2026 September 10 - 27 ربیع الاول 1448
تحليل الأدلّة القرآنية والروائية في إثبات مشروعيّة واستحباب زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام
رقم المطلب: ٤٦٠٦ تاریخ النشر: ٢٢ محرم ١٤٤٨ - ٢١:٥٤ عدد المشاهدة: 1064
المقالات » عام
تحليل الأدلّة القرآنية والروائية في إثبات مشروعيّة واستحباب زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام

 بسم الله الرحمن الرحیم

«تحليل الأدلّة القرآنية والروائية في إثبات مشروعيّة واستحباب زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام»

بعد انتصار الثورة الإسلامية وهزيمة جبهة الاستكبار العالمي في العراق، نشهد إقامة زيارةٍ مليونيةٍ للمسلمين من مختلف أنحاء العالم، ولا سيّما عشّاق أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم من الشيعة، في يوم الأربعين وذكرى مرور أربعين يوماً على استشهاد الإمام الحسين عليه السلام.

هذه الزيارة، التي تُقام في صورة مسيرةٍ ومشيٍ جماهيريٍّ عظيم، تحمل في طيّاتها آثاراً وفوائد ثقافية وعقدية وسياسية جمّة للعالم الإسلامي، وبالأخصّ لجبهة المقاومة.

وقد أدّى ذلك إلى أن تقوم الجبهة الشيطانية الغربية، عبر شبكاتها الوهابية–الصهيونية، بإثارة الشبهات حول مشروعية زيارة الأربعين. ومن أبرز هذه الشبهات: التشكيك في أصل مشروعية هذه الزيارة. إذ تحاول تلك الشبكات، بأساليب متعدّدة، أن توحي بأن زيارة الأربعين بدعةٌ وحدثٌ طارئٌ على الدين، ولا تستند إلى دليلٍ معتبر من القرآن أو السنّة النبوية أو سنّة المعصومين عليهم السلام. وبناءً على ذلك، يدّعون أنّه إذا شارك أحد الشيعة أو أهل السنّة في هذه الزيارة، فقد خالف السنّة والسيرة الصحيحة للسلف الصالح.

وفي هذه المقالة، سنتناول – ضمن محاور أساسية – دراسة الأدلّة التي تثبت مشروعية زيارة الأربعين. فنشير أوّلاً إلى الآيات القرآنية الكثيرة التي تدلّ على مشروعيتها وفضيلتها، ثم نعرض للأدلّة الروائية العامة التي تثبت جواز هذه الزيارة، ونعقب ذلك ببحث الأدلّة الروائية الخاصة بالموضوع – وتشمل ثلاث روايات ونقلاً خاصّاً – مع تحليلها من حيث الدلالة والسند. تحليل الأدلّة القرآنية والروائية في إثبات مشروعيّة واستحباب زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام

ومن وجهة نظرنا، فإنّ الباحث المنصف الملمّ بأسس الاجتهاد عند الشيعة وأهل السنّة لا يمكنه أبداً أن يحكم ببدعيّة زيارة الأربعين، بل من أجل رفعة الإسلام وتعزيز جبهة الحق، ينبغي أن يبذل أقصى الجهود في سبيل نشر هذه الزيارة وترويجها.

ونأمل أن يكون هذا البحث نافعاً لأساتذة وعلماء الدين من الشيعة وأهل السنّة، وأن يُستفاد من محتواه في المباحث العلمية.

1. المقدمة:

  «البدعة» في الاصطلاح الفقهي عند علماء الشيعة وأهل السنّة تُعرَّف بأنّها: إدخال أمرٍ خارج عن الدين في الدين بقصد التشريع ونسبته إليه، أو النقص منه.

   انظر: النجفي، صاحب الجواهر، محمد حسن، *جواهر الكلام في ثوبه الجديد*، ج‌1، ص 607، 7 مجلّدات، مؤسّسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت عليهم السلام، قم – إيران، الطبعة الأولى، 1421هـ. ق؛ وسعدي أبو جيب، *القاموس الفقهي لغةً واصطلاحاً*، ص 32، مجلّد واحد، دار الفكر، دمشق – سوريا، الطبعة الثانية، 1408هـ. ق.

وبناءً على هذا التعريف، فإنّ جميع أنواع الابتكار في الأمور العادية والعلمية لا تُعَدّ بدعةً فقهية، بل يختصّ ذلك بالموضوعات الدينية والتكاليف الشرعية فقط.

انظر: القزويني، السيّد علي الموسوي، *الاجتهاد والتقليد (التعليقة على معالم الأصول)*، ص 237، مجلّد واحد، مكتب نشر الإسلام التابع لجامعة المدرّسين في الحوزة العلمية بقم، قم – إيران، الطبعة الأولى، 1427هـ. ق.

وعلى هذا الأساس، إذا وُجد دليلٌ من القرآن الكريم أو السنّة النبوية على مسألةٍ فقهية أو عقدية، فإنّها تخرج عن تعريف البدعة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الدليل من العمومات والإطلاقات القرآنية والروائية، أو أن يكون دليلاً خاصّاً ومحدَّداً يثبت تلك المسألة.

وبعبارة أخرى، مثلاً لإثبات مشروعية الوفاء بالعقود المستحدثة، يمكن الاستدلال بالعمومات والإطلاقات القرآنية والروائية مثل قوله تعالى: «أوفوا بالعقود» أو الحديث الشريف: «المؤمنون عند شروطهم»، وإن لم يوجد دليل خاص لإثبات الوفاء بعقدٍ جديد مثل التأمين أو الإجارة بشرط التمليك. وعليه فلا ينبغي أن يُتصوَّر أنّ الدليل الشرعي يقتصر على الدليل الخاص فقط.

2. الاستدلال بالأدلّة القرآنية على مشروعية زيارة الأربعين:

   يشمل الاستدلال بالأدلّة القرآنية البحث في التمسّك بالآيات المتعلّقة بوجوب محبّة رسول الله صلى الله عليه وآله، ووجوب مودّة ذوي القربى، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآية وجوب تعظيم شعائر الله تعالى.

٢/١. وجوب محبّة رسول الله صلى الله عليه وآله استناداً إلى الآية ٢٤ من سورة التوبة:

إنّ زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام سنّةٌ تعبّر عن إظهار المحبّة، والوفاء، والنصرة الباطنية للإمام الحسين عليه السلام ولأهداف نهضة عاشوراء؛ فهي بإحياء ذكرى تلك الثورة، تذكّر بالجهاد في سبيل الله ورسوله، واستمرار مسيرة الدين والنبوّة. وفي الفقه الإمامي الشيعي، الإمام الحسين عليه السلام ليس فقط إماماً معصوماً، بل هو المصداق التامّ لـ«سبيل الله» و«وليّ الله» في عصره، ونصرته بمنزلة نصرة دين الله.

قال تعالى في الآية ٢٤ من سورة التوبة:

﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُموها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ في سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدي الْقَوْمَ الْفاسِقينَ﴾

في هذه الآية، قدّم الله تعالى محبّته ومحبّة رسوله ونصرته والجهاد في سبيله على كلّ علاقة دنيوية، واعتبر التخلّي عن هذه المحبّة والنصرة علامةَ فسقٍ واستحقاقٍ للعقوبة. وهذه الآية، بإطلاقها اللفظي والمفهومي، تدلّ على وجوب محبّة رسول الله صلى الله عليه وآله ونصرته في كلّ زمان، لا في حياته الظاهرية فقط، بل في استمرار رسالته أيضاً.

ومن المعلوم في الفقه الإمامي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام حقيقةٌ نورانية واحدة، كما دلّ عليه حديث الثقلين والآيات المتعدّدة التي بيّنت أنّ أهل البيت عليهم السلام هم الامتداد الحافظ لدين النبي صلى الله عليه وآله . ومن هنا، فإنّ نصرة الإمام الحسين عليه السلام هي في حقيقتها نصرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وجهاد في سبيله.

وبناءً على ما تقدّم، نستظهر من إطلاق الآية الكريمة (التوبة: ٢٤)، التي أوجبت على المؤمنين محبّة الله ورسوله ونصرته والجهاد في سبيله، أنّ كلَّ مظهرٍ من مظاهر المحبّة والنصرة والشعائر التي تُسهم في ترويج الدين ورسالة رسول الله هو مشروعٌ شرعاً. وبما أنّ زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام ليست فقط علامة على المحبّة لوليّ الله، بل هي أيضاً مصداقٌ لنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله والجهاد في سبيله، يمكن استظهار مشروعيتها بل ومرجوحيتها المؤكّدة من هذه الآية. وفي ظلّ ما لهذه الشعيرة من آثارٍ هويّاتية ودينية واضحة، قد يصدق عليها عنوان «الواجب الكفائي»، إذ في الفقه الإمامي يصبح حفظ الشعائر وإظهار ولاية الله واجباً إذا تعرّضت للنسيان أو التضعيف.

٢/٢. آية وجوب مودّة ذوي القربى (الآية ٢٣ من سورة الشورى)

إنّ مسيرة الأربعين من أبرز مظاهر إظهار المودّة القلبية والعملية لذوي القربى من رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا سيّما الإمام الحسين عليه السلام؛ إذ إنّ هذا العمل يتضمّن تجليلاً واضحاً لمقامه، وإحياءً لذكره ونهجه، ومشاركةً في الشعائر المرتبطة بمظلوميته ونهضته الإلهية. وفي الفقه الإمامي، المودّة لا تقتصر على المحبّة القلبية، بل تقتضي الإظهار العملي، والمشاركة الشعائرية، والتعبير عن الاتّباع الفعلي؛ ومن أوضح مصاديقها شعائرُ كمسيرة الأربعين.

قال تعالى في آية المودّة:

﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ (الشورى: ٢٣)

وقد أوجب الله تعالى فيها – بصيغة حصرٍ وتوكيد – المودّةَ في حقّ ذوي القربى من النبي صلى الله عليه وآله، باعتبارها «أجر الرسالة». وهذه الصيغة ظاهرة في الإلزام الشرعي، إذ إنّ التعبير بـ «لا أسألكم… إلا» يدلّ على وجوب ذلك، ومعناه أنّ الحقّ الأوحد الثابت للنبي على أُمّته في مقابل الرسالة هو مودّة أهل بيته عليهم السلام.

وتدلّ الروايات المعتبرة عند الشيعة والسنّة على أنّ المقصود بذوي القربى هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ، وعلى وجه الخصوص: علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام. ومن منظور الفقه الإمامي، فإنّ وجوب المودّة لأهل البيت عليهم السلام يستلزم مشروعية جميع مصاديقها العرفية والشرعية، ما لم يرد دليل خاصّ على المنع.

وبناءً عليه، فإنّ مسيرة الأربعين، بصفتها مصداقاً عرفياً بارزاً لإظهار المودّة للإمام الحسين عليه السلام، وكونها بمثابة تجديد البيعة، وإظهار المحبّة ونصرة مظلومية ذوي القربى، تفضي إلى إحياء اسم أهل البيت عليهم السلام، وإقامة الشعائر، والتبليغ لطريق الدين؛ فهي – استناداً إلى دلالة آية المودّة وإلى مبنى وجوب إظهار المودّة في الفقه الإمامي – مشروعةٌ تماماً.

وبالعبارة الفنّية في أصول الفقه الإمامي: إذا ثبت وجوب غيري أو مقدّمي لواجبٍ ذاتي، فإنّ جميع المقدّمات غير المحصورة لذلك الواجب تكون مشروعة وراجحة. وهنا، إذا كانت المودّة واجبة، فإنّ المقدّمات العرفية ومصاديقها – كالزيارة، والمشي، وإقامة العزاء الشعائري والتبليغي – تكون مشروعة ومطلوبة.

٢/٣. الآيات المتعلّقة بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إنّ المسيرة المليونية في الأربعين، بالإضافة إلى كونها شعيرةً عبادية، تمثّل – بصورةٍ بارزة – إحياءً لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في أبعادها الشعائرية، والاجتماعية، والإعلامية، والدولية؛ إذ إنّها تذكّر بثورة الإمام الحسين عليه السلام، التي كان هدفها الأساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما صرّح هو بذلك في وصيّته وكلماته قبل نهضته المباركة.

فهذه المسيرة تنشر على مستوى العالم رسالةَ مظلومية الإمام الحسين عليه السلام، وروح المقاومة، والعدل، ومواجهة الظلم، وتُسهم عملياً في النهي عن المنكر المتمثّل بالأنظمة الطاغوتية والاستكبارية المعاصرة، وفي ترسيخ ثقافة المقاومة الدينية.

قال تعالى في الآية ١٠٤ من سورة آل عمران، وغيرها من الأدلّة القرآنية التي جعلت هذه الفريضة من الواجبات المقرّرة في الفقه الإمامي:

﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

ولا شكّ أنّ من أوضح مصاديق الأمر بالمعروف في هذا العصر، مسيرةُ الأربعين للإمام الحسين عليه السلام، بما تتضمّنه من إقامة العزاء الشعائري، والدعوة العملية إلى القيم الإلهية. وبناءً على ذلك، فإنّ هذه المسيرة تُعدّ مصداقاً جليّاً للدعوة إلى الخير وإقامة المعروف، فيمكن استظهار مشروعيتها بل ورجحانها الشرعي من هذه الآية الكريمة.

٢/٤. آية تعظيم شعائر الله وعلامات الدين

لا شكّ أنّ زيارة أولياء الله من أهمّ وسائل تعظيم شعائر الله تعالى. وفي هذا السياق، تأتي زيارة الأربعين، بما تحويه من حضورٍ مليونيٍّ ومشيٍ محفوفٍ بتحمّل المشقّات، كأحد أروع مظاهر تعظيم حرمة شعائر الله وصيانتها. ومن الواضح أنّ أهل البيت عليهم السلام، في نظر جميع المسلمين، ليسوا فقط من أبرز شعائر الدين وعلاماته البيّنة، بل هم أركان الهويّة الإسلامية التي لا نظير لها.

قال الله تعالى في الآية ٣٢ من سورة الحج:

﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾

ومن الناحية الفقهية، يشمل مفهوم الشعائر كلّ ما كان علامةً ظاهرةً من علامات الدين، ويؤدّي إلى تذكير الناس بالقيم الإلهية. وبناءً عليه، لا تنحصر الشعائر في مناسك الحج أو ما كان معروفاً زمن نزول القرآن، بل كلّ رمزٍ ديني يرسّخ الإيمان ويقوّي الصلة القلبية بالمعارف الإلهية يدخل تحت هذا المفهوم. وانطلاقاً من هذا المعنى، فإنّ أهل البيت عليهم السلام، باعتبارهم المظهر الأكمل للدين والمجرى الأصفى للهداية الإلهية، من أوضح مصاديق الشعائر.

وعليه، فإنّ زيارة الأربعين، بالنظر إلى مقام الإمام الحسين عليه السلام في إحياء الدين، وما لها من آثار روحية وثقافية وسياسية عظيمة، تُعدّ بلا شكّ من أبرز صور تعظيم شعائر الله. وفوق ذلك، فإنّ المباني الفقهية، وبالاستناد إلى ظاهر آية تعظيم الشعائر، تقرّر أنّ كلَّ عملٍ يدخل تحت عنوان «تعظيم الشعائر» هو مشروعٌ ومستحبّ، بل قد يكون تركه – إذا أدّى إلى تضعيف الدين – مذموماً، وفي بعض الحالات محرّماً.

لذلك، ووفقاً لهذا الدليل القرآني والمباني الفقهية، فإنّ دعوى كون زيارة الأربعين بدعةً لا أساس لها علمياً ولا اجتهادياً، بل هي مردودة ومخالفةٌ لآيات القرآن الكريم نفسها.

٣. الاستدلال بالعمومات والإطلاقات الروائية لإثبات مشروعية زيارة الأربعين:

يشمل الاستدلال بالعمومات والإطلاقات الواردة في الروايات البحثَ في:

·         إطلاق الأدلّة الدالّة على استحباب زيارة أموات المؤمنين.

·         إطلاق الأدلّة المقرّرة لوجوب حفظ حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله.

·         إطلاق حديث السفينة.

·         إطلاق الأحاديث المتعلّقة بوجوب المحبّة للإمام الحسين عليه السلام.

·         إطلاق ما دلّ على وجوب التمسّك بالعترة والثقلين.

٣/١. إطلاق وعموم الأدلّة الدالّة على استحباب زيارة قبور المؤمنين

بحسب القواعد والضوابط الاجتهادية، إذا ورد الدليل الروائي مطلقًا من حيث الزمان أو من حيث المخاطَب، فإنّ هذا يُسمّى في اصطلاح أصول الفقه وعلوم الحديث إطلاقًا لفظيًا، ويشمل جميع المصاديق الممكنة الداخلة في مفهوم اللفظ. والأصل أنّ هذا الإطلاق يُتمسَّك به ما لم يَرِد نصّ صريح أو حجّة قاطعة تُخصِّصه أو تنسخه.

فمثلًا إذا قال الشارع: «أوفوا بالعقود»، فإنّ الحكم مطلق من حيث مصاديق العقد العرفية، ومطلق من حيث الزمان، فيشمل جميع العقود في كل زمان، ما دام المصداق متحقّقًا عرفًا.

وعند الرجوع إلى الروايات الكثيرة في مصادر الشيعة والسنّة، نجد أنّ «زيارة القبور» وردت مطلقة من حيث المصداق والزمان، ودالّة على الجواز بل الاستحباب.

ففي مصادر أهل البيت عليهم السلام، نجد أنّ الإمام المعصوم عليه السلام عندما سُئل عن مشروعية زيارة القبور، أطلق القول بنفي البأس عنها:

«عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ: سَأَلْتُهُ‏ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ... فَقَالَ أَمَّا زِيَارَةُ الْقُبُورِ فَلَا بَأْسَ بِهَا ...»

كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي (ط - الإسلامية) ؛ ج‏3 ؛ ص228، تهران، چاپ: چهارم، 1407 ق.

بل إنّ بعض الروايات تُظهر السيرة العملية لأهل البيت عليهم السلام في المواظبة على زيارة القبور؛ ومنها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في بيان أنّ السيّدة فاطمة عليها السلام كانت تزور قبور الشهداء في كل أسبوع مرّتين، يوم الإثنين والخميس، وتذكر مواقف رسول الله صلى الله عليه وآله في تلك المواضع:

«عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏ عَاشَتْ فَاطِمَةُ علیها السلام بَعْدَ أَبِيهَا خَمْسَةً وَ سَبْعِينَ يَوْماً لَمْ تُرَ كَاشِرَةً وَ لَا ضَاحِكَةً تَأْتِي قُبُورَ الشُّهَدَاءِ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ مَرَّتَيْنِ- الْإِثْنَيْنَ وَ الْخَمِيسَ فَتَقُولُ هَاهُنَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص هَاهُنَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ.»

كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي (ط - الإسلامية) ؛ ج‏3 ؛ ص228، تهران، چاپ: چهارم، 1407 ق.

ومن الواضح أنّ ذكر هذه الأيام لا يُفيد الحصر، بل هو حكاية لواقع عملي، ولا مفهوم له يدلّ على المنع في غيرها.

وفي مصادر أهل السنّة، ورد النصّ الصريح عن النبي صلى الله عليه وآله في نسخ النهي السابق عن زيارة القبور، وأمره بها أمرًا مطلقًا:

« أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى بْنِ مَعْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنِّي كُنْتُ ‌نَهَيْتُكُمْ ‌عَنْ ‌ثَلَاثٍ: عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا وَلْتَزِدْكُمْ زِيَارَتُهَا خَيْرًا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلُوا مِنْهَا مَا شِئْتُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ فِي الْأَوْعِيَةِ، فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ وِعَاءٍ شِئْتُمْ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا "»

النسائي (ت 303 هـ)، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب، السنن الكبرى، ح5، ص: 96، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط [ت 1438 هـ]، قدم له: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة  بيروت، الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001 م

والأمر في قوله «فزوروها» مطلق من حيث الأشخاص والزمان والحال، فيشمل جميع الموارد.

وعليه، فإنّ الحكم بجواز – بل استحباب – زيارة قبور المؤمنين ثابت بالإطلاق من حيث المصداق (سواء كانوا شهداء أو أولياء) ومن حيث الزمان، ولا يوجد دليل يخصّص هذا الإطلاق أو يمنع من الزيارة في وقت معيّن. بل إنّ الأدلّة الخاصّة – كما سيأتي – تؤكّد خصوص يوم الأربعين في حقّ الإمام الحسين عليه السلام.

إذًا، زيارة الأربعين تدخل تحت عموم وإطلاق أدلّة استحباب زيارة قبور المؤمنين، ومن ثمّ فإنّ دعوى بدعيّتها لا أساس لها علميًا ولا اجتهاديًا.

٣/٢. وجوب حفظ حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله

لا شكّ أنّه في النظر العقلي والشرعي، تُعدّ زيارةُ شخصٍ ما، ولا سيّما إذا اقترنت بتحمّل المشقّة والعناء، من المصاديق الواضحة والجليّة لحفظ حرمته وتعظيمه. وبناءً على ذلك، فإنّ زيارة الأربعين، بما تشهده من حضورٍ حاشد للعاشقين، وما تتطلّبه من تحمّل رنج السفر والمشي على الأقدام، تُعدّ من أبرز مظاهر حفظ الحرمة وتكريم الإمام الحسين عليه السلام.

ولمّا كان الإمام الحسين عليه السلام، بنصّ المصادر المعتبرة، من أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله، ومن أحبّ الأشخاص إليه، فإنّ أيّ صورة من صور التعظيم والتكريم له إنّما هي في الحقيقة تعظيمٌ وتكريمٌ لرسول الله صلى الله عليه وآله نفسه؛ إذ إنّ تكريم الولد المحبوب وأهل بيته عليهم السلام هو عين الاحترام لشخص النبي صلى الله عليه وآله.

ومن ناحية أخرى، فقد وردت في المصادر الروائيّة عند الشيعة وأهل السنّة روايات متعدّدة تدلّ بصراحة على وجوب حفظ حرمة النبي صلى الله عليه وآله ومراعاة مقامه. ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك في جواب سُؤال منصور العباسي، حيث جاء:

«وعن ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر المنصور مالكاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإنّ الله عزّ وجلّ أدّب قوماً فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، ومدح قوماً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾، وذمّ قوماً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾، وإنّ حرمته ميتاً كحرمته حيّاً.»

المجلسي، محمّد باقر بن محمّد تقي، *بحار الأنوار* (ط – بيروت)، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.

وبناءً على هذا النصّ الصريح، فإنّ توقير النبيّ صلى الله عليه وآله وتعظيمه وحفظ حرمته واجبٌ مطلق، ومؤكّدٌ شرعاً.

وعليه، فإنّ زيارة الأربعين، التي تُعدّ تجلّياً بارزاً للتكريم والتعظيم للإمام الحسين عليه السلام، هي في الواقع مصداقٌ واضح لتوقير النبي صلى الله عليه وآله. ومن ثمّ، استناداً إلى العمومات والإطلاقات الواردة في الروايات والآيات بشأن حرمة وتكريم النبي صلى الله عليه وآله، فإنّ لهذه الزيارة مستنداً شرعياً ثابتاً، وهي ليست بدعة في الدين، بل مشروعة وراجحة شرعاً، وتندرج في عداد المظاهر التي يرضاها الشارع المقدّس.

٣/٣. حديث السفينة

حديث «السفينة» بمفرده يدلّ على وجوب التمسّك العملي واتباع أهل البيت عليهم السلام. فوفقاً لمضمون هذا الحديث، فإن أهل البيت عليهم السلام هم في موقع حفظ الدين، ومن ثم فإنّ اتباعهم ومرافقتهم هو طريق النجاة الدينية والاجتماعية:

«٣٣٤٩ - أخبرنا مَيْمُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَنَشٍ الْكِنَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُول وَهُوَ آخِذٌ بِبَابِ الْكَعْبَةِ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَرَفَنِي فَأَنَا مَنْ عَرَفْتُمْ، وَمَنْ أَنْكَرَنِي فَأَنَا أَبُو ذَرٍّ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي ‌مَثَلُ ‌سَفِينَةِ ‌نُوحٍ، ‌مَنْ ‌رَكِبَهَا ‌نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.»

المصدر: الحاكم النيسابوري (٣٢١-٤٠٥ هـ)، أبو عبد الله محمد بن عبد الله، *المستدرك على الصحيحين*، ٤/٣١٤، المحقق: الفريق العلمي لمكتب خدمة السنة بإشراف أشرف بن محمد نجيب المصري، الناشر: دار المنهاج القويم للنشر والتوزيع، الجمهورية العربية السورية، الطبعة الأولى، ١٤٣٩ هـ / ٢٠١٨ م، عدد الأجزاء: ١١.

وبناءً عليه، فإنّ مسيرة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام، باعتبارها اظهار ولاء عملي واجتماعي لأهل البيت عليهم السلام، وخصوصاً للإمام المظلوم في عاشوراء، هي مثال عملي على التمسك بسفينة النجاة وإظهار المرافقة لأهل البيت عليهم السلام. هذه الحركة العظيمة تُحيي اسم الإمام الحسين وهدفه، وتجدّد البيعة الاجتماعية مع خط أهل البيت عليهم السلام.

واستناداً إلى حديث السفينة وحديث المنزلة، فإنّ التمسك العملي وإظهار التبعية لأهل البيت عليهم السلام واجب على الأمة وشرط للنجاة. وفي الفقه الشيعي، كل عمل يُعدّ عرفاً من مظاهر اظهار الولاء والنصرة والمرافقة للإمام المعصوم عليه السلام يدخل ضمن دائرة المشروع والإستحباب المؤكّد.

وعليه، فإن مسيرة الأربعين، كونها حركة عالمية لإظهار ولاية أهل البيت عليهم السلام، والترويج لأهداف نهضة الحسين، وإعلان الوفاء بسفينة النجاة وطريق أهل البيت عليهم السلام، فهي مشروعّة وراجحة شرعاً. وبصيغة فقهية، وفقاً للمبنى الفقهي الإمامي، فإن اطلاق أو عموم الأدلة على وجوب التمسك بأهل البيت عليهم السلام يوفّر مشروعية العمل عند تحقق المصاديق العرفية، مثل مسيرة الأربعين.

٣/٤. وجوب المحبة تجاه الإمام الحسين عليه السلام

لا شك أنّ أحد أهم وأبرز مصاديق المحبة تجاه الشخص هو زيارته، خصوصاً حين تكون مصحوبة بالتحمّل للمشقة والابتلاء وصرف النفس والمال. وفي الثقافة العقلائية والدينية، يُعدّ هذا السلوك دلالة واضحة على المحبة القلبية والالتزام العملي تجاه المحبوب. ومن هذا المنطلق، تُعتبر زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام، وخصوصاً بالسير الطويل والمحبّ، من أبرز مظاهر هذه المحبة وإظهار الولاء لتلك الشخصية، وتحتل عرفاً أعلى مراتب المحبة العملية.

وفقاً للروایات المسلَّمة والمتفق عليها بين المسلمين، فإن محبة الإمام الحسين عليه السلام ليست مجازية فحسب، بل هي مرغوبة وواجبٌ محبّب. وهذه المحبة، التي وردت في النصوص الروائية مطلقة وبدون قيد، تشمل جميع أقسام المحبة: القلبية، واللفظية، والعملية. ومن ثم فإنّ المحبة تجاه الإمام الحسين عليه السلام من حيث النوع والمظاهر، واردة تحت عمومات روائية صادرة عن الشارع.

فعلى سبيل المثال، روى عبد الله بن أحمد عن نصر بن علي الأزدي، عن علي بن جعفر بن محمد، عن أخيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ بيد الحسن والحسين عليهما السلام وقال:

«مَنْ أحبَّني وأحبَّ هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة».

المصدر: أحمد بن محمد بن حنبل (١٦٤-٢٤١ هـ)، *مسند الإمام أحمد بن حنبل*، ج1، ص412، المحقق: أحمد محمد شاكر، الناشر: دار الحديث – القاهرة، الطبعة الأولى، 1416 هـ / 1995 م، عدد الأجزاء: 20.

كما أنّه في بيان أصرح، أمر النبي صلى الله عليه وآله بمحبة الحسن والحسين عليهما السلام:

«روى أبو داود الطيالسي، عن موسى بن مطير، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «مَن أحبَّني فليحبَّ هذين».

المصدر: أبو داود الطيالسي سليمان بن داود بن الجارود (ت 204 هـ)، *مسند أبي داود الطيالسي*، ج4، ص239، المحقق: الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر – مصر، الطبعة الأولى، 1419 هـ / 1999 م، عدد الأجزاء: 4.

وبما أنّ زيارة الأربعين، وخصوصاً مع تحمّل المشقات، تُعدّ من أبرز مصاديق المحبة العملية تجاه الإمام الحسين عليه السلام، فإنّها مشمولة بالعمومات الروائية والأدلة على وجوب أو استحباب المحبة تجاهه. ومن ثم، فإنّ هذا العمل الشريف له سند شرعي معتبر، وهو مشروع تماماً، بل وراجح، ولا يُصنّف إطلاقاً كبدعة، إذ يقع ضمن العمومات المعتبرة والسيرة العقلائية المقرّة من الشارع.

٣/٥. وجوب التمسك بعترة رسول الله صلّى الله عليه وآله وفق حديث الثقلين

زيارة الأربعين بلا شك من أبرز مظاهر إظهار الولاء وتجديد العهد مع الإمام الحسين عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام، كما أنها تُحيي ذكرى ورسالة عاشوراء، فتُنشط روح الحماسة الحسينية في نفوس الشيعة وعموم المسلمين. هذا العمل، بالإضافة إلى البُعد العاطفي والشعائري، يُعدّ مثالاً واضحاً على التمسك بتعاليم العترة في إطار توجيهات أهل البيت عليهم السلام، لأنه يهدف إلى تقوية الصلة المعرفية والولائية والعملية مع قادة الدين.

من جهة أخرى، ورد حديث متواتر عن حديث الثقلين في مصادر موثوقة، يُبيّن أنّ النبي صلى الله عليه وآله جعل التمسك بالقرآن والعترة ضامناً لعدم ضلال الأمة: «ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً». هذا الحديث يدل على وجوب الاقتداء بالعترة، ويشمل التمسك بالاعتقاد والعمل والشعائر الدينية. كل ما ورد تحت عنوان اتباع السنة والسيرة وتوصيات أهل البيت عليهم السلام، يدخل ضمن هذا الواجب.

فعلى سبيل المثال، نقل المرحوم كليني عن الإمام الصادق عليه السلام:

« مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ وَ غَيْرُهُ عَنْ سَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ وَ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي الدَّيْلَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَال‏ ... وَ قَالَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ أَيْنَمَا مَالَ وَ قَالَ إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا- كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَهْلَ بَيْتِي عِتْرَتِي أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَ قَدْ بَلَّغْتُ إِنَّكُمْ سَتَرِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ فَأَسْأَلُكُمْ عَمَّا فَعَلْتُمْ فِي الثَّقَلَيْنِ‏ وَ الثَّقَلَانِ كِتَابُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَ أَهْلُ بَيْتِي فَلَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَهْلِكُوا وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ فَوَقَعَتِ الْحُجَّةُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلی الله علیه و آله وَ بِالْكِتَابِ الَّذِي يَقْرَأُهُ النَّاس‏»

المصدر: كليني، محمد بن يعقوب، *الكافي*، ج1، ص293-294، ط الإسلامية، طهران، 1407 ق.

وفي رواية أخرى، نقل الإمام الباقر عليه السلام:

«وَ عَنْهُ، عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ علیه السلام: ... لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ‏ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ، وَ أَهْلَ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، قَالَ: وَ قَرَنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ، قَالَ: وَ لَا أَقُولُ كَهَاتَيْنِ: السِّبَاحَةِ الْيُمْنَى‏ وَ الْوُسْطَى؛ لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا أَطْوَلُ مِنَ الْأُخْرَى، فَتَمَسَّكُوا بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا وَ لَنْ تَزِلُّوا. أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَدْ قَالَ هَذَا، فَاذْهَبْ أَنْتَ الْآنَ وَ أَصْحَابُكَ حيت شِئْتُمْ‏»

المصدر: الأصول الستة عشر، ص293، دار الحديث، قم، 1423ق/1381ش.

من هذه الروايات، يتضح أنّ زيارة الأربعين، التي أوصى بها الأئمة المعصومون عليهم السلام صراحة، تُعدّ تمسّكاً عملياً بالعترة الطاهرة، ومشروعاً شرعياً وله فضيلة ورجحان، وشمولها للعمومات الروائية المسلمة والمتواترة يجعلها بعيداً كل البعد عن أي تصور للبدعة، بل هي أحد أبرز مظاهر العمل بالدين في ظل هداية العترة الطاهرة عليهم السلام.

٤. تحليل ودراسة الأدلة الروائية الخاصة لإثبات مشروعية زيارة الأربعين:

تشمل الأدلة الروائية الخاصة مناقشة الروايات التي تناولت بشكل محدد وخاص مسألة زيارة الأربعين ومشروعية واستحباب هذا العمل. وفي هذا السياق، توجد ثلاث روايات وتقارير تاريخية سنشير إليها فيما يلي، وسنقوم بمناقشتها من حيث الدلالة ومصدرها.

٤/١. رواية صفوان الجمال عن الإمام الصادق عليه السلام:

أحد الأدلة الروائية الخاصة هي رواية صفوان الجمال عن الإمام الصادق عليه السلام، حيث يتحدث الإمام بشكل خاص عن زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام وعن دعاء الزيارة الخاص بها. فقد روى الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام:

«زِيَارَةُ‌ الْأَرْبَعِينَ‌ أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ‌ مِنْ‌ أَصْحَابِنَا عَنْ‌ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ‌ بْنِ‌ مُوسَى بْنِ‌ أَحْمَدَ التَّلَّعُكْبَرِيِّ‌ قَالَ‌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ‌ عَلِيِّ‌ بْنِ‌ مَعْمَرٍ قَالَ‌ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ‌ عَلِيُّ‌ بْنُ‌ مُحَمَّدِ بْنِ‌ مَسْعَدَةَ‌ وَ اَلْحَسَنُ‌ بْنُ‌ عَلِيِّ‌ بْنِ‌ فَضَّالٍ‌ عَنْ‌ سَعْدَانَ‌ بْنِ‌ مُسْلِمٍ‌ عَنْ‌ صَفْوَانَ‌ بْنِ‌ مِهْرَانَ‌ الْجَمَّالِ‌ قَالَ‌: قَالَ لِي مَوْلاَيَ‌ اَلصَّادِقُ‌ صَلَوَاتُ‌ اللَّهِ‌ عَلَيْهِ‌ فِي زِيَارَةِ‌ الْأَرْبَعِينَ‌: "تَزُورُ عِنْدَ ارْتِفَاعِ‌ النَّهَارِ وَ تَقُولُ‌ السَّلاَمُ‌ عَلَى وَلِيِّ‌ اللَّهِ‌ وَ حَبِيبِه..."»

طوسي، محمد بن حسن، محقق حسن خرسان، مصحح محمد آخوندی، *تهذيب الأحكام*، طهران، دار الكتب الإسلامية، ج٦، ص١١٣، 1365 هـ ش

ومن حيث الصدور، يجب القول إن الشيخ الطوسي في بداية كتابه يوضح أنه، لشرح وإيضاح أدلة كتاب فتوى شيخه الشيخ المفيد، يستدل بالآيات والروايات المقبولة وذات القرائن التي تدل على صدورها، وإذا وُجدت روايات متعارضة، يذكر وجه الجمع بينها من حيث الصناعة الاجتهادية:

«... وَسَأَلَنِي أَنْ‌ أَقْصِدَ إِلَى رِسَالَةِ‌ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ‌ - أَيَّدَهُ‌ اللَّهُ‌ تَعَالَى - الْمَوْسُومَةِ‌ بِالْمُقْنِعَةِ لِأَنَّهَا شَافِيَةٌ‌ فِي مَعْنَاهَا كَافِيَةٌ‌ فِي أَكْثَرِ مَا يُحْتَاجُ‌ إِلَيْهِ‌ مِنْ‌ أَحْكَامِ‌ الشَّرِيعَةِ‌ وَ أَنَّهَا بَعِيدَةٌ‌ مِنَ‌ الْحَشْوِ وَ أَنْ‌ أَقْصِدَ إِلَى أَوَّلِ‌ بَابٍ‌ يَتَعَلَّقُ‌ بِالطَّهَارَةِ‌ وَ أَتْرُكُ‌ مَا قَدَّمَهُ‌ قَبْلَ‌ ذَلِكَ‌ مِمَّا يَتَعَلَّقُ‌ بِالتَّوْحِيدِ وَ الْعَدْلِ‌ وَ النُّبُوَّةِ‌ وَ الْإِمَامَةِ‌ لِأَنَّ‌ شَرْحَ‌ ذَلِكَ‌ يَطُولُ‌ وَ لَيْسَ‌ أَيْضاً الْمَقْصَدُ بِهَذَا الْكِتَابِ‌ بَيَانَ‌ مَا يَتَعَلَّقُ‌ بِالْأُصُولِ‌ وَ أَنْ‌ أُتَرْجِمَ‌ كُلَّ‌ بَابٍ‌ عَلَى حَسَبِ‌ مَا تَرْجَمَهُ وَ أَذْكُرَ مَسْأَلَةً‌ مَسْأَلَةً‌ فَأَسْتَدِلَّ‌ عَلَيْهَا إِمَّا مِنْ‌ ظَاهِرِ اَلْقُرْآنِ‌ أَوْ مِنْ‌ صَرِيحِهِ‌ أَوْ فَحْوَاهُ‌ أَوْ دَلِيلِهِ‌ أَوْ مَعْنَاهُ‌ وَ إِمَّا مِنَ السُّنَّةِ‌ الْمَقْطُوعِ‌ بِهَا مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ‌ أَوِ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَقْتَرِنُ‌ إِلَيْهَا الْقَرَائِنُ‌ الَّتِي تَدُلُّ‌ عَلَى صِحَّتِهَا وَ إِمَّا مِنْ‌ إِجْمَاعِ‌ اَلْمُسْلِمِينَ‌ إِنْ كَانَ فِيهَا أَوْ إِجْمَاعِ‌ اَلْفِرْقَةِ‌ الْمُحِقَّةِ ثُمَّ أَذْكُرَ بَعْدَ ذَلِكَ‌ مَا وَرَدَ مِنْ‌ أَحَادِيثِ‌ أَصْحَابِنَا الْمَشْهُورَةِ‌ فِي ذَلِكَ وَ أَنْظُرَ فِيمَا وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا يُنَافِيهَا وَ يُضَادُّهَا وَ أُبَيِّنَ‌ الْوَجْهَ فِيهَا إِمَّا بِتَأْوِيلٍ‌ أَجْمَعُ‌ بَيْنَهَا وَ بَيْنَهَا...»

 طوسی، محمد بن حسن. محقق حسن خرسان. مصحح محمد آخوندی. نويسنده حسن خرسان. ، 1365 ه.ش.، تهذيب الأحكام، تهران - ایران، دار الکتب الإسلامیة، جلد: ۱، صفحه: ۳

إن التدقيق في هذه المقدمة يوضح أن الشيخ الطوسي، لشرح كتاب المقنعة للشيخ المفيد، استند إلى الآيات والروايات المتواترة والقطعية، وكذلك إلى الأحاديث التي تأكد صدورها سنداً وصدوراً بفضل القرائن. وفي مسألة زيارة الأربعين، أشار هذا المحدث والفقهاء البارز في موضعين: رواية صفوان عن الإمام الصادق عليه السلام ورواية الإمام العسكري عليه السلام، كأحاديث خاصة تثبت مشروعية زيارة الأربعين. ومن ثم يمكن القول إن صدور الأدلة الروائية الخاصة بزيارة الأربعين عند الشيخ الطوسي كان أمراً واضحاً، وكانت مستنداته موجودة في كتب حديثية مشهورة ومعتمدة زمن الأئمة عليهم السلام.

كما يظهر الرجوع إلى مؤلفات أخرى للشيخ الطوسي أنه أخرج هذه الرواية أيضاً في كتابه مصباح المتهجد، ما يدل على اهتمامه الخاص بها:

«... شَرْحُ‌ زِيَارَةِ‌ الْأَرْبَعِينَ‌ أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ‌ عَنْ‌ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ‌ بْنِ‌ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيِّ‌ قَالَ‌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ‌ عَلِيِّ‌ بْنِ‌ مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ‌ عَلِيُّ‌ بْنُ‌ مُحَمَّدِ بْنِ‌ مَسْعَدَةَ‌ وَ اَلْحَسَنُ‌ بْنُ‌ عَلِيِّ‌ بْنِ‌ فَضَّالٍ‌ عَنْ‌ سَعْدَانَ‌ بْنِ‌ مُسْلِمٍ‌ عَنْ‌ صَفْوَانَ‌ بْنِ‌ مِهْرَانَ‌ الْجَمَّالِ‌ قَالَ: قَالَ لِي مَوْلاَيَ‌ اَلصَّادِقُ‌ صَلَوَاتُ‌ اللَّهِ‌ عَلَيْهِ‌ فِي زِيَارَةِ‌ الْأَرْبَعِينَ‌ تَزُورُ عِنْدَ ارْتِفَاعِ‌ النَّهَارِ وَ تَقُولُ - السَّلاَمُ‌ عَلَى وَلِيِّ‌ اللَّهِ‌ وَ حَبِيبِهِ‌ السَّلاَمُ‌ عَلَى خَلِيلِ‌ اللَّه...»

طوسي، محمد بن حسن، مصحح أبوذر بيدار وعلي أصغر مرواريد، *مصباح المتهجد*، بيروت، مؤسسة فقه الشيعة، ج٢، ص٧٨٨، 1411 هـ ق)

علاوة على ذلك، يجب التنبيه إلى أن عبارة «أخبرنا جماعة من أصحابنا» التي ذكرها الشيخ الطوسي في مصباح المتهجد و تهذيب الأحكام، تعني مجموعة من مشايخه وأساطين العلم المعروفين الذين قدمهم في مقدمة كتبه. وعند تتبع طرق الشيخ الطوسي إلى هارون بن موسى التلعكبري، يتضح أن كلمة «جماعة» في هذا السياق تشير غالباً إلى الشيخ المفيد محمد بن محمد بن نعمان، وسيد مرتضى علم الهدى علي بن الحسين الموسوي، وأحمد بن عبدون، والحسين بن عبيد الله الغضائري. هؤلاء الأربعة كانوا من أساتذة الشيخ الطوسي المباشرين، وكلهم قد سمعوا من هارون بن موسى التلعكبري، والشيخ الطوسي عادةً كان يختصر ذكرهم بعبارة «أخبرنا جماعة من أصحابنا».

إن التدقيق في هذه النقطة الأساسية يظهر أن حديث زيارة الأربعين كان مشهوراً للغاية في زمن المحدثين المتصلين بعصر الحضور، وهو قرينة عقلائية مهمة لإثبات صدور الرواية المعنية.

4/2/1. النظر إلى قبول الرواية من وجهة رأي الشيخ الطوسي

النظر إلى قبول الرواية عند أتباع الإمامية يُعدّ من أهمّ السبل لاكتشاف صحة الرواية واعتبار حجيتها. وقد كتب الفقيه البارز المعاصر، المحقق الحكيم، في سياق مناقشة فقهية:

«لكن لا يبعد الاعتماد عليها مع علو متنها ورواية الكليني والشيخ لها وظهور قبولها بين الأصحاب.»

(طباطبائي الحكيم، محمد سعيد، 1428 هـ.ق، *مصباح المنهاج (الاجتهاد والتقليد)*، النجف الأشرف – العراق، مؤسسة الحكمة الثقافة الإسلامية، ص. 139)

وبناءً على وجهة نظره، فحتى لو كانت الرواية ضعيفة من حيث السند، فإن قبولها عند أصحاب الإمامية يجعلها حجّة ومستندًا في الفقه.

ونفس المؤلف، في المبحث المتعلق بالمقبولة عن عمر بن حنظلة، يقول:

«وأما الإشكال في المقبولة بضعف السند، لعدم النص على توثيق عمر بن حنظلة، فلا مجال له بعد تلقّي الأصحاب لها بالقبول، حتى اشتهرت بينهم بالمقبولة، ورواها المشايخ الثلاثة رضي الله عنهم…»

(طباطبائي الحكيم، محمد سعيد، 1428 هـ.ق، *مصباح المنهاج (الاجتهاد والتقليد)*، ص. 169)

وعليه، فإنّ إحدى أهمّ طرق اكتشاف صحة الرواية والاطمئنان إلى صدورها هي النظر إلى قبول أصحاب الإمامية لها.

وقد أشار آية الله السيد أحمد مددي، أحد فقهاء المعاصر، في درس خارج الفقه بتاريخ 24 بهمن 1394، إلى هذه النقطة فيما يتعلق بصحة صدور حديث الأربعين، وقال:

«لدينا نقاش حول بعض المسائل التي كانت عند الشيعة على نحو التلقي، لا على نحو التبني أو وفق القواعد الحديثية. التلقي يعني أنّ الأدلة تشير إلى أنّ هذه الأمور كانت متعارفًا عليها بين الشيعة. على سبيل المثال، افترض أنّ المرحوم الشيخ الطوسي عندما نقل رواية علامات المؤمن:

«وَرُويَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ قَالَ: عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ: صَلَاةُ الْخَمْسِينَ وَ زِيَارَةُ الْأَرْبَعِينَ وَ التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ وَ تَعْفِيرُ الْجَبِينِ وَ الْجَهْرُ بِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.»

إحدى هذه العلامات هي زيارة الأربعين. وهو لم ينقل سندًا متصلًا صحيحًا. الشيخ الطوسي توفي سنة 460 هـ، والإمام العسكري عليه السلام توفي سنة 260 هـ. هذا يدلّ على أنّ هذه الزيارة كانت متعارفًا عليها بين الشيعة خلال هذه المئتي سنة. ولذلك اكتفى الشيخ في السند بعبارة «رُويَ». خلال هذه المئتي سنة، ولعدم وجود سند، لا نملك معلومات تاريخية دقيقة، بين وفاة الإمام العسكري ووفاة الشيخ الطوسي هناك حوالي مئتي سنة. الظاهر أنّ الشيعة كانوا يقومون بهذا العمل خلال هذه الفترة. ومن غير المرجح أنّ الشيخ الطوسي ذكر شيئًا بمفرده، على سبيل المثال افترض أنّه رأى الأمر سنة 440 هـ فقط. يبدو أنّ هناك سنة متعارف عليها بين الشيعة، وهذا ما يُسمّى بالتلقي. لذلك هذا النوع من الخبر المرسل أيضًا قابل للقبول، ليس بسبب كونه مرسلًا، بل لأنه يدلّ على نوع من التلقي بين الشيعة. وهذه الأخبار تُعدّ عندنا قابلة للقبول.»

4/2/2. اعتبار روايات الإمام الصادق والإمام العسكري عليهما السلام من وجهة نظر ابن المشهدی في المزار الكبير

ابن المشهدی، من علماء ومحدثي القرن السابع الهجري، خرّج هاتين الروايتين في كتابه المزار الكبير. الرواية الأولى عن طريق أبي هاشم الجعفري عن الإمام حسن العسكري عليه السلام:

«الباب فضل زيارته عليه السّلام في الأربعين وفي ليلة القدر وفي كل شهر، وأن من ترك زيارته من غير عذر كان منتقص الإيمان، منتقص الدين: وَبِالْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي هَاشِمِ الْجَعْفَرِيِّ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيِّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ: صَلَاةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَزِيَارَةُ الْأَرْبَعِينَ، وَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ، وَتَعْفِيرُ الْجَبِينِ، وَالْجَهْرُ بِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.»

ابن المشهدی، محمد بن جعفر، محقق جواد قیومی اصفهانی، 1378 هـ.ش، *المزار الكبير*، قم – إيران، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، مؤسسة النشر الإسلامي، ص. 352

الرواية الثانية عن طريق صفوان جمال عن الإمام الصادق عليه السلام:

«زيارة أبي عبد الله الحسين صلوات الله عليه يوم العشرين من صفر، وهي زيارة الأربعين. رَوَى صفوان بن مهران الجمّال قال: قال لي مولاي الصادق عليه السلام في زيارة الأربعين: تزور عند ارتفاع النهار، وتقول: السلام على ولي الله وحبيبه، السلام على خليل الله ونجيبه …»

ابن المشهدی، محمد بن جعفر، محقق جواد قیومی اصفهانی، 1378 هـ.ش، *المزار الكبير*، قم – إيران، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، مؤسسة النشر الإسلامي، ص. 514

وقد أشار هذا العالم البارز في مطلع كتابه إلى أنه جمع في كتابه الروايات المعتبرة عن الثقات:

«أما بعد، فإنّي قد جمعت في كتابي هذا من فنون الزيارات للمشاهد المشرفة، وما ورد في الترغيب في المساجد المباركات والأدعية المختارات، وما يُدعى به عقب الصلوات، وما يُناجى به القدیم تعالى من لذيذ الدعوات في الخلوات، وما يُلجأ إليه من الأدعية عند المهمات، مما اتصلت به من ثقات الرواة إلى السادات.»

ابن المشهدی، محمد بن جعفر، محقق جواد قیومی اصفهانی، 1378 هـ.ش، *المزار الكبير*، قم – إيران، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، مؤسسة النشر الإسلامي، ص. 27

وبناءً على هذا المبدأ الذي أشار إليه ابن المشهدی في مطلع كتابه، يمكن القول إن زيارة الأربعين كانت عنده من الأمور المسلّم بها والمعتبرة.

4/3. تقرير زيارة الأربعين لجابر بن عبدالله الأنصاري

«وَ فِي الْيَوْمِ الْعِشْرِينَ مِنْهُ كَانَ رُجُوعُ حَرَمِ سَيِّدِنَا- أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ علیه السلام مِنَ الشَّامِ إِلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ ص وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ‏ جَابِرُ بْنُ‏ عَبْدِ اللَّهِ‏ بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صلی الله علیه و آله وَ رَضِيَ عَنْهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى كَرْبَلَاءَ لِزِيَارَةِ قَبْرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ زَارَهُ مِنَ النَّاسِ.»

الطوسي، محمد بن الحسن، *مصباح المتهجّد و سلاح المتعبّد*، ج2، ص787، بيروت، الطبعة الأولى، 1411 هـ

وبالاعتماد على تقرير جابر بن عبدالله الأنصاري، إلى جانب رواية الإمام الصادق عليه السلام ورواية الإمام حسن العسكري عليه السلام، وكذلك شهرة هذا الحديث بين المحدثين البارزين مثل الشيخ الطوسي والشيخ المفيد، الذين كانوا معاصرين للعصر الذي حضر فيه الأئمة عليهم السلام، يمكن الاستنتاج بأن «زيارة الأربعين» كانت في الثقافة الشيعية ذات مكانة راسخة ومعروفة.

تشير هذه الشواهد التاريخية والحديثية إلى أن هذه الزيارة، منذ عهد جابر بن عبدالله الأنصاري وحتى بداية الغيبة الكبرى، لم تكن فقط ممارسة عبادية فردية، بل كانت عنصراً مهماً في تشكيل الهوية الاجتماعية للمجتمع الشيعي. استمرارها وانتشارها على مدى هذه الفترة الطويلة يظهر أن «زيارة الأربعين» شكلت جزءاً من الذاكرة التاريخية والإرث الروحي للشيعة وساهمت في تثبيت الهوية الجماعية لأتباع أهل البيت عليهم السلام.

وقد استمر هذا التقليد والسيرة حتى القرون اللاحقة بين الشيعة. فقد تناول كتاب «العلم المشهور في فوائد فضل الأيام والشهور» لعالم مشهور من أهل السنة في القرنين السادس والسابع الهجريين، أبو الخطّاب ابن دحية الكلبي (ت 633 هـ)، الذي طُبع لأول مرة في المغرب عام 2020 في ثلاثة مجلدات، مسألة زيارة الأربعين.

والموضوع العام للكتاب يتعلق بأسماء الشهور وفضائلها وبعض الأحداث المهمة التي وقعت فيها. وقد بدأ المؤلف بشرح شهر المحرم وانتهى بشهر ذو الحجة. وفي المجلد الأول، ص201، خصص حوالي 20 صفحة لمقتل الحسين عليه السلام، وذكر ضمن الأحداث بعد المقتل عبارات مؤثرة وموجعة في مظلومية أهل البيت، ومن بينها وصف أسى أهل البيت في الأسر بسوريا.

ومن أبرز ما ذكره المؤلف في هذا السياق، إشارته إلى شهرة زيارة الأربعين لدى الإمامية:

«وقرأت في كتب الإمامية: أنّ الرأس أُعيد إلى الجثة بكربلاء بعد أربعين يوماً من المقتل، يومٌ معروف عند الإمامية يسمّون الزيارة فيه زيارة الأربعين.»

الكلبي، ابن دحية، *العلم المشهور*، 1/215، المغرب، الطبعة الأولى

كما يوضح توجه الإمام الخامنئي حول «زيارة الأربعين» حقائق مركزية عن المذهب الشيعي في هذا الصدد. فوفقاً لهذا الفقيه البارز، تعد زيارة الأربعين ميعاداً محدداً للشيعة في أرض كربلاء:

«…الشيعة كانوا مجتمعاً متفرّقاً، يعيشون في أماكن مختلفة؛ في المدينة، في الكوفة، في البصرة، في الأهواز، في قم، في خراسان – في أرجاء البلاد – لكن روحاً واحدة كانت تسري في هذا الجسد المتفرّق، مثل حبات السبحة، خيط واحد يربطهم جميعاً. وكان هذا الخيط هو الطاعة والالتزام بمركزية التشيع، بزعامة الإمام، قلب واحد يوجّه الأعضاء جميعاً. وبالتالي، كان التشيع بمثابة تنظيم وهيكل، رغم أن بعضهم لم يكن يعرف عن الآخر، لكنهم كانوا مرتبطين بأمرٍ واحد. هذا المؤتمر العالمي للشيعة في زمن الأئمة كان محدداً، وموعده اليوم الأربعين، والمكان كربلاء؛ لأن روح الشيعة روح كربلائية وعاشورائية، والتشيع في كل مكان تابع لعاشوراء الحسين. كل هذا النشاط الروحي الذي يظهر عند الشيعة ينبع من ذلك المرقد الطاهر، وهذه الشرارة من الروح المقدسة تؤثر في النفوس والقلوب.

(https://farsi.khamenei.ir/newspart-index?tid=11158)

4/4. استفاضة طرق الروايات والتقارير المرتبطة بزيارة الأربعين

تعد الاستفاضة، إلى جانب التواتر والصحّة الإسنادية، من أهم الطرق لإثبات صدور الرواية في نظر الشيعة. يقول المحقق الخوئي في أحد المباحث الفقهية:

«وعليه فالمهم هو الأخبار، ولقد ورد نجاسة الخمر في عدة كثيرة من الروايات… في رابع غير ذلك مما ورد في الأخبار الكثيرة البالغة حد الاستفاضة، بل يمكن دعوى القطع بصدور بعضها عن الأئمة عليهم السلام، فلا مجال للمناقشة فيها بحسب السند.»

الخوئي، السيد أبو القاسم، 1418 هـ، *موسوعة الإمام الخوئي*، ج3، ص83

وفي موضع آخر، مع التأكيد على أن جميع الروايات في المسألة محل النقاش قابلة للنقد من جهة السند، لكنه يوضح أن الاستدلال بالاستفاضة يغني عن التفحص في الإسناد:

«وإن استفاضة الروايات أغنتنا عن النظر في إسنادها وإن كانت جلّها بل كلها ضعيفة أو قابلة للمناقشة، على أن في ما ذكرناه أولاً غنى وكفاية، ومن أراد الاطلاع عليها فليراجع كتابي *الأمالي*، و*العيون* للصدوق – قدس سره – وغيرها.»

الخوئي، أبو القاسم، *معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة*، ج8، ص360، 24 مجلد، الطبعة 5، 1413 هـ

وبناءً على المقدمة السابقة، يمكن القول إن مسألة زيارة الأربعين وردت في ثلاثة روايات وتقارير في المصادر الحديثية الشيعية، تُعدّ قانوناً ثابتاً للصدور عن طريق الاستفاضة. وبالتالي، فإن النقاش حول سند رواية معينة كون الراوي مجهولاً أو كون السند منقطعاً أو مرسلاً لا يضعف أصل صدور الرواية ولا يؤثر على حكم جواز واستحباب زيارة الأربعين.

٤/٥. عرض الأحاديث على القرآن

من الطرق المعتبرة لاكتشاف صحة الأحاديث، عرضها على القرآن الكريم ومقارنة مدى توافقها مع الحقائق القطعية وروح الآيات الإلهية. وفي هذا الصدد، يوضح الشهيد السيد محمد باقر الصدر بتحليل دقيق أن المراد من طرح الأحاديث التي تخالف كتاب الله أو التي لا يوجد لها شاهد في القرآن، هو طرح أي نص يتعارض مع الروح العامة للقرآن الكريم ولا يوجد له نظير أو مثيل فيه. ولذلك، إذا كان الدليل الظني مثل حديث ما لا يتوافق مع طبيعة تشريعات القرآن والمزاج العام لأحكامه، فإنه يخرج عن دائرة الحجة. هذا الفحص لا يعني التطابق الحرفي أو التعارض الدقيق مع الآيات، بل المقصود هو التحقق من الانسجام المعنوي مع المبادئ الأساسية للقرآن. ويقول الشهيد الصدر:

> «أنه لا يبعد أن يكون المراد من طرح ما خالف الكتاب الكريم، أو ما ليس عليه شاهد منه، طرح ما يخالف الروح العامة للقرآن الكريم، و ما لا تكون نظائره و أشباهه موجودة فيه. و يكون المعنى حينئذ أن الدليل الظني إذا لم يكن منسجماً مع‏ طبيعة تشريعات القرآن و مزاج أحكامه العام لم يكن حجة. و ليس المراد المخالفة و الموافقة المضمونية الحدية مع آياته. فمثلًا لو وردت رواية في ذم طائفة من الناس و بيان خستهم في الخلق أو أنهم قسم من الجن، قلنا أن هذا مخالف مع الكتاب الصريح في وحدة البشرية جنساً و حسباً و مساواتهم في الإنسانية و مسئولياتها مهما اختلفت أصنافهم و ألوانهم. و أما مجي‏ء رواية تدل على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلًا فهي ليست مخالفة مع القرآن الكريم و ما فيه من الحث على التوجه إلى اللّه و التقرب منه عند كل مناسبة و في كل زمان و مكان. و هذا يعني أن الدلالة الظنية المتضمنة للأحكام الفرعية فيما إذا لم تكن مخالفة لأصل الدلالة القرآنية الواضحة تكون بشكل عام‏ موافقة مع‏ الكتاب‏ و روح‏ تشريعاته‏ العامة، خصوصاً إذا ثبتت حجيتها بالكتاب نفسه. و مما يعزز هذا الفهم، مضافاً إلى أن هذا المعنى هو مقتضى طبيعة الوضع العام للأئمة المعصومين عليهم السلام و دورهم في مقام بيان الأحكام الأمر الّذي كان واضحاً لدى المتشرعة و رواة هذه الأحاديث أنفسهم و الّذي على أساسه أمروا بالتفقه في الدين و الاطلاع على تفاصيله و جزئياته التي لا يمكن معرفتها من القرآن الكريم، مما يشكل قرينة متصلة بهذه الأحاديث تصرفها إلى إرادة هذا المعنى. ما نجده في بعضها من قوله (إن وجدتم عليه شاهداً أو شاهدين من الكتاب) فإن التعبير بالشاهد الّذي يكون بحسب ظاهره أعم من الموافق بالمعنى الحرفي، مع عدم الاقتصار على شاهد واحد خير قرينة على أن المراد وجود الأمثال و النّظائر لا الموافقة الحدية. و قد جاء هذا المعنى في رواية الحسن بن الجهم عن العبد الصالح: «قَال: إذَا جَاءكَ الحَدِيثَانِ المُختَلَفَانِ فَقسهُمَا عَلى كِتَابِ اللّهِ وَ أحَادِيثِنا فَإن أشبَهَهَا فَهُوَ حَقّ و إن لَم يُشبِههَا فَهُوَ بَاطِلٌ» و هذه الرواية و إن كانت واردة في فرض التعارض، إلّا أنها بحسب سياقها تشير إلى نفس القاعدة المؤكد عليها في مجموع أخبار الباب.»

> (صدر، محمد باقر، *بحوث في علم الأصول*، ج7، ص333، 1417 هـ)

ويضرب الشهيد الصدر مثالاً: إذا ورد حديث يذم قومًا بعينهم ويصف رذائل فطرية لديهم أو ينسبهم إلى الجن، فهذا يتعارض مع الأصل القرآني القطعي في وحدة الجنس البشري والمساواة في الإنسانية والمسؤوليات مهما اختلفت الأعراق والألوان. أما الحديث الذي يأمر بالدعاء عند رؤية الهلال، فلا يتعارض مع القرآن، بل يتوافق مع وح القرآن في التوجه إلى الله والتقرب منه في كل زمان ومكان.

وبالتالي، فإن الدلالات الظنية في الأحكام الفرعية، إذا لم تخالف المعاني الواضحة والمبادئ العامة للقرآن، فهي في الحقيقة متوافقة مع الكتاب وروح تشريعاته، لا سيما إذا ثبتت حجيتها بالقرآن نفسه.

كما يؤكد الشهيد الصدر بالاستناد إلى أحاديث مثل: «إن وجدتم عليه شاهداً أو شاهدين من الكتاب». وأيضًا حديث الحسن بن الجهم عن الإمام الكاظم عليه السلام:

> «قَال: إذَا جَاءكَ الحَدِيثَانِ المُختَلَفَانِ فَقسهُمَا عَلى كِتَابِ اللّهِ وَ أحَادِيثِنا فَإن أشبَهَهَا فَهُوَ حَقّ و إن لَم يُشبِههَا فَهُوَ بَاطِلٌ»

أن المقصود هو وجود الأمثال والنظائر القرآنية، وليس التطابق الحرفي.

كما يذكر الفقيه المعاصر آية الله عباس علي زارعي السبزواري أن أي تعارض بين القرآن والأحاديث يُقدم فيه ما يتوافق مع كتاب الله ويجب أخذه**، استنادًا إلى الحديث المشهور عن المعصومين عليهم السلام:

«إذا جاءكم عنّا حديث فاعرضوه على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف فردّوه»

زارعي سبزواري، عباس علي، *القواعد الفقهية في فقه الإمامية*، ج4، ص86، 1430 هـ

وبناءً على هذا المعيار القرآني، فإن الأحاديث المتعلقة بمشروعية واستحباب زيارة الأربعين تتوافق بوضوح مع المبادئ القطعية وروح القرآن، حيث تشير هذه الأحاديث إلى:

* وجوب مودّة أهل البيت عليهم السلام (قُل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى)

* تعظيم شعائر الله (و من يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)

* محبة النبي صلى الله عليه وآله وحفظ حرمته

* العمل بأدلة متعددة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وهذا التوافق الواضح مع القرآن، خصوصًا وفق قاعدة العرض على القرآن، يعزز حجية هذه الأحاديث ويثبت مشروعية زيارة الأربعين، حتى في حال وجود اختلافات في سند بعضها، فإن التوافق المعنوي مع القرآن يعزز اعتبارها وقبولها.

٤/٦. المضامين العالیة الموجودة في زیارة الأربعین

استنادًا إلى المبادئ الفقهية للإمامية، تُعتبر من الطرق المعتبرة لاكتشاف صدور الرواية الاعتناء بعلو مضمونها؛ أي عندما يكون نص الرواية من حيث المعنى والبنية والرسالة في مستوى رفيع ومتَسامي، بحيث يُعتَبَر انتسابها إلى المعصوم عليه السلام قويًا عرفًا.

وهذا المبدأ، كما ورد في كلام المحقق همداني، يعمل كدليل على صحة السند:

«و أما الرضوي فنقل مثل الصدوق (قده) عنه يكفى لجبر ضعفه و قال الهمداني بأن علو مضمون الروايات يدل على صحة السند كما يقول بهذا القول العلامة ملاّ صدرا الشيرازي في روايات أصول الدين...»

(آملی، هاشم؛ محرر محمد علي إسماعيل‌پور قمشه‌ای؛ مؤلف: محمد كاظم بن عبد العظیم یزدی، 1406 هـ.ق، *المعالم المأثورة*، ج6، ص70

وعليه، فإن كبار العلماء مثل المحقق همداني و ملا صدرا يتبنون هذا النهج وهذه الرؤية. كما يشير الشهيد السيد محمد باقر الصدر، أحد علماء الشيعة المعاصرين، إلى هذا المبدأ فيقول:

«و حسبنا الآن تنبيه القارئ الكريم إن كان من أهل الفضل و الثقافة أن يأخذ القلم و يحاول التفكير فيكتب سطرا أو عدة أسطر بدون ألف أو بدون تنقيط، فإن هذا بعد الجهد لا يكون سهلا أبدا فكيف بمن يسردها على البديهة و عفو الخاطر. بحيث تكون بوضوحها و حسن ترتيبها و علو مضمونها دليلا على صحة سندها و حقيقة مصدرها سلام اللّه عليه.»

صدر، شهيد، سيد محمد، *ما وراء الفقه*، ج9، ص184، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، أول، 1420 هـ.ق

إلى جانب الفقهاء المذكورين، يوضح المحقق الحكيم في مؤلفاته أن علو النص والمضامين العالية يُعد من قرائن حجية الرواية، فيقول على سبيل المثال:

> «لكن لا يبعد الاعتماد عليها مع علو متنها ورواية الكليني والشيخ لها وظهور قبولها بين الأصحاب»

طباطبایی حکيم، محمد سعيد، 1428 هـ.ق، *مصباح المنهاج (الاجتهاد والتقليد)*، نجف الأشرف، العراق، مؤسسة الحكمة الثقافة الإسلامية، ص13

وفيما يتعلق بمقبولة عمر بن حنظلة، يضيف:

«وأما الإشكال في المقبولة بضعف السند، لعدم النص على توثيق عمر بن حنظلة، فلا مجال له بعد تلقي الأصحاب لها بالقبول، حتى اشتهرت بينهم بالمقبولة، ورواها المشايخ الثلاثة رضي الله عنهم، وفي طريقها صفوان مع علو متنها واشتمالها على أحكام كثيرة في القضاء والتعارض قد اعتمد عليها الأصحاب فيها»

طباطبایی حکيم، محمد سعيد، 1428 هـ.ق، *مصباح المنهاج*، ص169

وبناءً على هذا المبدأ، فإن رواية صفوان عن الإمام الصادق عليه السلام بشأن زيارة الأربعين، التي تزخر بالمضامين الرفيعة الولائية والمعرفية، تُعد دليلًا على صحة صدورها، إذ إن علو مضمون هذه الزيارة يتوافق تمامًا مع المعارف القطعية لأهل البيت عليهم السلام، ويجعل عرفًا انتسابها لغير المعصوم أمرًا مستبعدًا.

وعليه، حتى لو وُجدت احتمالية ضعف في السند، فإن قرينة علو المضمون تكفي لتعويضه، وتُثبت مشروعية واعتبار الاستناد الفقهي لزيارة الأربعين

٤/٧. العمل والفتوى بمضمون الرواية:

من الطرق الأخرى لاكتشاف اعتبار الرواية وحجية صدورها، العمل بها وشيوع الفتوى استنادًا إلى مفادها. يقول الفقيه البارز صاحب الرياض في هذا الصدد ضمن بحث فرعي فقهي:

«و عن المعتبر أنها و إن كانت ضعيفة السند إلا أن أصحابنا ادعوا الإجماع على صحة مضمونها مع ظهور الفتوى بها»

طباطبائي كربلائي، علي بن محمد علي؛ المؤلف: جعفر بن حسن المحقق الحلي، 1404 هـ.ق، *رياض المسائل* [ط. القديمة]، ج1، ص316

وبحسب هذا الرأي، فإن العمل بالرواية وإصدار الفتوى بموجبها عند العلامة الحلي يُعد أحد طرق اكتشاف حجيتها واعتبار سندها.

إضافة إلى ذلك، يقوم الفقيه المحقق الخواجوئي بتحليل هذا المبدأ وفق الضوابط العقلائية، فيقول:

«بل نقول: عملهم بمضمونه و افتاؤهم به أول دليل و أعدل شاهد على صحة سنده و ثبوته عندهم، و هذا القدر من الظن يكفينا للعمل بمضمونه، و خاصة اذا وافق مضمونه مقتضى الدليل، ... هو استدلال بالقرائن الواضحة الجلية على صحة السند و ثبوته، لان جماعة من العدول و الموثقين اذا نقلوا حديثا و عملوا بمضمونه و أفتوا به، يغلب على الظن أنه حجة، لان عدالتهم مانعة من عملهم و افتائهم بغير حجة شرعية، و المفروض أن لا حجة لهم فيهما الا هذا الحديث، كما ظهر مما نقلناه من صاحب الرسالة رحمه اللّه.»

خواجوئي، إسماعيل بن محمد حسين؛ مصحح: مهدي رجائي، 1411 هـ.ق، *الرسائل الفقهية*، ج2، ص181)

ويُعد جبر ضعف الإرسال في الرواية بسبب فتوى أصحاب الإمامية بمضمونها أمرًا مسلمًا عند فقهاء الشيعة، كما يصرح المحقق الطباطبائي صاحب المناهل ـ والد صاحب الرياض ـ في أحد الفروع الفقهية:

«لا يقال هاتان الروايتان مرسلتان فلا يصح الاعتماد عليهما لأنا نقول الارسال هنا غير قادح اما اولا فلان الضعف الحاصل بالارسال منجبر هنا بفتوى الاصحاب بمضمون الخبرين و لعله لذا صرح في مجمع الفائدة بانه لا يضر الارسال لأنه مجمع عليه و يؤيد ما ذكره تصريح الدروس و التنقيح بان الرواية مشهورة و تصريح الرياض بان الروايتين معتبرتان بالشهرة»

طباطبائي، محمد بن علي، *المناهل*، ص351

وبالالتفات إلى قاعدة علو مضمون الرواية، ومع ملاحظة الفتاوى الصريحة والمتعددة لفقهاء الشيعة الكبار منذ عصر الشيخ المفيد والشيخ الطوسي، مرورًا بالعلامة الحلي والمحقق الحلي، ثم فقهاء بارزين مثل الشهيد الأول والشهيد الثاني والشيخ الأنصاري وتلامذته المبرّزين، وصولًا إلى جميع المراجع والفقهاء المعاصرين الذين صرّحوا بجواز بل باستحباب زيارة الأربعين، يتبين بوضوح أن المستندات الروائية والمباني المعتمدة عند هؤلاء الأعلام كانت ـ في نظرهم ـ على درجة من الحجية والاعتبار تكفي للكشف الشرعي.

إذ من البديهي أنه لو كان مضمون رواية زيارة الأربعين فاقدًا للاعتبار أو مصابًا بضعف غير قابل للجبران، لما أقدم هؤلاء الأعلام على إصدار الفتوى بموجبها، ولما تشكل هذا الاتفاق التاريخي الممتد بين الفقهاء حولها.

٤/٨. اتفاق الشيعة وأهل السنّة على مضمون الحديث:

من الطرق العقلائية التي اعتمدها فقهاء الإماميّة في الكشف عن صدور الرواية، اتفاق الشيعة وأهل السنّة على مضمون الحديث. وبعبارة أخرى، إذا لم يوجد معارض، وكانت المسألة الفقهية المطروحة صغرى لأحد الأمور المتفق عليها بين المذهبين، فإن هذا الوفاق يمكن أن يعدّ قرينة تاريخية وعقلائية على حجية مضمون الحديث.

وكما يقول أحد الفقهاء المعاصرين في مقام الاستدلال على فرع فقهي:

«و الرواية و إن كانت ضعيفة سنداً بمعلّى بن محمّد البصري أبي الحسن، قال العلّامة في «الخلاصة» و النجاشي: إنّه مضطرب الحديث و المذهب، لكن مضمونها من المسلّمات بين الفريقين.»

بني فضل، مرتضى بن سيف علي، *مدارك تحرير الوسيلة – الزكاة والخمس*، ص 204

وعلى هذا الأساس، يمكن القول بأن زيارة الأربعين هي من مصاديق هذه القاعدة؛ إذ إن أصل مشروعية زيارة أولياء الله أمرٌ مسلَّم ومقبول لدى جميع الفرق الإسلامية، وزيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام تُعدّ إحدى أبرز وأوضح تلك المصاديق المؤيَّدة.

وبناءً على ذلك، فإن وفاق عموم المسلمين على أصل مشروعية الزيارة يمكن أن يُتخذ مؤيدًا وقرينةً على صدور الروايات الواردة في باب زيارة الأربعين.

٥. الخاتمة الجامعة:

بالنظر إلى الإطلاقات والعمومات القرآنية والروائية الكثيرة، وكذلك الأدلّة الخاصّة الواردة في باب زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام، يمكن الجزم بأنّ مشروعية هذه الزيارة أمرٌ مسلَّم ومتّفق عليه، مستند إلى جملة من الأدلّة القرآنية والروائية والخصوصية في الموضوع.

١. الأدلّة القرآنية:

أهم المستندات القرآنية هي:

 الآيات الآمرة بوجوب محبّة رسول الله صلى الله عليه وآله، والتي يشمل إطلاقها محبّة أهل بيته عليهم السلام.

 الآيات الدالّة على وجوب مودّة ذوي القربى، وهي نصٌّ صريح في لزوم المودّة لأسرة النبي صلى الله عليه وآله.

الآيات الآمرة بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتُعدّ الشعائر الحسينية وزيارة الأربعين من أبرز مصاديقها.

 آية وجوب تعظيم شعائر الله، وهي تشمل تعظيم مزار الإمام الحسين عليه السلام وإحياء ذكراه في زيارة الأربعين.

٢. الأدلّة الروائية العامّة:

في حقل الروايات، تشترك مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومدرسة أهل السنّة في أصول تؤكّد مشروعية هذا العمل، ومنها:

 إطلاقات الروايات المستحبّة لزيارة قبور المؤمنين.

 الأدلّة الداعية إلى حفظ حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله، وهي متعدّية إلى أهل بيته عليهم السلام.

 عمومات حديث «السفينة» الذي يجعل أهل البيت سبب النجاة.

إطلاقات النصوص الآمرة بمحبّة الإمام الحسين عليه السلام ووجوب التمسّك بعترة النبي صلى الله عليه وآله.

٣. الأدلّة الخاصّة:

وتتضمّن ثلاث روايات وتقارير أساسية:

١. رواية صفوان عن الإمام الصادق عليه السلام.

٢. رواية الإمام الحسن العسكري عليه السلام.

٣. التقرير التاريخي عن جابر بن عبد الله الأنصاري.

وهذه الأدلّة الخاصّة، من جهة السند والصدور، مؤيَّدة بقرائن عديدة، منها:

السيرة المستمرة على زيارة الأربعين منذ عهد جابر إلى عصور الأئمّة عليهم السلام، واستمرارها بعد ذلك في أوساط الفقهاء والمحدّثين.

تلقّي القبول من قبل أصحاب الإمامية لهذه الزيارة.

الشهرة الروائية والعناية الخاصّة من كبار الأعلام مثل الشيخ الطوسي.

عدّ زيارة الأربعين علامةً على تشيّع المرء بجانب علامات مسلَّمة أخرى كالجهر بـ «بسم الله الرحمن الرحيم».

الاستفاضة وتعدد طرق الرواية.

اعتبار الصدور عند كبار المحدثين كالشيخ الطوسي وابن المشهدي.

وجود شواهد قرآنية متعددة تؤيد مشروعية الزيارة.

المضامين العالية لنصوص زيارة الأربعين، التي تعكس أعمق المعارف الدينية وأدقّها.

ظهور العمل والفتوى بالاستحباب في أقوال وأفعال الفقهاء البارزين من الشيعة.

اتفاق الشيعة وأهل السنّة في الكبرى، وهي استحباب زيارة قبور أولياء الله تعالى.

وبمجموع هذه الأدلّة القرآنية والروائية والتاريخية، ومع اعتبار السيرة العملية وإجماع العلماء، يثبت فقهيًّا وكلاميًّا جواز ومشروعية واستحباب زيارة الأربعين المؤكّد للإمام الحسين عليه السلام. وهذا الحكم لا يقوم على نصوص معتبرة فحسب، بل ينسجم تمامًا مع روح الشريعة في إحياء ثقافة الإيثار والشهادة.



Share
* الاسم:
* البرید الکترونی:
* نص الرأی :
* رقم السری:
  

أحدث العناوین
الاکثر مناقشة
الاکثر مشاهدة