأصناف العشرة التي قدّمنا عناوينها وذكرنا موضع الآيات وأرقامها.

ب ـ أنّه سبحانه يذكر من سماتهم أنّهم: {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} فهل كان الصحابة عامّة موصوفين بهذا الوصف، أو أنّهم قاتل بعضهم بعضاً؟ فكم من بدريّ قُتِل بيد الصحابة، فهذا هو مقتل الخليفة الثالث وحروب الناكثين والقاسطين والمارقين، قتل فيها كثير من الصحابة بيد الصحابة أنفسهم.

ج ـ ومن سماتهم أيضاً: {سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ}([328])، فهل كان هذا الوصف متوفّراً في عامّة الصحابة؟

د ـ نحن لو افترضنا وجود هذه السمات في عامّة الصحابة، ولكن ذيل الآية يشهد على أنّ الثناء على قسم منهم بقوله سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمَاً}.

فلفظة (من) في قوله: {منهم} للتبعيض، وما يقال من أن (من) بيانية غير صحيح; لأنّها لا تدخل على الضمير مطلقاً في كلام العرب، كما أشار إلى ذلك الدهلوي في التحفة الاثني عشرية، قال: >إن حمل (من) ـ الداخلة على الضمير ـ على البيان مخالف للاستعمال<([329])، وإنّما تدخل على الاسم الظاهر، كما في قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الاَوْثَان}([330]).

مضافاً إلى أن من علامات (من) البيانية ـ كما قال الرضي في شرح الكافية ـ: أن يكون قبل (من) أو بعدها مبهم يصلح أن يكون المجرور بـ (من) تفسيراً له([331])، بينما في الآية ما قبل (من) وما بعدها واضح لا إبهام فيه حتى يحتاج إلى بيان، فـ{الذين امنوا وعملوا الصالحات} عبارة واضحة المعنى لا إبهام فيها([332]).

الآية الثالثة

قال تعالى: {إنّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْض... وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ في سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَئكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}([333]).

 أقول: إنّ مفاد الآية قريب ممّا جاء في سورة الحشر التي تقدّمت سابقاً، وهي تصف معشراً من الصحابة وتثني عليهم، لا على جميعهم، وإليك مقاطع من الآية يوضح ما ذكرنا:

أـ {إنّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ} فالمراد هم السابقون الأوّلون من المهاجرين، لا مطلق من هاجر وجاهد ولو متأخراً; بشهادة ذكر الهجرة في الصنف الثالث([334])، كما سيوافيك، وهذه قرينة على أنّ المراد هم السابقون في الهجرة.

ب ـ {وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَـرُواْ}، والمراد هم الأنصار الذين آووا، وهذا مختصّ بمن نصر وآوى وقد انقطع الإيواء بترحيل بني النضير عن أراضي يثرب في السنة الرابعة; فإنّ النبيّ’ قسّم أراضيهم بين المهاجرين في تلك السنة، فاستغنوا بذلك عن إيواء الأنصار.

ج ـ {وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ}، والمراد هم الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بعد السابقين الأوّلين، فيشير هذا المقطع من الآية إلى ما ورد في الآية الأولى، أعني قوله: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بإحسان}([335])، وبما أنّ الهجرة قد انقطعت بعد الفتح فالآية لا تثني على الطلقاء، ولا أبناء الطلقاء، ولا الأعراب، ولا الذين آمنوا بعد الفتح، فيتّحد مفاده مع قوله سبحانه: {والَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بإحسان}.

فهذه الآيات الثلاثة تثبت أنّ الصحابة كالتابعين، فيهم العادل وغير العادل، لا أنهم كلّهم عدول، ولا كلّهم فسقة.

6ـ قلتم: «أو ليس هذا ثناء من الله عزّ وجلّ على المهاجرين والأنصار وتأكيد إيمانهم».

نقول: كيف يكون ثناءً على كلّ المهاجرين والأنصار؟! بل هو ثناء على السابقين منهم، والذين اتّبعوهم بإحسان، وعندئذٍ لو دلّ دليل على عدم التبعيّة أو شككنا في كونه تابعاً بإحسان، فالآية لا تكون دليلاً على العدالة في مورد الشك، فإذا كان قيد الموضوع (بالإحسان) مشكوكاً فيه، لا يحكم بالدخول; لأنّ الحكم لا يثبت موضوعه، بل الحكم يكون في رتبة سابقة على الموضوع، نعم لو أحرزت التبعيّة بإحسان لشملته الآية.

الآية الرابعة

قال الله تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}([336]).

7 ـ قلتم: >هذه الآية الكريمة تمدح الذين آمنوا قبل الفتح، وأنفقوا في سبيل الله، وقاتلوا لإعلاء كلمة الله عز ّوجلّ، وأنّ من لحقهم بعد ذلك لا يدرك فضلهم، وهذه شهادة عظيمة من الله عز ّوجلّ<.

يلاحظ عليه: إنّ الآية تدلّ على عدم التسوية بين الفريقين، وهذا ممّا لا ريب فيه، كما يدلّ على أنهّ سبحانه وعد الكلّ الحسنى، غير أنّ وعده سبحانه بالحسنى مشروط بحسن خواتيم العمل، فإنّه سبحانه وعد كلّ من عمل صالحاً بالحسنى ولكن بشرط أن يكون باقياً على ما كان عليه.

وقد دلّ الذكر الحكيم على أنّ رجالاً مؤمنين انقلبوا على أعقابهم بعد فترة، يقول سبحانه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ}([337]).

فالآية تخبر عن مصير من أوتي الآيات، ولكنّه انسلخ منها، فمن وعده الله سبحانه الحسنى في الآية ليس بأفضل من هذا الرجل الذي بلغ في العلم والعمل مكاناً نال بموجبه آية من آيات الله سبحانه وقد زلّت قدماه في آخر حياته.

وقد عقد البخاري في صحيحه باباً باسم العمل بالخواتيم([338])، فطالعوا ما ورد فيه من الروايات، رزقنا الله سبحانه حسن العاقبة.

الآية الخامسة

قال سبحانه: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}([339])

فهذه الآيات نظير ما تقدّم من الآيات لا تثني على عامّة الصحابة; بل على فريق منهم.

أمّا المهاجرون، فتثني على فقرائهم بشرط أن تتوفر فيهم الصفات التالية:

 أ: {الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـارِهِمْ وَأَمْوَا لِهِمْ}.

ب: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ ورِضْوَاناً}.

ج: {وَيَنصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ}.

فمن تمتّع بهذه الصفات الثلاث من المهاجرين فقد أثنى القرآن عليه، وبما أنّ من أبرز صفاتهم كونهم مشرّدين من ديارهم وأموالهم، فيكون المقصود هم الذين هاجروا قبل وقعة بدر.

وأمّا الأنصار فأثنت الآيات على من تمتّع بالصفات التالية:

أ: {والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمان مِن قَبْلِهِم} أي: آمنوا بالله ورسوله، فخرج بذلك من اتّهم بالنفاق وكان في الواقع منافقاً.

ب: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ولاَ يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ}.

ج: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.

وبما أنّ من أبرز صفاتهم هو إيواء المهاجرين والأنصار، وإيثارهم على الأنفس، فيكون المراد من آمنوا بالنبيّ وآووه وآووا المهاجرين، فينطبق على من آمن وآوى قبل غزوة بدر; لانتفاء الإيواء بعدها، خصوصاً بعد إجلاء «بني النضير» بعد معركة «أحد»; حيث خرجوا تاركين قلاعهم وأموالهم وأسلحتهم، فوقعت بأيدي المسلمين.

وأمّا التابعون لهم، أعني: الذين جاءوا بعدهم، فإنّما أثنى على من تمتّع منهم بالصفات التالية:

أ: {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخواننا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمان}.

ب: {وَلاَ تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ}.

فالآيات الواردة في سورة الحشر، تتّحد مضموناً مع ما ورد في سورة التوبة ولا تختلف.

فالاستدلال بهذه الآية على أنّ القرآن أثنى على الصحابة جميعهم من أوّلهم إلى آخرهم ـ الذين ربما جاوز عددهم المائة ألف ـ غفلة عن مفاد الآيات، فأين الدعاء والثناء على لفيف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم المتمتّعين بخصوصيّات معيّنة، من الثناء على الطلقاء والأعراب وأبناء الطلقاء والمتّهمين بالنفاق؟!

8 ـ قلتم: «أرأيت هذا التقسيم العجيب لطوائف المؤمنين:

مهاجرون.

أنصار.

متّبعون، يحبّونهم ويدعون لهم ولا يكرهونهم.

أين مكان الإماميّة هنا؟ وأين مكان أهل السنّة هنا؟<

قولكم: «مهاجرون»، والصحيح: (المهاجرون الأوّلون السابقون); لأنّه سبحانه يصفهم بقوله: {الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـرِهِمْ} فأين مطلق المهاجرين من هذه الآية؟

قولكم: «أنصار» والصحيح، (السابقون الأوّلون من الأنصار); لأنّه سبحانه يصفهم بقوله: {والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالاِْيمَانَ مِن قَبْلِهِم} وليس كلّ أنصاريّ آوى المهاجرين، بل انقطع الإيواء بعد إجلاء بني النضير، كما مرّ، فمن آمن من الأنصار من بعده فهو خارج من مدلول الآية.

قولكم: «متّبعون يحبّونهم ويدعون لهم ولا يكرهونهم»، والصحيح: {وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا...}.

الشيعة والسنّة صنوان من أصل واحد

ثمّ إنّكم ذكرتم في ذيل كلامكم هاتين الجملتين:

>أين مكان الإماميّة هنا؟

وأين مكان أهل السنّة هنا؟<

قد عرفتم أنّ الطائفتين غير داخلتين في هذه الآية، فالسؤال ساقط بعد سقوط موضوعه; فإنّ المقابلة بين الطائفتين يعرب عن أنّهما طائفتان متضادّتان لا تشتركان في أصل أو أصول، وأنّهما كمعسكري الشرق والغرب لكلّ (أيديولوجيّة) خاصّة، وليست الشيعة إلاّ نفس المسلمين الأول الذين بقوا على وصيّة الرسول في حقّ أهل بيته، وليس أهل السنّة إلاّ نفس المسلمين الأول، ولكنّهم خالفوا وصيّة الرسول ولم ينفذوا وصيّته في حقّ عليّ وأهل بيته، ولو أغمضنا عن ذلك فالطائفتان صنوان من أصل واحد.

إلى هنا تبيّن مفاد الآيات، وأنّ الإماميّة لا تخالفها قيد شعرة، لا تبغض الصحابي والصحابيّة; ولكن لا تعتقد بعدالة الكلّ وتقول: إنّ وزانهم كوزان التابعين.

الاستدلال بالسنة

9ـ قلتم: عن أبي سعيد الخدري، قال: «قال رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم): لا تسبّوا أصحابي، فلو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه»([340]).

أقول: إنّ الحديث أوضح دليل على أنّ بعض الصحابة يسبّ بعضهم، ولأجل ذلك نهى رسول اللّه’ خالداً لسبّه عبد الرحمن بن عوف، وكلاهما من الصحابة، وهذا أظهر دليل على عدم عدالة الكلّ بوصف الكلّية.

وهذا هو سعد بن عبادة سيّد الخزرج، يخاطب سعد بن معاذ بقوله: «كذبت لعمر اللّه»([341])، وهذا هو أسيد بن حضير، وهو ابن عمّ سعد بن معاذ، يخاطب سعد بن عبادة بقوله: «كذبت لعمر اللّه والله لنقتلنّه فإنّك منافق»([342]).

غير أنّ المهم هو التفريق بين سبّ الصحابة ونقد حياتهم، فأسلوب السبّ والشتم غير أسلوب النقد، فالأول: وليد العصبيّة ونتاج الغيظ والحقد والهوى، وأمّا الثاني: فهو قائم على أسس صحيحة وموازين سليمة، وهو قبلة الطالبين للحقيقة.

10ـ قلتم: عن عبد الله بن عمرK، عن النبيّ’ قال: «خير الناس قرني ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم...»([343]).

أقول: إنّ هذا الحديث مهما صحّ سنده وإن رواه الإمام البخاري يخالف الواقع الملموس من تاريخ الصحابة والتابعين، ونحن نغضّ النظر عن تاريخ الصحابة ونعطف النظر إلى قوله: «ثمّ الذين يلونهم»، فالمراد منهم التابعون، وفيهم الأمويّون، فهل يمكن أن نعدّ عصر الأمويّين خير القرون؟! وقد لوّنوا وجه الأرض بدماء الأبرياء، وقتلوا سبط النبيّ عطشاناً في كربلاء، وذبحوا أولاده وأصحابه وسبوا النساء، وهتكوا حرمة الكعبة.

وهذا هو الحجّاج صنيعة أيديهم اقترف من الجرائم البشعة ما يندى لها جبين الإنسانيّة، ولا أطيل الكلام في ذلك، والتاريخ خير شاهد على كذب هذه الرواية ووضعها من قبل سماسرة الحديث، لتطهير الجهاز الحاكم الأموي ممّا ارتكبه.

ويكفي في ذلك ما علّقه أبو المعالي الجويني على هذا الحديث قائلاً: «وممّا يدل على بطلانه، أنّ القرن الذي جاء من بعده بخمسين سنة، شرّ قرون الدنيا، هو أحد القرون التي ذكرها في النصّ، وكان ذلك القرن هو القرن الذي قتل فيه الحسين، وأوقع بالمدينة، وحوصرت مكّة، ونقضت الكعبة وشربت خلفاؤه والقائمون مقامه والمنتصبون في منصب النبوّة الخمور، وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية، وليزيد بن عاتكة، وللوليد بن يزيد، وأريقت الدماء الحرام، وقتل المسلمون وسُبي الحريم، واستعبد أبناء المهاجرين والأنصار، ونقش على أيديهم كما ينقش على أيدي الروم، وذلك في خلافة عبد الملك وإمرة الحجاج.

وإذا تأمّلت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية، شرّاً كلّها، لا خير فيها، ولا في رؤسائها وأمرائها، والناس برؤسائهم وأمرائهم، والقرن خمسون سنة، فكيف يصحّ هذا الخبر»([344]).

نظرات في اتجاهات أهل السنة والشيعة ومناهجهم

قلتم: عند ذكر: «نظرات في اتجاهات أهل السنة والشيعة ومناهجهم»: >والشيعة يفهم من عقيدتهم أنّ النبيّبعث إلى عليّK، وأنّ اللّه عزّ وجلّ قد أمر وأعاد في الوصيّة لعلي وأنّ الأمر بالإبلاغ، أي إبلاغ الوصيّة، فلا يجوز أخذ العلم إلاّ منهK، إذن كلّ الدين المبلّغ من غيره ليس ديناً<.

حديث الوصاية يثبت منهج الإمامية

أقول: إنّ كان المراد من قولكم: أنّ الشيعة تعتقد بأنّ رسول اللّه قد بعث إلى عليّ وحده دون غيره، فهو باطل لم يذهب له أحد حتّى العوام من الشيعة.

وإن كان المراد بأنّ عليّاً هو الذي تربّى على يدي رسول اللّه’، وهو ثمرة جهوده ومستودع علومه وتعاليمه، والمتّبع لسننه وآدابه، فكان وصيّه والقائم مقامه من بعده، فهذا هو الحقّ الذي تدلّ عليه الأخبار النبويّة الصحيحة والآثار الثابتة عن الصحابة، فقد وصف فيها بالوصاية والوراثة وإليكم نماذج منها:

روى الطبراني بإسناده عن سلمان، قال: «قلت يا رسول اللّه: إنّ لكلّ نبي وصيّاً فمن وصيّك؟ ـ إلى أن قال: ـ فإنّ وصيّي وموضع سرّي وخير من أترك بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني، عليّ بن أبي طالب»([345]).

وروى أحمد بن حنبل عن أنس بن مالك، عن رسول اللّه’، قال: «وصيّي، ووارثي، يقضي ديني، وينجز موعدي، عليّ بن أبي طالب»([346]). روى ابن عساكر عن بريدة، عن النبيّ’: «لكلّ نبيّ وصيّ ووارث، وإنّ عليّاً وصيّي ووارثي»([347]).

روى الطبراني عن الحسن بن علي‘، قال: «خطب الحسن بن علي بن أبي طالب فحمد اللّه وأثنى عليه وذكر أمير المؤمنين عليّاًK خاتم الأوصياء ووصيّ خاتم الأنبياء»([348]).

رواه الهيثمي، وتعقبّه قائلاً: «ورواه أحمد باختصار كثير وإسناد أحمد وبعض طرق البزّار والطبراني في الكبير حسان»([349])، وروى قريباً منه أبو نعيم عن أنس([350]).

وروى الطبراني عن علي بن علي الهلالي، عن أبيه، قول رسول اللّه’ لفاطمة÷: «ووصيّي خير الأوصياء وأحبّهم إلى اللّه وهو بعلك»([351]).

قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه الهيثم بن حبيب، قال أبو حاتم: منكر الحديث وهو متّهم بهذا الحديث»([352]).

وقال في حديث آخر فيه الهيثم: «وأمّا الهيثم بن حبيب فلم أر من تكلّم فيه غير الذهبي اتّهمه بخبر رواه وقد وثّقه ابن حبان»([353]).

فيقع التعارض بين جرح أبي حاتم ـ وتبعه الذهبي ـ وتوثيق ابن حبان; لأنّ الذهبي قال في أبي حاتم: «وإذا ليّن رجلاً أو قال فيه: لا يحتجّ به، فتوقّف حتّى ترى ما قال غيره فيه، فإن وثّقه أحد فلا تبن على تجريح أبي حاتم، فإنّه متعنت في الرجال»([354]).

مضافاً إلى أنّ التضعيف الذي لم يذكر له مستند فغير مقبول.

كما قال النووي: «ولا يقبل الجرح إلاّ مفسّراً، وهو أن يذكر السبب الذي به جرح، ولأنّ الناس يختلفون فيما يفسق به الإنسان، ولعلّ من شهد بفسقه شهد على اعتقاده»([355]). وقريب منه عن ابن قدامة([356]).

قال ابن حجر بعد تضعيف الدارقطني يزيد بن أبي مريم: «هذا جرح غير مفسّر، فهو مردود»([357]).

قال الخطيب: «سمعت القاضي أبا الطيب طاهر بن عبد اللّه بن طاهر الطبري يقول: لا يقبل الجرح إلاّ مفسّراً، وليس قول أصحاب الحديث: فلان ضعيف، وفلان ليس بشي، ممّا يوجب جرحه وردّ خبره، وإنّما كان كذلك؛ لأنّ الناس اختلفوا فيما يُفسَّق به، فلابدّ من ذكر سببه لينظر هل هو فسق أم لا؟ قلت: وهذا القول هو الصواب عندنا وإليه ذهب الأئمّة من حفّاظ الحديث ونقّاده مثل محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري وغيرهما»([358]).

حديث الوصاية في كلمات الأصحاب والتابعين

وقد تواتر عن الصحابة واللغويّين، إطلاق الوصيّ على علي بن أبي طالب×، كما مرّ في رواية الطبراني وغيره عن سلمان الفارسي([359])، وهكذا عن أبي أيّوب الأنصاري([360])، وعلي المكّي الهلالي([361]).

وروى الخوارزمي عن علي×، قال لعدّة أرسلهم معاوية إلى علي×: «معاشر الناس أنا أخو رسول اللّه ووصيّه»([362]).

وهكذا في كتابه×إلى أهل مصر([363])، وفي احتجاجه على الخوارج([364])، وفي خطبته بعد انصرافه من صفّين([365]).

وروى الحاكم والهيثمي عن الإمام الحسن×([366])، والطبري وابن الأثير عن الإمام الحسين×([367]).

وروى ابن عساكر عن بريدة بن الحصيب بن عبد اللّه([368])، والخوارزمي عن ابن مردويه عن أمّ سلمة([369])، والكنجي الشافعي وابن الصباغ المالكي عن أبي سعيد الخُدري([370])، وأبي نعيم وغيره عن أنس بن مالك([371])، واليعقوبي عن مالك بن الحارث الأشتر([372])، والخوارزمي عن عمرو بن العاص([373]) والقندوزي عن عمر بن الخطاب([374])، والمسعودي عن ابن عباس([375]).

وهكذا روى الذهبي، وابن حجر، عن جابر بن يزيد الجعفي([376]).

والعجب من المزّي، حيث روى عن سعيد بن منصور، قال: «قال لي ابن عيينة: سمعت من جابر ستيّن حديثاً ما أستحلّ أن أروي عنه شيئاً، يقول: حدّثني وصيّ الأوصياء... أقلّ ما في أمره أن يكون حديثه لا يحتجّ به، إلاّ أن يروي حديثاً يشاركه فيه الثقات»([377]).

أقول: ما هو مراده من مشاركة الثقات إيّاه؟ هل مراده أمثال حريز بن عثمان الحمصي؟ وهو من رجال البخاري والأربعة([378])، الذي يروي المزّي عن أحمد بن حنبل بأنّه ثقة، ثقة، ثقة، وليس بالشام أثبت من حريز، وهكذا نقل وثاقته عن يحيى بن معين والمديني والعجلي([379]).

مع أنّه كان يلعن علي بن أبي طالب× صباحاً ومساءً، كما قال ابن حبّان فيه: «كان يلعن عليّاً بالغداة سبعين مرّة، وبالعشيّ سبعين مرة، فقيل له في ذلك؟ فقال: هو القاطع رؤوس آبائي وأجدادي»([380]).

أو المراد من الثقات هو مثل إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني من أئمة الجرح والتعديل عند أهل السنّة ومن رجال أبي داود، والترمذي والنسائي؟

قال المزّي: «إنّ أحمد بن حنبل يكرمه إكراماً شديداً» وقال النسائي: «ثقة»، وقال الدارقطني: «من الحفّاظ المصنّفين والمخرجين الثقات... وعدّه ابن حبان في الثقات، مع ذكره بأنّه كان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في الميل على علي وكان فيه انحراف عن علي»([381])، وقال ابن حجر في ترجمة (مصدع أبي يحيى الأعرج): «والجوزجاني مشهور بالنصب والانحراف»([382]).

أو خالد بن عبد اللّه القسري الذي روى عنه البخاري في خلق أفعال العباد وأبي داود([383])، وذكره ابن حبان في الثقات([384]).

قال أبو الفرج: «إنّ خالد القسري أحد ولاة بني أمية طلب من أحدهم أن يكتب له السيرة، فقال الكاتب: فإنّه يمرّ بي الشيء من سيرة علي بن أبي طالب صلوات الله عليه أفأذكره؟ فقال خالد: لا! إلاّ أن تراه في قعر جهنّم!!([385])، قال ابن كثير: قال ابن خلكان: كان متهماً في دينه وقد بنى لأمّه كنيسة في داره»([386]).

أو عمران بن حطّان من رجال البخاري وأبي داود والنسائي... قال العجلي: بصريّ، تابعيّ، ثقة، وقال أبو داود: «ليس في أهل الأهواء أصحّ حديثاً من الخوارج، ثمّ ذكر عمران هذا وغيره... وذكره ابن حبان في الثقات»([387]).

مع أنّ العقيلي صرّح بأنّ عمران بن حطّان كان من الخوارج([388])، وهو المادح لابن ملجم بقوله المشهور:

يا ضـربة من تقي ما أراد بـها

إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضواناً([389])

 

وقال ابن كثير: «وقد امتدح ابن ملجم بعض الخوارج المتأخّرين في زمن التابعين وهو عمران بن حطّان، وكان أحد العباد ممّن يروي عن عائشة، في صحيح البخاري، فقال فيه: يا ضربة من تقي...»([390]).

قال ابن قدامة بعد نقل شعر عمران بن حطّان في مدح قاتل علي بن أبي طالب: «وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم، واستحلال دمائهم وأموالهم واعتقاد التقرب بقتلهم إلى ربّهم»([391]).

هؤلاء قسم من ثقات أهل السنّة، ورواة الصحاح الستّة، وكم لهم من نظير!!!

وقفات وأسئلة

وهنا لنا عدة وقفات:

يا أخي العزيز! قد كان ببالي عدّة أسئلة، كلّما سألت إخواننا أهل السنّة فلم يجيبوني بما تقنع به نفسي، وأتفحّص عمّن يجيبني متجرّداً عن العصبيّة ومستنداً إلى الأدلّة فأقول:

1 ـ كيف يوثق من سب عليا×؟!

كيف يمكن توثيق من لعن علي بن أبي طالب× والرواية عنه في الصحاح، التي هي المناط في سنّة الرسول’، والمدار في استنباط الأحكام؟

فأين ذهب قول رسول اللّه’: «من سبّ عليّاً فقد سبّني».

وكيف خفي عنهم ما ورد عن أمّ سلمة، قولها لعبد اللّه الجدلي: «أيسبّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم) فيكم؟ قلت: معاذ اللّه!! أو سبحان اللّه!! أو كلمة نحوها! قالت: سمعت رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم) يقول: من سبّ عليّاً فقد سبّني»([392])، رواه الحاكم، قائلاً: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»([393])، ورواه الهيثمي وتعقبّه: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبد اللّه الجدلي وهو ثقة»([394]).

وما رواه الطبراني عنها، قالت: «أيسبّ رسول اللّه فيكم على رؤوس الناس؟ فقلت: سبحان اللّه! وأنّى يسبّ رسول اللّه؟ فقالت: أليس يسبّ علي بن أبي طالب ومن يحبّه، فأشهد أنّ رسول اللّه كان يحبّه»([395]).

قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الثلاثة وأبو يعلى ورجال الطبراني رجال الصحيح غير أبي عبد اللّه وهو ثقة. وروى الطبراني بعده بإسناد رجاله ثقات إلى أمّ سلمة عن النبيّ قال مثله»([396]).

وما ذكره ابن عبد ربّه عن أمّ سلمة زوج النبيّ’ في رسالتها إلى معاوية: «إنّكم تلعنون اللّه ورسوله على منابركم، وذلك أنّكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبّه، وأنا أشهد أنّ اللّه أحبّه ورسوله. فلم يلتفت إلى كلامها»([397]).

وبعد ذلك كلّه فانظر ما قيمة كلام ابن كثير، قائلاً: «أسانيدها كلّها ضعيفة لا يحتج بها؟»([398])، فهل هذا إلاّ جرح غير مفسّر مردود، ويا ليته كان يعيّن مَن من الرواة كان ضعيفاً فصارت الرواية به ضعيفة!

ولكنّه قد نقل بعد ذلك ما رواه مسلم عن زرّ بن حبيش، قال: «سمعت عليّاً يقول: والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبيّ إليّ أنّه لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق، ثمّ قال: وهذا الذي أوردناه هو الصحيح من ذلك واللّه أعلم»([399]).

2 ـ كيف حُكِم بقتل من سب أبا بكر ووثق من سب عليا×؟!

ما الفرق بين علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر؟ حيث إنّهم وثّقوا من سبّ عليّاً×!! ولكن حكموا بكفر كلّ من سبّ أبا بكر وعمر، وأفتوا بقتلهم; كما عن الفاريابي: «من شتم أبا بكر فهو كافر، لا أصلّي عليه، قيل له: فكيف تصنع به وهو يقول: لا إله إلا اللّه؟ قال: لا تمسّوه بأيديكم ارفعوه بالخشب حتّى تواروه في حفرته»([400]).

3 ـ هل خرج علي بن أبي طـالب× عن الصحابة؟

هل أنّ علي بن أبي طالب لم يكن من الصحابة ولذلك لم تشمله فتوى أبي زرعة: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب محمد فاعلم أنه زنديق»([401])؟ وقول السرخسي: «من طعن فيهم فهو ملحد، منابذ للإسلام، دواؤه السيف، إن لم يتب»([402]).

أو أنهم أفتوا بذلك لتكون وسيلة لقتل الشيعة فقط؟ كما قال ابن الأثير في حوادث (سنة 407 هـ): وفي هذه السنة قتلت الشيعة في جميع بلاد أفريقيا وذكر أن السبب في ذلك كونهم رافضة يسبون أبا بكر وعمر([403]).

فأصبح غير الشيعة حرٌّ في سبّ علي بن أبي طالب× وشتمه ولعنه في أعقاب الصلوات في الجمعة والجماعات، وعلى صهوات المنابر في شرق الأرض وغربها، حتّى في مهبط وحي اللّه، كما قال الحموي: «لُعن علي بن أبي طالب على منابر الشرق والغرب... منابر الحرمين مكّة والمدينة»([404]).

قال الزمخشري: >وأنّ بني أمية لعنوا علياً على منابرهم سبعين سنة، فما زاده الله إلاّ رفعة ونبلاً<([405])، وقال الحافظ السيوطي: «إنّه كان في أيّام بني أمية أكثر من سبعين ألف منبر يلعن عليها علي بن أبي طالب بما سنّه لهم معاوية من ذلك»([406]).

وهل سمع معاوية عن النبيّ’ حديثاً في فضل سبّ علي بن أبي طالب×، بحيث كان يقول لسعد: «ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟»([407]).

هذا في صحيح مسلم; ولكن فيما رواه ابن عساكر وابن كثير: «قال سعد لمعاوية: أدخلتني دارك وأقعدتني على سريرك ثم وقعت فيه تشتمه»([408]).

وفي كلام ابن أبي شيبة: «فأتاه سعد فذكروا عليّاً فنال منه معاوية فغضب سعد»([409]).

4 ـ كيف صار قاتل عثمان ملعونا وقاتل علي× متأولاً؟

ما الفرق بين الذين قتلوا عثمان والذي قتل علي بن أبي طالب×، حيث صار قتلة عثمان عند ابن حزم: «هم فسّاق، ملعونون، محاربون، سافكون دماً حراماً عمداً»([410]) وعند ابن تيمية: «قوم خوارج مفسدون في الأرض، لم يقتله إلاّ طائفة قليلة باغية ظالمة، وأمّا الساعون في قتله فكلّهم مخطئون، بل ظالمون باغون معتدون»([411]) وعند ابن كثير: أجلاف أخلاط من الناس، لا شكّ أنّهم من جملة المفسدين في الأرض، بغاة خارجون على الإمام، جهلة، متعنتون، خونة، ظلمة، مفترون([412]).

ولكن قاتل علي بن أبي طالب كان مجتهداً متأوّلاً، كما صرّح ابن حزم بقوله: «ولا خلاف بين أحد من الأمّة في أنّ عبد الرحمن ابن ملجم، لم يقتل عليّاًK إلاّ متأوّلاً مجتهداً مقدراً أنّه على صواب، وفي ذلك يقول عمران بن حطان شاعر الصفرية:

يا ضربة من تقي ما أراد بها

 

إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضواناً

إنّي لأذكره حيناً فأحسبه

 

أوفى البريّة عند اللّه ميزاناً([413])

وهكذا في كتاب الأمّ للشافعي ومختصر المزني والمجموع للنووي ومغني المحتاج والجوهر النقي([414]).

حتى بلغ الأمر إلى ما صار قوام حكومتهم بسبّ علي بن أبي طالب× كما روى ابن عساكر عن علي بن الحسين، قال: «قال مروان بن الحكم: ما كان في القوم أحد أدفع عن صاحبنا من صاحبكم يعني علياً عن عثمان، قال: قلت: فما لكم تسبونه على المنبر، قال: لا يستقيم الأمر إلا بذلك»([415]).

وقال البلاذري: «قال مروان لعلي بن الحسين: ما كان أحد أكفّ عن صاحبنا من صاحبكم. قال: فلِمَ تشتمونه على المنابر؟!! قال: لا يستقيم لنا هذا إلا بهذا!!»([416]).

فأين ذهب قول الرسول’ «سِباب المسلم فسوق»([417])، أو يحكمون بعدم إسلامه أو خروجه عن الإسلام! نستجير باللّه من شرور أنفسنا.

علي بن أبي طالب أعلم الصحابة

أمّا قولكم: >فلا يجوز أخذ العلم إلاّ منهK، إذن كلّ الدين المبلّغ من غيره ليس ديناً<.

فنقول: أولاً: هذا نصّ كلام النبيّ’ بأنّ عليّاً باب علمه فمن أراده فليأت منه، كما روى الطبراني بإسناده عن ابن عباس، قال: «قال رسول اللّه: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأته من بابه»([418])، وذكره الحاكم بعدّة طرق وصحّحه([419])، وهكذا ذكره المتقي في كنز العمال مع القول بصحّته([420]).

وهكذا قوله’ لعلي: «أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي».

رواه الحاكم عن أنس بن مالك، ثمّ عقّبه: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»([421]).

ونزول قوله تعالى: {وتعيها أذن واعية} فيه، كما ذكره الطبري والسيوطي والقرطبي وغيرهم([422]).

وروى ابن عساكر عن أمير المؤمنين علي×: «نشدتكم باللّه، أفيكم أحد دعا رسول اللّه له في العلم، وأن تكون أذنه الواعية مثل ما دعا لي؟ قالوا: اللهم لا»([423]).

وثانياً: روى البخاري عن عمرK، قال: «أقرؤنا أبيّ وأقضانا عليّ»([424])،

 ولا شكّ بأنّ كونه أقضى الناس يدلّ على أوسعيّة علمه.

وقال ابن عباس: «لقد أعطي علي تسعة أعشار العلم وايم اللّه لقد شاركهم في العشر العاشر»([425]).

وقال ابن عباس: «أعطي علي تسعة أعشار العلم، وواللّه لقد شاركهم في العشر الباقي»([426]).

وعن ابن عباس أيضاً: «إذا ثبت لنا الشيء عن علي لم نعدل عنه إلى غيره»([427]).

وثالثاً: لم يجرؤ أحد من الصحابة أن يقول: سلوني، غير علي بن أبي طالب× كما روى الحاكم عن عامر بن واثلة، قال: «سمعت علياًK قام فقال: سلوني قبل أن تفقدوني ولن تسألوا بعدي مثلي... هذا حديث صحيح، عال»([428]).

وقال سعيد بن المسيب: «لم يكن أحد من الصحابة يقول: سلوني إلاّ عليّ بن أبي طالب»([429]).

ورابعاً: كان عمر يتعوذّ باللّه من معضلة ليس فيها أبو الحسن([430]).

وقال: «لولا علي لهلك عمر»([431]).

وخامساً: قال النووي: «وسؤال كبار الصحابة له ورجوعهم إلى فتاويه وأقواله في المواطن الكثيرة والمسائل المعضلات، مشهور»([432]).

رجوع الأصحاب إلى علي× وعدم رجوعه إليهم

سادساً: ما ذكروا من جهل الأصحاب وكبارهم بالأحكام ورجوعهم إلى غيرهم، وعدم رجوع علي إلى أحد من القوم، كما قال ابن حزم: «ووجدناهم [الصحابة] رضي الله عنهم يقرون ويعترفون بأنهم لم يبلغهم كثير من السنن، وهكذا الحديث المشهور عن أبي هريرة: أنّ إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على أموالهم، وهكذا قال البراء: حدثنا محمد بن سعيد بن نبات، ثنا أحمد بن عون، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، ثنا محمد بن المثنى العنزي، ثنا أبو أحمد الزبيري وسفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب، قال: أما كلّ ما نحدثكموه سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن حدثنا أصحابنا وكانت تشغلنا رعية الإبل.

وهذا أبو بكر رضي الله عنه لم يعرف فرض ميراث الجدة، وعرفه محمد بن مسلمة، والمغيرة بن شعبة، وقد سأل أبو بكرK عائشة في كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا عمر رضي الله عنه يقول في حديث الاستئذان: أخفي عليَّ هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألهاني الصفق في الأسواق. وقد جهل أيضاً أمر إملاص المرأة وعرفه غيره...

وسأل عمر أبا واقد الليثي عما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاتي الفطر والأضحى. وهذا وقد صلاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أعواماً كثيرة، ولم يدر ما يصنع بالمجوس»([433]).

ومع الغضّ عن جميع ذلك، فلا شكّ عند أهل العلم المنصفين بأنّ علي بن أبي طالب× تربّى في حجر النبيّ ’, وعاش تحت كنفه, وظلّ معه إلى أن انتقل إلى ربّه، ولو كان عليّ قد حفظ كلّ يوم عن النبيّ حديثاً واحداً، لبلغ ما حفظه أكثر من اثني عشر ألف حديث.

قال أبو رية: «أوّل من أسلم وتربّى في حجر النبيّ وعاش تحت كنفه قبل البعثة واشتدّ ساعده في حضنه وظلّ معه إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، لم يفارقه، لا في سفر ولا في حضر، وهو ابن عمّه وزوج ابنته فاطمة الزهراء÷... ولو كان عليK قد حفظ كلّ يوم عن النبيّ، وهو الفطن اللبيب الذكيّ الحافظ، ربيب النبيّ، حديثاً واحداً وقد قضى معه رشيداً أكثر من ثلث قرن، لبلغ ما كان يجب أن يرويه أكثر من اثني عشر ألف حديث... قد أسندوا له ـ كما روى السيوطي ـ 586 حديثاً، وقال ابن حزم: لم يصحّ منها إلاّ خمسون حديثاً، ولم يرو البخاري ومسلم منها إلاّ نحواً من عشرين حديثاً»([434]).

ومع الأسف الشديد لم يرو البخاري عن علي بن أبي طالب× إلاّ تسعة وعشرين حديثاً([435]) وروى عن أبي هريرة أربعمائة وستة وأربعين حديثاً([436]).

لم تكن خلافة أبي بكر شورى بين المسلمين وإجماعا عندهم

قلتم: >إنّ أهل السنّة يعتقدون أن ّ الإمامة أمر اصطلاحيّ شوريّ، للأمّة أن تختار من تراه أهلا لذلك، ليحكمها بالقرآن والسنّة ولا حرج في الاختلاف في مجالات الفهم<.

أقول: أولاً: هذا مخالف لما جاء من كبار علماء أهل السنّة كالماوردي الشافعي المتوفى سنة 450هـ، وأبي يعلى الفراء الحنبلي المتوفى سنة 458هـ: «فقالت طائفة: لا تنعقد (أي الإمامة) إلاّ بجمهور أهل العقد والحلّ من كلّ بلد، ليكون الرضا به عامّاً، والتسليم لإمامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكرK على الخلافة باختيار من حضرها، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها»([437]).

وقال القرطبي المتوفى سنة 671هـ: «فإن عقدها واحد من أهل الحلّ والعقد فذلك ثابت، ويلزم الغير فعله، خلافاً لبعض الناس حيث قال: لا ينعقد إلاّ بجماعة من أهل الحلّ والعقد، ودليلنا: أنّ عمر (رض) عقد البيعة لأبي بكر»([438]).

وقال إمام الحرمين المتوفى سنة 478هـ، شيخ الغزالي: «اعلموا أنّه لا يشترط في عقد الإمامة الإجماع; بل تنعقد الإمامة وإن لم تجمع الأمّة على عقدها، والدليل عليه أنّ الإمامة لمّا عقدت لأبي بكر ابتدر لإمضاء أحكام المسلمين، ولم يتأنَّ لانتشار الأخبار إلى من نأى من الصحابة في الأقطار، ولم ينكر منكر، ولم يحمله على التريّث حامل.

فإذا لم يشترط الإجماع في عقد الإمامة، لم يثبت عدد معدود ولا حدّ محدود، فالوجه الحكم بأنّ الإمامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحلّ والعقد»([439]).

وقال عضد الدين الإيجي المتوفى سنة 756: «وإذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار والبيعة، فاعلم أنّ ذلك لا يفتقر إلى الإجماع، إذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع، بل الواحد والاثنان من أهل الحلّ والعقد كاف، لعلمنا أنّ الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك، كعقد عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجتماع مَن في المدينة فضلاً عن اجتماع الأمّة. هذا ولم ينكر عليهم أحد، وعليه انطوت الأعصار إلى وقتنا هذا»([440]).

وقال ابن العربي المالكي المتوفى سنة 543: «لا يلزم في عقد البيعة للإمام أن تكون من جميع الأنام بل يكفي لعقد ذلك اثنان أو واحد»([441]).

هل هؤلاء الأعلام ليسوا من أهل السنّة؟! {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ}.

لماذا لم تفوض خلافة عمر بن الخطاب إلى الأمة؟

وثانياً: لو كانت الإمامة أمراً شوروياً للأمّة وتختار من تراه أهلاً، لماذا لم يعمل بذلك أبو بكر، ولم يفوّض الأمر ـ بعد خلافته ـ إلى الأمّة; بل عيّن عمر بن الخطاب، مع ما ورد من اعتراض الصحابة عليه، كما روى ابن أبي شيبة: «أنّ أبا بكر حين حضره الموت أرسل إلى عمر يستخلفه، فقال الناس: تستخلف علينا فظّاً غليظاً، ولو قد ولينا كان أفظّ وأغلظ، فما تقول لربك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر؟ قال أبو بكر: أبربّي تخوّفونني؟ أقول: اللهمّ استخلفت عليهم خير خلقك، ثمّ أرسل إلى عمر فقال: إنّي موصيك بوصية...»([442]).

وهكذا قال الإمام محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي المتوفى 763: «لمّا استخلف أبو بكر عمر رضي اللّه عنهما، قال لمعيقيب الدوسي: ما يقول الناس في استخلاف عمر؟ قال: كرهه قوم ورضيه قوم آخرون. قال: الذين كرهوه أكثر أم الذين رضوه؟ قال: بل الذين كرهوه...»([443]).

فمع علمه بأنّ أكثر الناس غير راضين به، كيف فرضه عليهم، ولم يمنحهم الحريّة في انتخاب من شاؤوا لرئاسة الحكم، وكان الأجدر به أن يستجيب لعواطف الأكثريّة الساحقة من المسلمين فلا يولّي عليهم أحداً إلاّ بعد أخذ رضاهم واتفاق الكلمة عليه، أو يستشير أهل الحل والعقد عملاً بقاعدة الشورى.

ولماذا حصرها عمر في ستّة، وجعل شروطاً بحيث ينتهي الأمر إلى عثمان لا غيره؟ وهل يطلق على هذا شورى الأمّة؟!

أم المؤمنين ترفض الشورى في الإمامة

وثالثاً: قولكم: «بأنّ أهل السنّة يعتقدون أن ّ الإمامة أمر اصطلاحيّ شوري للأمّة» مخالف لما روى مسلم وغيره عن حفصة بأنّها قالت لابن عمر: «أعلمت أنّ أباك غير مستخلِف؟! قال: قلت: ما كان ليفعل. قالت: إنّه فاعل، قال: فحلفت أنّي أكلّمه في ذلك، فسكتّ حتّى غدوت ولم أكلّمه، قال: فكنت كأنّما أحمل بيميني جبلاً حتّى رجعت، فدخلت عليه، فسألني عن حال النّاس وأنا أخبره، قال: ثمّ قلت له: إنّي سمعت النّاس يقولون مقالةً فآليت أن أقولها لك، زعموا أنّك غير مستخلِف وإنّه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثمّ جاءك وتركها رأيت أن قد ضيّع، فرعاية النّاس أشدّ»([444]).

وهكذا قول عائشة أمّ المؤمنين لابن عمر: «يا بنيّ! أبلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع أمّة محمد بلا راع، استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملاً، فإنّي أخشى عليهم الفتنة، فأتى عبد اللّه فأعلمه»([445]).

السنة تنفي الشورى في الإمامة

ورابعاً: إذا كانت الإمامة شورى عند أهل السنّة، فماذا تقولون فيما ذكره ابن حبّان وابن كثير وغيرهما بأنّ النبيّ أيضاً ليس له نصيب في تعيين الإمامة؛ بل هي بيد اللّه فقط؟

نقرأ معاً ما ذكر في هذه القضيّة:

«ثمّ أتى [أي النبيّ’] بني عامر بن صعصعة في منازلهم فدعاهم إلى اللّه، فقال قائل منهم: إن اتّبعناك وصدّقناك فنصرك اللّه، ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال رسول اللّه’: الأمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء. فقالوا: أتهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرت كان الأمر في غيرنا؟ لا حاجة لنا في هذا من أمرك»([446]).

ما يدل على وصاية علي بن أبي طالب×

وقولكم: «وأمّا أهل التشيّع فإنّه يفهم من عقيدتهم أنّه يجب على اللّه أن ينصب إماماً وأنّ هذا الإمام هو عليKمع أنّه لم يرد في القرآن، ولا في السنّة أيّ لفظ في ذكر الإمامة أو الوصاية وإنّما هي عمومات قابلة للتأويل على أوجه».

فنقول: أمّا ورود قضيّة إمامة علي بن أبي طالب في السنّة، فمن راجع حديث «الدار يوم الإنذار» وحديث «المنزلة» وحديث «الغدير» وحديث «الثقلين» وحديث «السفينة» وحديث «وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي» وحديث «أنا مدينة العلم وعليّ بابها» وحديث «المؤاخاة» وحديث «تبليغ سورة براءة» وحديث «سدّ الأبواب» وحديث «باب حطّة» و«حديث الراية» وغيرها عشرات، بل مئات النصوص في ذلك، يتيقن بنصّ النبيّ على إمامة علي بن أبي طالب×.

حديث الدار يثبت خلافة علي×

وقد صُرّح في بعض تلك الأحاديث على كونه الخليفة من بعده، كحديث الدار الذي قال فيه علي×: «فأخذ برقبتي ثمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا!، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع»([447]).

هل هذا من العمومات القابلة للتأويل؟ لو كان كذلك لماذا لم تؤولها قريش؟ بل استفادوا منها النص في الخلافة، فطعنوا على أبي طالب.

نعم، هذا قابل للتحريف، كما فعله محمد حسنين هيكل في كتابه حياة محمد، حيث ذكر الحديث في كتابه (حياة محمد) ص 104 من الطبعة الأولى سنة 1354 هـ ولكنّه في الطبعة الثانية (ص139) وما بعدها من الطبعات قد مسخ الحديث المذكور وحرّف منه كلمة «ووصيّي وخليفتي».

وجاء الحديث أيضاً بتمامه في الجريدة السياسيّة المصريّة لمحمد حسنين هيكل، ملحق عدد 2751، بتاريخ 12 ذي القعدة 1350 هـ ص5. وملحق عدد 2785 ص6.

كما أنّه ذكر ابن أثير الجزري في أسد الغابة: 4/25 طبعة الوهبيّة بمصر، بأنّ قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} نزل في علي×حين بات على فراش رسول اللّه. ولكن في تصوير هذه الطبعة (بالأوفست) في المكتبة الإسلامية لصاحبها الحاج رياض الشيخ ـ نسختها موجودة في مكتبتي ـ ابدلت بخط اليد لا بالآلة الطابعة من «بات على فراشه» إلى «بال على فراشه»!!!! إهانةً لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب×، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون! ممّا تصنع يد العداوة والعناد والنصب.

تصحيح سند حديث الدار

لقد صرّح بصحّة سند حديث الدار جمع من العلماء كابن جرير الطبري فيما نقله المتقي في كنز العمال: 13/128 ر 36408، والهيثمي في مجمع الزوائد: 8/302، وأبي جعفر الإسكافي كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 13/243، والحاكم في مستدرك الصحيحين: 3/132 والذهبي في تلخيص المستدرك، ـ في حديث طويل ـ والشهاب الخفاجي في شرحه على الشفا للقاضي عياض، نسيم الرياض: 3/35، وورود الرواية في كتاب المختارة للضياء المقدسي الذي التزم فيه بأن لا يروي في كتابه هذا إلاّ الروايات الصحيحة المعتبرة، كما صرّح بذلك جمع، كعبد اللّه بن الصديق المغربي في ردّ اعتبار الجامع الصغير: 42، وقال ابن حجر: «ابن تيمية يصرّح بأنّ أحاديث المختارة أصحّ وأقوى من أحاديث المستدرك»([448]).

حديث الولاية وخلافة علي×

وهكذا حديث الولاية الذي صرّح بصحّته الحاكم عندما ذكر قضيّة جيش اليمن وقصّة الشكوى على عليّ وقول رسول اللّه’: «إنّ عليّاً منّي وأنا منه وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي». قال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»([449]).

وهل هذا من العمومات القابلة للتأويل؟ فما الفرق بين هذه الكلمة في لسان النبيّ’ وبين هذه في لسان عمر بن الخطاب (رض)، حيث قال: «فلمّا توفّي رسول اللّه (صلّى الله عليه وسلّم) قال أبو بكر: أنا وليّ رسول اللّه، فجئتما... فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً... ثمّ توفّي أبو بكر فقلت: أنا وليّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ووليّ أبي بكر، فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً»([450]).

وهكذا في كلام أبي بكر في كتابته لخلافة عمر في مرضه، قائلاً: «إني قد ولّيت عليكم عمر»([451]). وفى كلام عمر بن خطاب أيضاً: «لو أدركت سالم مولى أبي حذيفة لولّيته واستخلفته»([452]).

حديث الثقلين والإنقاذ من الضلالة

وهكذا حديث الثقلين: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي» الذي ورد في صحيح مسلم وصرّح بصحته الحاكم والذهبي وابن كثير في التفسير والسيرة والبغوي في المصابيح والألباني في الصحيح وغيرهم([453]).

وجعل رسول اللّه’ أهل بيته عدلاً للقرآن والتمسك بهم منقذاً عن الضلالة; كما قال المُنَاوي: «قوله: أولاً (إنّي تارك فيكم) تلويح بل تصريح بأنّهما كتوأمين خلّفهما ووصّى أمّته بحسن معاملتهما وإيثار حقّهما على أنفسهم والاستمساك بهما في الدين»([454]).

 وقال التفتازاني بعد نقل حديث صحيح مسلم: «ألا ترى أنّه عليه الصلاة والسلام قرنهم بكتاب اللّه تعالى في كون التمسك بهما منقذاً من الضلالة، ولا معنى للتمسك بالكتاب إلاّ الأخذ بما فيه من العلم والهداية فكذا في العترة»([455]).

قال الدكتور عصام العماد([456]): «إنّنا نعتقد أنّ مذهب الاثني عشرية يطير بجناحين، أحدهما: حديث الثقلين، والجناح الآخر: حديث الاثني عشر. وما لم تدرك الوهابيّة هذين الحديثين، لا يمكن لها أن تفهم حقائق وخصائص المذهب الاثني عشري»([457]).

فلا شكّ في أنّ المراد بأهل البيت(علیهم السلام) هم الذين نزلت فيهم آية التطهير وهم علي وفاطمة والحسن والحسين، فلا يشمل غيرهم من بني هاشم، كما لا يشمل نساء النبيّ’ لما صرّح بذلك في صحيح مسلم([458]).

كما نقله الترمذي وغيره عن أمّ سلمة، أنّ النبيّ’ جلل على الحسن والحسين وعلى وفاطمة كساء، ثمّ قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامّتي; أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول اللّه؟ قال: إنّك على خير. هذا حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب»([459]). ورواه الحاكم قائلاً: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه»([460]). وقال بعد نقل رواية أخرى بعد ذلك: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»([461]).

وهكذا رواه أحمد والطبراني والسيوطي عن أمّ سلمة أنّها قالت: «فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي، وقال: إنّك على خير»([462]).

فمن يقول بدخولهنّ فيهم فقد أراد أن يجذب الكساء من يد النبيّ’ فيدخل نساءه تحته.

حديث «علي مع الحق والحق مع علي»

وهكذا حديث «عليّ مع الحق والحق مع علي». رواه الهيثمي عن أبي سعيد الخدري، قائلاً: «ورجاله ثقات»([463]) وروى أيضاً عن سعد بن أبي وقاص وأم سلمة ثمّ قال: «رواه البزّار، وفيه سعد بن شعيب ولم أعرفه، وبقيّة رجاله رجال الصحيح»([464])، وروى الخطيب عن أبي ثابت مولى أبي ذر([465]) وروى أبو جعفر الإسكافي عن عمّار بن ياسر([466])، وروى ابن كثير عن أبي سعيد وأم سلمة([467]).

وروى الحاكم عن علي× قال: «قال رسول اللّه: رحم اللّه عليّاً، اللهمّ أدر الحق معه حيث دار»، ثمّ قال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»([468]).

وقال الإمام الفخر الرازي: «من اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى؛ والدليل عليه قوله×: اللهم أدر الحق مع عليّ حيث دار»([469]).

روى الحاكم عن أمّ سلمة، قالت: «سمعت رسول اللّه يقول: علي مع القرآن والقرآن معه، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض». ثمّ قال: «هذا حديث صحيح الإسناد وأبو سعيد التيمي هو عقيصاء ثقة مأمون ولم يخرجاه»([470]).

وأرجو من سماحتكم أن تنظر بعين الإنصاف إلى كلام ابن تيميّة حول هذه الرواية; حيث قال ردّاً على العلاّمة: «عليّ مع الحقّ والحق معه يدور حيث دار، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، من أعظم الكلام كذباً وجهلاً; فإنّ هذا الحديث لم يروه أحد عن النبيّ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف»([471]).

فتعرف بعد ما ذكرناه قيمة كلام ابن تيمية; إلاّ أن يقال بأنّ علي بن أبي طالب× وعائشة وأمّ سلمة وسعد بن أبي وقّاص، لم يكونوا من الصحابة والهيثمي والحاكم وابن كثير والخطيب والرازي، ليسوا من العلماء.

مقارنة منهج أهل السنة في قبول الروايات مع منهج الشيعة

 قلتم: >منهج أهل السنّة في قبول الروايات منهج حازم فإنّهم قد دوّنوا تراجم جميع الرواة وحكموا عليهم من خلال مرويّاتهم، فما قبله ميزان الجرح والتعديل قبلوه، وما خالفه ردّوه، وهذه قاعدة من خالفها أعادوه إليها. ولا يوجد لدى أهل التشييع مثل ذلك.

وبإمكانك أن تأخذ عدداً من أوّل أيّ كتاب من كتب التراجم لدى أهل السنّة وعدداً مماثلاً من كتب التراجم عند الشيعة وقارن بين المعلومات المدوّنة عندهما... < ثمّ أخذتم بمقارنة كتاب تهذيب الكمال مع كتاب مجمع الرجال.

 أقول: إنّ الكتب المؤلّفة في علم الرجال عند الفريقين مختلفة ومتنوعة، بعضها مختصرة يختصّ بذكر الراوي ووثاقته أو ضعفه فقط، من دون ذكر مشايخه وتلاميذه ومؤلّفاته وتاريخ ولادته ووفاته، كالتاريخ الكبير للبخاري المتوفّى سنة 256 هـ، حيث اكتفى في كثير من التراجم بذكر الرجل فقط كما في ترجمة:

1ـ إبراهيم بن إسحاق، سمع الحسن قوله، سمع منه الوليد بن أبي الوليد.

2ـ إبراهيم بن إسحاق عن طلحة بن كيسان روى عنه علي بن أبي بكر.

3ـ إبراهيم أبو إسحاق عن ابن جريح سمع منه وكيع، معروف الحديث.

ومنها: كتاب (تاريخ الثقات) للعجلي المتوفى سنة 261 هـ.

ومنها: كتاب (تاريخ أسماء الثقات) لابن شاهين المتوفى سنة 385 هـ.

ومنها: كتاب (الضعفاء والمتروكين) لابن الجوزي المتوفى سنة 597 هـ. وغير ذلك من الكتب.

كما أنّ بعض الكتب المؤلفّة في علم الرجال مفصّلة، كتاريخ بغداد للخطيب المتوفى سنة 463 هـ، وتهذيب الكمال للمزّي المتوفى سنة 742 هـ وسير أعلام النبلاء، للذهبي المتوفى سنة 748 هـ وغيرها.

أمّا الكتب الرجاليّة عند الشيعة؛ فهي أيضاً فيها ما هو مختصر كرجال البرقي المتوفى سنة 274 هـ، ورجال ابن داود المتوفى سنة 707 هـ، وخلاصة الأقوال للعلاّمة الحلّي المتوفى سنة 726هـ.

وبعضها متوسّط كرجال الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 هـ، المتضمّن لكلّ من روى عن الأئمّة المعصومين(علیهم السلام) وكتاب الفهرست له، ورجال النجاشي المتوفى سنة 450 هـ، المختصّين بذكر كلّ من له كتاب، ورجال الكشّي المتوفّى بعد سنة 300هـ، المختصّ بذكر الروايات الواردة في حقّ الراوي مدحاً وذمّاً، ومنهج المقال للاسترابادى المتوفى سنة 1028هـ، ونقد الرجال للتفرشي 1044هـ.

ومفصّل كجامع الرواة للأردبيلي المتوفّى 1100هـ، وتنقيح المقال للمامقاني المتوفّى سنة 1351هـ، وأعيان الشيعة للسيّد الأمين المتوفّى سنة 1371هـ، ومعجم رجال الحديث للسيّد الخوئي المتوفّى سنة 1414هـ.

أيّها الأخ العزيز، من أراد المقارنة بين كتابين فلابدّ أن تكون بين كتابين في مستوى واحد، والمقايسة بين كتاب مختصر ومفصّل في فنّ واحد، بعيد عن الإنصاف.

فعلى هذا إذا أردتم المقارنة، فخذ كتاب تهذيب الكمال وكتاب معجم رجال الحديث فقايس بينهما؛ وسوف يتبيّن لكم أنّ في معجم الرجال مميّزات لا توجد لا في تهذيب الكمال ولا في غيره من الكتب الرجاليّة لأهل السنّة.

ولا بأس أن نشير إلى بعض مختصّات هذا الكتاب:

1ـ ذكر في بداية الكتاب مقدمّة في الفوائد الرجاليّة التي لا غنى للباحث عنها.

2ـ قد نقل في ترجمة كلّ رجل، نصّ كلمات الرجاليّين القدامى كالنجاشي والكشّي والطوسي والعلاّمة وابن داود والبرقي بحيث يستغني الباحث عن مراجعة هذه الكتب.

3ـ تصدّى لذكر ما يستدلّ به على وثاقة الراوي أو ضعفه بنمط علميّ دقيق بعد نقل كلّ ما ذكر من الأدلّة والقرائن والمناقشة فيهما.

وإن لم يرد في حقّ راو توثيق ولا تضعيف، سكت عنه، وعنى بهذا أنّه مجهول الحال.

4ـ ذكر في الرواة المشتركين بين الثقة وغيره كلّ ما يحصل به التمييز: من الراوي والمرويّ عنه، وقرائن الزمان، ودراسة الأسانيد وملاحظتها.

5ـ ذكر ما كان للراوي من الأسماء والعناوين المتعدّدة الواقعة في الكتب الروائيّة والرجاليّة تحت رقم مستقلّ مع الإشارة عند كلّ اسم أو عنوان إلى أنّه متّحد مع الاسم أو العنوان الآخر أو محتمل الاتّحاد مع آخر.

كما قال في أحمد بن محمد بن خالد بأنّه متّحد مع:

* أحمد بن محمد بن خالد البرقي

* أحمد بن أبي عبد اللّه.

* أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي

* ابن البرقي.

* البرقي([472]).

6ـ ذكر عند ترجمة كلّ راو شيوخه وتلاميذه كافّة، مضافاً إلى عدد وروده في أسانيد الروايات، كما قال في أحمد بن محمد بن خالد: «وقع بعنوان أحمد بن محمد بن خالد في أسناد جملة من الروايات تبلغ زهاء ثمانمائة وثلاثين مورداً:

فقد روى عن أبي إسحاق الخفّاف، وأبي البختري، وأبي الجوزاء و... وروى عنه سعد بن عبد اللّه، وسهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم و...»([473]).

كذا قال في ذكر هذا الراوي بعنوان أحمد بن أبي عبد اللّه: «وقع بهذا العنوان في أسناد كثير من الروايات تبلغ ستّمائة رواية: روى عن أبي الحسن الرضا×، وأبي أيّوب المديني و... وروى عنه أبو علي الأشعري، وأحمد بن إدريس و...»([474]).

7ـ ذكر في آخر كلّ مجلّد تحت عنوان: (تفصيل طبقات الرواة)، عنوان كلّ راو كثير الرواية، مع تعيين مواضع رواياته في الكتب الأربعة، (من الجزء ورقم الحديث أو الكتاب والباب) وذكر جميع من روى عنه هذا الراوي وجميع من يروي عنه; بحيث يحصل به التمييز الكامل بين المشتركات غالباً.

8ـ أشار إلى اختلاف النسخ والكتب في أسامي الرواة وعناوينهم وما وقع فيها من التصحيف والتحريف وأثبت الصحيح منها استناداً إلى أدلّة مقنعة.

أخوك  د. الحسيني القزويني

1/ شعبان المعظم/ 1424هـ


لقاء آخر مع الدكتور أحمد بن سعد حمدان الغامدي

في اليوم السابع من شهر رمضان سنة 1425هـ جاءني الدكتور حمدان إلى محل إقامتي واصطحبني إلى بيته، وقبل الإفطار جرى بيني وبينه كلام حول بعض المسائل نشير إليها باختصار:

قال: متى دُوّنت الكتب الرجاليّة للشيعة؟

قلت: كتاب رجال البرقي أقدم كتاب رجالي للشيعة قد ألّف قبل سنة 270 هـ، وهو مطبوع، ويليه كتاب رجال الكشّي الذي ألّف حوالي سنة300هـ، وكتاب رجال النجاشي المتوفى450 هـ، ورجال الشيخ الطوسي المتوفى سنة460 هـ وألّفه قبل كتاب رجال النجاشي.

هذه هي الكتب المطبوعة والموجودة بين أيدينا، وأما الكتب المؤلّفة في زمن الأئمّة(علیهم السلام) أو التي لم تصل إلينا فهي كثيرة جدّاً، فمثلاً: عبيد اللّه بن أبي رافع من التابعين، وكان كاتباً لأمير المؤمنين× له كتاب: (من شهد معه الجمل وصفّين والنهروان من الصحابة).

ثمّ قال: إن اثنين من طلابي في جامعة أمّ القرى يريدان كتابة رسالة الدكتوراه حول (مصادر التلقي عند الشيعة) وأن الشيعه من أين يأخذون الدين؟

وهما يرغبان بالرجوع إلى المصادر الأصليّة للشيعة، فأيّ الكتب ترشدون إليها حتى نوصيهم بمراجعتها؟

فقلت: أما الكتب الروائيّة للشيعة فهي الكتب الأربعة (الكافي، من         لا يحضره الفقيه، التهذيب، الاستبصار) وكتاب وسائل الشيعة الذي يعد كتاباً أساسياً يرجع إليه فقهاء الشيعة في الأبحاث الفقهية، لدقته في التبويب الفقهي واستقصائه للروايات.

وأما الكتب الكلاميّة والعقائدية فمنها تأليفات الشيخ الصدوق في هذا المجال نظير كتاب التوحيد، وتأليفات السيّد المرتضى علم الهدى، والشيخ المفيد وغيرهم.

وبالنسبة إلى الكتب الرجاليّة فمنها كتاب معجم رجال الحديث للسيّد الخوئي، وقاموس الرجال للتستري، وتنقيح المقال للمامقاني، بالإضافة إلى ما ذكرته لك من الكتب.

حوار حول التوسل([475])

بعد تناول طعام الإفطار جرى بيني وبينه حوار حول التوسل بالنبي’ والصالحين.

حيث قال الدكتور أحمد الغامدي: باب اللّه مفتوح للجميع فلا نحتاج إلى الواسطة، كما قال اللّه تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}.

ثمّ قال: فإذا قال الملك بأنّ بابي مفتوح لمن أرادني فلايحتاج أن نتوسّل إلى رئيس مكتبه أو إلى أحد من الضباط لمقابلته، بل يعد ذلك التوسل من الحماقات.

فأجبته: بأنّ هذا الكلام غير صحيح، بل الكتاب والسنّة يثبتان خلاف ذلك، حيث نرى أنّ إخوة يوسف طلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم بقولهم: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا}، فأجابهم: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ}([476])، ولم يقل لهم إنّ باب اللّه مفتوح فاستغفروا اللّه ليغفر لكم.

وهكذا قال اللّه عزّ وجلّ في حقّ النبيّ المكرم’: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً}([477]).

فقال الدكتور: إنّ هذه الآية نزلت في حقّ المنافقين.

قلت: هل أن باب اللّه المفتوح، مغلق على المنافقين وكتب عليه: ممنوع دخول المنافقين.

ثم قال: إنّ هذا مختصّ بمن يأتي إلى رسول اللّهويطلب منه أن يستغفر له، بقرينة قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ} ولا يشمل الغائب، ولا الذين يتوسلون به بعد وفاته; لأنّه بعد وفاته لايقدر على شيء.

قلت: إنّ كلامكم هذا مخالف لقولكم: بأنّ باب اللّه تعالى مفتوح ولا يحتاج أحد أن يتوسّل بالنبي أو غيره للوصول إليه.

مضافاً إلى أنّ جميع المسلمين يقولون في صلاتهم: «السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة اللّه ورحمة»، والنبى’ بإذن اللّه وقدرته تعالى يسمع سلام المصلين ويجيبهم.

فاللّه الذي أعطاه هذه القدرة قادر على أن يعطيه القدرة ليسمع استغاثة الناس من بعيد ليستغفر اللّه لهم.

فأجاب: عندنا روايات بأنّ النبيّ’ قال: «ما من أحد يسلم عليّ إلاّ ردّ اللّه عزّ وجل إليّ روحي حتى أرد عليه السلام»([478]).

فقلت: يا دكتور، ألا تشعر بأنّ في هذا القول إهانة للنبي’؛ لأنّه في كلّ يوم يصلّي ملايين المسلمين ويسلّمون على النبي’ في صلاتهم، وعلى قولكم هذا فإن الله تعالى سوف يرّد إليه روحه في كلّ آن ملايين المرات ثمّ يرجعها إلى مكانها.

فقال: عندنا رواية عن النبيّ’ يقول فيها: «إنّ للّه ملائكة سيّاحين يبلّغون عن أمّتي السلام»([479]).

قلت: يا دكتور! إنّ الملائكة السياحين الذين يأخذون سلام الناس ويبلغونه النبيّ’ ويردّون جوابه للمسلمين، غير عاجزين عن تبليغ توسل المتوسلين إلى النبيّ’.

مضافاً إلى وجود روايات في كتبكم تدل على توسل الأصحاب بقبر النبيّ’، وهي تدلّ على مشروعيّة التوسل، مثل هذه الرواية: «أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي، فقال: يا رسول الله، استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله في المنام فقال: ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنكم مسقون وقل له: عليك الكيس الكيس، فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر، ثم قال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه»([480]).

فأجاب: لا يمكن تصحيح العقيدة بهذه الروايات الضعيفة.

قلت: لقد اعترف ابن حجر في فتح الباري بصحّة الرواية، قائلاً: «وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح»([481])، وقال ابن كثير في تاريخه بعد نقل الحديث: «وهذا إسناد صحيح»([482]).

فقال: أنا لا أقبل تصحيح ابن حجر وابن كثير وعندي دليل على ضعف الرواية.

قلت: ماهو دليلك على ضعف الرواية؟

فلمّا بلغ الأمر إلى هذا، قال الدكتور: لقد قرب وقت صلاة العشاء، فلنقم لنتوضأ ونتهيّأ للصلاة.

وفي هذه الأثناء ودّعتهم وعدتُ إلى الفندق.

وبعد مضيّ عدة ليال التقيته وأعطيته كرّاسة فيها أقوال علماء أهل السنّة على مشروعيّة التوسل بالنبي|، وهذه هي الرسالة مع بعض التعديلات.

أقوال فقهاء أهل السنة في التوسل

جاء في كتاب الموسوعة الكويتيّة([483]): >اختلف العلماء في مشروعية التوسل بالنبي بعد وفاته كقول القائل: اللهم إنّي أسألك بنبيك أو بجاه نبيك أو بحق نبيك، فذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة) إلى جواز هذا النوع من التوسل سواء في حياة النبيّ أو بعد وفاته<([484]).

قال القسطلاني (ت 923): «وقد روي أن مالكاً لما سأله أبو جعفر المنصور العباسي: يا أبا عبد الله أأستقبل رسول الله وأدعو أم أستقبل القبلة وأدعو؟ فقال له مالك: ولِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم× إلى الله عز وجل يوم القيامة<([485]).

وقال الزرقاني في شرحه على المواهب, حول قصة مالك مع أبي جعفر العباسي: >فإنّ الحكاية رواها أبو الحسن علي بن فهر في كتابه (فضائل مالك) بإسناد لا بأس به([486])، وأخرجها القاضي عياض في الشفاء من طريقه عن شيوخ عدة من ثقات مشايخه([487])<([488]).

وقال النووي (ت676) في بيان آداب زيارة قبر النبيّ’: «ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى ومن أحسن ما يقول ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له قال: كنت جالساً عند قبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه

 

وطاب من طيبهن القاع والأكم

نـفسي الفداء لقبر أنت ساكنه

 

فيه العفاف وفيه الجود والكرم»([489])

ونقل المُناوي عن العز بن عبد السلام، قال: «ينبغي كون هذا مقصوراً على النبي؛ لأنه سيد ولد آدم وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء؛ لأنهم ليسوا في درجته وأن يكون مما خص به تنبيها على علو رتبته وسمو مرتبته»، وكذلك نقل عن السبكي (ت756): «ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي إلى ربه ولم ينكر ذلك أحد من السلف ولا من الخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم وابتدع ما لم يقله عالم قبله وصار بين أهل الإسلام مثله»([490]).

وفي إعانة الطالبين للدمياطي البكري (ت1310): «وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي»([491]).

وأما الحنابلة، فقد قال ابن قدامة (ت620) في المغني بعد أن نقل قصة العتبي مع الأعرابي: «ويستحب لمن دخل المسجد أن يقدم رجله اليمنى...» إلى أن قال: «ثمّ تأتي القبر فتقول:... وقد أتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي...»([492]). ومثله في الشرح الكبير([493]).

وأما الحنفية فقد صرح متأخروهم أيضاً بجواز التوسل بالنبي’، قال كمال الدين المعروف بابن الهمام (ت861) في فتح القدير: «ثم يقول في موقفه: السلام عليك يا رسول الله... ويسأل الله تعالى حاجته متوسلاً إلى الله بحضرة نبيه عليه الصلاة والسلام»([494]).

وقال صاحب الاختيار فيما يقال عند زيارة النبيّ’: «جئناك من بلاد شاسعة... والاستشفاع بك إلى ربنا... ثم يقول: مستشفعين بنبيك إليك»([495]).

ومثله في مراقي الفلاح([496]) والطحطاوي([497]) على الدر المختار والفتاوى الهندية([498]).

ونص هؤلاء عند زيارة قبر النبيّ’: «اللهم... وقد جئناك سامعين قولك طائعين أمرك مستشفعين بنبيك إليك».

وقال الشوكاني: «ويتوسل إلى الله بأنبيائه والصالحين»([499]).

أدلة القائلين بالتوسل

وقد استدلوا لما ذهبوا إليه بما يأتي:

أ ـ قوله تعالى: {وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ}([500]).

ب ـ حديث الأعمى، الذي جاء فيه: «اللهم إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة...» فقد توجّه الأعمى في دعائه بالنبي’ أي بذاته([501]).

ج ـ قوله’ في الدعاء لفاطمة بنت أسد: «اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين»([502]).

د ـ توسل آدم بنبينا محمد (عليهما الصلاة والسلام): روى البيهقي في دلائل النبوة، والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب، قال: «قال رسول الله: لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله تعالى: يا آدم كيف عرفت محمّداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب، إنك لما خلقتني رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحبّ خلقك إليك. فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحبّ الخلق إليّ، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك»([503]).

هـ ـ حديث الرجل الذي كانت له حاجة عند عثمان بن عفان (رض): روى الطبراني والبيهقي أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان (رض) في زمن خلافته، فكان لا يلتفت ولا ينظر إليه في حاجته، فشكا ذلك لعثمان بن حنيف، فقال له: «ائت الميضأة([504]) فتوضأ ثم ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) نبي الرحمة، يا محمد! إني أتوجه بك إلى ربك ربي عز وجل، فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إليّ حتى أروح معك، فانطلق الرجل، فصنع ما قال له عثمان، ثم أتى باب عثمان، فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان، فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا، ثم إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له جزاك الله خيراً، ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إليَّ حتى كلمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا عليه ذهاب بصره...»([505]) إلى آخر حديث الأعمى([506]).

قال المباركفوري: «قال الشيخ عبد الغني في إنجاح الحاجة: ذكر شيخنا عابد السندي في رسالته: والحديث ـ حديث الأعمى ـ يدل على جواز التوسل والاستشفاع بذاته المكرم في حياته، وأما بعد مماته فقد روى الطبراني في الكبير عن عثمان بن حنيف أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان...»([507]).

وقال الشوكاني في تحفة الذاكرين: «وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله إلى الله عز وجل مع اعتقاد أن الفاعل هو اللّه سبحانه وتعالى، وأنّه المعطي والمانع، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن»([508])..

أخوك في اللّه

أبو مهدي القزويني

14 رمضان المبارك 1425هـ


 








حوار جديد مع الغامدي

 (جرى هذا الحوار بعد صدور الطبعة الأولى والثانية من كتابه حوار هادئ، وقبل نشر الرد عليه في كتابنا قصة الحوار الهادئ)


لما كان كتاب (قصة الحوار) في طريقه إلى الطبع، وفقني الله تعالى بفضله ولطفه أن أتشرف بزيارة بيت اللّه الحرام لأداء حجّ التمتع في سنة (1427هـ)، وبعد إتمام مناسك الحج، اتصلت بفضيلة الدكتور الغامدي، فرحّب بي ودعاني لزيارته، فلبّيت دعوته وذهبت إلى بيته في ليلة السبت المصادف 17 من ذي الحجة، وقد كان معي صديقي العزيز الدكتور زماني ممثل السيد القائد في بعثة حجاج أهل السنة في إيران، وكذلك فضيلة الشيخ المُبلّغي مساعد سماحة آية اللّه التسخيري في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.

ولمّا وصلنا إلى بيت الدكتور الغامدي وجدنا عنده الدكتور مجيد معارف والدكتور عادل الأديب، وهما من الأساتذة الكبار في جامعة طهران.

وقد استقبلنا الدكتور الغامدي بحفاوة بالغة ـ كعادته ـ ثم دار بعد ذلك حوار بيني وبينه حول مسائل، نشير إليها مع مراعاة الاختصار وكذلك مع التغيير الطفيف، وقد أضفنا إلى هذا الحوار بعض البحوث الاستطرادية لأجل بيان موضوع الحوار بصورة أجلى، وقد نوهنا في محل البحث إلى هذه الإضافات الزائدة على الحوار:

دعوى اعتقاد الشيعة نجاسة أهل السنة

قال الدكتور الغامدي: إنّ الشيعة تعتقد بنجاسة أهل السنّة، ويشهد لذلك نصوص من السيّد الخوئي والسيّد الخميني.

قلت: لقد تكرر منك هذا الاتهام أخي الدكتور، فلقد ذكرته لي في السنة الماضية، وقد أجبتك في حينها بأن هذا الكلام ليس صحيحاً وأنّ علماء الشيعة يعتقدون بطهارة أهل السنّة؛ ولذلك تجدهم أفتوا بجواز تزويجهم والتزوّج منهم، وكذا أفتوا بحلّية ذبائحهم، وحتى قال السيّد الخميني: بأنّ الإمامة من أصول المذهب([509])، فمن لا يعتقد بها من غير مذهب الشيعة لا يكون كافراً فلا يعدّ نجساً.

 ولا تجد عالماً من علماء الشيعة الإمامية من القرن الثاني إلى القرن الخامس عشر قد أفتى بنجاسة أهل السنّة، نعم، يفتي فقهاء الشيعة بنجاسة النواصب الذين يحملون العداء لأهل البيت(علیهم السلام)، ويجاهرون به، لا نجاسة المسلمين من أهل السنّة.

فقال: من هو المراد من المخالف في كتبكم الفقهيّة؟

قلت: إنّا نعبّر في كتبنا الفقهيّة عن أهل السنة والجماعة تارة بالمخالف وأخرى بالعامّة وثالثة بأهل السنّة، ولكن هؤلاء غير النواصب الذين نعتقد بأنّهم كفار ونجس ومخلّدون في النار; كما أنّ علماء أهل السنّة أيضاً يقولون ويعتقدون بهذا; لأنّ النواصب هم من يبغضون ويسبّون أهل البيت(علیهم السلام)([510]).

قال الدكتور الغامدي: قال آية اللّه العظمى الخوئي: وما يمكن أن يستدلّ به على نجاسة المخالفين وجوه ثلاثة:

الأول: ما ورد في الروايات الكثيرة البالغة حدّ الاستفاضة من أن المخالف لهم(علیهم السلام) كافر.

وقال آية اللّه العظمى الخميني: فقد تمسك لنجاستهم بأمور: منها روايات مستفيضة دلّت على كفرهم، موثّقة الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر×، قال: «إنّ اللّه تعالى نصب عليّاً علماً بينه وبين خلقه...

قلت: وا عجبي يا دكتور!! فإن هذه العبارة التي نقلتها عن السيّد الخميني هي عبارة لصاحب كتاب الحدائق، قد نقلها السيد الخميني ثمّ ردها ورفضها بقوة.

فنقلت له العبارة التي سبقت عبارة السيد الخميني والتي لم يذكرها الغامدي، من حاسوبي الذي كنت أحمله معي، فقرأت عليه، قال السيد الخميني: «لكن اغترّ بعض من اختلت طريقته ببعض ظواهر الأخبار وكلمات الأصحاب من غير غور إلى مغزاها، فحكم بنجاستهم وكفرهم، وأطال في التشنيع على المحقق القائل بطهارتهم بما لا ينبغي له وله، غافلاً عن أنّه حفظ أشياء هو غافل عنها.

فقد تمسك لنجاستهم [أي صاحب الحدائق] بأمور: منها روايات مستفيضة دلت على كفرهم، كموثّقة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إن الله تعالى نصّب علياً علماً بينه وبين خلقه»([511]).

فمراد السيّد الخميني من قوله: «لكن اغترّ بعض من اختلت طريقته» هو صاحب الحدائق وهو من علماء الأخباريين.

ثمّ قلت: فردّ عليه السيد الخميني قائلاً: «ولا دليل عليها سوى توهم إطلاق معاقد إجماعات نجاسة الكفّار، وهو وهمٌ ظاهر؛ ضرورة أنّ المراد من الكفّار فيها مقابل المسلمين، الأعم من العامّة والخاصّة؛ ولهذا ترى إلحاقهم بعض المنتحلين إلى الإسلام كالخوارج والغلاة بالكفّار، فلو كان مطلق المخالف نجساً عندهم، فلا معنى لذلك، بل يمكن دعوى الإجماع أو الضرورة بعدم نجاستهم»([512]).

وهكذا الحال مع كلام السيّد الخوئي الذي ذكرتموه، قال السيد الخوئي: «وما يمكن أن يستدل به على نجاسة المخالفين وجوه ثلاثة: الأول: ما ورد في الروايات الكثيرة البالغة حد الاستفاضة من أنّ المخالف لهم (علیهم السلام) كافر».

فكلام السيّد الخوئي هذا قد نقله عن الآخرين ثمّ بدأ برده، قائلاً: «والأخبار الواردة بهذا المضمون وإن كانت من الكثرة بمكان، إلاّ أنّه لا دلالة لها على نجاسة المخالفين... من أنّ المناط في الإسلام وحقن الدماء والتوارث وجواز النكاح إنّما هو شهادة أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمّداً رسوله، وهي التي عليها أكثر الناس. وعليه فلا يعتبر في الإسلام غير الشهادتين، فلا مناص معه عن الحكم بإسلام أهل الخلاف... مضافاً إلى السيرة القطعيّة الجارية على طهارة أهل الخلاف؛ حيث إنّ المتشرّعين في زمان الأئمّة(علیهم السلام) وكذلك الأئمّة بأنفسهم كانوا يشترون منهم اللحم ويرون حلية ذبائحهم ويباشرونهم. وبالجملة، كانوا يعاملون معهم معاملة الطهارة والإسلام من غير أن يرد عنه ردع».

وقال في آخر كلامه: «وأمّا الولاية بمعنى الخلافة فهي ليست بضروريّة بوجه، وإنّما هي مسألة نظريّة وقد فسّروها بمعنى الحبّ والولاء ولو تقليداً لآبائهم وعلمائهم، وإنكارهم للولاية بمعنى الخلافة مستند إلى الشبهة كما عرفت. وقد أسلفنا أنّ إنكار الضروري إنّما يستتبع الكفر والنجاسة فيما إذا كان مستلزماً لتكذيب النبي كما إذا كان عالماً بأنّ ما ينكره ممّا ثبت من الدين بالضرورة، وهذا لم يتحقّق في حق أهل الخلاف لعدم ثبوت الخلافة عندهم بالضرورة لأهل البيت(علیهم السلام). نعم الولاية ـ بمعنى الخلافة ـ من ضروريات المذهب لا من ضروريات الدين»([513]).

قلت: يا دكتور! فهل عرفت الآن بأنّ هذه العبارات التي نقلتها لنا عن السيّد الخوئي والخميني هي عبارات مقتطعة من كلامهما، وهذا التقطيع يعتبر قبيحاً ولا يليق بالمحققين.

 ونستطيع القول إن أغلب كتّاب وعلماء الوهابيّة يتبعون هذا الأسلوب من التقطيع، فالدكتور القفاري مثلاً في كتابه أصول مذهب الشيعة، نراه ينقل كلاماً لعلماء الشيعة كالشيخ المفيد وغيره مقطّعاً، فينقل عبارة من وسط كلامهم من دون أن ينقل أوّل الكلام وآخره مما يرتبط به، ثمّ يبدأ بالهجوم عليهم.

أو نراه كذلك ينقل خبراً منقطعاً أو مرسلاً لمحدثي الشيعة كالكليني، فينقل عن كتابه الكافي رواية ضعيفة، ثمّ يهجم عليه.

دعوى أن كتاب الكافي مليء بالموضوعات

قال الدكتور الغامدي: كتاب الكافي مملوء بالموضوعات.

قلت: يا دكتور، لو قسنا كتاب البخاري إلى الكافي من حيث الروايات الضعيفة والإسرائيليات لوجدناها في البخاري أكثر بأضعاف مضاعفة([514]) عمّا ادعي وجوده في الكافي، فالروايات الضعيفة في الكافي نسبتها إلى الروايات الضعيفة والإسرائيليات في كتاب البخاري نسبة العُشر.

قال الدكتور: في كتاب الكافي يوجد ستة عشر ألف رواية، فكم رواية صحيحة فيه؟

قلت: على ما ذكره المحقق البحراني: خمسة آلاف رواية صحيحة فيه([515]).

قال الدكتور: الباقي: أي تسعة آلاف حديث، كيف هو حالها؟

قلت: هذه الروايات فيها ما هو من قسم الموثق والحسن والمرسل والمرفوع([516]) والضعيف، وإنّ الروايات الضعيفة غير الروايات الموضوعة والمكذوبة; لأنّ الروايات الضعيفة يقوّي بعضها بعضاً، فيثبت مضمونها، كما هو الحال عند علمائكم، فهم يعتقدون بهذه القاعدة الرجاليّة.

وهذا بخلاف الروايات الموضوعة حيث لا يثبت شيء منها ولو كانت ألف رواية.

قال الدكتور: كم رواية موضوعة في الكافي؟

قلت: أقل من مائة رواية وفق القواعد الرجاليّة عند الشيعة.

وهنا تحدث فضيلة الشيخ مبلغي الذي كان بصحبتي، فقال: قد ورد عن الأئمّة(علیهم السلام): هاهنا أشخاص يكذبون عليهم([517]).

قلت: وفي رواية عن الصادق× أنه قال: «إنّ المغيرة بن سعيد دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي»([518]).

وقال أبو الحسن الرضا×: «ولعن يونس بن ظبيان ألف لعنة يتبعها ألف لعنة»([519]).

دعوى أن الإمام الصادق× قد لعن زرارة

قال الدكتور: هكذا أيضاً لُعن زرارة.

قلت: أمّا بالنسبة إلى زرارة، قال الصادق×: «رحم اللّه زرارة بن أعين, لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي»([520]).

نعم روي عنه أنه قال: «... لعن اللّه زرارة...»([521]).

ولكن مع غض النظر عن ضعف السند([522])، فهذه الروايات يمكن لنا تفسيرها بأنّ الإمام الصادق× لم يكن جاداً في لعن زرارة، بل أراد من لعنه ـ ظاهراً ـ أن يوحي للسلطة آنذاك بعدم وجود علاقة ودّية بينه وبين زرارة؛ حفاظاً على زرارة من القتل أو الاعتقال بتهمة صلته وارتباطه بالإمام.

ويؤيد ذلك ما رواه الكشّي عن الإمام الصادق× بأنه قال لولد زرارة، عبد اللّه: «اقرأ منّي على والدك السلام، وقل له إنّي إنّما أعيبك؛ دفاعاً منّي عنك، فإنّ الناس والعدوّ يسارعون إلى كلّ من قرّبناه وحمدنا مكانه؛ لإدخال الأذى فيمن نحبّه ونقرّبه»([523]).

قال: هذا إمام معصوم كيف يكذب ويقول: لعن اللّه زرارة؟

قلت: يا دكتور! وهل هذا عجيب؟! فهذا إبراهيم× وهو نبي، يقول: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ}([524]).

وهذا يوسف× يتهم أخاه بأنّه سرق، كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ في رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَـارِقُونَ}([525]).

قال: هذا مما يقبل التأويل بأن نقول إنه يقصد التورية، أمّا اللعن فهو يكون لأهل جهنم ولا يمكننا تأويله.

قلت: هذا إبراهيم يقول: {فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا ربِّي هذا أَكْبَرُ}([526]). وقال أيضاً: {إني سَقِيمٌ}([527]).

فهل يمكننا هنا التأويل أيضاً؟

قال الدكتور: الشيعة تعتقد أن الأئمّة فوق الأنبياء.

قلت: إنّا نعتقد بأنّ الأئمّة فوق الأنبياء من حيث الأفضليّة لا في النبوّة. ونستند بذلك إلى دليل وهو إنّ الرسول’ جعل علياً× مثل نفسه في آية المباهلة([528]) بقوله: {وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ} وهذا يدّل على كون علي مساوياً لرسول اللّه’ في جميع الجهات إلاّ جهة النبوة، فمحمد (صلوات الله عليه وعلى آله) خاتم النبيّين ولا نبي بعده، وخرجت تلك الجهة بالدليل، وتبقى بقيّة كمالات رسول اللّه موجودة في علي بمقتضى عموم الآية.

فكما أنّ الرسول أفضل من جميع الخلائق حتى من الأنبياء وحتى من الملائكة، فيكون علي× أيضاً له هذه المزيّة؛ لأنّ مساوي الأكمل أكمل أيضاً.

وهذا المعنى نجده أيضاً في تصريح النبي’ في حديث المنزلة، فقال: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي»([529]).

قال الدكتور: فعليّ عندكم أفضل من النبي صلى اللّه عليه وسلّم.

قلت: بالنسبة لخصوص النبي| لم يكن أفضل منه، كيف ذلك وعلي× نفسه يصرح في روايات متعدّدة بنفي أفضليته على النبي، فيقول: «أنا عبد من عبيد محمّد»([530]).

كون علي أول من أسلم لا دليل عليه

قال الدكتور: لو سأل سائل هل كان عليّ (رضي اللّه عنه) مسلماً؟

قال الشيخ المبلغي: هو أوّل من أسلم.

قال الدكتور: مَن روى أنّه كان أوّل من أسلم؟

قال الشيخ المبلغي: هل أنت شاك في كون علي مسلماً؟

قال الدكتور: لست بشاكّ ولكن نسألكم، من روى بأنّه كان أوّل من أسلم؟

قال الشيخ المبلغي: كلّ من الشيعة والسنّة قد رووا بأنّه كان أوّل من أسلم.

قال الدكتور: الصحابة هم من رووا إسلامه، وأتحدّى أن تأتوا برواية من غير الصحابة تثبت أنّه مسلم.

 ومادام أنتم لم تزّكوا الصحابة فلن تستطيعوا إثبات إسلام علي أصلاً.

قلت: هناك روايات متعددّة صدرت عن طريق أهل البيت(علیهم السلام)، عن آبائهم، عن علي× وعن النبي’ تثبت بأنّ عليّاً هو أوّل من أسلم.

قال: كلّ هذه الروايات تنتهي إلى علي×، فهي شهادة على نفسه، فلا تقبل هذه التزكية.

قلت: هناك قاعدة رجاليّة يؤمن بها الجميع ومفادها: إذا ثبتت وثاقة الراوي بأدلة خاصة ثمّ نقل لنا هذا الراوي رواية في مدح نفسه وتزكيتها فتقبل منه، نعم إذا لم تكن وثاقة الراوي ثابتة وانحصر طريق ثبوتها بما قاله في تزكية نفسه فعندئذٍ لا تقبل منه تلك التزكية.

قال: إنّ علي بن أبي طالب قد أسلم، وشهد الصحابة بإسلامه وأنتم الشيعة لا تقدرون إثبات إسلامه من غير طريق الصحابة.

قلت: لو قلنا بأنّ الصحابة نقلوا إسلام عليّ، ثمّ ماذا؟

قال الدكتور الغامدي: إنّكم تنفون عدالتهم.

قلت: أين قلنا ذلك؟ ومتى نفينا عدالة كلّ الصحابة؟ هذا افتراء على الشيعة; بل نحن نعتقد بأنّ الصحابة فيهم العدول وغير العدول؛ لذا نقبل روايات عدولهم ونرفض روايات فسّاقهم، كما أنّك قد قلت في رسالتك بأنّ قوله تعالى: {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا}([531]) يدلّ على فسق الوليد بن عقبة([532]).

قال الدكتور: من هم عدولهم؟

قلت: كلّ من صحب النبي’ وبقي على وصيّته وثبتت متابعته لمنهج النبي’.

قال: أين هذا؟

قلت: هذا موجود في الكتب الرجاليّة والروائيّة للشيعة، فهذا الشيخ الطوسي قد ذكر في رجاله زهاء (500) صحابي وقد وثق عدّة كثيرة منهم([533]).

وذكر العلاّمة الحلّي عدّة كثيرة من الصحابة مصرّحاً بوثاقتهم.

مضافاً إلى أنّ رواية إسلام علي× قد ثبتت بواسطة الأصحاب الذين ثبتت عدالتهم عند الشيعة، كسلمان وأبي ذر والمقداد وغيرهم([534]).

قال الدكتور زماني: إنّ الاختلاف بين الشيعة والسنّة موجود ولا يمكننا إنكاره، ولكن أكثر الشبهات المطروحة من جانب أهل السنّة تنشأ من نقطتين أساسيتين:

الأولى: اقتطاع بعض كلام علماء الشيعة من سياقها العام، ثمّ تحميله على مذهب الشيعة.

الثانية: النقل من كتب ليست معتبرة عندهم والاستناد إلى الروايات الضعيفة عندهم.

وأنا أقترح عليكم: إذا قرأتم كلاماً في كتب أهل السنة ضد الشيعة لا تقبلوه بشكل مطلق ولا ترتبوا عليه الأثر، إلاّ بعد أن تشاهدوا ذلك الكلام في كتب الشيعة، ثمّ بعد ذلك لكم أن تناقشوا وتتكلموا فيما قيل.

قال الشيخ المبلغي: إنّ قول الدكتور الغامدي بأنّ شهادة أحد على نفسه غير مقبولة، هذا مخالف لقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً}.

وإسلام علي بن أبي طالب، قد ثبت إمّا من طريق أهل البيت(علیهم السلام)، فهو عندنا مقبول ثابت، وإمّا من طريق الصحابة، فلا نقول بعدم عدالة ووثاقة جميع الصحابة، بل كثير منهم عندنا عدول وثقات، وهذا أمير المؤمنين× قد مدح الصحابة في نهج البلاغة([535]).

خلافة أبي بكر وبيعة الصحابة له

قال الدكتور الغامدي: لماذا سبعمائة من الصحابة الذين عددتموهم رضوا بخلافة أبي بكر؟

 هؤلاء الأجلاء الشجعان الأبطال المؤمنون لو يعلمون بأنّ عليّاً إمام من ربّ العالمين، فكيف لم يدافعوا عنه؟

قلتُ: مراراً قد ذكرت لك بأنّ كثيراً من الصحابة من المهاجرين والأنصار قد اعترضوا على أبي بكر، وأعلنوا بأنّ الخليفة الشرعي هو علي بن أبي طالب×.

قال: الذي ثبت لنا بأنّ سعد بن عبادة هو الوحيد الذي لم يبايع، حتى علي بن أبي طالب قد بايع أبا بكر.

كثير من الصحابة تخلفوا عن بيعة أبي بكر

  قلتُ: البخاري يروي عن عمر في حديث طويل: «حين توفى الله نبيه (صلّى الله عليه وسلّم) أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنّا علي والزبير ومن معهما»([536]).

قال اليعقوبي: «فقال العباس: فعلوها، ورب الكعبة، وكان المهاجرون والأنصار لا يشكّون في علي، فلمّا خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس، وكان لسان قريش، فقال: يا معشر قريش، إنه ما حقت لكم الخلافة بالتمويه، ونحن أهلها دونكم، وصاحبنا أولى بها منكم»([537]).

قال الدكتور الغامدي: اليعقوبي شيعيّ.

قلت: أولاً: لم يثبت جزماً كونه شيعيّاً، وكتابه مقبول عند الطرفين، حتى لو كان شيعيّاً([538]).

وثانياً: لا يقتصر ذلك على نقل اليعقوبي الذي تنسبه إلى التشيّع، فهناك الكثير من المؤرخين قد نقلوا أيضاً مخالفة الصحابة لأبي بكر، كالزبير بن بكار في الموفقيات، قال: «وكان عامّة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكّون أنّ عليّاً هو صاحب الأمر بعد رسول اللّه»([539]).

وابن الأثير، قال: «وتخلف عن بيعته علي وبنو هاشم والزبير ابن العوام وخالد بن سعيد بن العاص وسعد بن عبادة الأنصاري، ثم إن الجميع بايعوا بعد موت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلاّ سعد بن عبادة فإنه لم يبايع أحداً إلى أن مات، وكانت بيعتهم بعد ستة أشهر على القول الصحيح، وقيل غير ذلك»([540]).

وذكر أيضاً تخلف عامّة بني هاشم([541]).

وقد ذكر الطبري تخلّف عتبة بن أبي لهب وسعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة وطلحة بن عبيد اللّه وخزيمة بن ثابت وفروة بن محمد وخالد بن سعيد بن العاص، وجماعة من بني هاشم([542]).

قال الديار بكري: «وغضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر منهم علي بن أبي طالب والزبير، فدخلا بيت فاطمة ومعهما السلاح»([543]).

وذكر الواقدي أنّ زيد بن أرقم قال ـ عقيب بيعة السقيفة لعبد الرحمن بن عوف ـ: >يا بن عوف! لولا أنّ علي بن أبي طالب وغيره من بني هاشم اشتغلوا بدفن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبحزنهم عليه، فجلسوا في منازلهم، ما طمع فيها من طمع!»([544]).

انتقاد كتاب الدكتور الغامدي (حوار هادئ)

قال الدكتور زماني: أنا اعتقد بأنّ الحوار لو كان هادئاً وعلى مستوى علمي سوف يستفيد منه المجتمع الإسلامي، ولكن لو كان الحوار جدلياً متشنجاً، فإنه لا يزيد المجتمع إلاّ تفرقاً.

وكم أتمنى لو ينشر كتاب حول الحوار الهادئ بلغة علميّة وودّية، بحيث يستفيد المجتمع منه.

وبعد كلام الدكتور زماني شرعت في انتقاد كتاب الدكتور الغامدي (حوار هادئ).

فقلت: إن الكتاب الذي نشر لكم باسم (حوار هادئ) لم يكن متسماً بالهدوء، فعنوانه لا يتطابق مع مضمونه، كما أشار إلى ذلك فضيلة الدكتور عادل العلوي في رسالته إليك حين قال: هذا حوار ساخن ومتعصب وليس هادئاً. فقد استعملتَ في هذا الكتاب الألفاظ الجارحة والموهنة التي لم نكن نتوقع صدورها منك، بل تعرضت إلى ذكر أمور عن الشيعة لم تكن ثابتة وليست صحيحة، وأقل ما توصف: إنّها محض افتراء.

 وسوف نذكر لك بعض هذه الأمور:

لقد كتبت في صفحة 32 من كتابك: «إنّ كتبكم على قسمين: قسم كلّه روايات وآثار، وهذا القسم عندما يطلع عليه السنِّي لا يرى فيه آثاراً علميّة تستحق الاهتمام، فهي أشبه ما تكون بالأساطير».

فهل تعني أن كلّ كتب الشيعة الروائية أساطير؟! وهل هذا يليق بأستاذ جامعي مثلك؟ ماذا لو عبّر رجل شيعي بمثل هذه العبارة عن كتب أهل السنّة، ماذا سوف تكون ردة فعلك؟

وذكرت في صفحة 43: «واللّه يا أبا مهدي، إنَّني عندما قرأت في كتبكم كأنَّني أقرأ في خرافات عقول لا تعرف صفاء الإسلام ونقاءه، وأحمد اللّه عزّ وجل على الهداية وصفاء المعتقد».

أعجب كيف يتكلّم أستاذ جامعي بهذه اللغة وبهذا المنطق؟!

وفي صفحة 113 ذكرتَ: «وأمَّا الخوارج والمعتزلة والشيعة الإماميّة فهم محرومون من هذه الشفاعة لإنكارهم لها».

ولا أدري ما هو المراد من هذه العبارة؟

هذا يشبه قول اليهود والنصارى، حيث يقولون: {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَـارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ}([545]).

قال الدكتور الغامدي: إنّ الشيعة تنكر الشفاعة يوم القيامة.

قال الدكتور زماني: هل يوجد أحد من الشيعة ينكر الشفاعة؟!

قال الدكتور الغامدي: وهل الشيعة تعتقد بشفاعة النبي’ لأهل الكبائر؟

قلت: يا دكتور! الروايات الموجودة في الكتب الروائية للشيعة فيها الصحيح وكذا فيها الضعيف، فلا يجوز الاعتماد على كلّ رواية من دون تمييز، لذا إذا أردت أن تأخذ حقيقة عقيدة الشيعة، فلابدّ لك من مراجعة الكتب الكلاميّة والعقائدية لكبار علماء الشيعة الذين لهم دور مؤثر في الكيان الشيعي، كالشيخ المفيد والشيخ الصدوق والشيخ الطوسي والعلاّمة الحلّي وصاحب الجواهر والسيّد الخوئي والسيّد الخميني، فعقائد هؤلاء العلماء الكبار هي التي تمثل عقائد الشيعة؛ لأنهم قد ميزوا الروايات وفق منهج دقيق وصحيح.

قال: من قال بالشفاعة لأصحاب الكبائر من الشيعة؟

قلت: جميع علماء الشيعة قالوا بالشفاعة.

قال: أنا اعتقد بأنّ معتقد الشيعة مثل معتقد المعتزلة ينكرون الشفاعة لأصحاب الكبائر.

قلت: هذا أبو الصلاح الحلبي المتوفى سنة 447، يقول: «ويدل على ذلك ما نقله محدّثو الشيعة وأصحاب الحديث، ولم ينازع في صحّته أحد من العلماء من قوله: ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»([546]).

وذكر الشيخ الطوسي المتوفى 460هـ: حديث رسول اللّه’: «ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي، وفي خبر آخر: أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، ثمّ قال: «وهذا خبر تلقّته الأمّة بالقبول، فلا يمكن أن يقال: إنّه خبر واحد، وليس لهم أن يحملوا الخبر على زيادة المنافع لمن تاب»([547]).

وقال الشيخ المفيد، المتوفى 413 في جوابه عن دليل جواز العفو عن مرتكب الكبيرة: «وقوله عليه وآله السلام: ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. وما أشبه هذين من الأخبار»([548]).

وقال الشيخ الصدوق المتوفى 381هـ: «قال الشيخ (رحمه الله): اعتقادنا في الشفاعة أنها لمن ارتضى الله دينه من أهل الكبائر والصغائر، فأما التائبون من الذنوب فغير محتاجين إلى الشفاعة. وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي»([549]).

وقال الطبرسي أيضاً: «تلقته الأمة بالقبول»([550]).

قال الدكتور الغامدي: لا تنظر في الروايات، بل انظر في كلام العلماء، فربّما يذكرون الرواية فيردّونها.

قلت: قد نقلت لك كلام الحلبي، ألم يقل: «ولم ينازع في صحته أحد من العلماء»؟

قال: هل ذكر الحلبي قبل الحديث كلاماً؟

قلت: هذا كلام الحلبي قبل الحديث، قال: «إنّ الشفاعة وجه.... عندها لإجماع الأمة على ثبوتها له ومضى... إلى زمان حدوث المعتزلة على الفتيا بتخصيصها بإسقاط العقاب، فيجب الحكم بكونها حقيقة في ذلك؛ لانعقاد الإجماع في الأزمان السابقة لحدوث هذه الفرقة.

ويدلّ على ذلك ما نقله محدّثو الشيعة وأصحاب الحديث ولم ينازع في صحّته أحد من العلماء من قوله: (ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وقوله: (لي اللواء الممدود) كذا (والحوض المورود والمقام المحمود)<([551]).

قال الدكتور الغامدي: دعك من هذا!

قلت: ثبتت هذه القضيّة، وأن الشيعة يؤمنون بشفاعة النبي لأهل الكبائر.

قال: أراجع وأصحّح إن شاء اللّه.

 ثم قال: أذكر ـ لو كان عندك ـ شيئاً آخر.

الاعتماد على كتاب لمؤلف موهوم

قلت: قد نقلت مسألة زواج السيّد الخميني من الصغيرة.

قال الدكتور الغامدي: قد نقلت ذلك عن رجل شيعي.

قلت: لو كان هذا الرجل شيعيّاً فأنا أول من يلعنه وأقول: لعنه اللّه بعدد كلّ ذرّات العالم.

أي دكتور، أخي العزيز، قد ذكرت لك مراراً بأنّ مؤلف كتاب «للّه ثمّ للتاريخ» لم يكن مؤلفاً شيعياً، وأنّ هذا الكتاب مليء بالأكاذيب والافتراءات والترّهات، ومؤلفه المزعوم السيّد حسين الموسوي لا يعرفه أحد من علماء الشيعة ولا السنّة، وهناك قرائن كثيرة تشهد بكذبه، فهو يجهل مصطلحات شيعية مشهورة يعرفها حتى أطفالهم، فتراه مثلاً يعبرّ عن الشيوخ بالسادات، والحال أنّ الشيعة لا يعبّرون عن الشيخ بالسيّد، بل يقولون شيخاًّ، فالسيد عندهم يطلق على من كان من أولاد رسول اللّه’.

وكذلك يقول: إنّي درست كتاب الكافي عند السيّد الخوئي؟!

 ولا يخفى على أحد بأنّ كتاب الكافي ليس من الكتب الدراسية؛ ليقوم السيد الخوئي بتدريسه، فهو كتاب روائي لا يحتاج إلى تدريس، ويبدو أن المؤلف الموهوم كان جاهلاً بذلك ولم يكن ملتفتاً لهذه المسألة.

ويقول في صفحة 104 من كتابه: «في زيارتي للهند، التقيت السيّد دلدار علي، فأهداني نسخة من كتابه (أساس الأصول)...».

ثمّ يأتي ويقول في صفحات أخرى من الكتاب: إنّي التقيت بالسيّد الخميني والخوئي والسيستاني.

 والجدير بالملاحظة أنّ السيّد دلدار نقوي قد توفّي سنة 1235.

ومن المعلوم بأنّ من يلتقي السيّد دلدار نقوى، ثم يلتقي السيّد الخوئي، لابدّ أن يعمّر أكثر من 200 سنة([552]).

أقول: يقوى في النفس بأنّ هذا الكتاب من اختراعات الشيخ عثمان الخميس، فكلّ من قرأ واطلع على مؤلفات عثمان الخميس، يحدس أن هذا النمط من التأليف هو قريب جداً من أسلوبه.

قال الدكتور الغامدي: لا، لا، عثمان الخميس لم يظهر إلاّ قريباً، وهذا الكتاب قبل ظهور عثمان الخميس بسنوات، بل اُلّف قبله بعشرين سنة.

قلت: هذا الكتاب قد طبع قبل خمس سنوات في السعوديّة، وبعد مضيّ شهرين من نشره دخل إيران وقرأناه، ولم نسمع له ذكراً قبل هذه السنين.

قال: لو كانت الشيعة تكذّب هذه القصّة، فأنا سوف أحذفها في الطبعات الأخيرة من كتابي.

قلت:يا دكتور! في أوّل مرّة زرتك فيها في بيتك هذا، قد حدثتك بأنّي في الليلة الماضية كنت قد التقيت بالشيخ محمد بن جميل بن زينو، وهو من المشايخ الكبار والأستاذ في دار الحديث في مكة المكرمة، وقد جرى بيني وبينه حوار حول هذا الكتاب([553])، فقلت له: بأنّ هذا الكتاب لم يكن من تأليفات الشيعة، وذكرت له: بأنّه نقل ـ في صفحة 34 ـ روايات عن كتاب من لا يحضره الفقيه في مسألة زواج المتعة([554]).

فقلت للشيخ محمد بن جميل: بأنّ هذه الروايات التي نقلها عن الفقيه، كلّها كذب ولا يوجد مثل هذه الروايات، لا في الفقيه ولا في الوسائل ولا في البحار.

فقال الشيخ: كيف يمكن أن ينقل روايات من كتبكم لم تكن ثابتة عندكم؟!

قلت: لو أثبت أحد من هؤلاء الأخوة الحاضرين في هذه الجلسة([555]) وجود هذه الروايات في الكتب الأربعة للشيعة أو في الوسائل والبحار، أنا أتراجع عن مذهب الشيعة وأكون وهابيّاً.

قال الدكتور الغامدي: في مقابل كون الشخص شيعياً، يقال: سني لا وهابي، فهل يكون مذهب الصحابة مذهباً وهابياً؟!!.

قلت: يا دكتور في أوّل لحظات دخولي إلى بيت الشيخ محمد زينو، كان أوّل شيء سألني عنه هو: لماذا يسمّوننا بالوهابيّة، مع أنّا من أتباع محمد بن عبد الوهّاب، فمن اللائق أن نسمّى بالمحمديّة لا الوهابية؟

قلت: لعله من باب أن الوهاب من أسماء اللّه تعالى، فسُمّيتم بأحد أسماء اللّه، فبدت عليه علامات الارتياح، وقال: بارك اللّه فيك، بارك اللّه، وكان الأخ جابر والأخ محمد ـ وهما من تلاميذكم ـ موجودين في الجلسة.

قال الدكتور: الخلاف إنما هو بين الشيعة والسنّة وليس بين الشيعة والوهابيّة، فالوهّابيّة اعتبرت طائفة قبل مائتي سنة فقط، والخلاف بين الشيعة والسنّة قبل أكثر من ألف سنة.

قال الشيخ المُبلّغى: إنّ أكثر الشبهات التي تثار ضدّ الشيعة هي من قِبَل الوهابيّة.

قال الدكتور: أشدّ الناس على الشيعة هم الأحناف.

قلت: يا دكتور، كنتم قد التقيتم في السنة الماضية خمسين شخصاً من علماء أهل السنّة في إيران، في فندق (الجاد النقا) في مكة المكرمة بمحضر الدكتور زماني، وتسعون بالمائة من هؤلاء العلماء كانوا من الأحناف، وقد قالوا أمامك: نحن نعيش مع الشيعة في إيران بكل محبة وود وأخوّة، وليس بيننا وبين الشيعة اختلاف، وقالوا لك: نحن ندرّس هناك في المدارس والحوزات العلميّة ونقيم صلاة الجمعة والجماعة.

فقلتم لهم: نحن سمعنا بأنّ بين الشيعة والسنّة في إيران اختلافات كثيرة، فهل يسمحون لكم أن تدرّسوا في الجامعات والمدارس وإقامة صلوات الجمعة والجماعات.

وقد أراك بعض هؤلاء العلماء بطاقات تثبت أنهم يدرِّسون في المدارس والجامعات في إيران، وقال لك أحدهم: أنا خطيب الجمعة، وقال آخر: أنا مدرس في الحوزة و... وجنابك قد تعجبت من كلامهم هذا.

تساؤل عن وجود مساجد للسنة في طهران

قال الدكتور: كم عدد سكان طهران؟

قال الشيخ المبلغي: خمسة ملايين.

قال الدكتور: كم فيها من السنّة؟

قلت: حوالي ثلاثمائة.

قال الدكتور: هل لهم مسجد في طهران؟

قلت: كم عدد الشيعة بالمدينة المنورّة؟

قال الدكتور: خمسة آلاف.

قلت: بل أكثر من عشرة آلاف، وهل لهم مسجد في المدينة؟

قال الدكتور: الشيعة لا ترى صحة الصلاة جماعة إلاّ خلف المهدي، فإذا خرج المهدي سنبني لهم مسجداً إن شاء اللّه([556]).

قلت: نحن أيضاً إذا ولد مهدي أهل السنّة نسمح لهم ببناء مسجد بطهران.

قال الدكتور: إنّ الشيعة لا يصلّون صلاة جماعة؛ لأنّهم لا يجيزون الصلاة إلاّ خلف الإمام المعصوم.

قلت: يا دكتور! ما هذه الخرافات الوهّابيّة، فأنت أجلّ شأناً من التفوه بمثل هذه التفاهات.

قال الدكتور: هل عندكم مساجد في طهران؟

قلت: أكثر من ألف مسجد في طهران للشيعة يصلّون فيها.

الدكتور يقدم اعتذاره في الطبعة الثانية من كتابه

قال الدكتور: لقد كتبت في الطبعة الثانية لكتاب حوار هادئ: «وأعتذر للأستاذ أبي مهدي لنشرها، وأعتذر عن العبارات القاسية التي وردت في الرسالة والتي قد حرّرت كثيراً منها في هذه الطبعة (الثانية)، ولعلّي أستدرك ما فات في طبعات أخرى إن شاء اللّه»([557]).

فعليك أن تعطيني ما عندك من الملاحظات على الكتاب، حتى أستدركها في الطبعات الآتية، فليس هناك رجل معصوم غير رسول اللّه’.

قلت: لقد حضرت في بيتكم هذا، في شهر رمضان من السنة الماضية وكان معي فضيلة الشيخ الهادوي وگل زاده، وقلتم لنا: إني أريد طبع ما جرى بيننا من المكاتبات.

فقلت لكم حينها: ليس من الصلاح أن تطبع هذه المراسلات؛ لأنّ ما سميته بالحوار الهادئ لم يكن هادئاً، بل هو حوار متشدّد ومتشنج; كما أنك قد حرّفت كثيراً من كلامي الذي نقلتَه فيها حين نشرتَها.

قال الدكتور الغامدي: كلمة تحريف كلمة كبيرة، بل صعبة.

قلت: ماذا فهمتم من كلمة تحريف؟

قال الدكتور: يعني أني تعمدّت أن أضع لفظاً بدلاً عن لفظك.

قلت: إنّ مرادنا من التحريف هو التغيير بالمعنى العام، وهو إمّا بإضافة شيء أو حذفه أو تغييره.

فإنّك قد حذفت سطراً أو سطرين من الرسالة الأولى التي أرسلتها إليكم، وهذه أصل عبارتي التي أرسلتها إليكم في رسالتي:

«ماذا تقول فيما جرى على بعض الأصحاب من الحدّ؟ هل يوجب ذلك فسقهم أم لا؟ لماذا جرى الحدّ على بعضهم؟ ماذا تقول فيمن أمر بقتل عثمان من الأصحاب أو شرك في قتله؟ هل يحكم فيهم بأنّهم اجتهدوا وأخطأوا ولهم أجر واحد أم لا؟»

بينما الذي ذُكر في كتابك في ص11:

«ماذا تقول فيما جرى على بعض الأصحاب أو شرك في قتله؟ هل يحكم فيهم بأنّهم اجتهدوا وأخطأوا ولهم أجر واحد أم لا؟»

وتلاحظ أنك قد حذفت هذه العبارة الوسطية:

«من الحدّ، هل يوجب ذلك فسقهم أم لا؟ لماذا جرى الحدّ على بعضهم؟ماذا تقول فيمن أمر بقتل عثمان من الأصحاب»

قال الدكتور: أقسم باللّه بأنّي ما تعمّدت حذفها، وما الفائدة في حذفها؟

قلت: إنّك ذكرت في كتابك: «هذه عبارته بنصّها» ولم يكن ما ذكرت نصّ كلامي.

قال: أنا أصلحها إن شاء اللّه.

قلت: كنت قد أرسلت إليكم (فاكساً) وكتبت فيه بعض أشياء ومن جملتها عبارة: «وقد أوجبت رسالتكم الكريمة أن أسبر في الجوامع الروائيّة و... زهاء خمسمائة ساعة» وقد قمتم بنشر هذه العبارة في كتابكم.

وإني شديد العتب عليكم هنا يا دكتور! فإن المطالب التي كتبتها لكم في الرسالة التي بعثتها (بالفاكس) هي مطالب بيني وبينكم ونشرها بهذه الكيفية ليس صحيحاً، ولا يليق صدور ذلك ممن هو مثل جنابكم.

قال: لم أجد في نشرها أي ضرر.

قلت: واضح أن مقصودكم من نشر هذه العبارة بالخصوص هو أن تقول إن فلاناً الأستاذ الجامعي قد بذل خمسمائة ساعة من وقته بينما كتب إليّ خمسين صفحة فقط.

وكلّ من قرأ كتابكم وقرأ هذه العبارة قد اعترض عليّ وعاتبني.

كما إنّي قلتُ: بأنّي أدرّس في بعض الجامعات.

وقد كتبتم بأنّي أدرّس في ثماني جامعات، وكذا وكذا.

يا دكتور، لو تذكر سماحتك حين حضرت في السنة الماضية في جلسة مع عدّة من الدكاترة وأساتذة جامعة طهران، فقلت لنا: ـ وكلامك مسجل وموجود عندي ـ إنّ علماءنا لا يقبلون كلامنا معكم، ومسؤلو الحكومة لا يقبلون منّا ذلك، وإذا علمت الحكومة بأنّي جئتكم لأتكلّم معكم ومع الأساتذة الإيرانيين ربما يتشددون عليّ، ويؤاخذونني.

 فهل يصحّ مني أن أنشر كلامك هذا؟([558]).

ولو نشرت كلامك هذا، أفلا تعترض عليّ بأنّ هذا كلام خاص بيني وبينك فلا يصحّ نشره؟

بغض أهل البيت يعتبر نفاقا

قلت للدكتور الغامدي: إنّك نقلت في كتابك في صفحة 113، روايتين عن الكافي:

الرواية الأولى: روى الكليني عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، أنَّه قال: «فلو أن الرجل من أمتي عبد الله عز وجل عمره أيام الدنيا، ثم لقي الله عز وجل مبغضاً لأهل بيتي وشيعتي، ما فرج الله صدره إلا عن النفاق»([559]).

ثمّ قلتم: رحم اللّه أهل البيت(علیهم السلام) كم لقوا من هؤلاء الكذّابين من الافتراء!!!

فيبدو من كلامك أنك ترفض مضمون هذه الرواية!

يا دكتور! إنّ هذه الرواية مفادها أنّ بغض أهل البيت(علیهم السلام) هو نفاق، ومضمونها مطابق للكتاب; لأنّ أقلّ ما تدلّ آية المودّة عليه([560])، هو أنّ محبّتهم من الإيمان ومن الدين، فمن ينكر محبة أهل البيت فقد أنكر القرآن.

قال الدكتور: هل الرواية صحيحة عندكم؟

قلت: لو كان عندك دليل على ضعف الرواية فاذكره، فنحن أبناء الدليل، ونقبل منك ذلك.

قال الدكتور زماني: برأيي أن مضمون الرواية مقبول عند الدكتور، وهو يعتقد بأنّ حبّ أهل البيت من الإيمان وبغضهم من النفاق; فلم يكن مضمون الحديث كذباً.

أهل البيت يتولون حساب الناس يوم القيامة

أما الرواية الثانية: فمضمونها فيه خلاف بيننا وبينكم.

حيث روى الكليني عن الإمام الكاظم×، أنّه قال: «إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم، فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله عز وجل حتمنا على الله في تركه لنا فأجابنا إلى ذلك، وما كان بينه وبين الناس استوهبناه منهم وأجابوا إلى ذلك، وعوضهم الله عزّ وجل»([561]).

قال الدكتور الغامدي: أنتم تعتقدون بأنّ أهل البيت يحاسبون الناس!

قال الدكتور زماني: إني أرى لو أنك لم تعترض على مضمون الحديث الأول وكان اعتراضك على الحديث الثاني فقط؛ لكان أحسن وأقرب للإنصاف.

قال الدكتور الغامدي: لا شكّ في أن محبّة أهل البيت من الدين، وما من مسلم يكره أهل البيت، ولكنّهم بشر مكلّفون، محاسَبون، معاقَبون.

والقول بأنّهم يتولون حساب البشر، هذا عندنا من الخرافات، فاللّه يحاسب الناس، حتى رسول اللّه’ فهو مثلنا بشر; لأنّ اللّه تعالى يقول: {إنّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمَّ إنّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم}([562]).

قلت: عندنا أدلّة متعددة على أنّ اللّه تعالى يفوّض حساب الناس إلى الأئمّة(علیهم السلام) يوم القيامة، كما أنّه يفوض توفّي الأنفس للملائكة، يقول تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الاْنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}([563]) ثمّ يقول في آية أخرى: {قُلْ يَتَوَفّاكُم مَلَكُ الْمَوْتِ الذي وُكِّلَ بِكُمْ}([564]).

ولا منافاة بينهما; إذ ملك الموت إنما يتوفّى الأنفس بإذن اللّه تعالى لا مستقلاً عن إرادة الله.

وهكذا بالنسبة لحساب الناس، فإن الله تبارك وتعالى قال: {إنّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم} ومع ذلك يمكن لنا أن نستفيد من السنة النبوية أن الله تعالى قد يفوّض حساب الناس إلى رجل صالح من أهل بيت نبيه’، من الذين جعل مودّتهم من الدين، وهذا ليس غريباً ومستحيلاً وخرافياً.

فنحن نعتقد بأنّ حساب الناس على اللّه تبارك وتعالى، ولكن قد ثبت عندنا بالأدلّة الصحيحة الواردة عن طريق أهل البيت(علیهم السلام) بأنّ اللّه يفوّض حساب الناس إلى الأئمّة، فلا إشكال فيه، إذ عملهم هذا كان بإذن اللّه.

ومن تلك الأدلة التي تثبت هذا المعنى ما ورد عن الصادق×، قال: «إذا كان يوم القيامة وكلنا اللّه بحساب شيعتنا»، وفي رواية أخرى عنه×: «إذا حشر الله الناس في صعيد واحد أجَّل الله أشياعنا أن يناقشهم في الحساب، فنقول: إلهنا هؤلاء شيعتنا، فيقول الله تعالى: قد جعلت أمرهم إليكم وقد شفعتكم فيهم..»([565]).

وما دام الأمر ليس مستحيلاً فلكم أن تسألونا عن أدلّتنا على مدعانا، وإذا أقمنا الدليل عليه، فلكم حينئذٍ المناقشة فيه، وغاية ما يمكن أن يقال لنا: إنّكم اجتهدتم فأخطأتم.

قال الدكتور الغامدي: هذا اجتهاد كبير جدّاً، كيف اجتهدتم بأنّ البشر يحاسب الناس، لا نوح ولا موسى ولا عيسى ولا إبراهيم ولا محمد’ يحاسبون الناس، مع أن الأئمّة يعترفون بأنّهم مخطئون، والسجاد يسأل عن ذنبه كثيراً، كيف يحاسب هؤلاء البشر، فهذا غلوّ.

قلت: يا دكتور، لك أن تناقش في الأدلّة بأسلوب صحيح، فلك أن تطعن في الأدلة لإثبات تلك العقيدة، لكن لا يحق لك أن تقول في عجالة: إنّ هذا من الخرافات، فلو قلت لك: بأنّ تسعين بالمائة من عقائد أهل السنّة خرافات، فهل تقبل منّي ذلك؟ أم تقول بأنّ هذا قول بلا دليل، وتطلب مني الدليل على دعواي؟

قال: إنّ القرآن الكريم واضح الدلالة، يقول إنّ البشر كلّهم محاسبون.

فهل الأئمّة جزء من اللّه، فيقول اللّه: أنا والأئمّة الاثنا عشر كلانا نحاسب الخلق؟!

قال الشيخ المبلغي: هذا كفر، من يقول هذا؟

قلت: يا دكتور! أنا أقول: إنّ الأئمّة يتولون حساب الناس بإذن من اللّه، ماذا تقول؟

قال الدكتور: هل الأئمّة يحاسَبون؟ ومن يحاسبُهم؟

قلت: لا شكّ بأنّ الأئمّة(علیهم السلام) والأنبياء(علیهم السلام) يحاسَبون من قِبَل الله، بمعنى أنّ اللّه تعالى يحاسب الأئمّة، والأئمّة يحاسبون الناس بإذن الله، كما أنّ توفي الأنفس بيد الله تبارك وتعالى، ثمّ ملك الموت يتوفى الأنفس بإذن اللّه وفي الرواية: أنّ وفاة ملك الموت في آخر الأمر بيد اللّه تعالى.

وكما أنّ إحياء الأموات مرتبط باللّه تعالى أصالةً، فهو الذي يحيي وهو الحيّ القيّوم، لكن مع ذلك يقول عيسى×، والذي هو بشر: {وَأُحْيي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ}([566]).

قال الشيخ المبلغي: يمكن أن يقال في تفسير الحساب بأنّ للأئمة(علیهم السلام) مكانة سامية عند اللّه وشفاعة مقبولة، بحيث يصح نسبة حساب الناس لهم بسبب تلك المقبولية وتلك الشفاعة التي لها دخل في الحساب.

قال الدكتور زماني: ويمكن أن يقال: بأنّهم يحاسبون الناس، أي أنّهم ميزان ومعيار لحساب الناس.

ويمكن أن يقال أيضاً: كما قال الدكتور أبو مهدي، بأنّهم يحاسبون الناس حساباً حقيقياً، لكن بإذن وتفويض من اللّه.

وهاهنا سؤال مهم ـ والكلام للدكتور زماني ـ وهو أنه لو اعتقد أحد من الناس بأنّ غير اللّه سيحاسب الناس يوم القيامة، فهل هذا ينسجم مع التوحيد أم لا؟

طبعاً هذا من الشرك بلا شكّ فيما لو اعتقد إنسان بأنّ واحداً من البشر بنفسه ومن دون إذن اللّه هو من سيحاسب الناس.

وأمّا لو اعتقد بأنّ هذه المحاسبة تكون بإذن من اللّه وتفويض منه، سواء كانت هذه العقيدة صواباً أم خطأً، فهذا لا يعد شركاً.

قال الدكتور الغامدي: لا نقول شرك، بل نقول: بأنّ الأئمّة يحاسبون الناس بدل ربّ العالمين هذا شرك.

قلت: يا دكتور، لم ندّع أن الأئمة يحاسبون الناس بدل ربّ العالمين، فمن قال هذا؟ بل كلّ من قال ذلك قصد بأنّهم كانوا في فعل المحاسبة مأذونين من ربّ العالمين.

قال: هذه خرافات، تحتاج إلى الدليل.

قال الدكتور زماني: كلامك هذا جيّد: هذا يحتاج إلى دليل.

فهل سألت إلى الآن عالماً شيعياً، ما هو دليلكم على هذه العقيدة؟

قال: نتكلّم عن النصوص، لا نتكلم عن عقيدة الشيعة.

 قال الدكتور زماني: فثبت بأنّك ما سألت أحداً إلى الآن وما قرأت كتاباً في خصوص هذا الأمر.

 


بحث استطرادي لا يخلو من فائدة

علي× قسيم الجنة والنار

وهذا البحث لم يكن ضمن الحوار لكن نضيفه هنا للفائدة، فنقول: ويمكن أن يستدلّ على إمكان صحة تلك العقيدة بما ورد أنّ علياً قسيم النار والجنّة، كما قال القاضي عياض، في فصل إخباره (صلّى اللّه عليه وآله) عن المغيّبات: «وأخبر بملك بني أمية... وقتل علي، وأنّ أشقاها الذي يخضب هذه من هذه، أي لحيته من رأسه، وأنّه قسيم النّار; يدخل أولياءه الجنّة وأعداءه النار»([567]).

وقال ابن الأثير: «وفي حديث علي (رضي اللّه عنه): أنا قسيم النّار والجنّة»([568])، وذكر الزمخشري في غريب الحديث قريباً مما ذكره ابن الأثير([569]).

وهكذا عن الزبيدي([570]). وابن منظور([571]).

وقال ابن حجر المكي: «أخرج الدارقطني: إنّ عليّاً قال للستّة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم كلاماً طويلاً من جملته: أنشدكم باللّه، هل فيكم أحد قال له رسول اللّه: يا علي، أنت قسيم النّار والجنّة يوم القيامة، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا. ومعناه ما رواه غيره عن عليّ الرضا، أنّه قال له: أنت قسيم الجنّة والنّار، فيوم القيامة تقول للنار: هذا لي وهذا لك»([572]).

قال الكنجي الشافعي: «فإن قيل: هذا سند ضعيف، قلت: قال محمد بن منصور الطوسي: كنّا عند أحمد بن حنبل، فقال له رجل: ما تقول في هذا الحديث الذي يروي أنّ عليّاً قال: أنا قسيم النار؟ فقال أحمد: وما تنكرون من هذا الحديث؟! أليس روينا أنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لعلي: لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق؟ قلنا: بلى، قال: فأين المنافق؟ قلنا: في النار، قال: فعلي قسيم النار»([573]).

ورواه أبو يعلى الحنبلي([574]) وغيره بتعابير مختلفة([575]).

ويؤيّد ذلك ما ورد في هذا المضمون في مصادر أهل السنّة، فقد روى الخطيب عن أنس بن مالك، قال: «سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يقول: إنّ على الصراط لعقبة لا يجوزها أحد إلا بجواز من علي بن أبي طالب»([576]).

وروي عن ابن عباس، قال: قلت للنبي (صلّى الله عليه وسلّم): يا رسول الله، للنار جواز؟ قال: نعم، قلت: وما هو؟ قال: حبّ علي بن أبي طالب»([577]).

وقال ابن حجر المكي: «عن أبي بكر بن أبي قحافة، سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يقول: لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب له علي الجواز»([578]).

وهكذا ما ورد في تفسير قوله تعالى: {أَلْقِيَا في جَهَنَّمَ كلّ كَفَّار عَنِيد}([579])، فقد روى الحافظ الحسكاني بإسناده عن أبي سعيد الخدري، قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا كان يوم القيامة قال الله تعالى لمحمد وعلي: أدخلا الجنة من أحبكما، وأدخلا النار من أبغضكما، فيجلس علي على شفير جهنم، فيقول لها: هذا لي وهذا لك! وهو قوله: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كلّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ}»([580]).

وروى الكلابي بإسناده عن أبي سعيد الخدري، قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا كان يوم القيامة قال الله تبارك وتعالى لي ولعلي: ألقيا في النار من أبغضكما، وأدخلا في الجنة من أحبكما، فذلك قوله تعالى: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كلّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ}([581]).

وروى قريباً منه القندوزي في ينابيع المودّة([582])، الباب الخامس عشر عن فرائد السمطين([583]).

ومما يؤيّد صحّة حديث «علي قسيم النار والجنة» أنّ مخالفيه وضعوا حديثاً كذباً وهو: أنّ أبا بكر قسيم الجنة والنار، وأرادوا أن يقابلوا به حديثاً معروفاً يحتج به الشيعة. وهذا الوضع علامة من علامات صحة الحديث وثبوته، فلولا صحته لما اضطر البعض إلى وضع حديث في مقابله.

 وكون الحديث المذكور من الموضوعات لا شك فيه:

قال ابن حبان: «أحمد بن الحسن بن القاسم شيخ كوفي كان بمصر يضع الحديث على الثقات... روى عن وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): إذا كان يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش ألا هاتوا أصحاب محمد فيؤتى بأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب قال فيقال لأبي بكر: قف على باب الجنة فأدخل من شئت برحمة الله وادرأ من شئت بعلم الله...» ثم قال ابن حبان: «الحديث موضوع لا أصل له»([584]). انتهى ما أردنا بيانه للفائدة.

عودة إلى الحوار مع الغامدي

بعد أن أثبتنا أن ذلك ليس من الخرافات، كما وصفه الدكتور، وعرفنا أنه من الممكن أن يفوض الله تعالى حساب الناس إلى الأئمة، نعود ونكمل الحوار الذي جرى مع الدكتور الغامدي.

قلت: يا دكتور! لا أدري، هل أخذت هذه الرواية التي استندت عليها من كتاب الدكتور السالوس أو الدكتور القفاري بلا تدقيق في صحتها؟ وأني أعتقد بأنّك لم تقرأ الرواية في كتاب الكافي، لأنّه قد جاء في حاشية هذه الصفحة من كتاب الكافي: «في سنده سهل بن زياد، ضعيف في الحديث، غير معتمد عليه، وكان أحمد بن محمد بن عيسى شهد عليه بالغلوّ والكذب، وأخرجه من قم إلى الري، وكان يسكنها. نقله العلاّمة في القسم الثاني من الخلاصة عن النجاشي<([585])، وهو القسم المعدّ للضعفاء.

مضافاً إلى أنّ في سند الرواية أيضاً ابن سنان، وهو محمد بن سنان الذي ورد فيه أيضاً تضعيف في الكتب الرجاليّة.

قال النجاشي: «وهو رجل ضعيف جدّاً لا يعوّل عليه، ولا يلتفت إلى ما تفرد به... فقال صفوان: إن هذا ابن سنان، لقد هم أن يطير غير مرة، فقصصناه حتى ثبت معنا. وهذا يدلّ على اضطراب كان وزال... مات محمد بن سنان سنة عشرين ومائتين»([586]).

وقال الشيخ الطوسي: «محمد بن سنان: له كتاب، وقد طعن عليه وضعّف»([587]).

وقال في كتاب الرجال في أصحاب الرضا×: «محمد بن سنان، ضعيف»([588]).

وقال في التهذيب: «محمد بن سنان: مطعون عليه، ضعيف جدّاً، وما يستبد بروايته ولا يشركه فيه غيره، لا يعمل عليه»([589]).

قال الكشّي: «وذكر الفضل في بعض كتبه، أن من الكاذبين المشهورين، ابن سنان، وليس بعبد الله»([590]).

وقال ابن الغضائري: «محمد بن سنان أبو جعفر الهمداني: مولاهم، هذا أصح ما ينسب إليه، ضعيف غال، يضع، لا يلتفت إليه»([591]).

وقال المفيد: «محمد بن سنان وهو مطعون فيه، لا تختلف العصابة في تهمته وضعفه، وما كان هذا سبيله لا يعمل عليه في الدين»([592]).

قال السيّد الخوئي: «ولولا أن ابن عقدة، والنجاشي، والشيخ، والشيخ المفيد، وابن الغضائري ضعفوه، وأن الفضل بن شاذان عده من الكذابين، لتعين العمل برواياته، ولكن تضعيف هؤلاء الأعلام يصدنا عن الاعتماد عليه، والعمل برواياته»([593]).

فالرواية التي عندنا ليست صحيحة، فكيف لك أن تستدل بها على الشيعة وترتب عليها الأثر؟ ألا يعتبر هذا خطأ في المنهج؟!

قال الدكتور الغامدي: الآن ثبت كلامي، وهو أنّ هؤلاء كذبوا على أئمّة أهل البيت، فنسبوا إليهم حديثاً ما قالوه أصلاً.

قلت: يا دكتور، ليس الأمر كما ذكرت، وهذا ظلم؛ لأنّك ذكرتَ حديثاً واعتمدت عليه دون أن تحقق في سنده، وفرق كبير بين كون الرواية ضعيفة وبين كونها مكذوبة وموضوعة، مع غض النظر عن أن مضمون الرواية ثابت عند الشيعة بغير هذه الرواية.

فلو ذكرنا رواية ضعيفة عن مجمع الزوائد للهيثمي أو عن معجم الطبراني وفي مضمونها معتقد معين ثمّ تهجمنا بسببه على أهل السنّة، فماذا تقولون؟ أيصح هذا من جهة منهجية؟

مضافاً إلى أنّ هذه الرواية التي استندت إليها هي في المجلد الثامن من الكافي المسمّى بالروضة، وهناك خلاف بين علماء الشيعة في كونه للكليني أم لا.

ثمّ قلت: يا دكتور، لو ادّعى أحد بأنّ إنساناً يحيي الموتى وادعى آخر بأنّ إنساناً يحاسب الناس، أيّهما أعظم؟

قال: الأنبياء قد جعل اللّه لهم علامات ومعجزات وأمّا غير الأنبياء فكذِبٌ.

قلتُ: ابن تيميّة يعتقد أنّ عدّة من الأولياء قادرون على إحياء الموتى.

بحث استطرادي آخر

ابن تيمية يعتقد أن غير الأنبياء يحيون الموتى أيضا

هذا البحث خارج عن الحوار أيضاً، وأدرجه هنا للفائدة؛ وهو إثبات أن مسألة إحياء الموتى أو التصرف التكويني في الأشياء هي أمور ليست ممتنعة عقلاً، ولا يختص بها الأنبياء، وقد اعتقد بها حتى مثل ابن تيمية.

قال ابن تيمية: «وقد يكون إحياء الموتى على يد أتباع الأنبياء، كما وقع لطائفة من هذه الأمة ومن أتباع عيسى. فإنّ هؤلاء يقولون: نحن إنّما أحيا اللّه الموتى على أيدينا لاتّباع محمد أو المسيح، فبإيماننا بهم وتصديقنا لهم، أحيا اللّه الموتى على أيدينا»([594]).

وقال أيضاً: «فإنّه لا ريب أنّ اللّه خص الأنبياء بخصائص لا توجد لغيرهم، ولا ريب أنّ من آياتهم ما لا يقدر أن يأتي بها غير الأنبياء، بل النبي الواحد له آيات لم يأت بها غيره من الأنبياء كالعصا واليد لموسى وفرق البحر، فإنّ هذا لم يكن لغير موسى، وكانشقاق القمر والقرآن وتفجير الماء من بين الأصابع وغير ذلك من الآيات التي لم تكن لغير محمد من الأنبياء، وكالناقة التي لصالح فإن تلك الآية لم يكن مثلها لغيره وهو خروج ناقة من الأرض، بخلاف إحياء الموتى فإنّه اشترك فيه كثير من الأنبياء، بل ومن الصالحين»([595]).

وقال أيضاً: «فإنّ أعظم آيات المسيح× إحياء الموتى، وهذه الآية قد شاركه فيها غيره من الأنبياء كإلياس وغيره، وأهل الكتاب عندهم في كتبهم أنّ غير المسيح أحيا اللّه على يديه الموتى»([596]).

رجل من النخع أحيى حماره

قال ابن تيمية: «ورجل من النخع كان له حمار، فمات في الطريق، فقال له أصحابه: هلم نتوزع متاعك على رحالنا، فقال لهم: أمهلونى هنيهة، ثم توضأ فأحسن الوضوء، وصلّى ركعتين، ودعا الله تعالى، فأحيا له حماره فحمل عليه متاعه»([597]).

وصلة بن أشيم أحيى فرسه

وقال أيضاً: «وصلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو، فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق عليّ منّة، ودعا اللّه عز وجل فأحيا له فرسه، فلمّا وصل إلى بيته، قال: يا بني، خذ سرج الفرس فإنّه عارية وأخذ سرجه، فمات الفرس»([598]).

عودة إلى الحوار مع الغامدي

وبعد هذا نعود لحوارنا مع الدكتور الغامدي:

قلت: يا أخي العزيز، لو اعتقد أحد بأنّ هؤلاء يحيون الموتى من دون إذن اللّه فهذا شرك، ولكن لو اعتقد أنّه يحيي الموتى بإذن من اللّه، كما عن عيسى، فليس هذا شركاً، وهل اللّه عاجز أن يعطي هذه القدرة لواحد من البشر؟

قال الدكتور الغامدي: هذه قضايا غيبيّة لا نصل إليها إلا من طريق الدليل الصريح.

قلت: هناك عبارات كثيرة عن ابن تيميّة أيضاً يصرّح بأنّ أولياء اللّه يعلمون الغيب.

بحث استطرادي أيضا

قول ابن تيمية بأن الصحابة يعلمون الغيب

وهذا أيضاً من البحوث الخارجة عن الحوار، أضعه هنا بين يدي القارئ الكريم للفائدة:

قال ابن تيمية في جواب العلاّمة الحلي: «أمّا الإخبار ببعض الأمور الغائبة فمن هو دون عليّ يخبر بمثل ذلك، فعلي أجلّ قدراً من ذلك، وفي أتباع أبي بكر وعمر وعثمان من يخبر بأضعاف ذلك، وليسوا ممّن يصلح للإمامة ولا هم أفضل أهل زمانهم، ومثل هذا موجود في زماننا وغير زماننا. وحذيفة بن اليمان وأبو هريرة وغيرهما من الصحابة كانوا يحدثون الناس بأضعاف ذلك.

وأبو هريرة يسنده إلى النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وحذيفة تارة يسنده وتارة لا يسنده وإن كان في حكم المسند.

وما أخبر به هو وغيره قد يكون مما سمعه من النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وقد يكون مما كوشف هو به، وعمرL قد أخبر بأنواع من ذلك.

والكتب المصنفة في كرامات الأولياء وأخبارهم مثل ما في كتاب الزهد للإمام أحمد وحلية الأولياء وصفوة الصفوة وكرامات الأولياء لأبي محمد الخلال وابن أبي الدنيا واللالكائي، فيها من الكرامات عن بعض أتباع أبي بكر وعمر، كالعلاء بن الحضرمي نائب أبي بكر وأبي مسلم الخولاني، وبعض أتباعهما وأبي الصهباء وعامر بن عبد قيس وغير هؤلاء»([599]).

الكهان يعلمون الغيب بإخبار الشياطين

وقال أيضاً: «وأمّا إخبار الكهّان ببعض الأمور الغائبة لإخبار الشياطين لهم بذلك وسحر السحرة، بحيث يموت الإنسان من السحر أو يمرض أو يمنع النكاح ونحو ذلك، مما هو بإعانة الشياطين، فهذا أمر موجود في العالم كثير معتاد يعرفه الناس، وليس هذا خرق للعادة، بل هو من العجائب الغريبة التي يختصّ بها بعض الناس...»([600]).

وما دام الكهّان يعلمون الغيب بإخبار الشياطين، فهذا يعني أن للشياطين قدرة على معرفة الغيب، ومن هنا يقال: لماذا لا يكون للملائكة هذه القدرة وهم بدورهم يخبرون الأئمة أو غيرهم من الأولياء؟

المدعون للنبوة يطلعون على المغيبات

وقال ابن تيميّة: «قد ادعى جماعة من الكذّابين النبوة وأتوا بخوارق من جنس خوارق الكهّان والسحرة:... وهذا الأسود العنسي الذي ادعى النبوة باليمن في حياة النبي واستولى على اليمن، وكان معه شيطان سحيق ومحيق، وكان يخبره بأشياء غائبة» إلى أن قال: «وكذلك الحارث الدمشقي ومكحول الحلبي وبابا الرومي لعنة اللّه عليهم، وغير هؤلاء كانت معهم شياطين كما هي مع السحرة والكهّان»([601]).

وقال أيضاً: «وكذلك مسيلمة الكذّاب كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيّبات ويعينه على بعض الأمور، وأمثال هؤلاء كثيرون مثل الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة، وكانت الشياطين تخرج رجليه من القيد وتمنع السلاح أن ينفذ فيه، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده، وكان يرى الناس رجالاً وركباناً على خيل في الهواء، ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جنّاً ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسم اللّه فسمّى الله فطعنه فقتله»([602]).

وقال أيضاً: «ومن استمتاع الإنس بالجن استخدامهم في الإخبار بالأمور الغائبة»([603]).

اطلاع ابن تيمية على المغيبات

إخبار ابن تيمية عن هزيمة جيش التتار

قال ابن القيم الجوزيّة، تلميذ ابن تيميّة: «ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية أموراً عجيبة، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم، ووقائع فراسته تستدعي سفراً ضخماً، أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة، وأنّ جيوش المسلمين تكسر، وأنّ دمشق لا يكون بها قتل عام ولا سبيّ عام، وأنّ كلب الجيش وحدته في الأموال: وهذا قبل أن يهمّ التتار بالحركة، ثمّ أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لمّا تحرك التتار وقصدوا الشام: أنّ الدائرة والهزيمة عليهم وأنّ الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يميناً، فيقال له: قل إن شاء اللّه، فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً»([604]).


اطـلاع ابن تيمية على اللوح المحفوظ

قال ابن تيمية أيضاً: «فلما أكثروا عليّ قلت: لا تكثروا، كتب اللّه تعالى في اللوح المحفوظ: إنّهم مهزومون في هذه الكرة، وأنّ النصر لجيوش الإسلام.

قال: أطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدوّ، وكانت فراسته الجزئية في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر»([605]).

 ابن تيمية يعرف بواطـن أصحابه

قال ابن القيمّ الجوزيّة: «وقال [ابن تيمية] مرّة: يدخل عليّ أصحابي وغيرهم فأرى في وجوههم وأعينهم أموراً لا أذكرها لهم، فقلت له: أو غيري لو أخبرتهم؟!

فقال: أتريدون أن أكون معرفاً كمعرف الولاة، وقلت له يوماً: لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح! فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعته أو قال: شهراً!»([606]).

إخبار ابن تيمية بأمور باطـنة عن ابن القيم

قال ابن القيم الجوزية بعد ذلك: «وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي ممّا عزمت عليه، ولم ينطق به لساني، وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل، ولم يعين أوقاتها وقد رأيت بعضها، وأنا أنتظر بقيتها وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته، واللّه أعلم»([607]).

انتهاء الحوار مع الدكتور الغامدي

وفي آخر الجلسة أعطيت الدكتور نسخة من كتاب (قصّة الحوار الهادئ)، وهي النسخة التي لم تطبع، وقلت له: لو كانت عندك أي ملاحظة أرسلها إليّ حتى أدخلها في الكتاب قبل طباعته، ولكن إلى الآن لم تصلني أي ملاحظة منه.


 






تحليل ونقد شبهات كتاب الحوار الهادئ

§       تمهيد

§       ملاحظات منهجية ومسائل أخرى

§       مقارنة بين كتابي الكافي وصحيح البخاري

§       حوار حول عقيدة التقية والبداء

§       حوار حول الآيات الذامة لبعض الصحابة

§       حوار حول النفاق والمنافقين

 

 


تمهيد

ذكرنا سابقاً بأنّ بداية الحوار كانت في الليلة السادسة عشر من شهر رمضان المبارك عام 1423هـ، حيث ذهبت برفقة عدد من طلاب جامعة أم القرى إلى محل إقامتهم وسكناهم، وبعد أن تناولنا الطعام توجهنا إلى أحد المساجد لأداء صلاة العشاء، فصليت العشاء جماعة ولم أشترك في أداء صلاة التراويح؛ لعدم اعتقادي بمشروعيتها، فانشغلت بقراءة القرآن.

وبعد أن أتموا صلاة التراويح، توجهنا، وكنت أظنّ أننا ذاهبون إلى الشيخ محمد بن جميل بن زينو, لكننا فعلاً ذهبنا إلى بيت الشيخ الدكتور أحمد الغامدي، وهو من الأساتذة البارزين في جامعة أم القرى.

ثم بعد الترحيب تجاذبنا أطراف الحديث حول بعض المسائل الخلافية بين السنة والشيعة، وكان من تلك المسائل مسالة الإمامة والتقية وولادة الإمام المهدي× وبيعة الإمام علي× والتكفير، وغيرها من المسائل التي سنعرضها للقارئ الكريم.

وقد استمر الحوار إلى ساعة متأخرة من الليل، وبعد انتهاء اللقاء أصرّ الدكتور الغامدي على استمرار التواصل بيننا في المستقبل، وطلب مني أن اكتب له أسئلة لكي يجيب عنها عبر (الفاكس) بشكل مكتوب، وبعد أن ودعته ورجعت إلى مقر إقامتي في الفندق كتبت له بعض الأسئلة المختصرة نزولاً عند رغبته في ذلك، واختصت ببعض المسائل التي تدور حول الصحابة.

وعند وصول أسئلتي إليه كتب الدكتور جواباً عنها وأرسلها إلي عبر (الفاكس)، فشكرته على ذلك في رسالة جوابية، لكن لكثرة انشغالاتي بالتدريس والتحقيق لم أتمكن من الرد على أسئلته التي تضمنتها رسالته، وبقيت تلك الأسئلة في حوزتي على أمل أن أجيب عنها حين يتوفر لي الوقت الكافي، وقد حاولت جاهداً أن اقتطع من وقتي لكي أرد عليها، وفاءً للمودة التي حصلت بيننا، ولرفع بعض الإشكالات والالتباسات التي حوتها رسالته التي أرسلها إليّ، فبدأت بالرد على ما أرسله، وحرصت على أن تكون أجوبتي على تساؤلاته موضوعية مدعومة بالأدلة والشواهد، ومتبعاً فيها المنهج العلمي الصحيح في الحوار والمحاججة، وأن يكون أسلوب الرد أسلوباً منسجماً مع آداب المناظرة والحوار.

فكتبت ردّاً هو عبارة عن رسالة مختصرة ـ ذكرناها سابقاًـ وأرسلتها إليه عن طريق بعض الأخوة الذين ذهبوا إلى السعودية.

وبعد مضي مدة معينة، ما يقارب السبعة أشهر، سلّمني الدكتور ردّاً مفصلاً على شكل كراسة كرد على ما أرسلته له، وقد اختزل في ذلك الرد ما دار بيننا فيه من حوار ولقاءات شفوية، وكانت لغة الرد لغة قاسية ولم تكن ودّية على الإطلاق، بخلاف ما لمست من أخلاق سامية يمتاز بها الدكتور.

ثمّ التقيته في بيته في سنة 1426هـ بمعية الأستاذ الهادوي وكلزاده، واعترضت على الدكتور قائلاً: إنّ ما أرسلته إليّ من الردود والحوارات لم تكن هادئة أصلاً، مضافاً إلى أنك قد حرّفت ما جرى بيني وبينك في لقائنا الأول في بيتك، وفسرته بما يفيدك وحذفت ما يضرك.

فقال: اذكر لي مورداً مما ادعيته.

قلت: إنك لما أوردت على اعتقاد الشيعة في مسألة التقية، وأجبتك عن ذلك رفعت يديك قائلاً: قبول! قبول!

ثم رميت ما كان بيدك من أوراق مصورة عن كتاب الكافي.

فخجل الدكتور وكان ذلك بحضور أولاده.

وفي غمرة انشغالاتي في البحوث والتدريس في الجامعة والحوزة، بالإضافة إلى بعض الانشغالات الاجتماعية الأخرى لم أتمكن من تخصيص وقت أجيب فيه على أسئلة الدكتور التي كانت بحاجة إلى وقت يتناسب معها.

وقد ساءني كثيراً حين رأيت هذه الحوارات قد وضعت في أكثر من موقع من مواقع الانترنيت والتي تعدّ من المواقع المتطرفة ضد الشيعة.

 واستغربت أكثر حين رأيت أن تلك الحوارات قد أخذت منحى آخر، وذلك حين صدرت على شكل كتاب باسم (حوار هادئ مع الدكتور القزويني الشيعي الاثني عشري)، وقد وصلتني نسخة من الكتاب، وتصفحتها، فوجدت أن الدكتور قد خالف في كتابه هذا أهم مبادئ الحوار وأسس المناظرة، أهمها:

أولاً: لم يكن الحوار هادئاً

إنّ عنوان الكتاب لا يكشف عن مضمونه، فلم يكن الحوار فيه هادئاً، بل كان مشحوناً في بعض مواضعه بالإثارة والاستفزاز للطرف الآخر.


ثانياً: عدم رعاية الأمانة العلمية

افتقد الكتاب إلى أبسط مقومات البحث العلمي، وهو رعاية الأمانة العلمية في النقل, والتي هي من أوليات أسس الكتابة والحوار, فضلاً عن كون ذلك من أخلاق الإسلام ومبادئه, فقد حذف الكاتب في كتابه المذكور أصل الحوارات التي دارت بيننا، وقام باختزالها؛ مع أن تلك الحوارات كانت من الأهمية بمكان، وقد أظهر الدكتور في كثير منها عجزه وعدم قدرته على الرد.

ثمّ إنه لم ينقل في كتابه (حوار هادئ) رسالتي الأخيرة التي أرسلتها إليه بتمامها أولاً، ثمّ يبدأ بنقدها والردّ عليها، لكنه مع الأسف اختار وانتقى ما شاء، وحذف الكثير مما جاء فيها, ليبدو ما اقتطعه من سياقه العام ضعيفاً في نظر القارئ; وهذا خلاف الأمانة العلميّة، ولايليق بمسلم فضلاً عن أستاذ جامعي.

ثالثاً: تضمن ادعاءات غير مستندة إلى دليل

إن الذي يقرأ كتاب (حوار هادئ) يلاحظ فيه الكثير من الدعاوى الخالية من الأدلة العلمية، نشير فيما يلي إلى بعضها:

1ـ قال في صفحة 77 من كتاب حوار هادىء الطبعة الأولى: «إنّ المطلع على جميع كتب الشيعة بدون استثناء لا يرى إلاَّ التكفير أو التفسيق لهؤلاء العظماء».

2ـ قال أيضاً في صفحة 55: «ولم يبقَ منهم [أي الصحابة] أحد لم يُكفَّر أو يُفسّق إلاَّ أربعة أشخاص».

3ـ قال في صفحة 66: «إنّ ادعاء كفر الصحابة أو فسقهم أو خيانتهم عن بكرة أبيهم ما عدا أربعة أشخاص أشد غرابة من القول بعدالتهم».

4ـ في صفحة 84 قال: «ولمَّا كان معتقد الشيعة أنَّ جميع الصحابة كفروا أو فسقوا إلاَّ أربعة أشخاص أو نحوهم فلم يبقَ إذن إلاَّ ذلك العدد».

5ـ قال في صفحة 145: «كتب الشيعة الروائية لا يكاد يخلو كتاب من كتب الآثار المروية في العقائد أو التفاسير أو الرجال من تضليل الصحابة أو تكفيرهم إلاَّ أربعة أشخاص».

6ـ قال في صفحة 222: «هذا الجزء اليسير [أي الشيعة] اختار تكفير جميع الصحابة أو تضليلهم ما عدا أربعة أشخاص».

أقول: إنّ هذا الكلام على إطلاقه عار عن الصحة، فالشيعة ـ على ما سياتي في بحث نظرية عدالة الصحابة في الأجزاء اللاحقة ـ يعتقدون بعدالة الكثير من الصحابة، نعم في الوقت ذاته يعتقدون بأن هناك جملة منهم لم يكونوا على خط العدالة، وهذا المضمون أيضاً مما يلتزم به الغامدي عملاً في كتابه هذا وإن كان نظرياً يصرح بعدالة جميع الصحابة.

 ومن نماذج التزامه العملي بعدم عدالة الجميع:

أـ قوله في صفحة 74: «ثمّ إنّ الناس الذين لم يتربوا على مائدة النبوة ممَّن أسلم من أهل القرى والبوادي البعيدة اهتز إيمان كثير منهم، وجَهِل كثير منهم فرائض الدين، فحدثت رِدَّة عن دين اللّه عزّ وجل من بعضهم، وامتناع عن دفع الزكاة من البعض الآخر، ولم يبقَ على الدين سوى ثلاث مدن: (المدينة، ومكَّة، والطائف)، وما عداها فقد أعلنوا عصيانهم».

فهل أنّ المرتدّين الذين يعيشون في غير هذه المدن الثلاث من الصحابة أم لا؟!

ب ـ ما نقل في صفحة 75 عن ابن كثير للاستدلال على ما ادّعِي في العبارة الآنفة, وهو قوله: «وقد ارتدَّت العرب إمَّا عامة وإمَّا خاصة، في كلّ قبيلة...ثمَّ إنّ الصدِّيق (رض) أخذ يجهِّز الجيوش لحرب المرتدِّين».

ج ـ قوله في صفحة 244 ـ 245: «وقد حدثت ردة بعد موت النبيّ من كثير من العرب ثمَّ إن اللّه عزّ وجل أقام أبا بكر (رضى الله عنه) لهذه الردة ومعه إخوانه من عظماء الصحابة، فقاتلوا المرتدين حتَّى أعادوهم إلى الدين.

فإن قال الشيعة: إنّ الردة قد وقعت وهي هذه وأقروا بالحقيقة فقد اعترفوا بفضل الصدِّيق (رضى الله عنه).

وإن أنكروا فلا يستحقون المناظرة لأنَّ إنكار البديهيات يسقط أهلية المخالف للحوار».

فهل أن هؤلاء المرتدين، كانوا من الصحابة العدول ثمّ ارتدّوا أم من غيرهم؟

رابعاً: عبارات التنقيص للإمام علي× في الكتاب

قلتم في صفحة 180ـ في معرض الكلام حول حديث الحوض، وقول النبيّ’ بأنّ بعض الصحابة يرتدّون على أعقابهم من بعده ـ: «لو أراد شخص أن يحمل هذا الحديث على عليّ (رضى الله عنه) فقال: إنّ علياً هو المقصود بالحديث ولفظه دال عليه، وأنتم قد أوردتم النص من الصحيحين وفيه: أنَّ النبيّ قال: (إنَّهم منِّي). صحيح البخاري: 7/207، ومسلم: 7/65. وهذا اللفظ يدل على أنَّ المقصود من أهل بيتي لأن لفظة: (منِّي) لا تحتمل غير هذا. وفي رواية أسماء: (فأقول: يارب: منِّي ومن أمَّتي) صحيح البخاري: 7/209، ومسلم: 7/66. وهذا دليل على عليّK وعلى الذين قاتلوا معه فأراقوا الدماء بغير حق!! فهل تستطيع أن ترد على هذه الدعوى بغير الاستدلال بمن اعتقدت أنَّهم ارتدوا؟؟!!».

ألا يكون الاستدلال بهذه العبارة حكماً واضحاً بارتداد علي×؟! فإن اعتقادك بصحة الرواية من جهة، وإيمانك بأن لفظة (منّي) في الحديث لا تحتمل غير أهل البيت(علیهم السلام)، لا معنى له إلا الحكم على أهل البيت وعلى علي× بالخصوص بالارتداد, وهذا هو النصب والعداء بعينه.

من هنا وجدنا من الضروري أن نقوم بالرد على ما كتبه الدكتور الغامدي لنزيل بعض الشبهات التي أثارها، ولنكشف مدى ضعف الأدلة الت