الكتاب

 

الكتاب:···  الفضائل

المؤلّف:···  شاذان بن جبرئيل بن أبي طالب القمّيّ

تحقيق:···  السيّد محمّد الموسويّ ـ الشيخ عبد اللّه الصالحيّ

المشرف على التحقيق:···  السيّد محمّد الحسينيّ القزوينيّ

الناشر:···  مؤسّسة وليّ العصر عليه‏السلام للدراسات الإسلاميّة ـ قم المشرّفة.

الطبعة:···  الاولى ـ ذي الحّجة 1422.

المطبعة:···  الشريعة

فوتوكرافى:···  الكوثر

الكميّة:···  5000 نسخة.

السعر:···   27000 ريال.

 

مركز النشر:

نشر مؤسّسه وليّ العصر عليه‏السلام للدراسات الإسلاميّة ـ قم، تلفون: 7735831

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ساعدت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي على طبعه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

شابك 4 ـ 8 ـ 90137 ـ 964ISBN 964 - 90137 - 8 - 4    


 

 

 

 

 

 

«قال أنس بن مالك: سمعت بأُذنيّ

أنّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم» يقول في حقّ

عليّ بن أبي طالب  عليه‏السلام:

عنوان صحيفة المؤمن يوم القيامة

حبّ عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام

 

 


 

 


 

 

 

 

 

 

المقدّمة

 

الحمد للّه الذي يؤتي الفضل من يشاء، وهو «ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»[1]
والشكر للّه الذي منّ على المؤمنين «إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا
عَلَيْهِمْ ءَايَـتِهِى وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَـبَ وَالْحِكْمَةَ
»
[2]. وجعل خلائف في
الأرض؛ ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه«لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُ
بَعْدَ الرُّسُلِ
»
[3].

ثمّ الصلاة والسلام على البشير النذير، الذى أرسله الله «بِالْهُدَى وَدِينِ
الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُو عَلَى الدِّينِ كُلِّهِى وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
»
[4].

وعلى آله الأطيبين، الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا[5]،
وكيف لا وهم من بيوت أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه
[6]، وهم بعرشه

محدقون، وقد جعل مودّتهم أجر نبيّه
[7] وولايتهم إكمالاً لدينه[8].

وصلواته وبركاته الدائمة على حجّة اللّه على خلقه، والناطق بحكمته،
والشاهد على بريّته، وارث الأنبياء، وخاتِم الأوصياء، والقائم المنتظر، والسيف
المشتهر، ربيع الأنام، ونضرة الأيّام، الذي وعد اللّه عزّ وجلّ به الأمم أن يجمع به
الكلم، ويلمّ به الشعث، ويملأ الأرض قسطا وعدلاً بعد ما ملئت ظلما وجورا.

جعلنا اللّه من أعوانه وأنصاره، ومقويّة سلطانه، والمؤتمرين بأمره، والراضين
بفعله، والمسلّمين لأحكامه.

 *     *     *

أمّا بعد فنقول: إنّ الكلام في الذين «خلقهم اللّه من نور جلاله وعظمته،
فجعلهم أمام عرشه، يسبّحونه ويقدّسونه قبل خلقه السماوات والأرضين»
[9]،
أمر صعب لمن لم يشرب من ثدي الوحي، ولم يكن له نصيب من علم الكتاب؛
لأنّهم «أجلّ قدرا، وأعظم شأنا، وأعلا مكانا، وأمنع جانبا، وأبعد غورا» من أن
يبلغهم الناس بعقولهم، أو ينالوهم بآرائهم ... .

وأنّهم «كالشمس الطالعة المجلّلة بنورها للعالم، وهي في الأفق، بحيث لاتنالها
الأيدي والأبصار»
[10].

بل كلّ من تكلّم  فيهم، فهو على قدر ما عنده من العلم والمعرفة؛ «لأنّ اللّه
عزّ وجلّ قد أعطاهم أكبر و أعظم ممّا يخطر على قلب أحد من الخلق»
[11].

وأمرنا الأئمّة الأطهار عليهم‏السلام بأن لانغلوا فيهم، وأن نجعلهم عبادا للّه، ثمّ نقول
ما شئنا في فضلهم؛ كما صرّح بذلك أمير المؤمنين عليه‏السلام في كلامه لأبي ذر: «أنا
عبد اللّه عزّ وجلّ، وخليفته على عباده، لا تجعلونا أربابا، وقولوا في فضلنا ما
شئتم؛ فإنّكم لا تبلغون كنه مافينا ولا نهايته؛ فإنّ اللّه عزّوجلّ، قد أعطانا أكبر
وأعظم ممّا يصفه واصفكم، أو يخطر على قلب أحدكم»
[12].

ولولا الأمر على ذكر فضائلهم ونشر مناقبهم، وخوف الوعيد للكاتمين
فضائلهم، والاّ فهم أعظم ممّا نقول فيهم، وأجلّ ممّا نتفوّه به من خصالهم
وفضائلهم؛ فقد ورد فيهم: «ضلّت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب،
وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيّرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء،
وخصرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلّت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت
البلغاء، عن وصف شأن من شأنهم، أو فضيلة من فضائلهم»
[13]. فما عسانا أن
نقول فيهم؟!

ومعرفتهم واجبة علينا، ولو لا رحمة اللّه تعالى بنا حيث جعل معرفتهم على
قدر ما آتانا من العلم، فقال: «لا يكلّف اللّه نفسا إلاّ وسعها»
[14].

جاء في صحيحةٍ عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر عليه‏السلام: أخبرني عن معرفة
الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟


فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ بعث محمدا صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم إلى الناس أجمعين رسولاً وحجّةً
على جميع خلقه في أرضه، فمن آمن باللّه و بمحمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلمرسول اللّه، واتّبعه
وصدّقه، فإنّ معرفة الإمام منّا واجبة
[15].

ولم يُعذر أحد في ترك معرفتهم؛ كما ورد عن الفضيل أنّه قال: سمعت أبا
جعفر عليه‏السلاميقول: «... ولا يعذر الناس حتّى يعرفوا إمامهم، ومن مات وهو
عارف لإمامه، لا يضرّه تقدّم هذا الأمر أو تأخّره، و من مات عارفا لإمامه،
كان كمن هو مع القائم
عليه‏السلام فى فسطاطه»
[16].

وقد حكم فيمن مات من دون معرفة إمامه؛ بأنّه مات ميتة جاهليّة وكفر
وضلال ونفاق.

كمافي صحيحة أبي العلاء، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه‏السلامعن قول رسول
اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: «من مات ليس له إمام مات ميتة جاهليّة»؟ قال: نعم، إلى أن قال:
من مات لا يعرف إمامه، مات ميتة جاهليّة، ميتة كفر؟

فقال  عليه‏السلام: لا! ميتة ضلال»[17].

وفي صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه‏السلام: واللّه يا محمد! من أصبح من
هذه الأمّة، لا إمام له من اللّه عزّ وجلّ، ظاهر عادل، أصبح ضالاًّ تائها، وإن
مات على هذه الحالة، مات ميتة كفر ونفاق
[18].

وقد اشترط قبول العمل بولايتهم، بحيث لا يقبل اللّه من أحد عملاً قليلاً كان
أو كثيرا، إلاّ بعد قبول ولايتهم؛ كما عن أبي عبد اللّه  عليه‏السلام في قول اللّه تعالى:

«وللّه الأسماء الحسنى»، نحن واللّه الأسماء الحسنى، التي لايقبل اللّه من العباد
إلاّ بمعرفتنا
[19].

كما أنّه جعل ثمن الجنّة معرفتهم؛ لما ورد عن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم أنّه قال لعليّ:
«ثلاث أقسم أنّهنّ حقّ: ... لايدخل الجنّة إلاّ من عرفكم ...»
[20].

ولوكان لأحد من الأعمال ما بلغ، ولم يكن مواليا لهم، لم يشمّ رائحة الجنّة.

وهو ما نقله الخوارزمي في مناقبه  عن عليّ عليه‏السلام عن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم أنّه قال: «يا
عليّ! لو أنّ عبدا عبد اللّه مثل ما قام نوح في قومه، وكان له مثل أُحد ذهبا،
فأنفقه في سبيل اللّه، ومُدّ في عمره حتّى حجّ ألف عام على قدميه، ثمّ قتل بين
الصفا والمروة مظلوما، ثمّ لم يوالك يا عليّ، لم يشمّ رائحة الجنّة، ولم يدخلها»
[21].

وكفى في فضلهم أنّ إجابة دعاء الأنبياء وكشف كربهم، كانت بالتوسّل إليهم.

ففي رواية الصدوق، عن النقاش، عن ابن عقدة، عن علي بن الحسن بن
فضّال، عن أبيه، عن الرضا عليه‏السلام: «قال: لمّا أشرف نوح عليه‏السلام  على الغرق، دعا اللّه
بحقّنا، فدفع اللّه عنه الغرق، ولمّا رمي إبراهيم عليه‏السلام في النار، دعا اللّه بحقّنا، فجعل
اللّه النار عليه بردا وسلاما، وإنّ موسى عليه‏السلام لمّا ضرب طريقا في البحر، دعا اللّه
بحقّنا، فجعله يبسا، وإنّ عيسى  عليه‏السلام لمّا أراد اليهود قتله، دعا اللّه بحقّنا، فنجّي من
القتل، فرفعه إليه»
[22].

وما خفي عنهم علم السماوات والأرض، ولم يعزب عنهم شيء من أخبار
الإنس والجنّ، كما ورد فيما سأل يحيى بن أكثم أبا الحسن العالم (العسكري) عليه‏السلام

عن قوله تعالى: «و لو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده
سبعة أبحر ما نفدت كلمات اللّه
»
[23] فقال  عليه‏السلام: «... ونحن الكلمات التي لا
تدرك فضائلنا، ولا تستقصى»
[24].

عن أبي جعفر عليه‏السلام  أنّه قال: «أترون أنّ اللّه تبارك وتعالى افترض طاعة
أوليائه على عباده، ثمّ يخفي عنهم أخبار السماوات والأرض ؟!
[25]».

وورد في توقيع مولانا الحجّة أرواحنا لتراب مقدمه الفداء: «فإنّا يحيط علمنا
بأنبائكم، ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم»
[26].

حيث كانت قلوبهم أوعية لمشية اللّه، كما ورد عنه عجلّ اللّه تعالى فرجه
الشريف: «قلوبنا أوعية لمشيّة اللّه، فإذا شاء اللّه شئنا»
[27].

وإرادة الربّ فيما يتعلّق بالوجود تهبط إليهم، وتصدر من بيوتهم؛ بحيث
لاينفّس الهمّ، ولايكشف الضرّ من أحد إلاّ بهم، ولا تنزل رحمة من السماء،
ولايغفر لعبد إلاّ بهم، كما نقرأ في زيارة الجامعة المنقولة عن مولانا الهادي  عليه‏السلام:

«بِكم فتح اللّه، وبكم يختم، وبكم‏ينزِّل الغيث، وبكم يمسك السماء أن تقع على
الأرض إلاّ بإذنه، وبكم ينفّس الهمّ، ويكشف الضرّ ... وأشرقت الأرض
بنوركم، وفاز الفآئزون بولايتكم، بكم يسلك إلى الرضوان، وعلى من جحد
ولايتكم غضب الرحمن ...  وبموالاتكم تقبل الطاعة المفترضة،  إنّ بيني وبين اللّه
عزّ وجلّ ذنوبا، لايأتي عليها إلاّ رضاكم
[28].


بكم فتح اللّه، وبكم يختم، وبكم يمحو مايشاء، وبكم يثبت، ... وبكم تنبت
الأرض أشجارها، وبكم تخرج الأشجار ثمارها، وبكم تنزل السماء قطرها
ورزقها، وبكم يكشف اللّه الكرب ... وإرادة الربّ في مقادير أموره تهبط
إليكم، وتصدر من بيوتكم
[29].

 *     *     *

وختاما نشير إلى بعض ما وصل إلينا من أقوال العلماء الكرام والفقهاء العظام
في مقام الأئمّة عليهم‏السلام.

قال آية الحقّ، الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه‏الله: «مايستفاد من الأدلّة الأربعة
بعد التّتبع والتّأمّل، أنّ للإمام سلطنة مطلقة على الرعيّة من قِبَل اللّه تعالى، وأنّ
تصرّفهم نافذ على الرعيّة، ماضٍ مطلقا»
[30].

قال العلاّمة الفقيه، الفيلسوف، العارف، الشيخ محمّد حسين الإصفهاني قدس‏سره:
«لهم الولاية المعنويّة، والسلطنة الباطنيّة، على جميع الأمور التّكوينيّة
والتّشريعيّة، فكما أنّهم مجارى الفيوضات التّكوينيّة، كذلك مجاري الفيوضات
التّشريعيّة، فهم وسايط التكوين والتشريع ... الّتي هي لازم ذاتهم النوريّة،
نظير ولايته تعالى»
[31].

قال المحقّق الفقيه الآخوند الخراساني رحمه‏الله: «يجب تحصيل العلم في بعض
الاعتقادات، كمعرفة الواجب تعالى وصفاته، أداءً لشكر بعض نعمائه، وآلائه،

ومعرفة أنبيائه؛ فإنّهم وسائط نعمه، وآلائه؛ بل كذا معرفة الإمام على وجه
صحيح، فالعقل يستقلّ بوجوب معرفة النبىّ ووصيّه لذلك»
[32].

قال المحقّق الفقيه العارف الشيخ محمدرضا القمشه‏اى رحمه‏الله: «فالحقيقة المحمّديّة
هي الّتي تجلّت في صورة العالم، والعالم من الذرّة إلى الدرّة، ظهورها
وتجلّيها»
[33].

ومؤسّسة ولي العصر، إذ تضع بين أيدي القرّاء الأعزّاء من علماء وفضلاء
ومثقّفين هذا السفر القيّم، لا تنسى أن تقدّم عظيم شكرها، وجزيل امتنانها لكلّ
الإخوة، الذين ساهموا بعطائهم العلمي وجهودهم الطيّبة في تحقيقه وتقويم نصّه
وطباعته ونشره، ونخصّ بالذكر الاستاذ الفاضل أحمد مسجدجامعي، وزير
الثقافة والإرشاد الإسلامي، نسأله تعالى أن يمنّ عليهم جميعا بمزيد من العطاء،
ليبقى وتبقى هذه البضاعة المزجاة ذخرا ليوم لا ينفع مال ولا بنون. إنّه سميع مجيب
الدعاء

مؤسّسة ولي العصر للدراسات الإسلاميّة

السيد محمد الحسيني القزويني


 

 

 

 

 

 

 

مقدّمة التحقيق         

 

 

 

  فكرة تحقيق الكتاب

  أسم المؤلّف رحمه‏الله وحياته

  آثاره العلميّة

  التعريف بالكتاب

  مكانته عند العلماء

  مشايخه ومن روى عنهم

  تلاميذه والراوون عنه

  منهجنا في التحقيق


 


 

 

 

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد والثناء للّه، والصلوة والسلام على رسول اللّه، وعلى آله
آل اللّه، واللعن على أعدائهم أعداء اللّه إلى يوم لقاء اللّه.

 

فكرة تحقيق الكتاب

أمّا بعد، فإن ّ العام الذي نعيش فيه هو «عام الولاية» كما وصفه بذلك قائد
الثورة الاسلاميّة، لأ نّه تكّرر فيه عيد الغدير الأعظم، وهو اليوم الذي أكمل اللّه
فيه دينه وأتمّ على عباده نعمته، ورضي لهم الإسلام دينا بدعامته الخالدة التي
لا تنفصم، وهي الولاية المنجاة للمتمسّكين بها، وخصّ اللّه بها مولى الموحّدين،
أمير المؤمنين عليه‏السلام، وخليفة رسول ربّ العالمين، ووصىّ خاتم النبيّين صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم.

ولهذا كنّا نفكّر في أ نّه كيف يمكن لنا الخدمة بساحة الولاية الكبرى؟

وكنّا بصدد التحقيق في كتاب يحتوي فضائله، فوقفنا على هذا الكتاب الذي
كانت العمدة فيه فضائل مولانا وسيّدنا الإمام عليّ أمير المؤمنين عليه‏السلام، وبعد
الفحص حوله عن مظانّه، وصل إلينا أنّ الكتاب لم ينل إليه يد التحقيق بعد،
فعزمنا على تحقيقه بجدّ وجهد، وفي مجال لم يكن بواسع، وصرفنا عمدة أوقاتنا
في الليل والنهار حول الكتاب، حتّى صادف الختام في شهر رمضان المبارك سنة
1421 ه مع أيّام استشهاد مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات
المصلّين، وهذه بضاعة مزجاة لصاحب الولاية العظمى راجين منه القبول.


ونقدّم شكرنا الجزيل الخالص للذين ساعدونا في تسهيل الطريق للمقابلة
والتحقيق على النسخ المخطوطة، ونخصّ بالذكر سماحة الحجّة السيّد محمود
المرعشيّ، مدير المكتبة العامّة للمرحوم آية اللّه العظمى السيّد شهاب الدين
النجفيّ المرعشيّ طاب ثراه بقمّ المقدّسة.

ونحن وإن بذلنا ما استطعنا من مساع جَمّة في تحرير مادّة هذا الكتاب
وتحقيقه، بُغية أن لا يتعرّض لتصحيف، أو وهم، ينشأ من زلل القلم، أو الغفلة
نعتذر لأهل العلم والفضيلة إن وقع شيء من ذلك في ثنايا الكتاب، أو خلال
تحقيقه، آملين أن يتلطّفوا علينا بإخبارنا بذلك، حتّى نستفيد منه في الطبعات
الآتية، إن شاء اللّه تعالى.

وفي الختام نشكر الباري تعالى على هذا التوفيق، ونرجو منه أن يجعل عاقبة
أمورنا خيرا، وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.


 

 

 

 

مقدّمة التحقيق

أ ـ  اسم المؤلّف رحمه‏الله وحياته

قال الشهيد رحمه‏الله: الشيخ أبو الفضل، شاذان بن جبرئيل القمّيّ[34].

وقال العلاّمة المجلسيّ رحمه‏الله: الشيخ سديد الدين أبو الفضل شاذان بن جبرئيل
ابن إسماعيل القمّيّ
[35].

وقال الشيخ الحرّ العامليّ رحمه‏الله: الشيخ أبو الفضل شاذان بن جبرئيل بن
إسماعيل القمّيّ
[36].

وقال السيّد الأمين رحمه‏الله: الشيخ سديد الدين أبو الفضل شاذان بن جبرئيل بن
أبي طالب القمّيّ
[37].

وقال النمازيّ رحمه‏الله: شاذان بن جبرئيل بن إسماعيل بن أبي طالب القمّيّ،
أبو الفضل
[38].

وأمّا المثبت في النسخ المخطوطة، والمطبوعة من هذا الكتاب، هو: الشيخ الفقيه
شاذان بن جبرئيل القمّيّ.

وجدير بالذكر أنّ ما ورد في بعض كتب التراجم، ولا سيّما في النسخة

المطبوعة من منشورات  المطبعة الحيدريّة في النجف الأشرف من تكنيته ب«ابن
شاذان» كان سهواً وخطأً، وربما يوهم في الأذهان بأنّ المراد منه هو فضل بن
شاذان النيسابوريّ من أصحاب الرضا عليه‏السلام.

ومن المؤسف له حقّا، أنّه قد أهمل المؤرّخون والباحثون ذكر تاريخ ولادة
كثير من أعلام الفكر الإسلامي ووفاتهم؛ بل وأغفلوا ذكر جوانب عديدة من
حياتهم العلميّة والأدبيّة والاجتماعيّة.

ومن جملة هؤلاء، الشيخ المترجم له، حيث لم نقف على تاريخ ولادته
ولا وفاته، ولكن من خلال تتبّعنا لكتب التراجم، عرفنا أنّه من أعلام القرن
السادس، وكان رحمه‏الله نزيل المدينة المنوّرة، دار هجرة الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
[39].

ويستفاد من بعض العبارات أنّه كان مدّة في مدينة دمشق، وقرأ عليه بعض
الأعلام، سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة
[40].

قال السيّد الأمين: الشيخ سديد الدين أبو الفضل شاذان بن جبرئيل بن
أبي طالب القمّيّ، نزيل المدينة المنوّرة، كان حيّا سنة 584.

ونقل عن محمّد بن عبد اللّه بن عليّ بن زهرة الحسينيّ كلاما يستفاد منه أنّ
شاذان بن جبرئيل توفّي قبل سنة 604
[41]، ولقد سجّل في أوّل كتاب الفضائل
من منشورات الرضيّ أنّه توفّي حدود سنة 660 ه

 

 

ب ـ آثاره العلميّة


1 ـ  كتاب إزاحة العلّة في معرفة القبلة من سائر الأقاليم.

2 ـ  كتاب تحفة المؤلّف الناظم، وعُمْدة المكلّف الصائم.

3 ـ  كتاب درر المناقب في فضائل عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام.

4 ـ  كتاب الروضة.

5 ـ  كتاب الفضائل.

 

أقوال العلماء والأعلام حول آثار المؤلّف:

قال صاحب الذريعة رحمه‏الله: إزاحة العلّة في معرفة القبلة من سائر الأقاليم[42]
للشيخ سديد الدين أبي الفضل شاذان بن جبرئيل بن إسماعيل بن أبي طالب
القمّيّ، نزيل المدينة.

وعدّ من كتبه أيضا: تحفة المؤلّف الناظم وعمدة المكلّف الصائم ـ هو في
أحكام الصوم ـ، ودرر المناقب في فضائل عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام، والروضة في
المعجزات والفضائل، وكتاب الفضائل
[43].

وقال العلاّمة المجلسيّ رحمه‏الله: ولنختم الباب [ أي باب الصلاة] بذكر رسالة كتبها
الشيخ الجليل أبو الفضل شاذان بن جبرئيل القمّيّ قدّس اللّه روحه، في القبلة
[ في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة]، وكثيرا ما يذكر الأصحاب عنه، ويعوّلون
عليه، وهو داخل في إجازات أكثر الأصحاب ...، ثمّ روى ما في أوّل هذا
الكتاب، حيث قال قدّس سرّه: سألني الأمير فرامرز بن عليّ الجرجانيّ إملاء
مختصر، يشتمل على ذكر معرفة القبلة من جميع أقاليم الأرض ...، فامتثلت

مرسومه ...
[44].

وقال أيضا: كتاب الفضائل وكتاب إزاحة العلّة للشيخ الجليل أبي الفضل
سديد الدين شاذان بن جبرئيل القمّيّ ...، كذا ذكره أصحاب الإجازات
[45].

قال الشيخ الحرّ العامليّ رحمه‏الله: له كتب، منها: كتاب إزاحة العلّة في معرفة القبلة،
عندنا منه نسخة، ذكره الشهيد في الذكرى، وكتاب تحفة المؤلّف الناظم وعمدة
المكلّف الصائم، وقد ذكرهما الشيخ حسن في إجازته، وله أيضا كتاب الفضائل
حسن، عندنا منه نسخة
[46].

وكذا ذكر مثله صاحب رياض العلماء[47].

وأورد الشيخ من أحاديث كتاب الفضائل في كتابه «إثبات الهداة» في أبواب
مختلفة، وقال في ذكر المصادر من كتب الشيعة: كتاب الفضائل لشاذان بن
جبرئيل القمّيّ
[48].

وقال المحدّث النوريّ رحمه‏الله: هو صاحب المؤلّفات البديعة التي منها رسالة
إزاحة العلّة في معرفة القبلة، وقد أدرجها العلاّمة المجلسيّ بتمامها في البحار،
وكتاب الفضائل المعروف الدائر، ومختصره المسمّى بالروضة، وغيرها
[49].

وقال السيّد الأمين رحمه‏الله: له من المؤلّفات:

1 ـ  إزاحة العلّة في معرفة القبلة، ألّفه سنة 558، كما صرّح به في ديباجته،
وأدرجه المجلسيّ رحمه‏الله بتمامه في باب القبلة من مجلّدات صلاة البحار، وذكره

الشهيد رحمه‏الله في الذكرى.

2 ـ  تحفة المؤلّف الناظم، وعمدة المكلّف الصائم[50] في أحكام الصوم، ذكره
صاحب المعالم في إجازته الكبيرة.

3 ـ  الفضائل، المعروف بالمناقب[51].

وعدّ الشهيد رضى‏الله‏عنه، كتاب إزاحة العلّة في معرفة القبلة من جملة كتب شاذان بن
جبرئيل القمّيّ
[52].

 

ج ـ  التعريف بالكتاب

إنّ هذا الكتاب الذي بين يديك، كتاب تاريخيّ روائيّ، يحتوي على
الاحتجاجات والمعجزات والمناقب لنبيّنا المكرّم، سيّد الكونين، محمّد المصطفى
وأهل بيته البررة الكرام، لا سيّما ابن عمّه ووصيّه مولانا أمير المؤمنين عليّ بن
أبي طالب صلوات اللّه عليهم أجمعين.

ونحن نشير إلى بعض مواضيعها الهامّة تحت العناوين التالية:

زواج عبد اللّه بآمنة، وكيفيّة مولد النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، ونشوه، وخبر مولد الإمام
عليّ عليه‏السلام، وتكلّمه مع الموتى، ورجوع الشمس له، ومفاخرته مع فاطمة الزهراء
وابنه الحسين عند النبيّ عليهم‏السلام.

وكذا كلامه  عليه‏السلام مع الثعبان في جامع الكوفة، ومحاربته مع الجنّ، وتسميته
بأمير المؤمنين قبل خلق آدم عليه‏السلام، وأساميه المتعدّدة عن الكتب السماويّ، وعند
الأقوام والملل السالفة، وغيرها.


ومن لاحظ ما مضى من كلمات الأعلام يحصل له العلم بأنّ «كتاب
الفضائل»، و«الروضة» من جملة مؤلّفات الشيخ الفقيه شاذان بن جبرئيل القمّيّ،
ولكن استبعد صاحب الذريعة كونهما من مؤلّفاته حيث قال بعد كلام طويل:
وتاريخ كليهما ينافي كونهما لشاذان
[53].

نقول: بعد ملاحظة الاختلاف في سنة وفاة «شاذان بن جبرئيل» من كونها
في حوالى سنة 600، أو حوالى 660، ومع اللحاظ إلى مشايخه وتلاميذه، وإلى
تفاوت أنظار الأعلام حول بعضهم وفي سنة وفاتهم، يبدو في النظر أحد
الاحتمالين:

الأوّل: أنّ شاذان كان من المعمّرين[54].

وأيضا كما قال بعض الأعلام من أنّه كان حيّا إلى سنة ستّمائة وستّين، فلا ينافي
حضوره في جامع دمشق كما صرّح المؤلّف به في هذا الكتاب.

الثاني: أنّ ما تمسّك به صاحب الذريعة من كون تاريخ تأليف كتاب الفضائل
حوالى سنة 651 ـ لتصريحه في كتابه بهذا الأمر ـ مصحّف عدد 561.

والذي يؤيّد هذا الاحتمال كلام السيّد محيي الدين حيث نقل عنه العلاّمة
المجلسيّ في البحار:

إنّ الشيخ شاذان بن جبرئيل أجاز له رواية جميع مصنّفاته بعد أن قرأ عليه
منها بدمشق سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة كتاب إزاحة العلّة في معرفة القبلة، قال:
وقرأت عليه أيضا بدمشق في سنة أربع وثمانين وخمسمائة كتاب تحفة المؤلّف
الناظم وعمدة المكلّف الصائم
[55].


ويؤيّده أيضا أنّه يروي العلاّمة عن والده، عن السيّد فخّار ـ المتوفّى سنة
630 ـ
[56] عن الشيخ أبي الفضل شاذان بن جبرئيل جميع مصنّفاته ورواياته[57].

 

د ـ مكانته عند العلماء

كان المؤلّف عند علمائنا الماضين رضى‏الله‏عنه عظيم الشأن والمنزلة، ومن أصحاب
الإجازات، ونجد في كتب التراجم وغيرها ذكر المؤلّف مقرونا بالتجليل
والتبجيل، وإليك نبذة من إطرائهم له:

قال الشهيد رحمه‏الله: هو من أجلاّء فقهائنا[58].

وقال العلاّمة المجلسيّ رحمه‏الله: الشيخ الأجلّ السعيد[59]، الإمام العالم[60]، هو
رئيس الحفّاظ والمحدّثين
[61].

قال الشيخ الحرّ العامليّ رحمه‏الله: الشيخ الجليل الثقة، أبو الفضل، شاذان بن
جبرئيل بن إسماعيل القمّيّ، كان عالما، فاضلاً، فقيها، عظيم الشأن، جليل القدر،
له كتب
[62].

وقال المحدّث النوريّ رحمه‏الله: العالم الفقيه الجليل المعروف، صاحب المؤلّفات
البديعة ...
[63].


وقال العلاّمة العلياريّ رحمه‏الله: هو الفاضل الكامل المحدّث البارع الثقة الجليل،
المعاصر لصاحب السرائر رحمه‏الله
[64].

ولقد وقع المؤلّف في طريق، عبّر عنه المجلسيّ بأعلى الطرق، حيث قال:
ولنذكر طريقا واحدا هو أعلى ما اشتملت عليه هذه الطرق إلى مولينا وسيّدنا
وسيّد الكائنات رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، ويعلم منه أيضا مفصّلاً أعلى ما عندنا من
السند إلى كتب الحديث ...

الشيخ شمس الدين بن مكّيّ، عن محمّد بن الكوفيّ، عن نجم الدين بن سعيد،
عن السيّد فخّار، عن شاذان بن جبرئيل، عن جعفر الدوريستيّ، عن المفيد ...،
عن عليّ عليه‏السلام، قال: قال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم...
[65].

 

 

ه ـ مشايخه ومن روى عنهم

وقد روى المؤلّف عن عدّة من الفقهاء والعلماء الكبار، منهم:

1 ـ  السيّد أحمد بن محمّد الموسويّ[66].

صرّح العلاّمة المجلسيّ رحمه‏الله بأنّ شاذان بن جبرئيل القمّيّ كان يروي عن
السيّد أحمد بن محمّد الموسويّ
[67].

ولكن يستفاد من كلام الشيخ الحرّ العامليّ رحمه‏اللهأنّ شاذان كان من مشايخ
السيّد أحمد بن محمّد، لا من تلاميذه
[68]، ولعلّه اشتبه عليه الأمر، أو وقع الخطأ

أوالتصحيف من النسّاخ.

2 ـ  أبوه الفاضل، جبرئيل بن إسماعيل القمّيّ[69].

3 ـ  جعفر الدوريستيّ[70].

وقال السيّد الأمين رحمه‏الله: الشيخ جعفر بن محمّد بن أحمد بن صالح (العبسيّ
الدوريستيّ) ...، تلاميذه: شاذان بن جبرئيل القمّيّ، كما يفهم من إجازة العلاّمة
الكبيرة، فإنّه ذكر أنّه يروي كتب المفيد ورواياته بالإسناد عن شاذان بن
جبرئيل القمّيّ، عن الشيخ بن عبد اللّه الدوريستيّ ...
[71].

وقال الشيخ الحرّ العامليّ رحمه‏الله في جعفر الدوريستيّ: ثقة، عين، عظيم الشأن،
معاصر للشيخ الطوسيّ، وقد ذكره في رجاله
[72]، ووثّقه[73].

وقال العلاّمة المجلسيّ رحمه‏الله: أبو عبد اللّه الدوريستيّ[74]، و في موضع آخر:
جعفر بن محمد الدوريستيّ
[75].

والظاهر أنّه لا يكون من مشايخ شاذان بلا واسطة، كما نقل العلاّمة المجلسيّ
عن المحقّق صاحب المعالم، وصرّح بكون رواية شاذان عن أبي جعفر محمّد بن
موسى بن جعفر بن محمّد الدوريستيّ، عن جدّه الشيخ أبي عبد اللّه جعفر بن
محمّد، عن الشيخ المفيد، فوقع التوهّم من أبي جعفر إلى جعفر، ولم يتّفق لهذا

التوهّم متدبّر يكشفه، وقد بان بحمد اللّه وجه الصواب فيه
[76].

وأورد المحدّث النوريّ نحوه، وكذا أشار إلى كلام المحقّق صاحب المعالم، بأنّ
كلّ من في طبقة شاذان كابن إدريس، والشيخ منتجب الدين، وعربيّ بن مسافر،
يروي عن أبي عبد اللّه الدوريستيّ المذكور بواسطتين، فكيف يروي شاذان عنه
بغير واسطة؟! وهو كلام متين
[77].

4 ـ  الحسين بن رطبة[78].

5 ـ  السيّد عزّ الدين أبو المكارم حمزة بن عليّ بن زهرة الحسينيّ الحلبيّ[79].

6 ـ  الشيخ أبو طالب عبد القاهر بن حمويه القمّيّ، عالم، جليل، يروي عنه
شاذان بن جبرئيل
[80].

7 ـ  الشيخ الفقيه أبو محمّد ريحان بن عبد اللّه الحبشيّ[81].

8 ـ  أبو محمّد عبد اللّه بن عبد الواحد[82].

9 ـ  الشيخ الفقيه، عبد اللّه بن عمر العمريّ الطرابلسيّ، فاضل، جليل
القدر
[83].

10 ـ  القاضي جمال الدين عليّ بن عبد الجبّار بن محمّد الطوسيّ، فقيه، وجه،

ثقة ...، وهذا يكنّى أبا الفتح
[84].

11 ـ  عربيّ بن مسافر[85].

12 ـ  الشيخ الفقيه، محمّد بن الحسن بن حَسّولة بن صالحان القمّيّ الخطيب،
فاضل، جليل
[86].

13 ـ  السيّد محمّد بن شراهتك الحسنيّ الجرجانيّ[87].

وفي التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمّد الحسن العسكريّ عليه‏السلام: السيّد محمّد
ابن شراهتك  الحسينيّ الجرجانيّ
[88].

وقال المحدّث النوريّ رحمه‏الله: الشيخ محمّد بن سراهنك[89].

وقال السيّد عبد الكريم بن طاووس رحمه‏الله: الفقيه، محمّد بن سراهنك[90].

14 ـ  الشيخ عماد الدين، أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم عليّ بن محمّد بن عليّ
ابن رستم بن نردبان الطبريّ الآمليّ الكحّي العالم الجليل، ، المعمّر، الواسع
الرواية، من أهل المائة السادسة، له كتاب الزهد والتقوى، وكتاب بشارة
المصطفى
[91].

وقال النمازيّ رحمه‏الله: أبو القاسم عماد الدين الطبريّ (صاحب كتاب بشارة
المصطفى)
[92].


15 ـ  الكراجكيّ[93]، الظاهر أنّه أبو الفتح محمّد بن عليّ الكراجكيّ صاحب
كتاب كنز الفوائد.

قال السيّد الأمين رحمه‏الله: من أجلّة العلماء والفقهاء والمتكلّمين، رأس الشيعة،
صاحب التصانيف الجليلة ...، توفّي بصور، ثاني ربيع الآخر، سنة أربعمائة وتسع
وأربعين، وكتابه «كنز الفوائد»
[94].

ولكنّه من البعيد كونه من مشايخ شاذان بلا واسطة، لأنّ سنة وفاة الكراجكيّ
لا تلائم سنة وفاة شاذان.

16 ـ  الشريف محمّد، المعروف بابن الشريف[95].

 

و ـ تلاميذه والراوون عنه

1 ـ  الحسن بن الدربيّ[96].

2 ـ  الشيخ عليّ بن يحيى الخيّاط[97].

3 ـ  السيّد فخّار بن معدّ الموسويّ[98].

4 ـ  الشيخ محمّد بن جعفر المشهديّ،  كان فاضلاً، محدّثا، صدوقا، له كتب،
مؤلّف المزار الكبير
[99].


قرأ على الشيخ الإمام العالم سديد الدين، شاذان بن جبرئيل القمّيّ في شهر
رمضان، سنة 573
[100].

5 ـ  محيي الدين بن الزهرة، ابن أخ السيّد عزّ الدين أبي المكارم، ابن زهرة،
صاحب كتاب الأربعين في قضاء حقوق المؤمنين
[101].

قال العلاّمة المجلسيّ رحمه‏الله: أخبر السيّد محيي الدين: أنّ الشيخ شاذان بن
جبرئيل أجاز له رواية جميع مصنّفاته بعد أن قرأ عليه منها بدمشق، سنة ثلاث
وثمانين وخمسمائة، كتاب إزاحة العلّة في معرفة القبلة، قال: وقرأت عليه أيضا
بدمشق في سنة أربع وثمانين وخمسمائة، كتاب تحفة المؤلّف الناظم وعمدة المكلّف
الصائم
[102].

 

ز ـ  منهجنا في التحقيق

* ـ لقد تحصّل لنا خمس نسخ من نسخ الكتاب، ثلاث منها مخطوطة، واثنتان
منها مطبوعة، واعتمدنا على أقدم النسخ الخطيّة المحفوظة في المكتبة العامّة لآية
اللّه المرعشيّ قدّس سرّه الشريف، وجعلناها الأصل وأخذنا متن الكتاب منها،
وأثبتنا موارد اختلاف سائر النسخ في الهامش، إلاّ في موارد خاصّة التي أشرنا
اليها في الهامش.

وإليك رموز النسخ مع وصفها:

1 ـ النسخة الخطّيّة المحفوظة في المكتبة العامّة لآية اللّه النجفيّ المرعشيّ رحمه‏الله في

مدينة قمّ المقدّسة، تحت الرقم 3699، المحرّرة سنة 1065، وهي التي أخذنا متن
الكتاب منها، وقد رمزنا إليها بالحرف «ألف».

2 ـ النسخة الخطيّة المحفوظة أيضا في المكتبة العامّة المذكورة، تحت الرقم
2056، المحرّرة سنة 1265، وقد رمزنا إليها بالحرف «ب».

3 ـ النسخة الخطيّة المحفوظة في خزانة المكتبة الرضويّة في مشهد الإمام
الرضا عليه‏السلام، وقابلها أحد الفضلاء الكرام بالكتاب، واكتفينا بتلك المقابلة، تحت
الرقم 1287، المحرّرة سنة 2097، وقد رمزنا إليها بالحرف «ض».

4 ـ النسخة المطبوعة بالطبع الحجريّ الموجودة في المكتبة العامّة لآية اللّه
النجفيّ المرعشيّ رحمه‏الله، المحرّرة سنة 1340، وقد رمزنا إليها بالحرف «ت».

5 ـ النسخة المطبوعة في المطبعة الحيدريّة في النجف الأشرف 1381 ه، من
منشورات الرضيّ، تحت الرقم 102043، وقد رمزنا إليها بالحرف «ج».

ونضع صفحات فتوغرافيّة منها في آخر هذا القسم.

* ـ  قمنا بتوضيح بعض اللغات والكلمات الغامضة في المتن، وذكرناها في
الهامش.

* ـ  تخريج جميع النصوص من مصادرها التي بأيدينا ـ من كتب الخاصّة
والعامّة ـ مع ذكر الاختلافات، أو الإشارة إليها.

* ـ  كان أكثر الأحاديث في نسخة «ألف » و«ب » مصدّرا بالكلمة المباركة
«بسم اللّه الرحمن الرحيم»، فحذفناها، واكتفينا بذكرها في أوّل الكتاب.

* ـ  جعلنا في صدر كلّ حديث، أو مجموعة أحاديث مرتبطة، عنوانا متّخدا
من مضامين الأحاديث.

* ـ  قمنا ـ على حسب الوسع، إكمالاً للعمل وتتميما للجهد ـ بجمع كلّ ما نقل
في بعض المصادر الروائيّة عن كتاب الفضائل، ولم يكن موجودا في النسخ التي

بأيدينا من المخطوطة وغيرها، وأوردناها تحت عنوان «مستدركات الفضائل».

* ـ  وضعنا في خاتمة الكتاب فهارس للآيات القرآنيّة، والأحاديث،
والأبيات الشعريّة، والأعلام، والأمكنة، وعناوين الكتاب، ومصادر التحقيق
وغيرها، تسهيلاً على القارى‏ء الكريم.

والحمد للّه على حسن توفيقه راجين منه القبول «يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَ لاَ
بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
»
[103].

وفي الختام نقدّم تحيّاتنا الوافرة لمولانا وسيّدنا الحجّة بن الحسن العسكريّ،
ونسأل اللّه تعالى التعجيل في ظهوره الشريف، صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى
آبائه الطاهرين.

 

 

 قمّ المقدّسة ـ مؤسّسة وليّ العصر (عجّ)

رمضان المبارك سنة 1421 ه

 

 


 

 

 

 

 

نمازج

 

 

 

 

مصوّرة من نسخ

 

 

كتاب الفضائل


 


 

الصورة  (1)

للنسخة الخطّيّة، تحت الرقم 3699، المحرّرة سنة 1065، وقد أخذنا منها متن
الكتاب، ورمزنا إليها بالحرف «ألف».


 

الصورة  (2)

للنسخة الخطّيّة تحت الرقم 3699، المحرّرة سنة 1065، وقد أخذنا منها متن
الكتاب، ورمزنا إليها بالحرف «ألف».


 

الصورة  (3)

للنسخة الخطّيّة، تحت الرقم 3699، المحرّرة سنة 1065، وقد أخذنا منها متن
الكتاب، ورمزنا إليها بالحرف «ألف».


 

الصورة  (4)

للنسخة الخطّيّة تحت الرقم 2056، المحرّرة سنة 1265، ورمزنا إليها بالحرف «ب».


 

الصورة  (5)

للنسخة الخطّيّة تحت الرقم 2056، المحرّرة سنة 1265، ورمزنا إليها بالحرف «ب».

 


 

الصورة  (6)

للنسخة الخطّيّة تحت الرقم 1287، المحرّرة سنة 2097، ورمزنا إليها بالحرف «ض».

 


 

الصورة  (7)

للنسخة الخطّيّة تحت الرقم 1287، المحرّرة سنة 2097، ورمزنا إليها بالحرف «ض».

 


 

الصورة  (8)

للنسخة الخطّيّة تحت الرقم 1287، المحرّرة سنة 2097، ورمزنا إليها بالحرف «ض».

 


 

الصورة  (9)

للنسخة الخطّيّة، المحرّرة سنة 1340، ورمزنا إليها بالحرف «ت».

 


 

الصورة  (10)

للنسخة الخطّيّة، المحرّرة سنة 1340، ورمزنا إليها بالحرف «ت».

 


 

الصورة  (11)

للنسخة الخطّيّة، المحرّرة سنة 1340، ورمزنا إليها بالحرف «ت».

 


 

الصورة  (12)

للنسخة المطبوعة في المطبعة الحيدريّة ـ النجف الأشرف سنة 1381 ه ، تحت
الرقم 102043، ورمزنا إليها بالحرف «ج».

 


 

الصورة  (13)

للنسخة المطبوعة في المطبعة الحيدريّة ـ النجف الأشرف، سنة 1381 ه ، تحت
الرقم 102043، ورمزنا إليها بالحرف «ج».

 


 

الصورة  (14)

للنسخة المطبوعة في المطبعة الحيدريّة ـ النجف الأشرف، سنة 1381 ه ، تحت
الرقم 102043، ورمزنا إليها بالحرف «ج».

 

               

 

 

كتاب الفضائل

 

ومستدركاتها

 

 

تأليف

الشيخ الفقيه أبي الفضل سديد الدين

شاذان بن جبرئيل بن أبي طالب القمّيّ

من أعلام القرن السادس الهجريّ

 

تحقيق

 

السيّد محمّد الموسويّ ـ الشيخ عبد اللّه الصالحيّ

 

بإشراف

سماحة الحجّة السيّد محمّد الحسينيّ القزوينيّ

 

مؤسّسة وليّ العصر عليه‏السلام للدراسات الإسلاميّة ـ قم المشرّفة.

 

 


 

 

 


 

 

 

 

 

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

 

 

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلوة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين،
ولعنة اللّه على أعدائهم أجمعين، من الآن إلى يوم الدين.

 

 

 

إحياء أمير المؤمنين عليه‏السلام الميّت

1 ـ حدّثني الشيخ الفقيه «أبو الفضل شاذان بن جبرئيل القمّيّ»، قال: حدّثني
محمّد بن (أبي)
[104] مسلم بن أبي الفوارس الدارميّ[105]، وقد رواه كثير من
الأصحاب، حتّى انتهى إلى أبي جعفر ميثم التمّار رضى‏الله‏عنه، قال:

بينا نحن بين يدي مولانا عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام بالكوفة، وجماعة من
أصحاب رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم محدقين به، كأ نّه البدر
[106] بين الكواكب في السماء
الصاحية
[107].

إذ دخل عليه من الباب رجل[108] عليه قباء خزّ أدكن[109]، متعمّم بعمامة
صفراء، متقلّد بسيفين، فنزل من غير سلام، ولم ينطق بكلام.

فتطاول الناس بالأعناق، ونظروا إليه بالآماق[110]، وشخصوا إليه بالأحداق،
ومولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام لا يرفع رأسه إليه، فلمّا هدأت
[111]
من الناس الحواسّ، فحينئذ أفصح
[112] عن لسانه، كأ نّه حُسام[113] جذب من
غِمْده.

ثمّ قال: أيّكم المجتبى في الشجاعة، والمعمّم بالبراعة[114]، والمدرّع بالقناعة؟

أيّكم المولود في الحرم، والعالي في الشيم[115]، والموصوف بالكرم؟


أيّكم الرأس[116]، والثابت الأساس، والبطل الدَعّاس[117]، والآخذ
بالقصاص، والمضيّق للأنفاس؟ أيّكم (غُصن)
[118] أبي طالب الرطيب، وبطله
المهيب، والسهم المصيب، والقسم النجيب؟

أيّكم خليفة محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم (الذي نصر به)[119] في زمانه، وأعزّ به[120] سلطانه،
وعظم به شأنه؟

أيّكم (قاتل العمروين وآسر العمروين؟)[121].

فعند ذلك رفع أمير المؤمنين عليه‏السلام رأسه إليه، فقال له[122]: يا مالك! يا أبا سعد
ابن الفضل بن الربيع بن مدركة بن نجيبة بن الصلت بن الحارث بن الأشعث بن
السمعمع الدوسيّ!
[123] سل عمّا بدا لك؟! فأنا كنز الملهوف، وأنا الموصوف

بالمعروف، وأنا الذي فرغتني
[124] الصمّ[125] الصلاب، وأنا المنعوت في كلّ كتاب،
أنا الطود والأسباب، أنا «ق وَ الْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ»
[126]، أنا «النَّبَإِ الْعَظِيمِ»[127]،
أنا «الصِّرَ طَ الْمُسْتَقِيمَ»
[128]، أنا عليّ، مواخي رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، وزوج ابنته،
ووارث علمه، وعيبة حكمه
[129]، والخليفة من بعده.

فقال الأعرابيّ: بلغنا عنك: أ نّك معجز النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، والإمام الوليّ، ليس لك
مطاول فيطاولك، ولا ممانع فيصاولك
[130]، أ هو كما بلغنا عنك يا فتى قومه؟!

فقال عليّ عليه‏السلام: قل ما بدا لك!

فقال: إنّي رسول إليك من ستّين ألف رجل يقال لهم: العقيمة[131]، وقد حملوا
معي ميّتا قد مات منذ مدّة
[132]، وقد اختلف في سبب موته، وهو على باب
المسجد، فإن أحييته علمنا أ نّك وصيّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، صادق، نجيب الأصل،
وتحقّقنا أ نّك حجّة اللّه في أرضه
[133]، و إن لم تقدر على ذلك رددته على قومه،

وعلمنا أ نّك (تدّعي غير الصواب و)
[134] تظهر من نفسك ما لا تقدر عليه.

فقال أمير المؤمنين عليه‏السلام: يا أبا جعفر! (وهو ميثم التمّار) اركب بعيرا، وطُف في
شوارع الكوفة ومحلاّتها
[135]، وناد من أراد أن ينظر إلى ما أعطى اللّه عليّا أخا
رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، بعل فاطمة عليهاالسلام ممّا أودعه رسول اللّه من العلم، فليخرج إلى
النجف غدا، (فهرع الناس إلى النجف)
[136].

فلمّا رجع ميثم من النداء، قال له عليّ عليه‏السلام: خذ الأعرابيّ إلى ضيافتك، فغداة
غد سيأتيك اللّه بالفرج.

فقال ميثم: فأخذت الأعرابيّ ومعه محمل فيه ميّت، فأنزلته منزلي، وأخدمته
أهلي
[137].

فلمّا صلّى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام الفجر، خرج وخرجت معه،
ولم يبق في الكوفة برّ ولا فاجر إلاّ وخرج إلى النجف.

قال عليه‏السلام: يا أبا جعفر! عليّ بالأعرابيّ والميّت[138].

فخرجت من عنده و إذا أنا بالأعرابيّ، وهو راجل[139] تحت القبّة التي فيها
الميّت، فأتي بها إلى النجف، ثمّ قال عليه‏السلام
[140]: يا أهل الكوفة! قولوا فينا ما ترونه،
وارووا عنّا ما تسمعونه منّا
[141]، ثمّ قال: يا أعرابيّ! برّك جملك[142]، وأخرج

صاحبك أنت وجماعة من المسلمين.

قال ميثم: فأخرج من قصب ديباج أخضر، و إذا تحته بدنة[143] من اللؤلؤ، فيها
غلام
[144] قد تمّ عذاره بذوائب كذوائب المرأة الحسناء.

فقال عليه‏السلام: يا أعرابيّ! كم لميّتك[145]؟

فقال: أحد وأربعون يوماً[146]، فقال: ما كان سبب موته؟[147]

فقال الأعرابيّ: يريدون أهله أن تحييه ليعلموا من قتله[148]، لأ نّه بات سالماً
وأصبح مذبوحاً من الأذن إلى الأذن.

فقال له: من يطلب بدمه؟

قال: خمسون[149] رجلاً من قومه يعضد بعضهم بعضاً في طلب دمه، فاكشف
الشكّ والريب، يا أخا رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم!.

فقال عليه‏السلام: هذا الميّت قتله عمّه، لأ نّه تزوّج ابنته، فخلاها وتزوّج غيرها،
فقتله حنقاً
[150] عليه.


فقال الأعرابيّ: لسنا نرضى بقولك، و إنّما نريد أن يشهد هذا الغلام بنفسه عند
أهله من قتله حتّى لا يقع بينهم السيف والفتنة.

فقام عليّ عليه‏السلام[151]، فحمد اللّه وأثنى عليه، وذكر النبيّ فصلّى عليه، ثمّ قال:
يا أهل الكوفة! ما بقرة بني إسرائيل بأجلّ من عليّ أخي رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم،
و إنّها أحيَت ميّتاً بعد سبعة أيّام، ثمّ دنا إلى الميّت، فقال: إنّ بقرة بني إسرائيل
ضرب ببعضها الميّت فعاش، وأنا أضربه ببعضي، فإنّ بعضي عند اللّه
[152] خير
من البقرة كلّها، ثمّ هزّه برجله اليمنى، وقال: قم بإذن اللّه تعالى، يا مدرك بن
حنظلة
[153] بن غسّان بن يحيى بن سلامة بن الطيّب[154] بن الأشعث! فها قد أحياك
اللّه تعالى على يدي عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام.

قال ميثم التمّار: فنهض غلام أحسن من الشمس أوصافاً، ومن القمر أضعافاً،
وقال: لبيّك لبيّك! يا حجّة اللّه تعالى في الأنام، والمتفرّد بالفضل والإنعام!

فقال له عليّ عليه‏السلام: من قاتِلُك؟

فقال: قاتلي عمّي[155] حبيب بن غسّان.

فقال أمير المؤمنين عليه‏السلام: انطلق إلى أهلك يا غلام!

قال: لا حاجة لي إلى أهلي.

فقال له أمير المؤمنين عليه‏السلام: ولِمَ؟

قال: أخاف أن أقتل ثانية، ولا تكون أنت، فمن يحييني؟ فالتفت الإمام عليه‏السلام
إلى الأعرابيّ، وقال له: امض أنت إلى أهلك وأخبرهم بما رأيت.

فقال الأعرابيّ: وأنا أيضاً قد اخترت المقام معك إلى أن يأتي الأجل، فلعن
اللّه تعالى من اتّجه له الحقّ ووضح، وجعل بينه وبين الحقّ ستراً.

فأقاما مع عليّ عليه‏السلامإلى أن قتلا معه بصفّين، وسار[156] أهل الكوفة إلى منازلهم
اختلفوا في أقاويلهم فيه، عليه السلام ورحمة اللّه وبركاته
[157].

 


 

 

إعطاء اللّه تعالى

نبيّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم خمسا، وعليّا عليه‏السلام خمسا

2 ـ خبر آخر: عن ابن عبّاس رضى‏الله‏عنه، قال: سمعت رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم يقول:
أعطاني اللّه تعالى خمساً، وأعطى عليّاً عليه‏السلام خمساً:

أعطاني جوامع الكلم، وأعطى عليّا جوامع العلم.

وجعلني نبيّاً، وجعله وصيّاً.

وأعطاني الكوثر، وأعطاه السلسبيل.

وأعطاني الوحي، وأعطاه الإلهام، وأسرى بي إليه، وفتح له أبواب السماوات
والحجب حتّى نظر إليّ ونظرت إليه.

قال: ثمّ بكى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، فقلت له: ما يبكيك؟ يا رسول اللّه! فداك
أبي وأُمّي.

قال: يا ابن عبّاس! إنّ أوّل ما كلّمني به ربّي قال: يا محمّد! انظر تحتك، فنظرت
إلى الحجب قد انخرقت و إلى أبواب السماء قد انفتحت، ونظرت إلى عليّ وهو
رافع رأسه إليّ، (فكلّمني)
[158] فكلّمته، وكلّمني ربّي عزّ وجلّ.

قال: (فقلت:)[159] يا رسول اللّه! بما كلّمك ربّك؟

قال: قال لي: يا محمّد! إنّي جعلت عليّا وصيّك ووزيرك وخليفتك من بعدك،
فأعلمه! فها هو يسمع كلامك.

فأعلمته وأنا بين يدي ربّي عزّ وجلّ، فقال لي: قد قبلت وأطعت، فأمر اللّه
تعالى الملائكة يتباشرون به، وما مررت بملأ من ملائكة السماوات إلاّ
هنّأوني
[160]، وقالوا: يا محمّد! والذي بعثك بالحقّ نبيّاً، لقد دخل السرور على جميع
الملائكة باستخلاف اللّه عزّ وجلّ ابن عمّك.

ورأيت حملة العرش قد نكسوا رؤوسهم إلى الأرض، فقلت: يا جبرئيل!
لِمَ نكس حملة العرش
[161] رؤوسهم؟

قال: يا محمّد! ما من ملك من الملائكة إلاّ وقد نظر إلى وجه عليّ بن
أبي طالب عليه‏السلام استبشاراً به، ما خلا حملة العرش، فإنّهم استأذنوا اللّه عزّ وجلّ
في هذه الساعة، فأذن لهم، فنظروا إلى عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام.

فلمّا هبطتُ جعلت أخبره بذلك، وهو يخبرني (به)[162]، فعلمت أ نّي لم أطأ[163]،
موطئا إلاّ وقد كشف لعليّ عنه
[164] حتّى نظر إليه.

فقال ابن عبّاس رضى‏الله‏عنه: فقلت: يا رسول اللّه، أوصني!

فقال: عليك بمودّة عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً! لا يقبل
اللّه تعالى من عبد حسنة، حتّى يسأله عن حبّ عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام، وهو
يقول: اعلم! فمن مات على ولايته، قبل عمله (على)
[165] ما كان منه، و إن لم يأت
بولايته، لا يقبل من عمله شيء، ثمّ يؤمر به إلى النار.


يا ابن عبّاس! والذي بعثني بالحقّ نبيّاً! إنّ النار لأشدّ غضباً على مبغض
عليّ عليه‏السلام منهم
[166] على من زعم أنّ للّه ولداً.

يا ابن عبّاس! لو أنّ الملائكة المقرّبين والأنبياء والمرسلين اجتمعوا على بغض
عليّ بن أبي طالب مع ما يقع من عبادتهم في السماوات، لعذّبهم اللّه تعالى في
النار، قلت: يا رسول اللّه! وهل يبغضه أحد؟!

قال: يا ابن عبّاس! نعم، يبغضه قوم يذكرون أ نّهم من أُمّتي، لم يجعل اللّه لهم
في الإسلام نصيباً.

يا ابن عبّاس! إنّ من علامة بغضهم له: تفضيلهم لمن هو دونه عليه[167]، والذي
بعثني بالحقّ نبيّاً، ما بعث اللّه نبيّاً أكرم عليه منّي، ولا وصيّاً أكرم عليه من
وصيّي.

قال ابن عبّاس: فلم أزل له كما أمرني رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، وأوصاني بمودّته،
و إنّه لأكبر عملي عندي.

قال ابن عبّاس: ثمّ مضى من الزمان ما مضى، وحضرت رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
الوفاة، قلت: فداك أبي وأُمّي يا رسول اللّه! قد دنا أجلك، فما تأمرني؟

قال: يا ابن عبّاس! خالف من خالف عليّا، ولا تكوننّ لهم ظهيراً ولا وليّاً.

قلت: يا رسول اللّه! ولِمَ لا تأمر الناس بترك مخالفته؟!

قال: فبكى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، ثمّ قال: يا ابن عبّاس! سبق فيهم علم ربّي، والذي بعثني
بالحقّ نبيّاً! لا يخرج أحد ممّن خالفه من الدنيا وأنكر حقّه حتّى يغيّر اللّه تعالى ما
به من نعمة
[168].

يا ابن عبّاس! إذا أردت أن تلقى اللّه تعالى وهو عنك راض، فاسلك طريقة
عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام، ومِلْ معه حيث مال، وارض به إماماً، وعاد من عاداه،
ووال من والاه.

يا ابن عبّاس! احذر (من أن)[169] يدخلك شكّ فيه، فإنّ الشكّ في عليّ كفر
باللّه تعالى
[170].

 


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الخصال: 293، ح 57، وفيه: حدّثنا أبي رضى‏الله‏عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، قال:

حدّثنا عبد اللّه بن موسى بن هارون المفتي، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الرحمان العرزميّ،
قال: حدّثنا المعلّى بن هلال، عن الكلبيّ، عن أبي الصباح، عن ابن عبّاس، قطعة منه، وزاد في
آخره: والحديث طويل أخرجته بتمامه في كتاب المعراج.

عنه وعن الأمالي، البحار: 16/322، ح 12.

المناقب لابن شهر آشوب: 3/261، س 25، قطعة منه، مرسلاً.

عنه البحار: 39/76، س 10، ضمن ح 14.

إرشاد القلوب: 254، س 6، قطعة منه.

روضة الواعظين: 123، س 8، نحو ما في المناقب.

بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: 41، س 11، وفيه: أخبرنا الشيخ المؤيّد أبو عليّ الحسن بن
محمّد بن الحسن الطوسيّ رحمه‏الله، بمشهد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‏السلامبقرائتي عليه في سنة
إحدى عشرة وخمسمائة، قال: حدّثنا السعيد الوالد رحمه‏الله، قال: أخبرنا الشيخ المفيد أبو عبد اللّه
محمّد بن محمّد بن النعمان، قال: أخبرني أبو الحسن أحمد بن محمّد بن الحسن، قال: حدّثني أبي،
عن سعد بن عبد اللّه بن موسى، قال: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه العزرميّ، قال: حدّثنا المعلّى بن
هلال، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن عبد اللّه بن عبّاس، قال: سمعت رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ... .

كشف اليقين: 453، ح 555، مرسلاً وبتفاوت يسير.

إثبات الهداة: 2/48، ح 208 ـ 210، قطعات منه، عن كتاب الروضة في الفضائل.

يأتي ذيل الحديث أيضاً في ص 534 رقم 210.


 

 

تفضيل النبيّ عليّا عليهماالسلام بأمر اللّه تعالى

3 ـ خبر آخر: عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهماالسلام، عن
جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ رضى‏الله‏عنه، قال:

قال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم[171]: إنّ جبرئيل عليه‏السلامنزل عليّ، وقال: يا محمّد! إنّ اللّه
تبارك وتعالى يأمرك أن تقوم بتفضيل عليّ بن أبي طالب عليه‏السلامخطيباً على المنبر،
ليبلّغوا من بعدهم ذلك عنك، ويأمر جميع الملائكة، أن يسمعوا ما تذكره
[172].

واللّه يوحي إليك: يا محمّد! إنّ من خالفك في أمرك فله النار، ومن أطاعك
فله الجنّة.

فأمر النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم منادياً نادى بالصلاة جامعة، فاجتمع الناس وخرج
النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ورقي المنبر، وكان أوّل ما تكلّم به:

أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم، بسم اللّه الرحمن الرحيم، ثمّ قال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم:
أيّها الناس! أنا البشير، أنا النذير، أنا النبيّ الأُمّيّ، وأنا مبلّغكم عن اللّه عزّ وجلّ
في رجل، لحمه لحمي، ودمه دمي، وهو عيبة
[173] علمي، وهو الذي انتخبه اللّه[174]

تعالى من هذه الأُمّة، واصطفاه وهداه
[175] وتولاّه، وخلقني و إ يّاه من نور واحد،
وفضّلني بالرسالة، وفضّله بالإمامة والتبليغ عنّي، وجعلني مدينة العلم، وجعله
الباب، خازن العلم، والمفتّش منه الأحكام، وخصّه بالوصيّة، وأبان أمره،
وخوّف من عداوته
[176]، وأزلف[177] لمن والاه، وغفر لشيعته، وأمر الناس جميعا
بطاعته.

وأ نّه عزّ وجلّ يقول: من عاداه عاداني، ومن والاه والاني، ومن آذاه آذاني،
ومن ناصبه ناصبني، ومن خالفه خالفني، ومن أبغضه أبغضني
[178]، ومن أحبّه
أحبّني، ومن أراده أرادني، ومن كاده كادني
[179]، ومن نصره نصرني.

أيّها الناس! اسمعوا لما أمركم به، وأطيعوه! فأنا أخوّفكم عقاب اللّه تعالى
«يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ
بَيْنَهَا وَبَيْنَهُو أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
»
[180].

فأخذ بيد عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام وقال: معاشر الناس! هذا مولى المؤمنين،
وحجّة اللّه على الخلق أجمعين.

اللّهمّ إنّي قد بلّغت وهم عبادك، وأنت القادر على صلاحهم، فأصلحهم
برحمتك يا أرحم الراحمين، أستغفر اللّه لي ولكم.


ثمّ نزل عن المنبر، فأتاه جبرئيل عليه‏السلام فقال: يا محمّد! إنّ اللّه تعالى يقرئك
السلام، ويقول (لك)
[181]: جزاك اللّه تعالى عن تبليغك خيراً، فقد بلّغت رسالات
ربّك، ونصحت لأُمّتك، وأرضيت المؤمنين، وأرغمت الكافرين.

يا محمّد! ابن عمّك[182] مبتلى ومبتلى به، يا محمّد! قل في كلّ أوقاتك[183]: الحمد
للّه ربّ العالمين «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَـلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ»
[184].

والحمد للّه حقّ حمده[185].


 

 

محبّة أهل البيت عليهم‏السلام وذمّ الدنيا

4 ـ خبر آخر: عن جابر بن يزيد الجعفيّ، قال: خدمت سيّد الأنام عليّ بن
الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم‏السلام
[186] وودّعته، وقلت: أفدني!

فقال[187]: يا جابر! بلّغ شيعتي منّي السلام، وأعلمهم! أ نّه[188] لا قرابة بيننا وبين
اللّه عزّ وجلّ، ولا يتقرّب إليه إلاّ بالطاعة له.

يا جابر! من أطاع اللّه وأحبّنا[189] فهو وليّنا، ومن عصى اللّه لم ينفعه إلاّ
حبّنا
[190]، ومن أحبّنا وأحبّ عدوّنا فهو في النار، يا جابر! من هذا الذي يسأل
اللّه تعالى فلم يعطه، وتوكّل عليه ولم يكفه، ووثق به فلم ينجه، يا جابر! أنزل
الدنيا منك كمنزل نزلته، فإنّ الدنيا التحويل
[191]، وهل الدنيا إلاّ دابّة ركبتها في
منامك فاستيقظت وأنت على فراشك، هي عند
[192] ذوي الألباب كفيء الظلال.


لا إله إلاّ اللّه إعذار لأهل دعوة الإسلام[193]، (والصلاة)[194] تثبيت للإخلاص
وتنزيه عن الكبر، والزكاة تزيد
[195] في الرزق، والصيام والحجّ تسكين
القلوب
[196]، والقصاص والحدود لحقن الدماء، فإنّ أهل البيت نظام الدين، جعلنا
اللّه و إ يّاكم من «الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَ هُم مِّنَ السَّاعَةِ
مُشْفِقُونَ
»
[197][198].


 

 

فضائل أهل البيت عليهم‏السلام وذمّ مخالفيهم

5 ـ وممّا قاله النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم في فضل عليّ وأهل بيته: عن ابن عبّاس رضى‏الله‏عنه، قال:
كان رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ذات يوم جالساً إذ أقبل الحسن عليه‏السلام فلمّا رآه بكى، ثمّ
قال: إليّ، إليّ، يا بنيّ! فمازال يدنيه حتّى أجلسه على فخذه الأيمن.

ثمّ أقبل الحسين عليه‏السلام فلمّا رآه بكى، ثمّ قال: إليّ، إليّ، يا بنيّ! فما زال يدنيه
حتّى أجلسه على فخذه الأيسر.

ثمّ أقبلت فاطمة عليهاالسلام فلمّا رآها بكى، ثمّ قال: إليّ، إليّ، يا بنيّة![199] فما زال
يدنيها حتّى أجلسها بين يديه.

ثمّ أقبل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام فلمّا رآه بكى، ثمّ قال: إليّ، إليّ،
يا أخي! فما زال يدنيه حتّى أجلسه إلى جانبه الأيمن.

فقال له أصحابه: (يا رسول اللّه!)[200] ما ترى أحداً من هؤلاء إلاّ بكيت؟!
أ وَ ما فيهم من تسرّ برؤيته؟

فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: والذي بعثني بالحقّ نبيّاً وبشيراً ونذيراً! واصطفاني على جميع
البريّة! إنّي و إ يّاهم لأكرم الخلق على اللّه عزّ وجلّ، وما على وجه الأرض نسمة
أحبّ إليّ منهم.

أمّا عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام فإنّه أخي وشقيقي، وصاحب الأمر بعدي،
وصاحب لوائي في الدنيا والآخرة، وصاحب حوضي وشفاعتي، وهو مولى كلّ
مؤمن
[201]، وقائد كلّ تقيّ، وهو وصييّ وخليفتي على أُمّتي في حياتي وبعد مماتي،
محبّه محبّي، ومبغضه مبغضي
[202]، وبولايته صارت أُمّتي مرحومة، وبعد وفاتي
صارت بالمخالفة له ملعونة.

فإنّي بكيت حين أقبل، لأنّي ذُكرت غدر الأُمّة به بعدي حتّى أ نّه ليزال عن
مقعدي، وقد جعله (اللّه)
[203] له بعدي، ثمّ لا يزال الأمر به حتّى يضرب على قرنه
ضربة تخضب منها لحيته في أفضل الشهور، وهو: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ
فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَ بَيِّنَـتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ
»
[204].

وأمّا ابنتي فاطمة عليهاالسلام، فإنّها سيّدة نساء العالمين من الأوّلين[205] والآخرين،
وهي بضعة منّي، وهي نور عيني وثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبيّ، وهي
الحوراء الإنسيّة، متى قامت في محرابها بين يدي ربّها جلّ جلاله زهر نورها
[206]
للملائكة في السماء، كما يزهر
[207] نور الكواكب لأهل الأرض.

فيقول اللّه عزّ وجلّ للملائكة: يا ملائكتي! انظروا أمتي فاطمة سيّدة نساء
خلقي، قائمة بين يديّ، ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي،
أُشهدكم أ نّي قد أمّنتُ شيعتها من النار.


و إنّي لمّا رأيتها تذكّرت ما يصنع بها بعدي، وكأنّي بها وقد دخل عليها الذلّ
في بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصبت حقّها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها، وسقط
جنينها، وهي تنادي: وامحمّداه! فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث.

فلا تزال بعدي محزونة، مكروبة، باكية، فتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرّة،
وتذكر فراقي أخرى
[208]، وتستوحش إذا جنّها الليل لفقدي، وفقد صوتي الذي
كانت تأوى إليه إذا لهجت
[209] بالقرآن، ثمّ ترى ذليلة بعد أن كانت عزيزة.

فعند ذلك يؤنسها اللّه تعالى ذكره بملائكته، فتناديها بمانادت مريم ابنة
عمران: يا فاطمة! «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَـلـكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَـلـكِ عَلَىنِسَآءِ
الْعَــلَمِينَ
» يا فاطمة! «اقْنُتِى لِرَبِّكِ وَاسْجُدِى وَارْكَعِى مَعَ الرَّ كِعِينَ»
[210].

ثمّ يبتدى‏ء بها الوجع فتمرض، ويبعث اللّه عزّ وجلّ إليها مريم ابنة عمران
فتمرّضها وتؤنسها في علّتها، فتقول عند ذلك: يا ربّ! إنّي قد سأمت الحياة،
وتبرّمت بأهل الدنيا، فألحقني بأبي.

فيلحقها اللّه عزّ وجلّ، فتكون أوّل من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم عليّ
محزونة، مكروبة، مغمومة، مغصوبة، مقتولة.

فأقول عند ذلك: «اللّهمّ العن ظالمها، وعاقب من غصبها حقّها، وأذلّ من
أذلّها، وخلّد في النار من ضربها على جنبها حتّى ألقت ولدها»
.

فتقول الملائكة عند ذلك: آمين.

وأمّا الحسن: فإنّه ابني، وولدي، ومنّي، وقرّة عيني، وضياء قلبي، وثمرة
فؤادي، وهو سيّد شباب أهل الجنّة، وحجّة اللّه تعالى على الأُمّة، أمره أمري
وقوله قولي، فمن تبعه فإنّه منّي، ومن عصاه فليس منّي.

و إنّي نظرت إليه، فذكرت ما يجرى عليه من الذلّ بعدي، فلا يزال الأمر به
حتّى يقتل بالسمّ ظلماً وعدواناً، فعند ذلك تبكي الملائكة والسبع الشداد بموته،
ويبكيه كلّ شيء، حتّى الطير في جوّ السماء، والحيتان في جوف الماء.

فمن بكاه لم تعم عيناه يوم[211] تعمى الأعين، ومن حزن عليه لم يحزن قلبه يوم
تحزن القلوب، ومن زاره في البقيع ثبتت قدماه على الصراط يوم تزلّ فيه
الأقدام، وأمّا الحسين: فإنّه منّي، وهو ابني وولدي، وخير الخلق بعد أبيه
[212]، وهو
إمام المسلمين، ومولى المؤمنين، وخليفة ربّ العالمين، (وغياث المستغيثين)
[213]،
وكهف المتحيّرين
[214]، وحجّة اللّه تعالى على الخلق أجمعين، وهو سيّد (شباب)[215]
أهل الجنّة، وباب نجاة الأُمّة، أمره أمري، وطاعته طاعتي، ومن تبعه فإنّه منّي،
ومن عصاه فليس منّي.

و إنّي لمّا رأيته تذكّرت ما يصنع به بعدي، وكأنّي به وقد استجار بحرمي
فلا يجار، فأضمّه في منامي إلى صدري، وآمره بالرحلة
[216] من دار هجرتي،
فأبشّره بالشهادة، فيرتحل إلى أرض مقتله، وموضع مصرعه لأرض كرب
وبلاء، وقتل، وفناء، فتنصره عصابة من المسلمين، أولئك سادات شهداء
[217]
أُمّتي يوم القيامة، وكأنّي أنظر إليه وقد رمي بسهم فخرّ عن فرسه صريعاً، ثمّ
يذبح كما يذبح الكبش
[218] مظلوماً.

ثمّ بكى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم وبكى من حوله، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، ثمّ
قام صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم وهو يقول: «اللّهمّ إنّي أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي».

ثمّ قال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: إذا كان يوم القيامة زيّن العرش بكلّ زينة، ثمّ يؤتى بمنبرين
من نور، طولهما مائة ميل، فيوضع أحدهما عن يمين العرش والآخر عن يسار
العرش، ثمّ يؤتى بالحسن والحسين عليهماالسلام، فيقوم الحسن على أحدهما، والحسين
على الآخر، يزيّن الربّ تبارك وتعالى بهما عرشه، كما تزيّن المرأة قُرطاها.

ثمّ قال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: إذا كان يوم القيامة تأتي ابنتي فاطمة عليهاالسلام على ناقة من نوق
الجنّة مدبّجة الجنبين
[219]، خِطامها[220] من اللؤلؤ الرطب، قوائمها من الزمرّد
الأخضر، ذنبها من المسك الأذفر، عيناها من ياقوت أحمر، عليها قبّة من نور،
يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها، وباطنها من عفواللّه، وظاهرها
من رحمة اللّه، على رأسها تاج من نور، وللتاج سبعون ركناً، كلّ ركن مرصّع
بالدرّ والياقوت، يضيى‏ء لأهل الجنّة كما تضيى‏ء الكوكب الدرّيّ في أفق السماء،
عن يمينها سبعون ألف ملك. وجبرئيل آخذ بخطام الناقة، وهو ينادي بأعلى
صوته: يا أهل الموقف! غضّوا أبصاركم! حتّى تجوز فاطمة بنت
رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم.

فلا يبقى يومئذ نبيّ، ولا كريم، ولا صدّيق، ولا شهيد إلاّ غضّوا أبصارهم،
حتّى تجوز فاطمة بنت محمّد سيّدة نساء العالمين، فتجوز حتّى تحاذي عرش ربّها
جلّ جلاله، فتنزل بنفسها عن ناقتها، فتقول: «إلهي وسيّدي! احكم بيني وبين
من ظلمني! واحكم بيني وبين من قتل ولدي!».

فإذا النداء من قبل اللّه تعالى: يا حبيبتي وبنت حبيبي! سلي تعطى! واشفعي
تشفعّي! وعزّتي وجلالي! لايجاوزني
[221] ظلم ظالم. فتقول: إلهي! ذرّيّتي وشيعة
ذرّيّتي، ومحبّي ذرّيّتي. فإذا النداء من قبل اللّه عزّ وجل: أين ذرّيّة فاطمة،
وشيعتها، وشيعة ذرّيّتها، ومحبّي ذرّيّتها؟

فتقوم وقد أحاطت بهم ملائكة الرحمة، فتقدّمهم حتّى تدخل الجنّة[222].

وصلّى اللّه عليها وعلى أبيها[223].

 


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

وفي 98، ح 1، بإسناده إلى ابن عمر، قال: قال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ...، قطعة منه.

وكذا في 99، ح 2، بإسناد آخر إلى سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس إلى قوله: ما يلقى أهل
بيتي، بتفاوت يسير. عنه البحار: 28/37، ح 1، و43/261، ح 3، و44/148، ح 16.

بشارة المصطفى: 197، س 25، نحو ما في الأمالي إلاّ أ نّه أورد بدل «الحسن بن عليّ بن
أبي حمزة»: «الحسين بن عليّ بن أبي حمزة».

بحار الأنوار: 28/82، ح 43، عن كتاب المحتضر، للحسن بن سليمان، باختصار.

المناقب لابن شهر آشوب: 3/396، س 1، قطعة منه. عنه البحار: 43/293، س 4.

روضة الواعظين: 165، س 14، مرسلاً عن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، قطعة منه.

مقتل الحسين عليه‏السلام للخوارزميّ: 55، س 19، بإسناده إلى أبي أيّوب الأنصاريّ، قال: قال
رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ...، قطعة منه.

دلائل الأمامة: 142، ح 49، و153، ح 67، كلاهما نحو ما في مقتل الحسين عليه‏السلام، وح 68،
بإسناده إلى موسى بن جعفر، عن آبائه عليه‏السلام، عن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، بتفاوت.

كشف الغمّة: 1/450، س 18، عن ابن خشّاب بإسناده عن عليّ عليه‏السلام، عن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم،
قطعة منه، و457، س 4، بإسناده عن عليّ بن موسى الرضا، عن آبائه عليهم‏السلام، قال: قال
رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، وس 8، بإسناده عن أبي أيّوب الأنصاريّ، نحو ما في مقتل الحسين عليه‏السلام.

كفاية الطالب: 364، س 6، بإسناده إلى أبي جحيفة، عن عليّ عليه‏السلام، قطعة منه.

الصواعق المحرقة: 190، س 15، نحو مقتل الحسين عليه‏السلام.

المستدرك على الصحيحين: 3/175، ح 4757، بإسناده إلى أبي جحيفة، قطعة منه.

إحقاق الحقّ: 19/67 ـ 69، عن مصادر متعدّدة، بألفاظ مختلفة.


 

فضل الشيعة و حالهم في القيامة

6 ـ خبر آخر: قال سماعة بن مهران: إنّ الصادق  عليه‏السلام قال له: يا سماعة! من
شرّ الناس؟

قال: نحن، يا ابن رسول اللّه! قال: فغضب عليه‏السلام حتّى احمرّت وجنتاه، ثمّ
استوى جالساً، وكان متّكئاً، وقال: يا سماعة! من شرّ الناس عند الناس؟

فقلت: واللّه! ما كذبتك، يا ابن رسول اللّه! نحن شرّ الناس، لأ نّهم سمّونا كفّارا
ورفضة. فنظر إليّ ثمّ قال: كيف بكم وبهم إذا سيق بكم إلى الجنّة، وسيق بهم إلى
النار؟

فينظرون إليكم فيقولون: «مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ
الْأَشْرَارِ
»
[224].

يا ابن مهران! إنّه من أساء منكم إساءة مشينا إلى اللّه تعالى بأقدامنا يوم
القيامة فنشفع فيه، واللّه! لا يدخل النار منكم عشرة رجال، ولا يدخل النار
منكم ثلاثة رجال، واللّه! لا يدخل النار منكم رجل واحد، (فتنافسوا)
[225]
في الدرجات، وأكمدوا
[226] عدوّكم بالفزع[227].


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

سماعة بن مهران على الصادق عليه‏السلام، فقال: ... .

الأمالي للطوسيّ: 295، ح 581، وفيه: أبو محمّد الفحّام، قال: حدّثني المنصوريّ، قال:
حدّثني عمّ أبي، أبو موسى عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور، قال: ...، نحو ما في بشارة
المصطفى.

عنه تأويل الآيات: 496، س 20، والبحار: 24/259، ح 10، و65/117، ح 41.

مجمع البيان: 4/484، س 21، وفيه: روى العيّاشي بالإسناد عن جابر، عن
أبي عبد اللّه عليه‏السلام ...، باختصار، ولم نعثر عليه في تفسير العيّاشي.

عنه تأويل الآيات الظاهرة: 496، س 11، والبحار: 24/260، ح 11.

الصراط المستقيم: 3/76، س 8، قطعة منه.

 


 

 

حديث مولد النبيّ محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

خطبة آمنة ومهرها

7 ـ قال الواقديّ[228]: أوّل ما افتتح به عقيل بن أبى وقّاص (حين خطب آمنة


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلمأربعة: الواقديّ بالمدينة، و... .

ثمّ قال: وحكى أبو العرب، عن الشافعيّ، قال: كان بالمدينة سبعة رجال يضعون الأسانيد،
أحدهم الواقديّ. تهذيب التهذيب: 9/324 ـ 327.

وقال ابن حبّان : يروي عن الثقات المقلوبات، وعن الإثبات المعضلات حتّى ربما سبق إلى
القلب أنّه كان المتعمّد، لذلك كان أحمد بن حنبل يكذّبه. المجروحين: 2/290.

وقال أحمد بن شعيب النسائيّ: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين: ص 217.

ومثله نقل البخاريّ عن مالك ومعمّر. الضعفاء الصغير: 109.

وعن محمّد بن العقيليّ في الضعفاء: 4/107.

وعن أبي نعيم الأصبهانيّ في الضعفاء: 146.

وقال النجاشي: حكى بعض أصحابنا عن بعض المخالفين أنّ كتب الواقديّ سائرها إنّما هي
كتب إبراهيم بن محمّد بن أبي يحيى، نقلها الواقديّ وادّعاها. راجع رجال النجاشي: 14، ضمن
رقم 12.

ومن الثانية: مارواه الخطيب البغداديّ بإسناده، عن مصعب الزبيريّ بأنّ محمّد بن عمر
الواقديّ مأمون وثقة. وكذا عن يزيد بن هارون، أ نّه ثقة.

ثمّ نقل عن يحيى بن معين: أغرب الواقديّ على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم عشرين ألف حديثاً.

وقال المحدّث القمّيّ: الواقديّ، أبو عبد اللّه محمّد بن عمر بن واقد المدنيّ، كان إماما

 


لعبد اللّه بن عبد المطّلب)[229] أن قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه
الذي جعلنا من نسل إبراهيم، ومن شجرة إسماعيل، من غصن نزار
[230]، ومن ثمرة
عبد مناف.

ثمّ أثنى على اللّه تعالى ثناء بليغاً، وقال فيه جميلاً، وأثنى على اللات
والعزّى
[231]، وذكرهم بالجميل، وقال: لا يستغني[232] عنكم مع هذا كلّه، وعقد
النكاح، ونظر إلى وهب، وقال: يا أبا الوداخ! زوّجت كريمتك آمنة من ابن سيّدنا
عبد المطّلب على صداق أربعة آلاف درهم بيض هجريّة جياد، وخمس مائة
مثقال ذهب أحمر،قال: نعم.


ثمّ قال: يا عبد اللّه! قبلت بهذا الصداق؟ يا أيّها السيّد الخاطب!

قال: نعم، ثمّ دعا لهما بالخير والكرامة.

ثمّ أمر وهب أن تقدّم المائدة، فقدّمت مائدة خضرة، فأتي من الطعام الحارّ
والبارد والحلو والحامض، فأكلوا وشربوا.

قال: ونثر عبد المطّلب على ولده قيمة ألف درهم من النثار، وكان متّخذاً من
مسك بنادق، ومن عنبر، ومن سكّر، ومن كافور، ونثَرَ وهب
[233] بقيمة ألف
درهم عنبر، وفرح الخلق بذلك فرحاً شديداً
[234].

 


 

 

زواج عبد اللّه بآمنة عليهاالسلام وحملها بسيّد المرسلين صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

8 ـ قال الواقديّ: فلمّا فرغوا من ذلك نظر عبد المطّلب إلى وهب، وقال:
وربّ السماء! إنّي لا أفارق هذا السقف أو أؤلّف
[235] بين ولدي عبد اللّه وحليلته.

فقال وهب: بهذه السرعة لا يكون.

فقال عبد المطّلب: لابدّ من ذلك.

فقام وهب ودخل على امرأته برّة، وقال لها: اعلمي! أنّ عبد المطّلب قد حلف
بربّ السماء! إنّه لا يفارق هذا السقف أو يؤلّف بين ولده عبد اللّه وبين زوجته
آمنة.

فقامت المرأة من وقتها ودعت بعشر[236] من المشّاطات، وأمرتهنّ أن يأخذن
في زينة آمنة، فقعدن حول آمنة فواحدة منهنّ تنقش يديها، وواحدة تخضب
(رجليها)
[237]، وواحدة تسرّح ذوائبها، وواحدة تمسحها بالملاء[238]، فلمّا كان عند
غروب الشمس وقد فرغن من زينتها نصبوا سريراً من الخيزران، وقد فرشوا
عليه من ألوان الديباج والوشي، وقعدت الجارية
[239] على السرير، وعقدن على

رأسها تاجاً وعلى جبينها إكليلاً، وعلى عنقها مخانق
[240] الدرّ والجواهر،
وتختّمت
[241] بأنواع الخواتيم.

وجاء وهب، وقال لعبد المطّلب: يا سيّدي! قم إلى العروس[242]، فقام
عبد المطّلب إلى العروس، وهي كأنّها فلقة قمر من حسنها.

وتقدّم عبد المطّلب إلى السرير وقبّله وقبّل عين العروس، فقال عبد المطّلب
لولده عبد اللّه: اجلس يا ولدي! معها على السرير، وافرح برؤيتها!

قال: فرفع عبد اللّه قدمه وصعد إلى السرير، وقعد إلى جنب العروس، وفرح
عبد المطّلب، وكان من عبد اللّه إلى أهله ما يكون من الرجال إلى النساء،
فواقعها، فحملت بسيّد المرسلين وخاتم النبيّين.

وقام من عندها إلى عند أبيه، فنظر إليه أبوه، و إذا النور قد فارق من بين
عينيه، وبقي عليه من أثر النور كالدرهم الصحيح، وذهب النور إلى ثدي آمنة.

فقام عبد المطّلب إلى عند آمنة، ونظر إلى وجهها، فلم يكن النور كما كان في
عبد اللّه، بل أنور، فذهب عبد المطّلب إلى عند حبيب الراهب، فسأله عن ذلك؟

فقال حبيب: اعلم! أنّ هذا النور هو صاحب النور بعينه، وصار في بطن أُمّه.
فقام عبد المطّلب وخرج مع الرجل، وبقي عبد اللّه عند أهله إلى أن ذهبت
الصفرة من يديه، وذلك أنّ العرب كانوا إذا دخلوا بأهلهم يخضبون
[243] أيديهم
بالحنّاء، ولا يخرجون من عندهم وعلى أيديهم أثر من الحنّاء.


فبقي عبد اللّه أربعين يوماً، وخرج ونظر[244] أهل مكّة إلى عبد اللّه، والنور قد
فارق موضعه، فرجع عبد المطّلب من عند حبيب وقد أتى
[245] على
رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلمشهراً واحداً
[246] في بطن أُمّه.

ونادت الجبال بعضها (بعضاً)[247]، والأشجار بعضها بعضاً، والسماوات بعضها
بعضا، يستبشرون ويقولون: ألا إنّ محمّداً قد وقع في رحم أُمّه آمنة، وقد أتى
عليه شهر ففرحت بذلك
[248] الجبال والبحار والسماوات والأرضون فرحاً
برسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، ثمّ إنّ اللّه تعالى أراد قضاه على فاطمة بنت عبد المطّلب،
فورد عليه كتاب من يثرب بموت فاطمة، وكان في الكتاب: أ نّها ورّثت مالاً
كثيراً خطيراً، فاخرج إلى عنده أسرع
[249] ما تقدر عليه.

قال عبد المطّلب لولده عبد اللّه: يا ولدي! لابدّ لك أن تجيء معي إلى المدينة،
فسافر مع أبيه ودخلا مدينة يثرب، وقبض عبد المطّلب المال.

ولمّا انتهيا من دخولهما المدينة بعشر أيّام، اعتلّ عبد اللّه علّة شديدة، وبقي
خمسة عشر يوماً، فلمّا كان اليوم السادس عشر مات عبد اللّه، فبكى عليه أبوه
عبد المطّلب بكاءً شديداً، وشقّ سقف البيت لأجله في دار فاطمة بنت
عبد المطّلب، و إذا بهاتف يهتف ويقول: قد مات من كان في صلبه خاتم النبيّين،
وأيّ نفس لا يموت
[250]، فقام عبد المطّلب فغسّله وكفّنه في سكّة، يقال لها: «شين»،
وبنى على قبره قبّة عظيمة من جصّ وآجر، وأحكمه ورجع إلى مكّة،
واستقبله
[251] رؤساء قريش وبنو هاشم.

واتّصل الخبر إلى آمنة بوفاة زوجها فبكت، ونفشت[252] شعرها، وخدشت
وجهها، ومزقت جيبها، ودعت بالنائحات، ينحن على عبد اللّه.

فجاء بعد ذلك عبد المطّلب إلى دار آمنة، (وطيب قلبها، ووهب لها في ذلك
الوقت ألف درهم بيض، وتاجين قد اتّخذهما
[253] عبد مناف لبعض بناته، وقال
لها: يا آمنة! لا تحزني، فإنّك عندي جليلة لأجل من في بطنك ورحمك، فلا يهمّك
أمرك، فسكتت)
[254] وطيب قلبها[255].

9 ـ قال الواقديّ: فلمّا أتى على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم في بطن أُمّه شهران أمر اللّه
تعالى منادياً في سماواته وأرضه أن ناد
[256] في السماوات والأرض والملائكة: أن
استغفروا لمحمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم وأُمّته، كلّ هذا ببركة النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
[257].


 

 

سجود الأشياء للّه تعالى لتعظيم النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

10 ـ قال الواقديّ: فلمّا أتى على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم في بطن أُمّه ثلاثة أشهر
كان أبو قحافة راجعاً من الشام، فلمّا بلغ قريباً من مكّة وضعت ناقته جمجمتها
على الأرض ساجدة، وكان بيد أبي قحافة قضيب، فضربها بأوجع ضرب،
فلم ترفع رأسها، فقال أبو قحافة: ما أرى ناقة تركت صاحبها!

و إذا بهاتف يهتف ويقول: لا تضرب يا أبا قحافة! من لا يطيعك، ألا ترى أنّ
الجبال والبحار والأشجار سوى الآدميّين سجدوا للّه.

فقال أبو قحافة: (يا هاتف! وما السبب في ذلك؟

قال: اعلم! أنّ النبيّ الأُمّيّ قد أتى عليه في بطن أُمّه ثلاثة أشهر.

قال أبو قحافة:)[258] ومتى يكون خروجه؟

قال: سترى يا أبا قحافة! إن شاء اللّه تعالى، فالويل كلّ الويل لعبدة الأصنام
من سيفه وسيف أصحابه.

فقال أبو قحافة: فوقفت ساعة حتّى رفعت الناقة رأسها(فركبتها)[259] وجئت
إلى عبد المطّلب
[260].


 

البشارة لمن آمن بالنّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، والويل لمن كفر به

11 ـ قال الواقديّ: فلمّا أتى على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم أربعة أشهر كان زاهد
على الطريق من الطائف، وكان له صومعة بمكّة على مرحلة
[261]، قال: فخرج
الزاهد، وكان اسمه حبيباً، فجاء إلى بعض أصدقائه بمكّة، فلمّا بلغ أرض الموقف
و إذا بصبيّ قد وضع جبينه على الأرض، وقد سجد على جبهته
[262].

قال حبيب: فدنوت منه فأخذته، و إذا بهاتف يهتف ويقول: خلّ عنه
يا حبيب! ألا ترى إلى الخلائق من البرّ والبحر والسهل والجبل قد سجدوا للّه
شكراً، لما أتى على النبيّ الزكيّ الرضيّ المرضيّ في بطن أُمّه خمسة أشهر، وهذا
الصبيّ قد سجد للّه (شكراً)
[263].

قال حبيب: فتركت الصبيّ ودخلت مكّة وبيّنت ذلك لعبد المطّلب،
وعبد المطّلب يقول: اكتم هذا الاسم، فإنّ لهذا الاسم أعداء.

قال: وذهب حبيب إلى صومعته، فإذا الصومعة تهتزّ ولا تستقرّ، و إذا على
محرابه مكتوب، وعلى محراب كلّ راهب: يا أهل البيع والصوامع! آمنوا باللّه
وبرسوله محمّد بن عبد اللّه فقد آن خروجه، فطوبى ثمّ طوبى لمن آمن به، والويل
كلّ الويل لمن كفر به، ورّد عليه حرفا ممّا يأتي به من عند ربّه.

قال حبيب: فقلت: السمع والطاعة، إنّي لمؤمن وطائع غير منكر[264].


 

 

البشارة بمجيء الحقّ

وزهوق الباطل لمولد النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

12 ـ قال الواقديّ: فلمّا أتى على رسول اللّه في بطن أُمّه ستّة أشهر خرج أهل
المدينة واليمن إلى العيد، وكان رسمهم أ نّهم كانوا يجعلون
[265] في كلّ سنة ستّة
أعياد، وكانوا يذهبون عند شجرة عظيمة، يقال لها: ذات أنواط
[266].

وهي التي سمّاها اللّه في كتابه: «وَمَنَوةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى»[267]، فذهبوا في
ذلك (العيد)
[268] وأكلوا وشربوا وفرحوا وتقاربوا من الشجرة، و إذا بصيحة
عظيمة من وسط الشجرة، وهو هاتف يقول: «يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ
وَ ءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ
»
[269] الآية[270].

وقال: يا أهل اليمن! ويا أهل اليمامة! ويا أهل البحرين! ويا من
عبد الأصنام! ويا من سجد للأوثان! «جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَـطِـلُ إِنَّ الْبَـطِـلَ
كَانَ زَهُوقًا
»
[271]، يا قوم! قد جاءكم الهلاك، قد جاء كم التلف، قد جاءكم الويل

والثبور، قال: ففزعوا من ذلك، وانهزموا راجعين إلى منازلهم (متحيّرين)
[272]
متعجّبين من ذلك
[273].

13 ـ قال الواقديّ: فلمّا أتى على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم في بطن أُمّه سبعة أشهر،
جاء سواد بن قارب إلى عبد المطّلب، فقال له: اعلم، يا أبا الحارث! أ نّي كنت
البارحة بين النوم واليقظة، فرأيت أبواب السماء مفتّحة، ورأيت الملائكة ينزلون
إلى الأرض معهم ألوان الثياب، يقولون: زيّنوا الأرض فقد قرب خروج من
اسمه محمّد، وهو نافلة
[274] عبد المطّلب، رسول اللّه إلى الأرض، و إلى الأسود
والأحمر والأصفر، و إلى الصغير والكبير، والذكر والأنثى، صاحب السيف
القاطع والسهم النافذ.

فقلت لبعض الملائكة: من هذا (الذي)[275] تزعمون؟!

فقال: ويحك! هذا محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف.

فهذا ما رأيت، فقال له عبد المطّلب: اكتم الرؤيا! ولا تخبر به أحداً لننظر ما
يكون
[276].

14 ـ قال الواقديّ: فلمّا أتى على النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم في بطن أُمّة ثمانية أشهر كان
في بحر الهواء حوتة
[277] يقال لها: طينوسا، وهي سيّدة الحيتان.


(فتحرّكت الحيتان)[278]، وتحرّكت الحوتة واستوت قائمة على ذنبها، وارتفعت
وارتفع الأمواج عنها.

فقالت الملائكة: إلهنا وسيّدنا! ترى ما تفعل طينوسا ولا تطيعنا، وليس لنا بها
قوّة؟!

قال: فصاح استحيائيل الملك صيحة عظيمة، وقال لها: قرّي يا طينوسا!
ألا تعرفين
[279] من تحتك؟!

فقالت طينوسا: يا استحيائيل! أمر ربّي يوم خلقني: أن إذا ولد محمّد بن
عبد اللّه، استغفري له ولأُمّته، والآن سمعت الملائكة يبشّر بعضهم بعضاً، فلذلك
قمت وتحرّكت.

فناداها استحيائيل: قرّي[280] واستغفري، فإنّ محمّداً قد ولد، فلذلك انبطحت
في البحر وأخذت في التسبيح والتهليل والتكبير والثناء على ربّ العالمين
[281].


 

 

احتفال الملائكة والكواكب، واستبشارهم بولادة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

15 ـ قال الواقديّ: فلمّا أتى على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم في بطن أُمّه تسعة أشهر،
أوحى اللّه إلى الملائكة في كلّ سماء: أن اهبطوا إلى الأرض!

فهبط عشرة آلاف ملك، بيد كلّ ملك قنديل (يشتعل بالنور بلا دهن،
مكتوب على كلّ قنديل:)
[282] لا إله إلاّ اللّه، محمّد رسول اللّه.

يقرؤه كلّ عربيّ كاتب، ووقفوا حول مكّة في المفاوز، و إذا بهاتف يهتف
ويقول: هذا نور محمّد رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم.

قال: فأورد الخبر إلى عبد المطّلب، فأمر بكتمانه إلى أن يكون[283].

16 ـ قال الواقديّ: فلمّا كملت تسعة أشهر لرسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم صار لا يستقرّ
كوكب في السماء إلاّ ينتقل من موضع إلى موضع، يبشّرون
[284] بعضهم بعضاً.

والناس ينظرون إلى الكواكب في السماء مسيّرات لا يستقرّون[285]، فأقام ذلك
ثلاثين يوماً
[286].


 

 

هبوط الحوريّات لخدمة آمنة حين ولادة النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

17 ـ قال الواقديّ: فلمّا تمّ لرسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم تسعة أشهر، نظرت أُمّ
رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم آمنة إلى أُمّها برّة، وقالت: يا أُمّاه! إنّي أحبُّ أن أدخل البيت
فأبكي على زوجي ساعة، وأقطر دمعي على شبابه وحسن وجهه، فإذا دخلت
البيت وحدي فلا يدخل عليّ أحد.

فقالت لها برّة: ادخلي يا آمنة! فابكي، فحقّ لك البكاء.

قال: فدخلت آمنة البيت وحدها، (وقعدت وبكت)[287] وبين يديها شمع
يشتعل، وبيدها مغزل
[288] من آبنوس، وعلى مغزلها فلقة من عقيق أحمر، وآمنة
تبكي وتنوح، إذا أوجعت من طلقها
[289]، فوثبت إلى الباب لتفتحه فلم ينفتح،
فرجعت إلى مكانها.

وقالت: وا وحدتاه، وأخذها الطلق والنفاس، وما شعرت بشيء حتّى انشقّ
السقف، ونزلت من فوق أربع حوريّات، وأضاء البيت لنور وجوههنّ، وقلن
لآمنة: لا بأس عليك يا جارية! إنّا جئناك لخدمتك فلا يهمّنّك
[290] أمرك.


وقعدت الحوريّات واحدة على يمينها، وواحدة على شمالها، وواحدة بين
يديها، وواحدة من ورائها، فهوّمت
[291] عين[292] آمنة، وغفت غفوة[293].

18 ـ قال ابن عبّاس: ما كان من أُمّ الصبيّ[294] (إلاّ أ نّها كانت نائمة عند
خروج ولدها من بطنها.

فانتبهت أُمّ النبيّ[295]، فإذا النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم تحت ذيلها قد وضع جبينه على
الأرض، ساجدا للّه، ورفع سبّابتيه مشيراً بهما: لا إله إلاّ اللّه
[296].

 


 

 

تاريخ ولادة النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

وحدوث بعض المعجزات حين ولادته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

19 ـ قال الواقديّ: ولد رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم في ليلة الجمعة، قبل طلوع
الفجر،في شهر ربيع الأوّل، (ليلة)
[297] سبعة عشر منه، في سنة تسعة آلاف
وتسعمائة وأربعة أشهر وسبعة أيّام من وفاة آدم عليه‏السلام
[298].

20 ـ قال الواقديّ: ونظرت أُمّه آمنة وجه رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، فإذا هو
مكحّل
[299] العينين، منقّط الجبين[300] والذقن.

وأشرق في وجنتي النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلمنور ساطع في ظلمة الليل، ومرّ في سقف البيت
وشقّ السقف، ورأت آمنة من نور وجهه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم كلّ منظر حسن، وقصر بالحرم.

وسقط في تلك الليلة أربع وعشرون شرفاً من إيوان كسرى، وأخمدت في
تلك الليلة نيران فارس.

وأبرق في تلك الليلة برق ساطع في كلّ بيت وغرفة في الدنيا ممّن قد علم اللّه
تعالى
[301]، وسبق في علمه أ نّهم يؤمنون باللّه ورسوله محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، ولم يسطع[302]
في بقاع الكفر بأمر اللّه تعالى.

وما بقي في مشارق الأرض ومغاربها صنم ولا وثن إلاّ وخرّت على وجوهها
ساقطة، على جباهها خاشعة.

وذلك كلّه إجلالاً للنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم[303].

 


 

 

فزع إبليس وأولاده بعد ولادة النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

21 ـ قال الواقديّ: فلمّا رأى إبليس لعنه اللّه تعالى وأخزاه ذلك، وضع
التراب على رأسه، وجمع أولاده، وقال لهم: يا أولادي، اعلموا! أ نّني ما أصابني
منذ خلقت مثل هذه المصيبة.

قالوا: وما هذه المصيبة؟

قال: اعلموا! أ نّه قد ولد في هذا الليلة مولود اسمه محمّد بن عبد اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم،
يبطل عبادة الأوثان، ويمنع السجود للأصنام، ويدعوا
[304] إلى عبادة الرحمن.

قال: فنثروا التراب على رؤوسهم، ودخل إبليس لعنه اللّه تعالى في البحر
الرابع، وقعد فيه للمصيبة هو وأولاده مكروبين
[305] أربعين (يوما)[306][307].

 


 

 

تغسيل جبرئيل

وميكائيل عليهماالسلام النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم بماء الجنّة

22 ـ قال الواقديّ: فعند ذلك أخذت الحوريّات محمّداً صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ولفّفنه في
منديل روميّ، ووضعنه بين يدي آمنة، ورجعن إلى الجنّة يبشّرن الملائكة في
السماوات بمولد
[308] النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم.

ونزل جبرئيل وميكائيل عليهماالسلام، ودخلا البيت على صورة آدميّين وهما
شابّان، ومع جبرئيل طست من ذهب، و(مع)
[309] ميكائيل إبريق من عقيق أحمر،
فأخذ جبرئيل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم وغسّله، وميكائيل يصبّ الماء عليه، فغسّلاه،
وآمنة في زاوية البيت قاعدة فزعة مبهوتة.

قال لها جبرئيل: يا آمنة! لا تغسّليه من النجاسة فإنّه لم يكن نجساً، ولكن
غسّلناه
[310] من ظلمات بطنك.

وفرغوا من غسله، وكحلوا عينيه، ونقطوا جبينه بورقة[311] كانت معهم
ومسك وعنبر وكافور مسحوق بعضه ببعض، فذروه فوق
[312] رأسه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم.

قالت آمنة: وسمعت جلبة[313] وكلاماً على الباب، فذهب جبرئيل إلى عند

الباب فنظر ورجع إلى البيت، وقال: ملائكة سبع سماوات على الباب يريدون
السلام على النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم فاتّسع البيت مدّة
[314]، ودخلوا عليه موكباً بعد موكب،
وسلّموا عليه، وقالوا: السلام عليك يا محمّد! السلام عليك يا محمود! السلام
عليك يا أحمد! السلام عليك يا حامد!
[315].

 


 

 

الأعلام التي نصبت

على الجبال بعد ولادة النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

23 ـ قال الواقديّ: فلمّا دخل من الليل ثلثه أمر اللّه تعالى جبرئيل عليه‏السلام
أن يحمل من الجنّة أربعة أعلام.

فحمل جبرئيل الأعلام ونزل إلى الدنيا، ونصب علماً أخضر[316] على جبل
قاف، مكتوب عليه بالبياض سطران: لا إله إلاّ اللّه، محمّد رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم.

ونصب علماً آخر على جبل أبي قبيس، له ذؤابتان، مكتوب على واحدة
منهما: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وفي الثانية: لا دين إلاّ دين محمّد بن عبد اللّه.

ونصب علماً آخر على سطح بيت اللّه الحرام، له ذؤابتان، مكتوب على
واحدة منهما: طوبى لمن آمن باللّه وبمحمّد، والويل لمن كفر به وردّ عليه حرفاً ممّا
يأتي به من عند ربّه.

ونصب علماً آخر على ضريح[317] بيت اللّه المقدس وهو أبيض، عليه خطّان
مكتوبان بالسواد: لا غالب إلاّ اللّه، والثاني: النصر للّه ولمحمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
[318].


 

 

بعض ما حدث من

المعجزات والحوادث بعد ولادته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

24 ـ قال الواقديّ: وذهب إستحيائيل ووقف على ركن جبل أبي قبيس،
ونادى بأعلى صوته: يا أهل مكّة! «أمِنُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِى وَ النُّورِ الَّذِى
أَنزَلْنَا
»
[319].

وأمر اللّه تعالى غمامة أن ترفع فوق بيت اللّه الحرام، وتنثر على البيت الحرام
ريش الزعفران والمسك والعنبر يمطر على البيت، فارتفعت الغمامة، وأمطرت
على ذلك البيت، فلمّا أصبحوا رأوا ريش الزعفران والمسك والعنبر يمطر على
البيت
[320].

وخرجت الأصنام من بيت اللّه الحرام، وجاؤوا إلى عند الحجر، وانكبّوا على
وجوههم
[321].

وجاء جبرئيل بقنديل أحمر له سلسلة من جزع[322] أصفر، وهو يشتعل
بلا دهن بقدرة اللّه تعالى
[323].


25 ـ قال الواقديّ: وأبرق من وجه النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم برق وذهب في الهواء حتّى
التزق بعنان السماء، وما بقي بمكّة دار ولا منظر إلاّ ودخله
[324] ذلك النور ممّن سبق
في قدرة اللّه تعالى وعلمه أ نّه يؤمن باللّه وبرسوله محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم.

وما بقي في تلك الليلة كتاب من التوراة والإنجيل والزبور، وممّا كان فيه
اسمه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، أو نعته إلاّ وقطر تحت اسمه قطرة دم.

قال: لأنّ اللّه تعالى بعثه بالسيف.

وما بقي في تلك الليلة دير ولا صومعة إلاّ وكتب على محاريبها اسم
محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، فبقيت الكتابة إلى الصباح حتّى قرأها الرهبانيّة
[325] والديرانيّة
وعلموا أنّ النبيّ الأُمّيّ قد ولد
[326].

26 ـ قال الواقديّ: فعندها قامت آمنة (رضي اللّه عنها)[327] وفتحت الباب،
وصاحت صيحة وغشي عليها، ثمّ دعت بأُمّها برّة وأبيها وهب، وقالت: ويحكما!
أين أنتما؟ فما رأيتما ما جرى عليّ؟ إنّي وضعت ولدي، وكان كذا وكذا، تصف لهما
ما رأته، قال: فقام وهب ودعا بغلام، وقال: اذهب إلى عند عبد المطّلب وبشّره.

وأهل مكّة على المنابر وقد صعدوا الصروح[328] ينظرون إلى الذي رأوا من

العجائب
[329] ولا يدرون ما الخبر.

كذلك عبد المطّلب قد صعد مع أولاده، فما شعروا بشيء حتّى قرع الغلام
الباب، ودخل على عبد المطّلب، وقال: يا سيّدنا! أبشر، فإنّ آمنة قد وضعت
ذكراً، فاستبشر بذلك، وقال: قد علمت أنّ هذه
[330] براهين، ودلائل لمولودي.

فذهب عبد المطّلب إلى آمنة مع أولاده، ونظروا إلى وجه رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم،
ووجهه كالقمر ليلة البدر يسبّح ويكبّر في نفسه، فتعجّب منه عبد المطّلب
[331].

27 ـ قال الواقديّ: فأصبح أهل مكّة يوم الثاني صبيحة يوم الثلثاء[332]،
ونظروا إلى القنديل و إلى السلسلة و إلى ريش الزعفران والعنبر ينزل من
الغمامة، وينظرون إلى الأصنام وقد خرّوا أكثرهنّ منكبّات على وجوههنّ وبقي
الخلق على ذلك متحيّراً
[333].

وجاء إبليس أخزاه اللّه على صورة شيخ زاهد، وقال: يا أهل مكّة!
لا يهمّنّكم أمر هذا، فإنّما أخرج الأصنام بهذا الميل
[334] العفاريت والمردة
وسجدوا لهنّ (فلا يهمّنّكم)
[335]، وأمر إبليس لعنه اللّه تعالى أن تدخل
الأصنام
[336] إلى جوف بيت اللّه الحرام، ففعلوا ذلك، و إذا بهاتف يهتف ويقول:
«جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَـطِـلُ إِنَّ الْبَـطِـلَ كَانَ زَهُوقًا»
[337][338].

28 ـ قال الواقديّ: فأرسل اللّه تعالى إلى البيت حللاً[339] من الديباج
الأبيض مكتوب عليها بخطّ أسود:

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ »، «يَـأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّـآ أَرْسَلْنَـكَ شَـهِدًا
وَ مُبَشِّرًا وَ نَذِيرًا  * وَ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِى وَ سِرَاجًا مُّنِيرًا
»
[340][341].

29 ـ قال الواقديّ: فتعجّب الناس من ذلك، فبقيت الحلل (على البيت أربعين
يوماً، فذهب رجل من آل إدريس كان بالثعلبان وأتى وكانت يده دسمة، فتمسّح
بتلك الحلل)
[342] والتحف بها، فارتفعت الحلل من ليلتها، ولو لم يلتحف بها

لبقيت
[343] على بيت اللّه الحرام هو والديباج إلى يوم القيامة[344].

30 ـ قال الواقديّ: فاجتمع رؤساء بني هاشم وذهبوا إلى حبيب الراهب،
وقالوا: يا حبيب! بيّن لنا خبر هذه الحلل، و إخراج الأصنام من جوف بيت اللّه
الحرام، والكواكب السائرات
[345]، والبرق الذي برق في هذه الليلة، والجلبات[346]
التي سمعنا فما هي؟

فقال حبيب: أنتم تعلمون أنّ ديني ليس دينكم، وأنا أقول الحقّ، إن شئتم
فاقبلوا، و إن شئتم لا تقبلوا، ما هذه العلامات إلاّ علامات نبيّ مرسل في زمانكم
(هذا)
[347]، ونحن وجدنا في التوراة ذكر وصفه، وفي الإنجيل نعته، وفي الزبور اسمه،
واسمه في الصحف.

وهو الذي يبطل عبادة الأوثان والأصنام، ويدعوا إلى عبادة الرحمن،
ويكون على العلم
[348]، قاطع السيف، طاعن بالرمح، نافذ السهم، تخضع له ملوك
الدنيا وجبابرتها، فالويل، الويل لأهل الكفر والطغيان وعبدة الأوثان من سيفه
ورمحه (وسهمه)
[349]، فمن آمن به نجا، ومن كفربه هلك.

فقام الخلق من عنده مغمومين مكروبين، ورجعوا إلى مكّة محزونين[350].

 


 

 

ما جرى عليه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

في بيت اللّه يوم الثاني من ولادته

31 ـ قال الواقديّ: وأصبح عبد المطّلب يوم الثاني ودعا بآمنة، وقال لها:
هاتي ولدي، وقرّة عيني، وثمرة فؤادي!

فجاءت آمنة ومحمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم على ساعدها، فقال عبد المطّلب: اكتميه يا آمنة!
ولا تبديه لأحد، فإنّ قريشاً وبني أُميّة يرصدون في أمره.

قالت آمنة: السمع والطاعة.

فجاء عبد المطّلب ومحمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم على ساعده وأتى به إلى بيت اللّه الحرام،
وأراد أن يمسح بدنه باللات والعزّى لتسكن دمدمة قريش وبني هاشم، ودخل
عبد المطّلب بيت اللّه الحرام، فلمّا وضع رجله في البيت سمع النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
يقول
[351]: «بسم اللّه وباللّه ».

و إذا البيت يقول: السلام عليك يا محمّد! ورحمة اللّه وبركاته.

و إذا بهاتف يهتف ويقول: «جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَـطِـلُ إِنَّ الْبَـطِـلَ كَانَ
زَهُوقًا
»
[352].

فتعجّب عبد المطّلب من صغر سنّه وكلامه، وممّا قال له البيت.

فقال عبد المطّلب[353] لخزنة البيت وأمرهم أن يكتموا ما سمعوا من البيت،

ومن محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
[354].

32 ـ قال الواقديّ: فتقدّم عبد المطّلب إلى اللات والعزّى، وأراد أن يمسح
بدن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم باللات والعزّى، فجذب من ورائه.

فالتفت إلى ورائه فلم ير أحداً، فتقدّم ثانية فجذبه من ورائه الجاذب[355]،
فنظر إلى ورائه فلم ير أحداً، ثمّ تقدّم ثالثة فجذبه الجاذب جذبة شديدة حتّى
أقعده على عجزه، وقال:(مه)
[356] يا أبا الحارث! أ تمسح[357] بدناً طاهراً ببدن
نجس؟!
[358].

33 ـ قال الواقديّ: فعند ذلك وقف عبد المطّلب على باب بيت اللّه الحرام،
والنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم على ساعده، وأنشأ يقول:


الحمد للّه الذي أعطاني

 هذا الغلام، طيّب[359] الأردان


قد ساد في المهد على الغلمانأعيذه بالبيت ذي الأركان

حتّى أراه مبلغ الفتيانأعيذه من كلّ ذي شنان[360]


حتّى يكون بلغة الغشيان[361]من حاسد ذي طرف العينان[362][363]


34 ـ قال الواقديّ: وخرج عبد المطّلب متفكّراً[364] ممّا سمع ورأى من
محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم إلى أُمّه، وقد وقعت الدمدمة بين قريش وبني هاشم بسبب
محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
[365].

 


 

 

اشتراء المهد للنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

في اليوم الثالث من ولادته

35 ـ قال الواقديّ: فلمّا كان اليوم الثالث اشترى عبد المطّلب مهداً من
خيزران أسود، له مشبّكات من عاج
[366] مرصّع بالذهب الأحمر، وله بكرتان[367]
من فضّة بيضاء، ولونه من جزع
[368] أصفر، وغشّاه بجلال ديباج أبيض، مكوكب

بالذهب[369].

وبعث إليها من الدرّ واللؤلؤ الكبار الذي تلعب به الصبيان في المهد بألوان
الفرش.

وكان النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم إذا انتبه من نومه يسبّح اللّه تعالى بذلك الخرز[370][371].

 


 

 

ما صدر عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم في اليوم الرابع من ولادته

36 ـ قال الواقديّ: فلمّا كان اليوم الرابع جاء سواد بن قارب إلى
عبد المطّلب
[372].

وكان عبد المطّلب قاعداً على باب بيت اللّه الحرام، وقد حفّ به قريش
وبنو هاشم، فدنا سواد بن قارب، وقال: يا أبا الحارث! اعلم أ نّي قد سمعت أن قد
ولد
[373] لعبد اللّه ذكر، وأ نّهم يقولون فيه عجائب، فأريد أن أنظر إلى وجهه
هنيئة، وكان سواد بن قارب رجلاً إذا تكلّم سمع منه، وكان رجلاً صدوقاً.

فقام عبد المطّلب ومعه سواد بن قارب، وجاء إلى دار آمنة رضي اللّه عنها،
ودخلا جميعاً، والنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم كان نائماً، فلمّا دخلا القبّة قال عبد المطّلب: اسكت
يا سواد! حتّى ينتبه من نومه، فسكت، فدخلا قليلاً، قليلاً حتّى دخلا القبّة
ونظرا
[374] إلى وجه النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم وهو في مهده نائم، وعليه هيبة الأنبياء.

فلمّا كشف الغطاء عن وجهه برق من وجهه برق[375] شقّ السقف بنوره،
والتزق بأعنان
[376] السماء، فألقى عبد المطّلب وسواد أكمامهما على وجهيهما من
شدّة الضوء، فعندها انكبّ سواد على النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم وقال لعبد المطّلب: أُشهدك
على نفسي أ نّي آمنت بهذا الغلام وبما يأتي به من عند ربّه، ثمّ قبّل وجنات
النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم وخرجا جميعا، ورجع سواد إلى موضعه وبقي عبد المطّلب فرحا
نشيطا
[377].

37 ـ قال محمّد بن عمر الواقديّ: فلمّا أتى على النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم شهر كان إذا نظر
إليه الناظر يتوهّم أ نّه من أبناء سنة، لوقارة
[378] جسمه وتمام فهمه صلوات اللّه
عليه وآله.

وكانوا يسمعون من مهده التسبيح، والتحميد[379]، والثناء على اللّه تعالى[380].

 


 

 

وفاة جدّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم وهب بعد شهرين، وأُمّه

بعد أربعة أشهر من ولادته، ومجيء حليمة لإرضاعه

38 ـ قال الواقديّ: فلمّا أتى على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم شهران مات وهب جدّه،
أبو أُمّه آمنة، وجاء عبد المطّلب وجماعة من قريش وبني هاشم وغسّلوا وهبا،
وحنّطوه، وكفّنوه، ودفنوه على ذيل الصفا
[381].

39 ـ قال الواقديّ: فلمّا أتى على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم أربعة أشهر، ماتت أُمّه
آمنة رضي اللّه عنها، فبقي النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم بلا أُمّ ولا أب، وهو من أبناء أربعة أشهر،
فبقي يتيماً في حجر جدّه عبد المطّلب أبو أبيه رضى‏الله‏عنه.

فاشتدّ على عبد المطّلب موت آمنة ليتم محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، فلم يأكل ولم يشرب
ثلاثة أيّام.

فبعث عبد المطّلب إلى عند بناته عاتكة وصفيّة، وقال لهما: خذا محمّداً صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم،
والنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم لا يزداد إلاّ بكاءً ولايسكن، وكانت عاتكة تلعق النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
عسلاً صافياً مع الثريد
[382]، ولا يزداد النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم إلاّ تمادياً في البكاء[383].

40 ـ قال الواقديّ: فضجر عبد المطّلب ولا يتهنّأ[384] أن ينظر إلى النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

وهو في تلك الحالة، فقال لابنته عاتكة: (احضري نساء قريش)
[385] فلعلّه أن
يقبل ثدي واحدة منهنّ، ويرضعن ولدي وقرّة عيني محمّداً.

فقالت ابنته عاتكة: السمع والطاعة يا أبتي! فبعثت عاتكة بالجواري والعبيد
نحو نساء بني هاشم وقريش، ودعتهنّ إلى إرضاع
[386] النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، فجئن إلى
عاتكة، واجتمعن عندها في أربعمائة وستّين جارية من بنات صناديد قريش
وأصل بني هاشم، فتقدّمت كلّ واحدة منهنّ ورفعن أكمامهنّ
[387] عن
رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ووضعن خِلف
[388] ثديهنّ في فم رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، فما قبل
منهنّ أحداً وبقين متحيّرات.

وكان عبد المطّلب جالساً، فأمر بإخراجهنّ، فخرجن والنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلملا يزداد
إلاّ بكاءاً وحزناً لغيبة اللبن عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، فخرج عبد المطّلب من الدار مهموماً
مغموماً، وقرّ عند الكعبة وقعد عند أستارها
[389]، ورأسه بين ركبتيه كأ نّه امرأة
ثكلى، و إذا بعقيل بن أبي وقّاص وقد أقبل، وهو شيخ قريش وأسنّهم، فلمّا رأى
عبد المطّلب مغموماً قال له: يا أبا الحارث! ما لي أراك مغموماً؟

فقال له عبد المطّلب: يا سيّد قريش، اعلم! أنّ نافلتي يبكي، ولا يسكن شوقاً
إلى اللبن من حين ماتت أُمّه، وأنا لا أتهنّأ بطعام ولا بشراب محزوناً على ولدي
محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، وعرضت عليه نساء قريش وبني هاشم، فلم يقبل ثدي أحد
منهنّ، وذلك أ نّه ما من امرأة إلاّ وبها عيب، وأنّ محمّداً لايقبل ثدي من بها
عيب، فلهذا امتنع، فتحيّرت وانقطعت حيلتي.

فقال عقيل: يا أبا الحارث! إنّي لأعرف في أربعة وأربعين صنديد من صناديد
العرب امرأة عاقلة، وأفصح لساناً، وأصبح وجهاً، وأرفع حسباً ونسباً، وهي
حليمة بنت أبي ذؤيب، وأبو ذؤيب هو عبد اللّه بن الحارث بن شِجْنَة بن جابر
ابن رِزام بن ناضرة بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة
ابن غيلان بن مضر
[390] بن نزار بن معد بن عدنان بن أكدد بن يشخب[391] بن
يعرب بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمان
[392].

41 ـ قال الواقديّ: فقال عبد المطّلب: يا سيّدي وسيّد قريش! لقد نبّهتني
لأمر عظيم، وفرّجت عنّي، ثمّ دعا عبد المطّلب بغلام اسمه شمردل
[393]، وقال له:
قم يا غلام! واركب ناقتك، واخرج نحو حيّ بني سعد بن بكر، وادع لي أبا ذؤيب
عبد اللّه
[394] بن الحارث السعداويّ[395].


فذهب الغلام (واستوى على ظهر ناقته، وكان حيّ بني سعد من مكّة على
ثمانية عشر ميلاً في طريق جدّة.

قال: فذهب الغلام)[396] نحو حيّ بني سعد فلحق بهم، و إذا خيمهم[397] من
مسح وخوص
[398]، وكذلك خيم الأعراب والبوادي، فدخل شمردل الحيّ وسأل
عن خيمة عبد اللّه بن الحارث، فأعطوه الأثر.

فذهب شمردل إلى الخيمة، فإذا بخيمة عظيمة وضيمة[399] زاجة في الهواء من
خوص، و إذا (على)
[400] باب الخيمة غلام أسود.

فاستأذن شمردل في الدخول، فدخل الغلام، وقال: أنعم صباحاً يا أبا ذؤيب!

قال: فحيّاه عبد اللّه، وقال له: ما الخبر؟ يا شمردل!

فقال: اعلم يا سيّدي! أنّ مولاي أبا الحارث عبد المطّلب قد وجّهني نحوك
وهو يدعوك، فإن رأيت يا سيّدي! أن تجيبه، فافعل.

قال عبد اللّه: السمع والطاعة، وقام عبد اللّه من ساعته ودعا بمفتاح الخزانة،
فأعطي المفتاح
[401]، ففتح باب الخزانة وأخرج منها جوشنه، فأفرغها على نفسه،

فأخرج بعد ذلك درعاً فاضلاً فأفرغه على نفسه فوق جوشنه، واستخرج بيضة
عادية فأقلبها على رأسه، وتقلّد بسيفين واعتقل رمحا
[402]، ودعا بنجيب فركبه
كالدكّة، وجاء نحو عبد المطّلب.

فلمّا دخل، تقدّم شمردل وأخبر عبد المطّلب، وكان جالساً مع رؤساء مكّة
مثل عتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وعقبة بن أبي معيط وجماعة من قريش.

فلمّا رأى عبد المطّلب عبد اللّه قام على قدميه، واستقبله وعانقه وصافحه
وأقعده إلى جنبه، وألزق ركبتيه بركبتيه ولم يتكلّم حتّى استراح.

ثم قال له عبد المطّلب: يا أبا ذؤيب! أ تدري بمإذا دعوتك؟

قال: يا سيّدي وسيّد قريش ورئيس بني هاشم! حتّى تقول، فأسمع منك
وأعمل بأحسنه.

قال: اعلم، يا أبا ذؤيب! أنّ نافلتي محمّد بن عبد اللّه مات أبوه ولم يبن عليه
أثره، ثمّ ماتت أُمّه وهو ابن أربعة أشهر، وهو لا يسكن من البكاء عيمة
[403] إلى
اللبن، وقد عرضت عليه
[404] أربعمائة وستّين جارية من أشرف وأجلّ بني هاشم،
فلم يقبل لواحدة منهنّ لبناً، والآن سمعنا أنّ لك بنتاً ذات لبن، فإن رأيت أن
تنفذها لترضع ولدي محمّداً صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، فإن قبل لبنها فقد جاءتك الدنيا بأسرها
وعليّ غناك وغنى أهلك وعشيرتك، و إن كان غير ذلك ترى ممّا رأيت من
النساء غيرها فافعل.

ففرح عبد اللّه فرحاً شديداً، ثمّ قال: يا أبا الحارث! إنّ لي بنتين، فأيّهما تريد؟


قال عبد المطّلب: أريد أكملهما عقلاً، وأكثر لبناً، وأصون عرضاً.

فقال عبد اللّه: هاتيك حليمة لم تكن كأخواتها، بل خلقها اللّه تعالى أكمل
عقلاً، وأتمّ فهماً، وأفصح لساناً، وأثجّ لبناً
[405]، وأصدق لهجة، وأرحم قلباً منهنّ
جميعاً
[406].

42 ـ قال الواقديّ: فقال عبد المطّلب: إنّي وربّ السماء! ما أريد إلاّ تلك[407].

فقال عبد اللّه: السمع والطاعة، فقام من ساعته، واستوى على متن جواده
وأخذ نحو بني سعد بعد أن أضافه، فلمّا أن وصل إلى منزله دخل على ابنته
حليمة، وقال لها: أبشري! فقد جاءتك الدنيا بأسرها.

فقالت حليمة: ما الخبر؟

قال عبد اللّه: اعلمي! أنّ عبد المطّلب رئيس قريش وسيّد بني هاشم، سألني
إنفاذك إليه لترضعي ولده، وتبشّري بالعطاء الجزيل والسير الجميل.

قال: ففرحت حليمة بذلك وقامت من وقتها وساعتها، واغتسلت وتطيّبت
وتبخّرت وفرغت من زينتها.

فلمّا ذهب من الليل نصفه قام عبد اللّه، وزيّن ناقته وكانت مشرفة جليلة
فركبت عليها حليمة، وركب عبد اللّه فرسه، وكذلك زوجها بكر بن سعد
السعدي، وخرجوا من دارهم في داج من الليل.

فلمّا أصبحوا كانوا على باب مكّة ودخلوها وذهبت (حليمة)[408] إلى دار

عاتكة، وكانت تلاطف محمّداً صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم وتلعقه العسل والزبد الطريّ، فلمّا دخلت
الدار وسمع عبد المطّلب بمجيئها جاء من ساعته ودخل الدار، ووقف بين يدي
حليمة.

ففتحت حليمة جيبها، وأخرجت ثديها الأيسر، وأخذت رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
فوضعته في حجرها، ووضعت ثديها (في فمه، والنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم يترك
[409] ثديها
الأيسر، ويضطرب إلى ثديها الأيمن، فأخذت حليمة ثديها الأيمن من يد
النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلمووضعت ثديها)
[410] الأيسر في فمه.

وذلك أنّ ثديها الأيمن كان جهاماً[411]، لم يكن فيه لبن، وخافت حليمة أنّ
النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم إذا مصّ الثدي الأيمن ولم يجد فيه شيئاً لايأخذ بعده الأيسر، فيأمر
عبد المطّلب بإخراجها من الدار.

فلمّا ألحّت على النبيّ أن يأخذ الأيسر والنبيّ يميل إلى الأيمن، فصاحت عليه:
يا ولدي! مصّ الأيمن حتّى تعلم أ نّه (يكون)
[412] جهاماً يابساً لا شيء فيه.

قال: فضبط النبيّ على ثديها، وأخرج خلف الأيمن حتّى امتلأ[413] فانفتح
باللبن حتّى امتلأ شدقيه كفم رأس الزقّ
[414] بأمر اللّه تعالى وببركته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم[415]

فضجّت حليمة، وقالت: واعجباً منك يا ولدي! وحقّ ربّ السماء! ربّيت بثدي
الأيسر اثني عشر ولداً، وما ذاقوا من ثدي الأيمن شيئاً، والآن قد انفتح ببركتك،
وأخبرت بذلك عبد اللّه، فأمرها بكتمان ذلك.

فلمّا شبع النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ترك الخلف من ساعته، فقال عبد المطّلب: تكونين
عندي نأمرلك بإفراغ قصر بجنب قصري
[416]، وأعطيك كلّ شهر ألف درهم
بيض، ودست ثياب روميّة، وكلّ يوم عشرة أمنان خبز حوّارى
[417] ولحماً
مشويّاً.

قال: فلمّا سمع أبوها عبد اللّه ذلك، أوحى[418] لها: أن لا تقيمي[419] عنده.

قالت: يا أبا الحارث! لو جعلت لي مال الدنيا ما أقمت عندك، ولا تركت
الزوج والأولاد.

قال عبد المطّلب: فإن كان هكذا فأدفع إليك محمّداً على شرطين.

قالت: وما الشرطين؟

قال عبد المطّلب: أن تحسّني إليه، تنوّميه إلى جنبك، وتدثّريه بيمينك،
وتوسّديه بيسارك، ولا تنبذيه وراء ظهرك
[420].

قالت حليمة: وحقّ ربّ السماء! إنّي منذ وقع عليه نظري، قد ثبت حبّه في
فؤادي، فلك السمع والطاعة، يا أبا الحارث!


ثمّ قال: وأمّا الشرط الثاني أن تحمليه إليّ في كلّ جمعة حتّى أتمتّع برؤيته، فإنّي
لا أقدر على مفارقته، قالت: أفعل ذلك، إن شاء اللّه تعالى.

فأمر عبد المطّلب أن تغسل رأس محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، فغسلت رأسه، وزرقت جبينه
ولفّفته
[421] في خرق السندس.

ثمّ إنّ عبد المطّلب دفعه إليها، وأخذ أربعة آلاف درهم وقال لها: تعالي
يا حليمة! نمضي إلى بيت اللّه الحرام حتّى أسلّمه إليك فيه، فحمله على ساعده
ودخل وطاف بالنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم سبعاً، وهو على ساعده ملفّف
[422] بخرق السندس،
ثمّ إنّه دفعه إليها وأربعة آلاف درهم بيض، وأربعين ثوباً من خواصّ كسوته،
ووهب لها أربع جوار روميّة وحلل سندس.

ثمّ إنّ عبد اللّه بن الحارث أتى بالناقة فركبتها حليمة، وأخذت
رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم في حجرها، وشيّعه
[423] عبد المطّلب إلى خارج مكّة، ثمّ أخذت
حليمة رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم إلى جنبها من داخل خمارها.

فلمّا بلغت[424] حليمة إلى حيّ بني سعد كشفت عن وجه رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم،
فأبرق من وجناته نور، فارتفع في الهواء طولاً وعرضاً حتّى التزق
[425]
بعنان السماء
[426].


43 ـ قال الواقديّ: فلمّا رأى الخلق ذلك لم يبق في حيّ بني سعد صغير
ولا كبير، ولا شيخ ولا شابّ إلاّ استقبلوا حليمة، وهنّأوها بما رزقها اللّه تعالى
من الكرامة الكبرى.

فذهبت حليمة إلى باب خيمتها وبركت الناقة، والنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم في حجرها، فما
وضعته عند الصغير إلاّ وحمله الكبير، وما وضعته عند الكبير إلاّ وأخذه الصغير،
وذلك كلّه لمحبّة النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
[427].

44 ـ قال الواقديّ: فبقي النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم عند حليمة ترضعه، وكانت تقول:
يا ولدي! وربّ السماء! إنّك لعندي أعزّ من ولدي ضمرة، وقرّة عيني
[428]! أ ترى
أعيش حتّى
[429] أراك كبيراً كما رأيتك (صغيراً، وكانت تؤثر)[430] محمّداً على
أولادها جدّاً، ولا تفارق محمّداً صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم عن عينيها
[431].


 

 

إنّ محمّدا صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم كان مطهّرا طيّبا

45 ـ قال الواقديّ: قالت حليمة:

واللّه! ما غسلت لمحمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ثوباً من بول ولا غائط، بل كان إذا جاء وقت
حاجته ينقلب من جنب إلى جنب حتّى تعلم حليمة بذلك وتأخذه وتخدمه حتّى
يقضي حاجته.

ولا شممت وربّ السماء! من محمّد رائحة نتنة[432] قطّ.

ولا شممت منه (شيئا)[433] أبداً، بل كان إذا خرج من قبله أو دبره شيء، يفوح
منه
[434] رائحة المسك والكافور.

قالت حليمة: فلمّا أتى على النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم تسعة أشهر ما رأيت ما يخرج من
دبره نتناً البتّة، لأنّ الأرض تبتلع
[435] ما يخرج منه، فلهذا لم أره[436].


 

 

تزيين الملائكة إ يّاه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم

بثياب الجنّة، و إرجاعه إلى جدّه

46 ـ قال الواقديّ: وكان من حليمة أن تحمل محمّداً صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم حين كملت له
عشرة أشهر، فقامت حليمة يوم الخميس وقعدت على باب الخيمة منتظرة
لانتباه النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم لتزيّنه وتحمله إلى عند جدّه عبد المطّلب.

قال: فلم ينتبه النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم وأبطأ الخروج من الخيمة إلى حليمة، فلم يخرج
إلاّ بعد أربع ساعات.

فخرج رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم مغسول الرأس، مسرّح الذوائب[437]، وقد زوّق[438]
جبينه وذقنه، وعليه ألوان الثياب من السندس والإستبرق.

فتعجّبت حليمة من زينة النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، ومن لباسه ممّا رأت عليه، فقالت:
يا ولدي! من أين لك هذه الثياب الفاخرة، والزينة الكاملة؟!

فقال لها محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: أمّا الثياب فمن الجنّة، وأمّا الزينة فمن أفعال الملائكة.

قال: فتعجّبت حليمة من ذلك عجباً شديداً، ثمّ حملته إلى عند جدّه في يوم
الجمعة.

فلمّا نظر إليه عبد المطّلب قام إليه، واعتنقه وأخذه إلى حجره، فقال له:
يا ولدي! من أين لك هذه الثياب الفاخرة، والزينة الكاملة؟!


فقال له النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: يا جدّ! فاستخبر ذلك من حليمة، فكلّمته (حليمة)[439]،
وقالت: ليس ذلك من أفعالنا.

فأمر عبد المطّلب حليمة أن تكتم ذلك، وأمرلها بألف درهم بيض وعشرة
دسوت
[440] ثياب وجارية روميّة، فخرجت حليمة من عنده فرحة مسرورة إلى
حيّها
[441].

47 ـ قال الواقديّ: فلمّا أتى على النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم خمسة عشر شهراً كان إذا نظر
إليه الناظر يتوهّم أ نّه من أبناء خمس سنين لتمام نموّ
[442] جسمه وملاحة بدنه[443].

 


 

 

إعجاز النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم في الذئب والمواشي

48 ـ قال الواقديّ: فلمّا حملت حليمة النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم إلى حيّها حين أخذته من
عند عبد المطّلب.

وكان لها اثنان وعشرون رأساً من المواشي، فوضعت في تلك السنة كلّ شاة
بتوأم
[444] ببركة النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، وخرج من عندها ولها (ألف و)[445] ثلاثون رأساً
من الثاغية
[446] والراغية[447].

49 ـ قال الواقديّ: وكان لرسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم إخوة من الرضاعة يخرجون
بالنهار إلى الرعاء
[448] ويعودون بالليل إلى منازلهم، فرجعوا ذات ليلة مغمومين،
فلمّا دخلوا الدار، قالت لهم حليمة: ما لي أراكم مغمومين؟

قالوا: يا أُمّنا! إنّ في هذا اليوم جاء ذئب وأخذ شاتين من شياتنا وذهب
بهما
[449]، فقالت حليمة: الخلف والخير في اللّه تعالى.

فسمع النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم قولهم، فقال لهم: لا عليكم، فإنّي أسترجع الشاتين[450] من

الذئب بمشيئة اللّه تعالى.

فقال ضمرة: واعجباً منك يا أخي! قد أخذهما بالأمس، فكيف تسترجعهما
باليوم؟! فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: إنّه صغير في قدرة اللّه تعالى، فلمّا أصبحوا قام ضمرة
وأخذ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم على كتفه، فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: مرّ بي إلى الموضع الذي
أخذ الذئب فيه الشاتين
[451].

قال: فذهب برسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم إلى ذلك الموضع، فعند ذلك نزل النبيّ  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
عن كتف أخيه ضمرة، وسجد سجدة للّه تعالى، وقال: «إلهي وسيّدي ومولاي!
تعلم حقّ حليمة عليّ، وقد تعدّى ذئب على مواشيها، فأسألك أن تلزم الذئب بردّ
المواشي إلى عندي».

قال: فما استتمّ دعاؤه حتّى أوحى اللّه تعالى إلى جبرئيل أن قل للذئب: أن
يردّ المواشي إلى صاحبها
[452].

50 ـ قال الواقديّ: إنّ الذئب لمّا ذهب بالشاتين حين أخذهما[453] نادى مناد:
أيّها الذئب! احذر اللّه وبأسه وعقوبته، واحفظ الشاتين اللتين أخذتهما حتّى
تردّهما على خير الأنبياء والمرسلين محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب.

فلمّا سمع الذئب النداء تحيّر ودهش، ووكّل بذلك المواشي[454] راعياً
يرعاهما
[455] إلى الصباح.


فلمّا حضر النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ودعا بدعائه قام الذئب وردّ الشاتين وقبّل قدم
النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
[456]، وقال: يا محمّد! أعذرني، فإنّي لم أعلم أ نّها لك.

فأخذ ضمرة الشاتين ولم ينقص منهما شيء، فقال ضمرة: يا محمّد! ما أعجب
شأنك، وأنفذ أمرك!

فبلغ ذلك إلى عبد المطّلب، فأمرهم بكتمانه، فكتموه مخافة أن تأخذه[457]
قريش، ويعملون في دمه
[458].

 


 

 

ذهاب رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم إلى الصحراء

ثمّ إلى الروضة وراء الجبل، وبعض معجزاته

51 ـ قال الواقديّ: فبقي رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم سنتين، ونظر إلى حليمة وقال لها:
ما لي لا أري إخوتي بالنّهار، وأراهم بالليل؟

فقالت له: يا سيّدي! سألتني عن إخوتك هم يخرجون في النهار إلى الرعاء.

فقال لها النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: يا أُمّاه! أحبّ أن أخرج معهم إلى الرعاء، وأنظر إلى
البرّ والسهل والجبل، وأنظر إلى الإبل كيف تشرب اللبن
[459] من أُمّهاتها، وأنظر
إلى القطائع و إلى عجائب اللّه تعالى في أرضه، وأعتبر من ذلك، وأعرف المنفعة
من المضرّة، فقالت له حليمة: أفتحبّ يا ولدي ذلك؟!

قال: نعم، فلمّا أصبحوا اليوم الثاني قامت حليمة، فغسلت رأس محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم،
وسرحت شعره ودهّنته ومشّطته، وألبسته ثياباً فاخرة، وجعلت في رجليه نعلين
من حذاء
[460] مكّة وعمدت إلى سلّة، وأخذت منها (أطعمة)[461] جيّدة، وبعثته مع
أولادها، وقالت لهم: يا أولادي! أوصيكم بسيّدي محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم أن تحفظوه، و إذا
جاع فأطعموه، و إذا عطش فاسقوه، و إذا عيّى
[462] فأقعدوه حتّى يستريح.

فقبلوا وصيّتها أولادها، وقالوا لها: يا أُمّنا! إنّ محمّداً صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم لأعزّنا، وهو
أخونا، وأنفذت
[463] معهم عبد اللّه بن الحارث وعن يساره زوجها بكر بن سعد.

فخرج النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، وعلى يمينه عبد اللّه بن الحارث، وعن يساره (زوجها
بكر بن سعد و)
[464] ضمرة وقرّة قدّامه، والنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم بينهم كالبدر بين النجوم.

فما بقي حجر ولا مدر[465] إلاّ وهم ينادون: السلام عليك (يا محمّد! السلام
عليك)
[466] يا أحمد! السلام عليك يا حامد! السلام عليك يا محمود! السلام عليك
يا صاحب القول العدل
[467] مخلصاً بالرضا، لا إله إلاّ اللّه، محمّد رسول اللّه، طوبى
لمن آمن بك، والويل لمن كفر بك وردّ عليك حرفاً تأتي
[468] به من عند ربّك.
فالنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم يردّ عليهم، السلام، وقد تحيّر الذين معه ممّا يرون من العجائب.

ثمّ إنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم أصابه حرّ الشمس، فأوحى اللّه تعالى إلى إستحيائيل: أن
مدّ فوق رأس محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم سحابة
[469] بيضاء، فمدّها فأرسلت غرايبها[470] كأفواه
القرب، ورشّ القطر على السهل والجبل، ولم يقطر على رأس محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلمقطرة.

وسالت من ذلك المطر الأودية، وصار الوحل في الأرض ما خلا طريق
محمّد  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم (فإنّه ينشر فيه)
[471] من تلك السحابة ريش الزعفران وسنابل

المسك.

وكان في تلك البرّيّة شجرة طويلة عادية قد يبست[472] أغصانها، وتناثرت
أوراقها منذ سنين
[473].

فاستند النبيّ إليها، فأورقت وأزهرت وأثمرت وأرسلت ثمارها من ثلاثة
أجناس أخضر وأحمر وأصفر، وقعد النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلمهنالك يكلّم إخوته، ورأى
النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم روضة خضراء، فقال: يا إخوتي! أريد أن أمرّ بهذه الروضة، وكان
وراء الروضة تلّ كؤود
[474] وعليه ألوان النباتات[475]، فقال: إخوتى! ما ذلك التلّ؟

فقالوا: يا محمّد! وراء ذلك التلّ البراري والمفاوز.

فقال النبيّ: إنّي قد اشتهيت أن أنظر إليه.

فقال القوم: نحن نمضي معك إليه.

فقال لهم النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: بل اشتغلوا أنتم بأعمالكم، وأنا أمضي وحدي وأرجع
إليكم سريعاً، إن شاء اللّه تعالى.

فقالوا جميعاً: مرّ يا محمّد! فإنّ قلوبنا متفكّرة بسببك[476].

52 ـ قال الواقديّ: ثمّ إنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم مرّ في تلك الروضة وحده، ونظر إلى
تلك البراري والمفاوز، وهو يعتبر ويتعجّب من الروضة حتّى بلغ التلّ، فنظر إلى
جبل شاهق في الهواء كالحائط، ولا يتهيّأ له صعود لاعتداله وارتفاعه في الهواء.

فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم في نفسه: إنّي أريد أن أسعد هذا التلّ، فأنظر إلى ما ورائه
من العجائب
[477].

53 ـ قال الواقديّ: فأراد النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم أن يصعد الجبل فلم يتهيّأ له ذلك
لاستوائه في الهواء، فصاح إستحيائيل في الجبل صيحة أرعشته فاهتزّ اهتزازاً،
وقال له: أيّها الجبل! ويحك! أطع محمّدا صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
[478] خير المرسلين، فإنّه يريد
(الصعود)
[479] عليك، ففرح الجبل وتراكم بعضه إلى بعض كما يتراكم الجلد في
النار، فصعد النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم أعلاه، وكان تحت تلك (الجبل)
[480] حيّات كثيرة من
ألوان شتّى، وعقارب كالبغال، فلمّا همّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم بالنزول إلى تحت الجبل صاح
بها الملك إستحيائيل صيحة عظيمة، وقال: أيّتها الحيّات والعقارب! غيّبوا
أنفسكم في جحوركم، وتحت (صخوركم لا يراكم
[481] سيّد المرسلين، وسيّد
الأوّلين والآخرين، فسارعت الحيّات
[482] والعقارب إلى ما أمرهما إستحيائيل،
وغيّبوا أنفسهم
[483] في كلّ جحر وتحت)[484] كلّ حجر.


ونزل النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم من الجبل فرأى عين ماء بارد أحلى من العسل وألين من
الزبد، فقعد النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم عند العين، فنزل جبرئيل عليه‏السلام في ذلك الموضع
وميكائيل و إسرافيل ودردائيل.

فقال جبرئيل: «السلام عليك يا محمّد! السلام عليك يا أحمد! السلام عليك
يا حامد
! السلام عليك يا محمود! السلام عليك يا طه! السلام عليك يا أيّها
المدّثّر! السلام عليك يا أيّها المليح! السلام عليك يا طاب، يا طاب! السلام
عليك يا سيّد يا سيّد! السلام عليك يا فارقليط! السلام عليك ياطس! السلام
عليك يا طسم
! السلام عليك يا شمس الدنيا! السلام عليك يا قمر الآخرة! السلام
عليك يا نور الدنيا والآخرة! السلام عليك يا شمس القيامة! السلام عليك يا
خاتم النبيّين
! السلام عليك يا زهرة الملائكة! السلام عليك يا شفيع المذنبين!
السلام عليك يا صاحب التاج والهراوة! السلام عليك يا صاحب القرآن والناقة!
السلام عليك يا صاحب الحجّ والزيارة! السلام عليك يا صاحب الركن والمقام!
السلام عليك يا صاحب السيف القاطع! السلام عليك يا صاحب الرمح الطاعن!
السلام عليك يا صاحب السهم النافذ! السلام عليك يا صاحب المساعي!
السلام عليك يا أبا القاسم! السلام عليك يا مفتاح الجنّة! السلام عليك يا مصباح
الدين! السلام عليك يا صاحب الحوض المورود!
[485] السلام عليك يا قائد
المسلمين! السلام عليك يا مبطل عبادة الأوثان! السلام عليك يا قائد المرسلين!
السلام عليك يا مظهر الإسلام! السلام عليك يا صاحب لا إله الاّ اللّه، محمّد
رسول اللّه قولاً عدلاً
[486]، طوبى لمن آمن بك، والويل لمن كفر بك وردّ عليك

حرفاً ممّا تأتي به من عند ربّك».

والنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم يردّ عليه السلام[487]، فقال لهم: من أنتم؟

قالوا: نحن عباداللّه، وقعدوا حوله.

قال: فنظر النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم إلى جبرئيل عليه‏السلام، قال له: ما اسمك؟

قال: عبد اللّه، ونظر إلى إسرافيل، وقال له: ما اسمك؟

قال: اسمي عبد اللّه، ونظر إلى ميكائيل وقال له: ما اسمك؟

قال: عبد الجبّار، ونظر إلى دردائيل وقال له: ما اسمك؟

قال: عبد الرحمن، فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: كلّنا عباد اللّه تعالى.

وكان مع جبرئيل طست من ياقوت أحمر، ومع ميكائيل إبريق من ياقوت
أخضر، وفي الإبريق ماء من الجنّة، فتقدّم جبرئيل عليه‏السلام ووضع فمه على فم محمّد
إلى أن ذهبت ثلاث ساعات من النهار.

ثمّ قال: يا محمّد! اعلم! وافهم! ما بيّنته لك.

قال: نعم، إن شاء اللّه تعالى، وقد ملأ جوفه علماً وفهماً وحكماً وبرهاناً، وزاد
اللّه تعالى في نور وجهه سبعة وسبعين ضعفاً، فلم يتهيّأ لأحد أن يملأ بصره من
رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، فقال له جبرئيل عليه‏السلام: لا تخف، يا محمّد!

فقال له النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: ومثلي من يخاف، وعزّة ربّي وجلاله وجوده وكرمه
وارتفاعه في علوّ مكانه! لو علمت شيئاً دون جلال عظمته لقلت: لم أعرف
ربّي قطّ.

قال: ونظر جبرئيل إلى ميكائيل، وقال: حقّ لربّنا أن يتّخذ مثل هذا حبيباً،
ويجعله سيّد ولد آدم عليه‏السلام.


ثمّ إنّ جبرئيل ألقى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم على قفاه ورفع أثوابه.

قال له النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: ما تريد تصنع؟ يا أخي جبرئيل!

فقال جبرئيل صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: لا بأس عليك، فأخرج جناحه الأخضر[488] وشقّ
بطن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ببندقة، وأدخل جناحه في بطنه، وخرق قلبه، وشقّ المقلبة
[489]،
وأظهر نكتة سوداء فأخذها جبرئيل فغسّلها، وميكائيل يصبّ الماء عليه.

فنادى مناد من السماء يقول: يا جبرئيل! لا تقشر قلب محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلمفتوجعه،
ولكن اغسله بزغبك
[490]، فأخذ جبرئيل زغبة وغسل بها قلب محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، ثمّ
ردّ المقلبة إلى القلب، والقلب إلى الصدر.

فقال عبد اللّه بن العبّاس[491] ذات يوم والنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم قد بلغ مبلغ الرجال:
سألت النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم بأيّ شيء غسل قلبك يا رسول اللّه؟ ومن أيّ شيء؟.

قال: غسل من الشكّ باليقين[492] لا من الكفر، فإنّي لم أكن كافراً قطّ، لأنّي
كنت مؤمناً باللّه من قبل أن أكون في صلب آدم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم.

فقال له عمر بن الخطّاب: متى نبّئت يا رسول اللّه؟!


قال: يا أبا حفص! نبّئت وآدم عليه‏السلام بين الروح والجسد[493].

54 ـ قال الواقديّ: وأمّا ما كان من أمر النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم فإنّ جبرئيل عليه‏السلامقام
وصبّ الماء على أرض قزوين، فحصل من ذلك لأرض قزوين أمر عظيم.

قال: وعرج[494] جبرئيل وميكائيل إلى السماء، فقال إسرافيل لمحمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: ما
اسمك يا فتى؟!


فقال النبىّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: أنا محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب بن هاشم بن
عبد مناف، ولي اسم غير هذا.

قال إسرافيل: صدقت يا محمّد! ولكنّي أمرت بأمر، فأفعل[495]؟

قال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: افعل ما أمرت به، فقام إسرافيل إلى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم
وحلّ أزرار قميصه، وألقاه على قفاه، وأخرج خاتماً كان معه وعليه سطران:
الأوّل: لا إله إلاّ اللّه، والثاني: محمّد رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم.

وذلك خاتم النبوّة.

فوضع الخاتم بين كتفي النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، فصار الخاتم بين كتفيه كالهلال الطالع
بجسمه، واستبان السطران بين كتفيه كالشامّة، يقرؤهما
[496] كلّ عربيّ كاتب،
وفرغ إسرافيل من عمله وجاء بين (يدي)
[497] النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم.

ثمّ دنا دردائيل، وقال: يا محمّد! تنام الساعة؟

فقال له: نعم، فوضع النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم رأسه في حجر دردائيل وغفى غفوة، فرأى
في المنام كأنّ شجرة نابتة
[498] فوق رأسه، وعلى الشجرة أغصان غلاظ مستويات
كلّها، وعلى كلّ غصن من أغصانها غصن وغصنان وثلاثة وأربعة أغصان،
ورأى عند ساق الشجرة من الحشيش مالا يتهيّأ وصفه. وكانت الشجرة عظيمة
غليظة الساق، زاجة في الهواء، ثابتة الأصل، باسقة
[499] الفرع، فنادى مناد: يا

محمّد! أ تدري ما هذه الشجرة؟

فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: لا، يا أخي!

قال: اعلم! أنّ هذه الشجرة أنت، والأغصان أهل بيتك، والذي تحته محبوّك
ومُوالوك
[500]، فأبشر يا محمّد! بالنبوّة الأثيرة، والرياسة الخطيرة[501].

ثمّ إنّ دردائيل أخرج ميزاناً عظيماً، كلّ كفّة منه ما بين السماء والأرض فأخذ
النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، فوضعه في كفّة ووضع أصحابه في الكفّة الثانية
[502].

فرجح بهم النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم (ثمّ عمد إلى ألف رجل من خواصّ أُمّته، فوضعهم
في الكفّة الثانية، فرجح بهم النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم)
[503].

ثمّ عمد إلى أربعة آلاف رجل من أُمّته، فوضعهم في الكفّة، فرجح بهم
النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، ثمّ عمد إلى نصف أُمّته، فرجح بهم النبىّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم.

ثمّ عمد إلى أُمّته كلّهم، ثمّ الأنبياء والمرسلين، ثمّ الملائكة كلّهم أجمعين، ثمّ
الجبال والبحار
[504]، ثمّ الرمال، ثمّ الأشجار، ثمّ الأمطار، ثمّ جميع ما خلق اللّه
تعالى، فوزنهم النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم فلم يعدلوه ورجح النبيّ بهم.