2021 September 25 - 17 صفر 1443
الإمام موسى بن جعفر (ع).. باب الحوائج وكاظم الغيظ
رقم المطلب: ٤٢٠٨ تاریخ النشر: ٢١ ذیحجه ١٤٤٢ - ١٩:٠٠ عدد المشاهدة: 212
المذکرة » عام
في ذكرى ميلاد النور السابع من أئمة أهل البيت عليهم السلام
الإمام موسى بن جعفر (ع).. باب الحوائج وكاظم الغيظ

الإمام موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، هو سابع أئمة أهل البيت عليهم السلام، كبير القدر عظيم الشأن، الجاد في العبادة المشهور بالكرامات، كاظم الغيظ والعافي عن الناس، العبد الصالح وباب الجوائج الى الله تعالى.

 

هذا الإمام الّذي عاش رحابة الأفق في خلقه، فكان يحسن إلى من أساء إليه، ويعفو عمَّن اعتدى عليه، ويتَّسع صدره إلى درجة يحتضن أعداءه ليعلّمهم كيف يحبّ الإنسان الإنسان، بقطع النَّظر عن التّعقيدات الّتي يمكن أن تتحرَّك هنا وهناك.

تمرّ علينا هذه الأيام ذكرى ميلاد الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع)، باب الحوائج إلى الله، هذا الإمام الّذي شكل أنموذجاً حياً في الدّعوة إلى الله، رغم كلّ المحن الّتي واجهته، ولكنّه لم يحوّل معاناته إلى مأساة شخصية تفقده توازنه، بل كانت حافزاً له لمتابعة المسير إلى الله، وتحويل المأساة إلى مسألة رسالية، بمعنى وضع الأمّة أمام مسؤولياتها، ولفتها إلى دورها المفترض أن تلعبه في إعادة الحقّ إلى الحياة، وجعله الحاكم على كلّ شيء، وعدم الخضوع للظّالمين والمفسدين.

نتعلَّم من الإمام الكاظم (ع) كيف تكون الحرية حتى ونحن في قعر السّجون، عندما نلتزم الحقَّ والصِّدق، ونقاوم الظّلم والفساد بروحية المؤمن الواثق بتأييد ربّه ونصره له، فلا يمكن مهادنة الظّلم والظّالمين، ولا يمكن إلا أن نكون أحراراً في دنيانا وآخرتنا، فالمؤمن الحقّ لا يبيع نفسه لشياطين الدّنيا من مالٍ وجاهٍ وسلطة.

نتعلّم من الإمام الكاظم (ع) أهمية التمسّك بالعقل والحكمة والوعي والتّخطيط لحركتنا في الحاضر والمستقبل، كي لا نمكن الآخرين من التّآمر على إسلامنا الأصيل، بل أن نحافظ عليه بكلّ قوّة واتّزان، ولا ندعه متروكاً لأهل الجهل والباطل والتخلّف.

نتعلَّم من الامام الكاظم (ع) تقدير العقل والمعرفة النّافعة لبناء الإنسان الرّسالي المتحرِّر من قيود الأنانية والذاتيات والحسابات.

لقد عاش الإمام الكاظم (ع) للإسلام كلِّه، وللإنسان كلِّه بلا تمييز، فانتصر للحقّ وأهله، وأدَّى الأمانة في حفظ الواقع الإسلامي كلّه من الّذين حاولوا طمس معالم الدّين وتزوير التَّاريخ وتغييب الحقّ عن ساحات الحياة.

هذا الإمام الّذي إذا قرأناه في تراثه كلِّه، فإنّنا نجده ككلّ أئمّة أهل البيت (ع)، لم يترك جانباً من جوانب حركة الإسلام إلا وأولاه اهتماماً، سواء في عقل الإنسان بما يريد أن يربّي للإنسان عقله، وفي قلبه بما يريد أن يربّي به قلبه، وفي سلوكيات حياته بما يريد أن يعمِّق له الخطَّ المستقيم في حركته في الحياة.

هذا الإمام الّذي لا بدَّ للنَّاس من أن يقرأوه في هذا الأفق الواسع الممتدّ في عالم المعرفة، والّذي يربط الإنسان بالله، ويربط الإنسان بالإنسان، ويربط الإنسان بمسؤوليته عن الحياة كلّها، فلا يكون مجرَّد شخصٍ يعيش في سجن ذاته، ولكن ليشعر بأنّه إنسان لا بدَّ من أن يعيش في حجم العالم كلِّه، لينمّي طاقاته بالمستوى الّذي يستطيع أن يكون فيه عالمياً، لأنَّ الله تعالى أرادنا أن نقتدي برسول الله (ص) في قوله: "لَقَدْ كانَ لَكمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"، (الأحزاب:21). وقد كان رسول الله (ص) في رسالته إنساناً عالمياً، يفكر في النَّاس كلِّهم، ويريد أن يؤسلم العالم كلّه.

ولا بدَّ لكلّ مسلم من أن يعيش هذا الأفق، فلا يحبس نفسه في ذاته ولا في عائلته ولا في وطنه ولا في قوميته، بل يعيش إنسانيته في معنى الإنسان "يا أَيهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكم مِّن ذَكرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ـ فالله سبحانه وتعالى لا يلغي خصوصياتنا ـ إِنَّ أَكرَمَكمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"، (الحجرات: 13). وتبقى التَّقوى هي الأساس الّذي يتفاضل النَّاس فيه.

هذا الإمام الّذي عاش رحابة الأفق في خلقه، فكان يحسن إلى من أساء إليه، ويعفو عمَّن اعتدى عليه، ويتَّسع صدره إلى درجة يحتضن أعداءه ليعلّمهم كيف يحبّ الإنسان الإنسان، بقطع النَّظر عن التّعقيدات الّتي يمكن أن تتحرَّك هنا وهناك.

كان الامام الكاظم (ع) يواجه الغيظ من كلّ الّذين لا يحترمون إنسانية الإنسان، ومن كلّ المستكبرين في الأرض، والّذين يعيشون على أساس الحقد والعداوة والبغضاء، ويعملون على أساس أن ينفِّسوا عن حقدهم ضدّ الطيبين. والإمام موسى بن جعفر (ع) كان يكظم غيظه، فلا يتحرّك بردّ فعل سلبي، بل كان لديه فعل من نوع آخر، محاولاً أن يعطي القوم الّذين يسيئون إليه درساً في معنى الإحسان، ودرساً في معنى العفو، ولذلك سمّي كاظم الغيظ.

كان الإنسان الّذي عاش مع الله سبحانه وتعالى في أعلى الدّرجات، فكان الله حاضراً في عقله، فليس في عقله مكان إلا لله، وكان الله حاضراً في حياته كلّها، فكانت حياته للرّسالة كلّها، وكان يعيش لذّة اللّقاء بالله، ولذلك كان يطيل السّجود، فتمتدّ سجدته من الصّباح إلى الزّوال، ومن الزّوال إلى الغروب، ولم تكن سجدة تقليدية، بل كانت سجدة يرتفع من خلالها بروحه إلى الله عزّ وجلّ، فيناجيه ويلبّيه ويدعوه ويعطيه الحبّ كلّه، وبذلك كان العاشق لربّه.. يحبّه.. يناجيه.. يتحدَّث معه، ويتواضع له، وكان يكرِّر في سجوده: "اللَّهمَّ إنّي أسألك الرَّاحة عند الموت، والعفو عند الحساب". وليس هناك ذنب يستغفر الله منه، ولكنَّه التَّواضع الّذي يجعله يجلس بين يدي الله ليعيش كما يعيش العبد أمام سيده، لأنّ عبودية الإمام الكاظم (ع) كعبودية آبائه وأبنائه، ارتفعت إلى المستوى الّذي اندفع فيه مع الله في كلِّ معاني الذّوبان بالله.

ولأنّه أحبَّ الله في أعلى درجات الحبّ، وأطاعه في أرحب مواقع الطّاعة، وجاهد في الله حقّ جهاده، بكلّ ما تعنيه كلمة الجهاد، بالكلمة والموقف والمجابهة، فقد انطلق ليتحدَّى. وانفتح المسلمون عليه، حتى شعرت الخلافة بأنّه يهدِّد موقعها، فلم يتحرَّك بثورة كما هو متعارف، ولكنّ ثورته كانت ككلّ ثورات الأئمّة من أهل البيت (ع)، أن يغرسوا الوعي في عقول النَّاس، وأن يعرّفوهم أن معنى أن تكون مسلماً، أن تقتلع من صدرك كلّ ميل أو عاطفة تجاه الظّالمين، حتى لو كان ذلك يتعلّق بمصلحتك.. أخرج الظّالمين من دائرة مشاعرك كلّها، حتى لا يبقى أي مجال للظّلم أو حبّ الظّلم فيها.

ولد الإمام موسى بن جعفر، في نهاية العهد الاموي سنة (128هـ) في ( الابواء ) بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو البلد الذي توفيت ودفنت فيه آمنة بنت وهب أم الرسول (ص). وبهذه المناسبة السعيدة نتطرق إلى بعض مظاهر من شخصية الإمام الكاظم (ع):

وفور علمه

لقد شهد للإمام موسى الكاظم (ع) بوفور علمه، أبوه الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) إذ قال عنه: "إن ابني هذا لو سألته عمّا بين دفتي المصحف لأجابك فيه بعلم". وقال أيضا: وعنده علم الحكمة، والفهم والسخاء والمعرفة بما يحتاج اليه الناس فيما اختلفوا من أمر دينهم".

ويكفي لمعرفة وفور علومه رواية العلماء عنه جميع الفنون من علوم الدين وغيرها مما ملأوا به الكتب وألفوا المؤلفات الكثيرة، وحتى عرف بين الرواة بالعالم. وقال الشيخ المفيد: وقد روى الناس عن أبي الحسن موسى فاكثروا، وكان أفقه أهل زمانه".

عبادته وتقواه

نشأ الإمام الكاظم (ع) في بيت القداسة والتقوى، وترعرع في معهد العبادة الطاعة، بالاضافة الى انه قد ورث من آبائه حب الله والايمان به والاخلاص له، فقد قدموا نفوسهم قرابين في سبيله وبذلوا جميع إمكانياتهم في نشر دينه والقضاء على كلمة الشرك والضلال، فأهل البيت اساس التقوى ومعدن الايمان والعقدة، فلولاهم ماعبد الله عابد ولا وحُده موحد. وما تحقُقت فريضة ولا أقيمت سنة، ولاساغت في الإسلام شريعة. 

لقد رأى الإمام الكاظم (ع) جميع صور التقوى ماثلة في بيته، فصارت من مقومات ذاته ومن عناصر شخصيته وحدّث المؤرخون أنه كان أعبد أهل زمانه حتى لقب بالعبد الصالح وبزين المجتهدين إذ لم تر عين انسان نظيراً له قط في الطاعة والعبادة في صلاته وصومه وحجه وتلاوته للقرآن الكريم وعتقه للعبيد و.. .

جوده وسخاؤه

لقد تجلّى الكرم الواقعي، والسخاء الحقيقي في الإمام موسى بن جعفر (ع) فكان مضرب المثل في الكرم والمعروف، فقد فزع اليه البائسون والمحرومون والمستضعفون لينقذهم من كابوس الفقر وجحيم البؤس وقد اجمع المؤرخون انه انفق عليه السلام جميع  ماعنده عليهم، كل ذلك في سبيل الله لم يبتغ من احد جزاءً او شكورا، وكان يلتمس في ذلك وجه الله ورضاه ، وكان يواصل الطبقة الضعيفة ببره واحسانه وهي لاتعلم من اي جهة تصلها تلك المبرة وكان يوصلهم بصراره التي تتراوح ما بين المائتي دينار إلى الاربعمائة دينار وكان يضرب المثل بتلك الصرار فكان اهله يقولون: "عجبا لمن جاءته صرار موسى (ع) وهو يشتكي القلة والفقر!!".   

حلمه

وكان الحلم من أبرز صفات الإمام موسى بن جعفر (ع) فقد كان مضرب المثل في حلمه وكظمه للغيظ، وكان يعفو عمن أساء إليه، ويصفح عمن اعتدى عليه، ولم يكتف بذلك وانما كان يحسن لهم ويغدق عليهم بالمعروف ليمحو بذلك روح الشر والانانية من نفوسهم.

وكان الإمام الكاظم (ع) بارّا بالمسلمين محسنا إليهم، فما قصده أحد في حاجة إلا قام بقضائها، فلا ينصرف منه إلا وهو ناعم الفكر مثلوج القلب، وكان الامام موسى بن جعفر (ع)  يرى أن ادخال الغبطة على الناس وقضاء حوائجهم من أهم أفعال الخير فلذا لم يتوان فقط في إجابة المضطر ورفع الظلم عن المظلوم وقد اباح لعلي بن يقطين الدخول في حكومة هارون الرشيد وجعل كفارة عمل السلطان الاحسان إلى الاخوان مبرّرا له، وقد فزع اليه جماعة من المنكوبين فكشف آلامهم وملأ قلوبهم رجاء ورحمة. 

إن الإمام موسى بن جعفر (ع) هو من العترة الطاهرة ومن شجرة النبوة الباسقة والدوحة العلوية اليانعة ومحط علم الرسول وباب من ابواب الوحي والايمان ومعدن من معادن علم الله وبيت أهل النبوة الطاهرة الزكية.

إن الرسول الكريم (ص)،  قرن هذا البيت بالقرآن الكريم –كما ورد في حديث الثقلين- وصفهم بسفينة نوح التي من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى، ومثّلهم بباب حطّة الذي من دخله كان آمنا.الى الكثير من احاديثه صلوات الله عليه في بيان فضلهم والتنويه بعظمة مقامهم. وختاما راجين من الله التوفيق للسير على هدى أهل البيت عليهم السلام الذي يمثل النبع الصافي والهدى الرباني السليم في ظلمات الهوى والوهم.

 



Share
* الاسم:
* البرید الکترونی:
* نص الرأی :
* رقم السری:
  

أحدث العناوین
الاکثر مناقشة
الاکثر مشاهدة