2019 August 19 - 17 ذیحجه 1440
الشيخ عبد الكريم الحائري عطاؤه الحوزوي ومنهجه التدريسي
رقم المطلب: ٢٦٤٩ تاریخ النشر: ١٩ ذیقعده ١٤٤٠ - ١١:١٨ عدد المشاهدة: 29
أنباء » عام
الشيخ عبد الكريم الحائري عطاؤه الحوزوي ومنهجه التدريسي

استطاع الشيخ عبدالكريم الحائري بوضع الهيكل الأساسي للدراسة الحوزوية في قم المقدسة، فجدد وکتب ودرس ووضع مناهج قيمة لها وأصبحت فيما بعد من الضرورات التي ينبغي للطالب أن يلتفت إليها عند ارتقائه سلم العلوم، إذ كانت الدروس الدينية في قم تقام على نحو متفرق وغير منظم. كان من منهجه الاختصار في مباحث أصول الفقه وعرض القضايا ذات البعد العملي في الاجتهاد فقط من هنا صنف كتابه درر الأصول وكان يتم دورة أصولية كاملة في أربع سنين فقط.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ ابنا ــ  بعد أن تعلم الشيخ عبد الكريم الحائري مفاهيم الفقه والأصول هاجر إلى سامراء المقدسة بعد ازدهار الدراسة فيها وتتلمذ على يد كبار علمائها من أمثال السيد الشيرازي، ثم توجه إلى حوزة النجف الأشرف بعد وفاة الشيرازي وأكمل دراسته فيها، ثم ذهب إلى كربلاء المقدسة وقام بتشکیل حلقة دراسية في مدرسة حسن خان، وظل مقيمًا هناك مشغولا بالتدريس حتى عام ۱۳۳۲ هـ.

هجرته إلى أراك

في عام ۱۳۳۲هـ طلب منه بعض العلماء المجيء إلى مدينة “أراك” لغرض التدريس، فقبل دعوتهم وأخذ يلقي الدروس فيها لمدة ثماني سنوات، اعترف له كثير من العلماء بالاجتهاد فتوجهت الأنظار إلى مرجعيته وأخذ كثير من مقلدي العلماء الماضين رحمهم الله يرجعون إليه في تقليدهم، وبحلول عام 1340هـ سافر إلى قم المقدسة لزيارة مرقد السيدة فاطمة المعصومة، فهب العلماء والطلاب لسماع آرائه وتوجيهاته، وقد طلب منه جمع كثير وبإصرار على الإقامة فيها وباستقراره قام بتأسيس الحوزة العلمية فيها.

وفي الحقيقة أن شيخ المشايخ العظام آية الله العظمى الأراكي قد نقل الأمر في هجرته إلى قم وأراك وإقامته بقم على مزيد من التفصيل، إذ قال إن الشيخ عبد الكريم قد هاجر بعد وفاة سيده الأستاذ آية الله العظمى المجدد الحاج الميرزا حسن الشيرازي وسيده الأستاذ آية الله المحقق السيد الفشاركي (قدس سرهما) حوالي سنة 1316هـ إلى بلدة أراك في إيران وكان ذلك بأن التمس العلامة السيد محمود الأراكي من المرحوم الشيخ الحائري أن يهاجر إلى بلدة أراك فأبى ذلك لسببين:


أولهما ممانعة أستاذه الآخوند
والثاني ممانعة أمه لأنها جاورت العتبات المقدسة في كربلاء لتدفن فيها، ولكن السيد أصر على ذلك واستطاع أن يقنع الآخوند الخراساني وكذا والدة الشيخ الحائري فهاجر الشيخ إلى أراك سنة ۱۳۱6هـ وأقام بها طيلة ثماني سنوات، وقد أسس بها حوزة علمية قد حضرها جم غفير من جهابذة العلم وألف المباحث الأصولية جميعها من المجلد الثاني في كتابه درر الفوائد، ومبحث مقدمة الواجب، واجتماع الأمر والنهي والضد من مباحث الألفاظ حين كان قاطنًا في بلدة أراك، ولذلك فقد كان ناظرا في هذه المباحث إلى تعليقة أستاذه المحقق الخراساني على الفرائد.

مرجعيته

ولما انتقل الشيخ محمد كاظم الخراساني إلى رحمة الله راجع الشيعة في التقليد السيد محمد کاظم اليزدي، والشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي المتوفی ۱۳۳۸هـ وإلى الشيخ عبد الكريم الحائري، فأصبح للشيخ شهرة ذائعة الصيت، ولا سيما بعد وفاة المرجع العلامة الميرزا محمد تقي الشيرازي “ره”، فقد كان يثق به علما وأخلاقا وورعا، وكان يأمر أهالي إيران من مقلديه بالرجوع إلى الشيخ الحائري في موارد الاحتياط في فتواه وبسبب ذلك أخذ في الاشتهار حتى صار كالشمس في رابعة النهار.

هجرته إلى قم

في ۲۲ من شهر رجب عام 1340هـ. قام الشيخ الحائري بزيارة مولاتنا السيدة فاطمة المعصومة في مدينة قم المقدسة، فهب جمع کثیر من العلماء والطلبة إليه طالبين منه توجيهاته القيمة وإرشاداته السديدة و بیان آرائه الفقهية، وساهم الشيخ محمد تقي البافقي في بقائه في مدينة قم، إذ نقل له رواية عن الأئمة المعصومين حول آخر الزمان مفادها أن مدينة قم ستكون مركزاً للعلم ومنها يفيض العلم إلى سائر البلدان وأن هذا العلم في ذلك الزمان يأزر عن الكوفة كما تأزر الحية في حجرها وسأله هل يؤمن بهذه الرواية فقال: نعم بل أؤمن فقال له: أتريد أن يكون وضع حجر الأساس لهذا البناء على يديك ويبقى باسمك ومن الباقيات الصالحات لك، فوافق الشيخ الحائري، وبعد أن استخار الله سبحانه وتعالى في ذلك وكانت جيدة أجابهم إلى البقاء فيها.

وباستقراره في مدينة قم المقدسة اشتغل بالتدريس والإمامة والإفتاء فكان رفيع الهمة صاحب الأخلاق الفاضلة والنعوت الممتازة، فتقاطر إليه الطلاب من كل حدب وصوب، وغصت بهم المدارس، وقام بأعباء تنظیم دراستهم وإعاشتهم، واتخذ في تربية الطلبة وتعليمهم مسلكاً صحيحاً على أتقن نظام وأحسن أسلوب، حاز شيئا كثيرا من القبول عند العامة والخاصة.

وكان الشيخ الحائري يعمل على توسيع دائرة الحوزة العلمية في قم، ففي عام ۱۳۵۳هـ كان في حوزته في قم نحو ۹۰۰ طالب، يجري على أكثرهم الأرزاق، وقد انحصرت الرئاسة العلمية فيه في وقته في بلاد إيران وقُلِّدَ فيها، فنمت البذرة الصالحة في تلك التربة الطيبة، واتسعت الحوزة اتساعاً غير منتظر، وما مضت السنوات والأعوام حتى ازدهرت الحياة الدينية والثقافية، وتعددت الهيئات العلمية.

وضع الهيكل الأساسي للدراسة الحوزوية

استطاع الشيخ عبد الكريم الحائري بوضع الهيكل الأساسي للدراسة الحوزوية في قم المقدسة، وكان ذلك في الأيام الأولى لانقلاب الشاه رضا خان بعد سعي الأخير بشتى الطرق القضاء على كيان الحوزة العلمية، ولكن بفضل تصدي الشيخ الحائري لتلك المحاولات استطاع الحفاظ على ذلك الكيان وأسس حوزة دينية في المدينة لتكون مركزاً مهمًّا تفيض منه علوم آل البيت ” عليهم السلام” إلى سائر بقاع العالم،

فجدد وکتب ودرس ووضع مناهج قيمة لها وأصبحت فيما بعد من الضرورات التي ينبغي للطالب أن يلتفت إليها عند ارتقائه سلم العلوم، إذ كانت الدروس الدينية في قم تقام على نحو متفرق وغير منظم، فرأى الشيخ الحائري أن ينظم طرق التدريس ومناهجه، فأضحت حوزة قم المقدسة بفضله عامرة بالطلبة والعلماء ومنتعشة بالعلم ببركة الشيخ عبد الكريم الحائري العالم الجليل وصارت کما ورد في الروايات (عش آل محمد) و (منها يفيض العلم) وعليه أصبح الشيخ عبد الكريم في قم يرجع إليه في التقليد.

ترقية مكانة الحوزة العلمية

وقد عزم الشيخ عبد الكريم الحائري على جعل الحوزة العلمية مرکزاً علميًا يكون له شأنه في خدمة الإسلام وإشادة دعائمه، فأخذت الحقوق الشرعية والهبات تتوالى عليه من شتى مدن إيران فوسع العطاء على الطلاب والعلماء وبذل عليهم بسخاء، وبذلك سن نظاما للدراسة وقرر ترتيبا مقبولا للإشراف على تعليم الطلاب وإجراء الامتحان السنوي، وأكثر من الترغيب بغية اجتذاب الناس وإدخال من يرغب في الحوزة العلمية، فكان ذا عقيدة راسخة وإيمان ثابت واهتمام بشأن الدين ورجاله واحتراما لحملته وطلابه .

وما تجدر الإشارة إليه أن الشيخ عبد الكريم الحائري كان كثير البر بالطلاب والعلماء، شديد العطف عليهم والعناية بهم، ويرعى الصغير والكبير، وبالرغم من تعيينه لموزعي الرواتب وتوكيله للثقات من أصحابه وتلامذته للقيام باللوازم والاستفسار عن النواقص، كان يتولى بعض الأمور بشخصه ويباشرها بنفسه، وقد أعد لهم كل شيء يحتاجون إليه، حتى أنه بنى مستشفى السهامي والفاطمي اللذين تأسسا بهمته لطلبة العلوم الدينية ليشعرهم بالكيان المستقل والكرامة الموفورة التي كانوا يتمتعون بها، وفي الوقت الذي كان فيه رجال السياسة والأمراء والقادة والتجار يتهافتون على بيته للثم أنامله وعرض أنفسهم لخدمته إلا أنه كان يدور على غرف الطلاب بمفرده للاطلاع على أحوالهم وأساليب معيشتهم، والوقوف على مدى عنايتهم بالدرس والمطالعة ويحث الكسالی ويشوقهم، ويمدح النشطين، ويمنح المتفوقين في الامتحان جوائز قيمة،

وكان يوصي الكل بالإخلاص في العمل والإلتزام بتقوى الله تعالى، ولم يسمع عنه -على الرغم من كثرة من كان يعولهم من الطلاب – أنه رد طالبا، أو كسر خاطرا، أو أخجل إنسانا، لذلك كان الكل ينظرون إليه نظرتهم إلى الأب الرؤوف فضلا عن هذا العطاء العلمي قام بتجديد المدارس الحربة في مدينة قم ومنها مدرسة الفيضية ودار الشفاء التي كانت على وشك الانهيار والسقوط والتحول إلى خرائب، وكذلك عمل على تأسيس مكتبة المدرسة الفيضية التي تعد اليوم من أفخر وأنفس مكتبات إيران في كتبها ومحتواها.
طريقته للتصرف في الخمس

لقد اتبع الشيخ عبد الكريم الحائري طريقة للتصرف في الأخماس فقد عين لجنة من أخبار التجار وحصر عندهم الأخماس وأمرهم بتسنید حاجات الطلبة وكان يأخذ منهم يعني من التجار ما يأخذ الطالب العادي ولم يسمح لأي أحد أن يأخذ من هؤلاء باسمه، منعهم كتبياً من إعطاء أي مبلغ لأي أحد من منتسبيه وهذا يدل على خوفه من الله تعالى.

منهجه في التدريس

اعتمد الشيخ الحائري منهج مدرسة سامراء في التدريس في حوزته، مستلهمًا ذلك من الميرزا الشيرازي؛ وذلك من خلال طرح المسألة واستعراض الآراء والنظريات المطروحة حولها مع ذكر دليل الأقوال والآراء المطروحة جميعها وبعد أن يفرغ الشيخ من توضیح المسألة والأقوال المطروحة فيها والأدلة التي ذكرت لها، يطلب من تلامذته تداول المسألة ومعالجة الزوايا جميعها ومناقشة الآراء المطروحة ثم الخروج بمحصلة نهائية للآراء، بعدها يقوم الشيخ بعرض رأيه وما يراه مناسباً لحل الإشكالية المطروحة، ولم يكتف بذلك بل فسح المجال لتلامذته بمناقشة ما طرحه من رأي وما استند إليه من دلیل، يضاف إلى ذلك أنه كان يعلم الطلبة بموضوع اليوم التالي ليوفّر المجال أمامهم للاطلاع عليه قبل الحضور إلى حلقة الدرس، وكان من منهجه الاختصار في مباحث أصول الفقه وعرض القضايا ذات البعد العملي في الاجتهاد فقط من هنا صنف كتابه درر الأصول وكان يتم دورة أصولية كاملة في أربع سنين فقط.

وفاته

لبّى الشيخ الحائري نداء ربّه في السابع عشر من ذي القعدة سنة 1355هـ ق بعد أن أمضى خمس عشرة سنة في قم المقدسة، وقد شيّع جثمانه– رغم العراقيل التي وضعتها السلطات الأمنية- تشيعا مهيبا تصدر المشيعين كبار العلماء. وبعد أن صلّى آية الله السيد صادق قمي على الجثمان الطاهر حُمل جسده إلى مثواه الأخير في حرم السيدة معصومة في مسجد “بالا سر”.



Share
* الاسم:
* البرید الکترونی:
* نص الرأی :
* رقم السری:
  

أحدث العناوین
الاکثر مناقشة
الاکثر مشاهدة