المقدمة
نعتزمُ في هذا السياق تسليطَ الضوءِ على الحياةِ السياسية للإمام الرضا (عليه السلام)، وأهمِّ المحطاتِ والمواقفِ التي طبعت مسيرتَه. ولنتمكنَ من ملامسةِ هذه الجوانبِ بعمق، يتعينُ علينا أولاً الإجابةُ على تساؤلاتٍ جوهرية: ما هي السياسة؟ وما هي أبعادُها وتصنيفاتُها؟ وما هو جوهرُ علم السياسة ومبادئُه ومحورُ ارتكازِه؟
كما نحتاجُ في البداية إلى تتبعِ الجذورِ التاريخيةِ لهذا العلمِ وكيفيةِ نشأتِه، لننتقلَ بعد ذلك إلى تساؤلٍ أكثرَ أهميةً: هل كان للأئمةِ (عليهم السلام) دورٌ سياسيٌّ ومنهجٌ في إدارةِ الشأنِ العامّ يستحقُّ الدراسةَ والتحليلَ؟ في السطورِ القادمةِ، سنقومُ بتفكيكِ هذه الأسئلةِ والإجابةِ عنها بشكلٍ وافٍ.
مفهومُ السياسةِ
بشكل عام، تُعرَّف السياسة بأنها فن إدارة الدول والشعوب. بالطبع، هذا تعريفٌ عامٌّ للسياسة، وهناك لها تعريفاتٌ مختلفةٌ في الكتب المتخصصة. قد يرى البعض أن أموراً شخصية تتعلق بالأفراد، مثل الطعام والشراب والمسكن والزواج، تندرج ضمن مفهوم السياسة؛ لأن هذه الأمور بحد ذاتها تمثل شكلاً من أشكال الإدارة. وفي هذا السياق، يقول أحد المفكرين أن "السياسة تعني إدارة شؤون الناس اليومية".
على أي حال، هناك تعريفاتٌ كثيرةٌ للسياسة، وهذا التباينُ في تعريفها ليس بالأمر الجديد، بل هو سمةٌ عامةٌ لأي مفهومٍ يقعُ في منطقةٍ وسطى بين معناه الاصطلاحي المحدد وحقيقته الواقعية الواسعة. وذلك لأن الأشياء الخارجية لها حدودٌ خاصةٌ تتناسب مع نطاق وجودها، بينما المفاهيم الاصطلاحية لها حدودٌ يحددها واضعُ المفهوم.
كمثال، يمتلك مفهوم "الإنسان" حدوداً واضحةً تتناسب مع كيانه الخارجي. أما مفاهيم مثل السياسة والاقتصاد والمجتمع، فتتسمُ بالغموضِ وعدمِ الوضوحِ في تعريفاتها، لكونها لا تقتصرُ على حدودٍ اصطلاحيةٍ ثابتة، وليست حقائقَ خارجيةً بحتةٍ يمكنُ تحديدُ نطاقِها بدقة. ولهذا السبب، فإن أبعاد السياسة، شأنها شأنُها، تفتقرُ إلى الوضوحِ والدقةِ التامين.»
أقسامُ السياسةِ
تنقسمُ السياسةُ بشكلٍ عامٍّ إلى قسمينِ رئيسيينِ:
1. السياسةُ الداخليةُ: وتتعلقُ بإدارةِ شؤونِ الدولةِ والمجتمعِ من الداخلِ.
2. السياسةُ الخارجيةُ: وتتعلقُ بتفاعلاتِ الدولةِ مع الدولِ والشعوبِ الأخرى.
كلُّ قسمٍ من هذينِ القسمينِ ينقسمُ بدورِهِ إلى فرعينِ:
السياسةُ الداخليةُ:
أ) إقامةُ النظامِ وفرضُ السيطرةِ على أمورِ المجتمعِ.
ب) منعُ تأثيرِ السياساتِ الأجنبيةِ ودخولِها إلى البلادِ.
السياسةُ الخارجيةُ:
أ) التأثيرُ في الشعوبِ الأخرى بهدفِ المشاركةِ في إقامةِ النظمِ ومنعِ الظلمِ عنهم؛ وذلكَ لأنَّ الإنسانيةَ وحدةٌ واحدةٌ، والإنسانُ، بصفتِهِ إنساناً، واجبٌ عليهِ خدمةُ أخيهِ الإنسانِ. وكما قالَ الإمامُ عليٌّ (عليهِ السلامُ): "كلُّ إنسانٍ هو أخوكَ في الدينِ أو نظيرُكَ في الخلقِ". لذا، يتساوى جميعُ البشرِ، ويجب ُعلى الإنسانِ تجاهَ الآخرينَ في الدولِ الأخرى المشاركةُ في إقامةِ النظمِ ومنعِ الظلمِ ، وهذا هو جوهرُ السياسةِ الخارجيةِ.
ب) السعيُ لمنعِ تأثيرِ الدولِ والشعوبِ الأخرى في الدولةِ الإسلاميةِ. فإذا لم تتدخلِ الحكومةُ المركزيةُ لمنعِ هذا التأثيرِ، فإنَّ الحكوماتِ الأجنبيةَ ستؤثرُ على البلادِ بطرقٍ مختلفةٍ.
ترتكزُ السياسةُ على أربعةِ محاورَ رئيسيةٍ، يمكنُ اعتبارُها أصولَ السياسةِ، وتنقسمُ إلى أربعةِ أقسامٍ:
1. الفكرُ السياسيُّ: يشملُ:
أ) الرؤيةَ السياسيةَ.
ب) الأفكارَ السياسيةَ.
2. المؤسساتَ السياسيةَ: وهيَ المؤسساتُ المعاصرةُ للدولةِ، مثلُ: الصحفِ، ومؤسساتِ التشريعِ (كالمجالسِ والسلطةِ التشريعيةِ)، والمؤسساتِ التنفيذيةِ (كالحكومةِ).
3. العواملَ المؤثرةَ في السياسةِ (ذاتُ الأولويةِ الأولى): وتشملُ:
أ) الحريةَ العامةَ.
ب) الجماعاتِ والتجمعاتِ.
ج) الأحزابَ السياسيةَ.
د) مشاركةَ الأفرادِ في الإداراتِ أو الحكومةِ.
4. العلاقاتُ الدوليةُ: وتشملُ:
أ) السياسةَ الدوليةَ
ب) المنظماتِ والهيئاتِ الدوليةَ.
ج) القانونَ الدوليَ.
يتضحُ مما تقدم أنَّ تعريفَ السياسةِ بأنها "علمُ إدارةِ الدولةِ" ليسَ تعريفاً كاملاً بأيِّ حالٍ منَ الأحوالِ، على الرغمِ من أنَّ إدارةَ الدولةِ تُعدُّ إحدى أهمِّ فروعِها.
تَدورُ السياسةُ حَولَ أَيِّ مِحورٍ؟
جاءَ في تعريفِ السياسةِ أنّ السياسةَ هي إعمالُ القوّةِ. في هذهِ الصورةِ يمكنُ أن يُعتبرَ محورُ علمِ السياسةِ ثلاثةَ مواضيعَ أساسيةٍ:
أ. أيُّ سياسةٍ ينبغي أن تشملَ المجتمعَ ليحصلَ الأفرادُ على رفاهٍ أكبرَ.
ب. بأيِّ وسائلَ تستعملُ الدولةُ لتنفيذِ السياسةِ.
ج. أيُّ تأثيرٍ يمكنُ أن يُتركَ من تحكّمِ السياسةِ وهذهِ الوسائلِ.
فبالتالي تصيرُ المحاورُ الأساسيةُ لعلمِ السياسةِ هي: الاتّخاذُ، والتنفيذُ، والنتائجُ، وكلُّ واحدٍ من هذهِ الأقسامِ لهُ صورٌ مختلفةٌ لا مجالَ لذكرِها. لذلك يجبُ على السياسيِّ أن يناقشَ ما هو القرارُ اللائقُ، وكيف يكونُ تنفيذُهُ، وما الأثرُ الذي يتبعُهُ من تنفيذِهُ.
منشَأُ عِلمِ السّياسةِ
السِّياسةُ في جذورِها نابِعَةٌ من صَميمِ الإسلامِ. فالإسلامُ دينٌ كامِلٌ وشاملٌ، يتكفَّلُ ببيانِ جميعِ الأحكامِ المتعلِّقةِ بحياةِ الإنسانِ، في ما يفعَلُهُ وما يَحتاجُ إليه؛ سواءٌ تعلَّقَت هذهِ الأحكامُ بجوارحِ الإنسانِ وأعمالِه الظّاهرةِ، أو بميولِه الباطنيّةِ وأفكارِه القلبيّةِ.
وعلى هذا الأساسِ، لا يَصدُرُ عن الإنسانِ فعلٌ إلّا ويَندرجُ تحتَ واحدٍ منَ الأحكامِ الخمسةِ: الوجوبِ، أو الاستحبابِ، أو الحرمةِ، أو الكراهةِ، أو الإباحةِ. بل إنَّ الشريعةَ قد نهت عن الخواطرِ الفاسدةِ والأفكارِ السّيّئةِ بعنوانِ التحريمِ أو الكراهةِ، كما أمرت بالنيّاتِ الطيّبةِ والأفكارِ الصّالحةِ بعنوانِ الوجوبِ أو الاستحبابِ.
وجاءَ في حديثٍ عن الإمامِ الصادقِ (عليهِ السّلامُ): «ما من شيءٍ إلّا وقد جاءَ في الكتابِ والسُّنّةِ»، أي أنّهُ لا توجدُ واقعةٌ من وقائعِ حياةِ الإنسانِ إلّا ولها أصلٌ أو ضابطٌ في القرآنِ الكريمِ أو في السُّنّةِ الشّريفةِ.
وفوقَ ذلك، نجدُ آياتٍ قرآنيّةً ورواياتٍ عديدةً تتحدّثُ بصراحةٍ عن شؤونِ الحكمِ والتدبيرِ والسِّياسةِ، بل ونجدُ نصوصًا خاصّةً في هذا البابِ؛ من ذلكَ ما رُويَ عن الإمامِ الرضا (عليهِ السّلامُ) أنّهُ قالَ في صِفاتِ الإمامِ: «عالِمٌ بالسّياسةِ»، أي إنَّ من شروطِ الإمامةِ أن يكونَ الإمامُ بصيرًا بفنونِ السِّياسةِ وإدارةِ المجتمعِ. وفي موضعٍ آخرَ وردَ التّعبيرُ عن الأئمّةِ (عليهمُ السّلامُ) بأنّهم: «ساسةُ العبادِ»، أي إنَّهم القائمونَ على تدبيرِ شؤونِ الناسِ وقيادتِهم في طريقِ الهدايةِ والصّلاحِ.
هل الأئمّةُ سِياسيّون؟
نعم، لقد كان الأئمّةُ سِياسيّين. والإمامُ الرِّضا ((عليه السلام)، وهو أحدُ أئمّةِ العصمة، يَعُدُّ السِّياسةَ من جُملةِ شروطِ الإمامةِ ومقوّماتِها. وما انفكَّ أئمّتُنا عن ممارسةِ السِّياسة؛ بل ظلّوا يُصاحِبون الدِّينَ بالسِّياسةِ دائمًا. وقد ورد في بعضِ بياناتِهم أنَّ أيَّ جهدٍ يرمي إلى فصلِ الدِّينِ عن السِّياسة يکون كالسعيِ إلى فصلِ العبادةِ عن صميمِ الإسلام.
وقد تَحدّثنا فيما سبق عن عِلمِ السِّياسة، غير أنّنا لم نُشر بعدُ إلى طريقةِ اكتسابِ هذا الفنّ. وحريٌّ بنا أن نعلمَ أنَّ إدراكَ السِّياسة لا يتيسّر إلا بعد معرفةٍ راسخةٍ لستّةِ أمورٍ على الأقلّ: الدِّين، والاقتصاد، والمجتمع، والحقوق، وعلمِ النَّفس، والتاريخ.
ولا يمكن تعلُّمُ السِّياسةِ وإتقانُها على وجهِها الأكمل بغير الإحاطةِ بهذه العلوم؛ إذ إنَّ الدِّينَ حاضرٌ في تركيبةِ الأمم، ولا سبيلَ إلى عزله عنها. كما أنّ السِّياسيَّ، لكي ينجح في تدبيرِ شؤونِ بلده، لا بدّ أن يَستحضر في قراراتِه البعدَ الدينيَّ والمذهبيَّ، وأن يُقيم حكمَه على رعايةِ الأوضاعِ والظروفِ العامّةِ التي تحكم المجتمع؛ وإلا فكيف يُمكنه أن يُحسنَ إدارةَ البلاد؟
وقد انتهى حديثُنا عن عِلمِ السِّياسة. والآن ينبغي أن نُجيب: ما هي ملامحُ الرؤيةِ السِّياسيةِ للإمامِ الرِّضا (عليه السلام) ؟ وما مقدارُ مُشاركَتِه في سِياسةِ زمانِه؟ ثم ما القضايا المهمّة التي شهدَها عصرُ الإمام (عليه السلام)، بدافعٍ سِياسي، وكان له فيها أثرٌ ودورٌ في صياغةِ الموقف أو التأثير فيه؟
أوضاع الخلافة في زمن الإمام الرضا (ع)
الإمامُ الرضا (عليه السلام)، فِي عصرِ إمامتِهِ عاصرَ عدداً مِنَ الخلفاءِ العباسيين، ولكن فِي فترةِ حكمِ المأمونِ وحدَهُ، تهيأتِ الظروفُ التي دفعتِ الإمامَ إلى اتخاذِ موقفٍ.
اقترنَ عشرُ سنواتٍ مِنْ إمامةِ الإمامِ الرضا (عليه السلام)، بفترةِ خلافةِ هارونَ، والدِ المأمونِ. فِي عامِ 175 هـ، عيَّنَ هارونُ ابنَهُ الأمينَ، الذي كانَ يبلغُ مِنَ العمرِ 5 سنواتٍ، خليفةً مِنْ بعدِهِ، وبعدَ 7 سنواتٍ، سعى إلى تثبيتِ حكمِ العباسيينَ بتعيينِ المأمونِ ولياً لعهدِ الأمينِ. بعدَ هذا الحدثِ، وفِي عامِ 193 هـ، توفّيَ هارونُ فِي طوسَ. وبعدَ فترةٍ وجيزةٍ، نشبَ صراعٌ بينَ الأمينِ والمأمونِ على الخلافةِ. وتصاعدَ الخلافُ بينَهُما لدرجةٍ أنَّ الأمينَ خلَعَ أخاهُ المأمونَ مِنَ الولايةِ العهدِ فِي أوائلِ عامِ 195 هـ.
فِي النهايةِ، اشتبكَ الأخوانِ فِي معركةٍ عسكريةٍ، ممّا أدّى إلى هزيمةِ جيشِ الأمينِ. وقُتِلَ الأمينُ فِي حادثةِ هجومٍ نفّذَهُ عددٌ مِنَ المسلحينَ، وأخيراً، تولّى المأمونُ الحكمَ.
موضوعُ ولايةِ العهدِ
تُعدُّ مسألةُ قبولِ الإمامِ الرضا(عليه السلام)، ولايةَ العهدِ أحدَ أهمِّ الأحداثِ التي جرتْ لهُ (عليه السلام)،. وتشملُ هذهِ المسألةُ نقاطاً جوهريةً تستحقُّ الدراسةَ، وهيَ كالتالي: «لماذا دعا المأمونُ الإمامَ الرضا (ع)؟ وما كانَ ردُّ فعلِ الإمامِ (عليه السلام)، تجاهَ دعوةِ المأمونِ؟ وكيفَ كانَ وداعُ الإمامِ لقبرِ النبيِّ (صلی الله عليه وآله وسلم)؟ وما هوَ خطُّ سيرِ الإمامِ؟ وماذا قالَ الإمامُ في نيشابورَ؟ وماذا حدثَ عندَ دخولِ الإمامِ الرضا (عليه السلام)، إلى مروَ وطرحِ مسألةِ ولايتِهِ العهديةِ منْ قِبَلِ المأمونِ؟ وما هيَ أهدافُ المأمونِ منْ مسألتها؟ وما هيَ شروطُ الإمامِ لقبولِها؟».
أسبابُ الدعوة
لقد مرَّتْ أوضاعُ الخلافةِ في زمنِ الإمامِ الرضا (عليه السلام) باختصارٍ. خلالَ هذهِ المدةِ، لمْ يسكتِ الإمامُ الرضا (عليه السلام) وقامَ بجهودٍ كبيرةٍ لإيقاظِ الناسِ وتوجيهِهِمْ إلى الأصولِ والمسائلِ قدرَ استطاعتِهِ وإمكانِهِ. لذلكَ، كانَ للإمامِ دورٌ مباشرٌ ومؤثرٌ في إيقاظِ الناسِ، الأمرُ الذي جعلَ المأمونَ يعارضُ الإمامْ.
ولكنْ لأنهُ: أولاً، كانَ يعلمُ أنَّ الجهازَ الحاكمَ يفتقرُ إلى ركنٍ مهمٍّ علميٍ وروحيٍّ يمكنُ أنْ يكونَ سنداً لحلِّ المشكلاتِ المختلفةِ، وأنَّ هذا النقصَ لمْ يكنْ ليُسَدَّ بوجودِ العلماءِ الموجودينَ في جهازِ الخلافةِ العباسيْ. ثانياً، أدركَ أنَّ المجتمعَ الإسلاميَّ، وخاصةً مجموعةً كبيرةً منَ الناسِ الواعينَ وأنصارِ آلِ عليٍّ(عليه السلام)، يولونَ اهتماماً خاصاً بعليِّ بنِ موسى الرضا (عليهما السلام)، وأنَّ هناكَ أرضيةً خصبةً منْ الناحيةِ المعنويةِ في قلوبِ الناسِ تجاهَ العلوييْنْ. ونتيجةً لذلكَ، سعى إلى استغلالِ هذهِ الفرصةِ لتثبيتِ الحكمْ. كما أرادَ، منْ خلالِ استغلالِ مكانةِ الإمامِ الرضا (عليه السلام) العلميةِ والاجتماعيةِ، أنْ يتمكنَ منْ مراقبةِ أعمالِهِ وكسبِ شعبيةٍ ومقبوليةٍ ملحوظةٍ بينَ عددٍ كبيرٍ منَ الناسِ الذينَ يحبونَ الإمامَ الرضا (عليه السلام)، وخاصةً أنَّ هذا الاحترامَ كانَ مؤثراً جداً في كسبِ ولاءِ الشيعةِ الذينَ كانوا يعتبرونَ الإمامَ (عليه السلام) وحدهُ جديراً بمقامِ قيادةِ المسلمينَ، ويعتبرونَ العباسيينَ مغتصبي الخلافةِ والْحُكْمْ. على أيِّ حالٍ، كانَ الوضعُ السياسيُّ والاجتماعيُّ في ذلكَ الوقتِ على نحوٍ يُحْدِثُ تغييراً كلياً في مستوى جهازِ الخلافةِ منْ حيثُ جودةِ التعاملِ معَ الأجنحةِ المعارضةِ وإحداثِ موجاتٍ جديدةٍ في الرأيِ العاْمْ.
موقفُ الإمامِ الرضا عليه السَّلامُ تجاهَ دعوةِ المأمونِ
مضى المأمونُ، بعد أن نظر في أوضاعِ المملَكة، ثم بعد مشورةِ وزيره فضل بن سهل، يدعو الإمامَ إلى الانتقال إلى عاصمَةِ البلاد. وعلى الرغم من أن الإمامَ كان يرفضُ الذهابَ، فإن المأمونَ كان يُتابِع الأمرَ بإصرارٍ، ويُرسل إلى الإمامِ رسائلَ الدعوةِ الواحدةَ تلو الأخرى دون أن يهدأ.
وفي نهاية المطاف كتب إلى الإمام:
إنَّ جدَّكَ عليَّ بن أبي طالبٍ شَارَكَ في “الشُّورى”، وقد قال عمرُ—وكان هو الخليفةُ آنذاك—إنَّ على أهلِ الشورى أن يُقرِّروا خلال ثلاثةِ أيام، وإن لم يَقبل بعضُهم القرارَ، أو امتنعَ عن قرارِ الأكثريةِ، فسيأمر أبو طلحة الأنصاريُّ بقتلِ أعناقِهم.
بهذا أراد المأمونُ أن يقول: إنك تُواجِه اليوم موقفًا يشبه موقفَ جدِّكَ؛ وأنا كذلك أعيشُ موقفًا يشبه موقفَ عمر. لذلك فاتَّبِعْ جدَّكَ. وبعد كل هذه التهديدات المتكررة والمتتابعة، وافق الإمامُ أخيرًا على السفر إلى مَرْو.
وممّا يمكنُ قوله عن هذا السفر: إنَّه كان نفيًا قسريًا وغيرَ مرغوب، وقد وصفه كثيرون بأنَّه نفيٌ . وأخيرًا، وبعد تهديداتٍ كثيرةٍ ومتكررةٍ، أصبح الإمامُ جاهزًا للذهاب.
وداعٌ عندَ قبرِ النبي(صلی الله عليه وآله وسلم)
ينقل محولُ السجستانيُّ الذي كان حاضرًا وشاهدًا عن قربٍ لهذه الواقعةِ، فيقول:
لمَّا دخلَ رسولُ المأمونِ إلى المدينةِ، كنتُ أنا أيضًا في المدينة. فدخل الإمامُ، عليه السَّلامُ، إلى الحرمِ الشريفِ النبوي لِوداع رسولِ الله، صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم. وكان الإمامُ يبكي بصوتٍ مرتفع؛ إذ ودّع النبيَّ والمرقدَ الطاهر عدةَ مرات.
تقدّمتُ إليه وسلمتُ عليه. فردّ عليّ السلامَ. ثم هنّأتُ الإمامَ على سفره الذي كان مقبلًا عليه، إلا أنّه قال لي: دعني وشأني؛ فإني قد خرجتُ من جوار جدّي، وسأموتُ في الغُربة.
ثم إن الإمام أظهر عدمَ الرضا عن السفر، وحين أراد الخروجَ من المدينة دعا جميعَ أقاربِه وذوي رحمِه، ثم قال في جمعهِم: إبكوا عليّ؛ فإنّي لن أعودَ إلى المدينةِ بعدَ اليومِ.
کان عليه السلامُ طوالَ الطريقِ من الحجازِ إلى البصرةِ في كل مدينةٍ حلّ بها يتحدث مع النَّاسِ على نحوٍ مناسبٍ للحال. ثم مرّ من بعد ذلك بمدينة خُرّم شهرٍ وأهواز، ثم أراك، ثم الري، ثم نيسابور، ثم مرو.
حديثُ سلسلةِ الذهبِ
كانت نيسابورُ في ذلكَ الزمنِ مدينةً ذاتَ مكانةٍ علميّةٍ رفيعةٍ، وحينَ مرَّ بها الإمامُ الرضا (عليه السلام)، في طريقِهِ إلى خراسانَ، اجتمعَ إليهِ العلماءُ والناسُ يطلبونَ منهُ حديثًا عن آبائِهِ الطاهرينَ.
فأجابَهم(عليه السلام)، وذكرَ الحديثَ المشهورَ باسمِ «سلسلةِ الذهبِ»، وهو حديثُ الإخلاصِ والتوحيدِ، فقالَ:
«كلمةُ لا إلهَ إلا اللهُ حصني، فمن دخلَ حصني أمِنَ من عذابي».
ثمَّ أضافَ (عليه السلام)، قائلًا: «بشروطِها، وأنا من شروطِها».
أي إنَّ التوحيدَ الحقيقيَّ لا يكتملُ إلّا بمعرفةِ الإمامِ وولايتهِ، فالإيمانُ بلا ولايةٍ لا يُفضي إلى النجاةِ الكاملةِ. وبعدَ أن نطقَ الإمامُ بهذا الحديثِ، أخرجَ الناسُ مئاتِ الأقلامِ من محابرَ مرصَّعةٍ بالذهبِ ليسجّلوا هذا الكلامَ الشريفَ ويحفَظوهُ ذكرى خالدةً في التاريخِ.
وُرودُ الإمامِ(عليه السلامُ) إلى مروٍ وطرحُ مسألةِ ولايةِ العهدِ
في اليومِ العاشرِ من شوّالَ سنةَ مئتينِ وإحدى الهجرةِ، دخلَ الإمامُ الرضا (عليه السلام)، مدينةَ مروٍ، فاستقبلهُ المأمونُ والفضلُ بنُ سهلٍ وجمعٌ كبيرٌ من وجوهِ بني العبّاسِ والعلويّينَ على بُعدِ عدّةِ أميالٍ من المدينةِ. وكانتِ الأيّامُ تمضي سريعًا، وكانَ عبدُ اللهِ المأمونُ يُظهِرُ نفسَه في صورةِ المضيفِ الخالصِ النيّةِ.
وكانَ حضورُه عليهِ السلامُ في مروٍ، وحسنُ استقبالِ المأمونِ لهُ، وسماحُهُ للناسِ بلقاءِ الإمامِ عليهِ السلامُ أمرًا غيرَ متوقَّعٍ، فأثارَ ذلكَ فضولَ الناسِ ودفعَهم إلى مزيدٍ من الترقّبِ والتساؤلِ، إلى أنْ اتّخذَ المأمونُ في النهايةِ خطوتَهُ الأولى.
دخلَ المأمونُ على الإمامِ الرضا (عليه السلام)، وقد بدا عليهِ الجدُّ والوقارُ، وبدأ أوّلًا بطرحِ أسئلةٍ علميّةٍ، فانشغلَ بالبحثِ والنقاشِ مع الإمامِ عليهِ السلامُ. فلمّا وجدَ المجلسَ مهيّأً ومُستعدًّا التفتَ إليه (عليه السلام) وقالَ:
لقد تأمّلتُ في أحوالِ وُلدِ العبّاسِ وولدِ عليٍّ عليهِ السلامُ، وما أقولُ هذا عن هوًى أو دونَ نظرٍ، فرأيتُ أنَّ الفضلَ وعلوَّ العلمِ والتقوى عندكَ – يا ابنَ رسولِ اللهِ – أعظمُ منهُ عندَ غيرِكَ، ولم أرَ اليومَ أحدًا أحقَّ منك بالرئاسةِ العامّةِ والخلافةِ والحكمِ على أمّةِ الإسلامِ. ولم يَعُدْ عندي شيءٌ من الشكِّ في أنّكَ أنتَ الأجدرُ والأولى.
ثمَّ عادَ المأمونُ يُجدِّدُ إلحاحَهُ قائلًا: يا ابنَ العمِّ، أريدُ أن أتنحّى عن الخلافةِ، وأضعَها في طريقِها الصحيحِ، وأنا أوّلُ من يبايعُكَ.
وكانَ (عليه السلام) يرفُضُ ذلكَ ويقولُ: إنْ كانتِ الخلافةُ قد جُعِلَت لكَ من قِبَلِ اللهِ، فلا يحلُّ لكَ أن تُفرِّطَ فيها أو تدفَعَها إلى غيرِكَ.
وظلَّ المأمونُ يُلحُّ، وكلّما اشتدَّ إصرارُهُ قلَّتْ فائدةُ هذا الإصرارِ، حتّى لمّا رأى أنَّ الإمامَ (عليه السلام) يُصِرُّ على الامتناعِ عن قبولِ الخلافةِ، صرَّحَ لهُ بمقصِدِهِ الحقيقيِّ وقالَ: يا ابنَ رسولِ اللهِ، ما دُمتَ لا تقبلُ الخلافةَ، فعليكَ أن تقبلَ ولايةَ العهدِ، لتكونَ الخلافةُ لكَ من بعدي خالصةً.
فقالَ (عليه السلام) : واللهِ، ما كذبتُ منذُ خلقنيَ اللهُ، وقد زهدتُ في الدنيا من أجلِ الآخرةِ، وأنا أعلمُ بنيّتِكَ وما تُضمِرُهُ في هذا الأمرِ. قالَ المأمونُ: وما قصدِي؟
فلمّا أخذَ الإمامُ (عليه السلام) منهُ الأمانَ قالَ: تريدُ أن تُوقِعَ الناسَ في الشكِّ من جهتي. تريدُهم أن يقولوا: إنَّ عليَّ بنَ موسى الرضا(عليهما السلام) لم يكنْ زاهدًا في الدنيا، وإنّما لم تصلْ إليهِ، وها هو ذا قد قبلَ ولايةَ العهدِ طمعًا في الخلافةِ.
فغضبَ المأمونُ وقالَ: تُخاطبُني بكلامٍ يُغضِبُني، كأنَّكَ آمنٌ من سلطاني وقوّتي. واللهِ، إنْ لم تقبلْ ولايةَ العهدِ لأُجبرنَّكَ عليها، وإلّا ضربتُ عنقَكَ.
فعلمَ (عليه السلام) أنّ المأمونَ لن يتراجعَ عمّا يريدُهُ، وأنّهُ سيُكرههُ على ذلكَ، فلم يجدْ بُدًّا من قبولِ ولايةِ العهدِ. ولكنْ لم يكنْ هذا نهايةَ الأمرِ؛ فقد قبلَ (عليه السلام) ولايةَ العهدِ، ولكنْ على شروطٍ مخصوصةٍ سيأتي بيانُها لاحقًا.
أهدافُ المأمونِ من مسألةِ ولايةِ العهدِ
يتّضحُ من إصرارِ المأمونِ الشديدِ على فرضِ ولايةِ العهدِ على الإمامِ الرضا (عليه السلام)، أنَّهُ كانَ يسعى وراءَ أهدافٍ سياسيّةٍ خطيرةٍ. وقد أشارتِ القرائنُ والمصادرُ التاريخيّةُ إلى عدّةِ أهدافٍ، منها:
ألف. التخفيفُ من حدّةِ النزاعِ بينَ العلويّينَ والعبّاسيّينَ.
ب. إخمادُ الثوراتِ والنهضاتِ.
ج. فرضُ الرقابةِ على الإمامِ وتقييدُ حركتِهِ.
د. محاولةُ تشويهِ القداسةِ المعنويّةِ للإمامِ عليهِ السلامُ.
هـ. إضفاءُ الشرعيّةِ على خلافتِهِ.
و. كسبُ قاعدةٍ شعبيّةٍ صلبةٍ.
ولم يقبلِ الإمامُ (عليه السلام) ولايةَ العهدِ دونَ قيدٍ أو شرطٍ، بل وضعَ لنفسِهِ شروطًا، منها قولُهُ (عليه السلام): «إنّي لا أتدخّلُ في شيءٍ منَ الأعمالِ». كانَ هذا شرطَ الإمامِ عليهِ السلامُ لقبولِ ولايةِ العهدِ؛ وبذلكَ بَرَّأَ الإمامُ (عليه السلام) نفسَه عمليًّا من المشاركةِ في أيِّ شأنٍ من شؤونِ الحكومةِ.
مراسمُ يومِ عيدِ الفطرِ السعيدِ
تُعدُّ صلاةُ عيدِ الفطرِ إحدى الوقائعِ الهامّةِ في حياةِ الإمامِ عليِّ بنِ موسى الرضا (عليهِما السلامُ) بعدَ مسألةِ ولايةِ العهدِ، لدرجةٍ أنّ المأمونَ أبدى ردَّ فعلٍ علنيٍّ تجاهَها، وأفشى بغيرِ قصدٍ السرَّ الذي كانَ يجهدُ في إخفائِهِ دائمًا. فقد وردَ في التاريخِ أنّهُ:
عندما حلَّ عيدُ الفطرِ السعيدُ، أرسلَ المأمونُ رسالةً إلى عليِّ بنِ موسى الرضا (عليهِما السلامُ) ـ بسببِ مرضِهِ أو لأسبابٍ أخرى ـ يطلبُ منهُ أن يُقيمَ صلاةَ العيدِ. فقالَ (عليه السلام) لرسولِ المأمونِ: «أبلغِ المأمونَ أنكَ تعلمُ بالشروطِ التي اتّفقنا عليها، فاعذرني عن إقامةِ الصلاةِ».
وفي النهايةِ وبسببِ إصرارِ الخليفةِ، قَبِلَ (عليه السلام) بهذا الطلبِ ولكنْ بشرطٍ أيضًا؛ فكانَ شرطُهُ أن يُقيمَ الصلاةَ على نهجِ رسولِ اللهِ (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ) وأميرِ المؤمنينَ عليٍّ (عليهِ السلامُ). فقبلَ المأمونُ الشرطَ وقالَ: «اخرجْ كما تحبُّ».
وحينَ أطلَّ يومُ العيدِ، بدأَ الناسُ بالتجمُّعِ أفواجًا أمامَ دارِ الإمامِ (عليهِ السلامُ) منذُ الصباحِ قبلَ شروقِ الشمسِ. وكانَ جهازُ الخلافةِ وبلاطُ القصرِ يبذلونَ قصارى جهدِهِم لتبدوَ هذهِ المراسمُ في ظاهرِها مهيبةً وسلطانيّةً جدًّا.
خرجَ الإمامُ (عليه السلام) من منزلِهِ، فشاهدتِ العيونُ التي كانتْ ترمقُ بابَهُ منظرًا مدهشًا. فقد خرجَ (عليه السلام) وقد تطيَّبَ، وارتدى رداءً، وعلى رأسِهِ عمامةٌ بيضاءُ أرسلَ طرفيها على صدرِهِ وظهرِهِ، وبيدِهِ عصًا، وهو حافٍ يمشي بسكينةٍ ووقارٍ.
فلما رأى أصحابُ الإمامِ (عليه السلام) حالَهُ، تبرّؤوا من هيئتِهِم وتبعوهُ على شاكلتِهِ، وهم يكبِّرونَ اللهَ. فلم يجدِ الخيّالةُ ورجالُ الحكومةِ بدًّا من النزولِ عن خيولِهِم، فخلعوا أحذيتَهُمْ وراحوا يكبِّرونَ معهُمْ.
كانَ هذا المشهدُ، مضافًا إلى دموعِ شوقِ الناسِ، قد صبغَ مدينةَ مرو بأجواءَ لا نظيرَ لها. وعندَ فناءِ دارِهِ كبَّرَ (عليه السلام) التكبيرةَ الثانيةَ، فتعالتْ أصواتُ الحاضرينَ بـ «اللهُ أكبرُ» بصوتٍ واحدٍ. حينها أدركَ كبارُ القادةِ العسكريّينَ والمسؤولونَ الحكوميّونَ -بزِيِّهِم العسكريِّ الفاخرِ- أنَّ مظهرَهُم المتكلِّفَ لا يمتُّ بصلةٍ لوليِّ عهدِ المسلمينَ، وأنَّ هذا اللقاءَ قد تحوَّلَ إلى فضيحةٍ ومهانةٍ لهم.
لمّا رأى الفضلُ بنُ سهلٍ أنَّ الإمامَ (عليه السلام)إذا وصلَ إلى مصلى العيدِ على هذهِ الهيئةِ وبدأَ بمخاطبةِ الناسِ، فإنَّ أهلَ مروٍ سيستيقظونَ من غفلتِهِم، وقد تحدثُ حادثةٌ تُهدِّدُ الحكومةَ، سارعَ إلى المأمونِ وقالَ لهُ: «إذا وصلَ الإمامُ (عليه السلام) إلى المصلى على هذهِ الهيئةِ، فسوفَ يثورُ الناسُ، ونحنُ جميعًا نخافُ على أنفسِنا».
فأمرَ المأمونُ على الفورِ بإعادته (عليه السلام)من منتصفِ الطريقِ. وقيلَ له (عليه السلام)ِ: «لقد عرفنا أننا قد أثقلنا عليكَ، ولا نحبُّ أن نُصيبكَ بمكروهٍ. فعُدْ أدراجَكَ، وسيقيمُ الصلاةَ مَنْ كانَ يُصلِّي بالناسِ من قبلُ».
فانتعلَ الإمامُ (عليه السلام) حذاءَهُ وركبَ مركبَهُ وعادَ إلى دارِهِ، وهو يقولُ بحزنٍ بالغٍ: «اللهمَّ إنْ كانَ فرَجِي من وضعي الحاليِّ هو الموتُ، فعجِّلْ لي بهِ».
وبعدَ هذهِ الحادثةِ، خافَ المأمونُ كثيرًا، ورأى أنَّ حكمَهُ باتَ في خطرٍ بوجودِ الإمامِ (عليه السلام) فاتَّبعَ سياسةً جديدةً. وكانَ الفضلُ بنُ سهلٍ، وزيرُ المأمونِ وقائدُ قوّاتِهِ المسلّحةِ، أوّلَ ضحايا هذهِ السياسةِ الجديدةِ. ولكنْ لم يكفِ ذلكَ المأمونَ؛ فقد كانَ يسعى إلى التخلّصِ من مسألةِ ولايةِ العهدِ، لا من الفضلِ بنِ سهلٍ. لذا، كانَ لا بدَّ من انتظارِ أحداثٍ جديدةٍ. ولم يكنْ من الممكنِ إنهاءُ مسألةِ ولايةِ العهدِ طالما الإمامُ (عليه السلام) على قيدِ الحياةِ. لذا، في نظرِه، كانَ الحلُّ الوحيدُ هو التخلّصُ من الإمامِ الرضا (عليه السلام).
ولكنْ كيفَ كانَ بإمكانِهِ قتلُ الإمامِ (عليه السلام) علنًا وبشكلٍ رسميٍّ، أو اتّهامُهُ بالخيانةِ تجاهَ الجهازِ الحاكمِ، أو تكرارُ أسلوبِ قتلِ الفضلِ؟ لم يكنْ أيٌّ من هذهِ الخياراتِ يتناسبُ معَ تدبيرِ المأمونِ السياسيِّ. لم يكنْ أحدٌ يعرفُ ما كانَ المأمونُ يفعلُهُ، ولكنْ كانَ واضحًا لجميعِ المحلِّلينَ أنَّ المأمونَ راعى عدّةَ مبادئَ:
ألف. التخلّصُ من الإمامِ (عليه السلام) لإنهاءِ مسألةِ ولايةِ العهدِ.
ب. إبعادُ الشبهاتِ عن نفسِهِ فيما يتعلّقُ بقتلِ الإمامِ (عليه السلام).
ج. الاستفادةُ السياسيّةُ الجديدةُ من رحيلِه (عليه السلام)قدرَ الإمكانِ.
وفي النهايةِ، حدثَ ما حدثَ. نفّذَ المأمونُ ما أرادَ من قتلِ الإمامِ (عليه السلام) ، فمضى (عليه السلام) وخلّفَ وراءَهُ أمّةً حزينةً على فراقِهِ.







