2017 September 23 - ‫الأحد 02 محرم 1439
لماذا اعتقل الإمام الکاظم عليه السلام
رقم المطلب: ٣١٣ تاریخ النشر: ٢٦ رجب ١٤٣٨ - ١١:٣٢ عدد المشاهدة: 232
المذکرة » عام
لماذا اعتقل الإمام الکاظم عليه السلام

 تتلخص الاسباب المباشرة التي دفعت بهارون الرشيد إلى اعتقال الإمام الکاظم(عليه السلام) بالنقاط التالية :
1ـ احتجاج الإمام (عليه السلام)
من الأسباب التي حفّزت هارون الرشيد لاعتقال الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وزجّه في غياهب السجون، احتجاجه عليه بأنه أولى بالنبي (صلّى الله عليه وآله) من جميع المسلمين، فهو أحد أسباطه ووريثه، وأنه أحق بالخلافة من غيره، وقد جرى احتجاجه معه عند قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وذلك عندما زاره هارون وقد احتفّ به الأشراف والوجوه وقادة الجيش وكبار الموظفين في الدولة، فقد أقبل بوجهه على الضريح المقدّس وسلّم على النبي (صلّى الله عليه وآله) قائلاً:
(السلام عليك ابن العم).
وبذلك بدا الاعتزاز والافتخار لهارون على غيره برحمه الماسة من النبي (صلّى الله عليه وآله) وإنه نال الخلافة لهذا السبب، قربه من الرسول (صلّى الله عليه وآله).
أما الإمام الكاظم (عليه السلام) فتقدم أمام الجمهور وسلّم على النبي (صلّى الله عليه وآله) قائلاً: (السلام عليك يا أبتِ).
عندها استولت على الرشيد موجات من الاستياء وكاد يفقد صوابه لأن الإمام (عليه السلام) قد سبقه إلى ذلك المجد، فاندفع قائلاً بصوت مشحون بالغضب: (ثم قلت إنك أقرب إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) منّا؟!).
فأجابه الإمام (عليه السلام) بهدوء كعادته وبجواب مفحم لم يتمكن الرشيد من الرد عليه. (لو بعث رسول الله حيّاً وخطب منك كريمتك هل كنت تجيبه إلى ذلك؟ فقال هارون:
سبحان الله!! وكنت أفتخر بذلك على العرب والعجم.
فانبرى الإمام وبيّن له الوجه الصحيح في قربه من النبي (صلّى الله عليه وآله) دونه قائلاً:
(لكنه لا يخطب منّي ولا أزوجه، لأنه والدنا لا والدكم، فلذلك نحن أقرب إليه منكم) وتابع (عليه السلام) مدعماً رأيه ببرهان آخر فقال لهارون:
(هل كان يجوز له أن يدخل على حرمك وهنّ مكشفات؟؟)
فقال هارون: لا.
فقال الإمام (عليه السلام): لكن له أن يدخل على حرمي، ويجوز له ذلك، وهذا يعني أننا اقرب إليه منكم. وبذلك يكون الإمام قد سدّ أمامه كل منافذ الدفاع بحججه الدامغة بعد أن ألبسه ثوب الفشل، وبيّن بطلان ما ذهب إليه، فهو أحق منه بالخلافة لأنه سبطه ووارثه.
عندها اندفع هارون حانقاً وأمر باعتقال الإمام (عليه السلام) وزجّه في السجن(1) ثم سأله الرشيد قبل دخوله السجن:
لمَ فضلتم علينا ونحن وأنتم من شجرة واحدة بنو عبد المطلب، ونحن وأنتم واحد، إنا بنو العباس، وأنتم ولد أبي طالب وهما عمّا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقرابتهما منه سواء؟
فقال (عليه السلام): نحن أقرب إليه منكم، قال هارون: وكيف ذلك؟
فقال (عليه السلام): لأن عبد الله وأبا طالب لأب وأم، وأبوكم العباس ليس هو من أم عبد الله، ولا من أم أبي طالب.
قال هارون: فلم ادعيتم أنكم ورثتم النبي (صلّى الله عليه وآله) والعم يحجب ابن العم، وقبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقد توفى أبو طالب قبله. والعباس عمه حيّ؟
فقال (عليه السلام): إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني عن هذه المسألة يسألني عن كل باب سواه يريد.
قال: لا، أو تجيب. فقال (عليه السلام): فآمنّي. قال: آمنتك قبل الكلام.
فقال (عليه السلام): إن في قول علي بن أبي طالب (عليه السلام): إنه ليس مع ولد الصلب ذكراً كان أو أنثى لأحد سهم إلا الأبوين، والزوج والزوجة، ولم يثبت للعم مع ولد الصلب ميراث، ولم ينطق به الكتاب العزيز والسنّة، إلا إن تيماً وعدياً وبني أمية قالوا: العم والد، رأياً منهم بلا حقيقة ولا أثر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ومن قال بقول علي من العلماء قضاياهم خلاف قضايا هؤلاء، هذا نوح بن دارج يقول في هذه المسألة بقول علي، وقد حكم به، وقد ولاّه أمير المؤمنين المصرين:الكوفة والبصرة، وقضى به.
فأمر هارون الظالم بإحضار من يقول خلاف قوله. منهم: سفيان الثوري وإبراهيم المازني، والفضيل بن عياض، فشهدوا جميعهم أنه قول علي (عليه السلام) في هذه المسألة.
فقال لهم: لما لا تفتون وقد قضى نوح بن دارج؟ فقالوا:
جسر وجبنا، وقد أمضى أمير المؤمنين قضيته بقول قدماء العامة عن علي أقضانا، وهو اسم جامع، لأن جميع ما مدح به النبي (صلّى الله عليه وآله) أصحابه من القرابة، والفرائض، والعلم، داخل في القضاء.
قال هارون: زدني يا موسى.
فقال (عليه السلام): المجالس بالأمانات وخاصة مجلسك.
فقال هارون: لا بأس.
فقال (عليه السلام): النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يورث من لم يهاجر ولا اثبت له ولاية حتى يهاجر. وعمّي العباس لم يهاجر(2).
2ـ تعيينه لفدك(3)
وسبب آخر أغاظ نفس هارون على الإمام (عليه السلام) ودعاه إلى اعتقاله، حتى والتخلص منه، تعيينه لفدك بأنها تشمل أكثر المناطق الإسلامية وذلك حينما سأله هارون عنها ليرجعها إليه فلم يرضَ (عليه السلام) إلا أن يأخذها بحدودها، فقال الرشيد:
ـ ما هذه الحدود؟ فقال (عليه السلام): إن حددتها لم تردها لنا.
فأصرّ الرشيد عليه أن يبينها له قائلاً: بحق جدك إلا فعلت.
عند ذلك لم يجد الإمام بداً من إجابته، فقال له:
(أما الحد الأول): فعدن. فلما سمع الرشيد ذلك تغيّر وجهه.
وأما الحدّ الثاني: (سمرقند). فأربد وجه الحاكم الظالم واستولت عليه موجة من الغضب، لكن الإمام (عليه السلام) بقي مستمراً دون أن يأبه له.
والحد الثالث: (إفريقيا). فاسودّ وجه الرشيد وقال بصوت يقطر غيظاً (هيه) ثم عيّن الإمام (عليه السلام) الحد الرابع والأخير قائلاً:
والحد الرابع: (سيف البحر ممّا يلي الجزر وأرمينية).
فثار الرشيد ولم يملك أعصابه دون أن قال:
ـ لم يبق لنا شيء!!
ـ فقال الإمام (عليه السلام): (قد علمت أنك لا تردّها).
وتركه الإمام (عليه السلام) والكمد يحزّ في نفسه، فأضمر له الشر منتظراً الوقت المناسب للتنكيل به(4).
لقد بيّن الإمام (عليه السلام) للرشيد أن العالم الإسلامي بجميع أقاليمه من عدن إلى سيف البحر ترجع سلطته له، وإن الرشيد من سبقه من الخلفاء قبله قد استأثروا وغصبوا الخلافة من أهل البيت (عليهم السلام).
3ـ حرص الرشيد على الملك
كان هارون الرشيد يحصر حرصاً شديداً على ملكه، يضحّي في سبيل السلطة جميع المثل والقيم والمقدسات. وقد عبّر عن مدى تفانيه في حب السلطة بكلمته الحقيرة التي تناقلتها الأجيال وهي:(لو نازعني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على السلطة لأخذت الذي فيه عيناه).
أجل لو نازعه الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) لأخذ الذي فيه عيناه، فكيف لو نازعه الإمام (عليه السلام)؟! فهل يمكن أن يخلّي عن سراحه؟ هذا والذي يحزّ في نفسه إجماع الناس على حب الإمام (عليه السلام) وتقديرهم له.
لذلك كان يخرج متنكراً بغير زيّه ليسمع أحاديث العامة،ويقف على رغبتهم واتجاههم، فلا يسمع إلا الذكر العاطر، والحبّ الجامع والثناء على الإمام (عليه السلام).
كل الناس يحبونه، كل الناس يرغبون في أن يتولّى شؤونهم، فلذلك أقدم على ارتكاب فعلته الشنعاء والموبقة حتى انتهى به الأمر إلى قتل الإمام (عليه السلام).
4ـ بغضه للعلويين
ورث هارون الرشيد بغضه للعلويين عن آبائه الذين نكّلوا بهم، وصبّوا عليهم ألواناً من العذاب والاضطهاد والقتل والتشريد. فمنهم من ساقوهم إلى السجون، ومنهم إلى القبور. طاردوهم في كل ناحية حتى هربوا هائمين على وجوههم يلاحقهم الخوف والفزع والرعب.
أما هارون قد أترعت نفسه ببغض العلويين فزاد على أسلافه جوراً وظلماً وإرهاباً حتى أشاع الحزن والثكل والحداد في كل بيت من بيوتهم. استعمل جميع إمكانياته للبطش بهم، ففرض عليهم الإقامة الجبرية في بغداد، وجعلهم تحت المراقبة الدقيقة، ولم يسمح للاتصال بهم، وحرمهم من جميع حقوقهم الاجتماعية. حتى أنه دفن البعض منهم أحياء.
وطبيعي أنه لا يترك عميد العلويين الإمام الكاظم (عليه السلام) في دعة واطمئنان، ولم يرق له محبة الجماهير للإمام، فنكّل به ودفعه لؤمه وعداؤه الموروث إلى سجنه وحرمان الأمة الإسلامية من الاستفادة بعلومه، ومن سموّ نصائحه وصواب توجيهاته.
لقد استقبل إمامته التي استمرت خمسة وثلاثين عاماً في هذا الجور المشحون بالحقد والكراهية لأهل البيت بصورة عامة، فلزم جانب الحذر واعتصم بالكتمان إلا عن خاصته. حتى أن رواته قلّما كانوا يروون عنه باسمه الصريح. لكن كل ذلك لم ينجيه من سجن الطاغية هارون.
5ـ الوشاية بالإمام (عليه السلام)
ضمائر رخيصة انعدمت من نفوسهم الإنسانية، فعمد فريق منهم فباعوا دينهم بثمن رخيص، فوشوا بالإمام (عليه السلام) عند الطاغية هارون ليتزلّفوا إليه بذلك وينالوا في دنياهم الفانية بعض جوائزه.
وقد بلي بهم الإسلام والمسلمون فاستعان الظالمون بهؤلاء الأوغاد في جميع مراحل التاريخ على تنفيذ خططهم الإرهابية الرامية إلى إشاعة الظلم والجور والفساد في الأرض. وقد نرى بعضاً منهم في هذه الأيام. كانت وشاية هؤلاء المجرمين بالإمام (عليه السلام) ذات طوابع متعددة.
أ) طلبه للخلافة
سعى فريق من باعة الضمير بالوشاية على الإمام (عليه السلام) عند هارون فأوغروا صدره، وأثاروا كوامن الحقد عليه، فقالوا: إنه يطالب بالخلافة، ويكتب إلى سائر الأقطار والأمصار الإسلامية يدعوهم إلى نفسه، ويحفّزهم إلى الثورة ضد الحكومة. وكان في طليعة هؤلاء يحيى البرمكي.
قال ليحيى بن أبي مريم: ألا تدلّني على رجل من آل أبي طالب له رغبة في الدنيا فأوسع له منها؟
فقال له: نعم، ذاك علي بن إسماعيل بن جعفر، فأرسل خلفه يحيى وكان آنذاك في الحج، فلما اجتمع به قال له يحيى: أخبرني عن عمّك موسى، وعن شيعته وعن المال الذي يحمل إليه.
فقال: عندي الخبر وحدثه بما يريد، فطلب منه أن يرحل معه إلى بغداد ليجمع بينه وبين هارون، فأجابه إلى ذلك. فلما سمع الإمام الكاظم (عليه السلام) بسفره مع يحيى بعث خلفه فقال له: بلغني انك تريد السفر؟
ـ قال: نعم. فقال له الإمام: إلى أين؟ فقال: إلى بغداد. فقال له الإمام: ما تصنع؟ فقال: عليّ دين وأنا مملق.
ـ أنا أقضي دينك، وأكفيك أمورك.
فلم يلتفت إلى الإمام لأن الشيطان قد وسوس له فأجاب داعي الهوى، وترك الإمام وقام من عنده، فقال (عليه السلام) له:
لا تؤتم أولادي، ثم أمر (عليه السلام) له بثلاثمائة دينار وأربعة آلاف درهم، وقال (عليه السلام): والله ليسعى في دمي ويؤتم أولادي فقال له أصحابه.
جعلنا الله فداك فأنت تعلم هذا من حاله، وتعطيه؟!!
فقال (عليه السلام): حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه قال:
إن الرحم إذا قطعت فوصلت قطعها الله.
وخرج علي يطوي البيداء حتى انتهى إلى بغداد، فدخل على الرشيد فقال له بعد السلام عليه: ما ظننت أن في الأرض خليفتين حتى رأيت عمي موسى بن جعفر يسلّم عليه بالخلافة.
وقيل أنه قال له: إن الأموال تحمل إليه من كل النواحي، وإن له بيوت أموال، وإنه اشترى ضيعة بثلاثين ألف دينار، وسماها (اليسيريّة) فلما سمع هارون هذا الكلام أحرقه الغيظ وفقد صوابه، وأمر لعلي بمائتي ألف درهم على أن يستحصلها من بعض نواحي المشرق فمضت الرسل لجباية المال إليه، فدخل العميل الذي باع آخرته بدنياه بيت الخلاء فزحر فيه وسقط أمعاؤه. فأخرج منه وهو يعاني آلام الموت فقيل له: إن الأموال قد وصلتك فقال:
ما أصنع بها والموت قد وصلني معها؛ وقيل أنه رجع إلى داره فهلك فيها في تلك الليلة التي اجتمع بها(5) مع الطاغية هارون. فقد ذهب المال منه وبقي عليه الخزي والعذاب الأليم.
ب) جباية الأموال
وسبب آخر أثار كوامن الغيظ والحقد في نفس هارون، وهو جباية الأموال، عمد بعض الأشرار بإخباره أن الإمام قد اشترى ضيعة تسمى (اليسيريّة) جمعها (عليه السلام) من الأموال التي تجبى إليه عن طريق الخُمس من كل صعيد فكمن للإمام الشرّ ليوقع به.
وكانت سياسته المكشوفة تجاه العلويين تقضي بفقرهم ووضع الحصار الاقتصادي عليهم، فإن فقرهم أجدى له وأنفع من غناهم ـ كما أوصى ولده المأمون ـ لأن المال كان ولم يزل عنصراً هاماً في سياسة الأشخاص وسياسة الدول، فهو سلاح ذو حدين يستعمل للمصالح الخيرية كما يستعمل للشر عن طريق الجماعة الباغية.
وقد ذهب ابن الصباغ إلى أن هذه الوشاية من جملة الأسباب التي دعت إلى سجن الإمام (عليه السلام)(6).
6ـ سموّ شخصية الإمام (عليه السلام)
كان الإمام (عليه السلام) كما هو معروف من قبل علماء عصره، من ألمع الشخصيات الإسلامية، فهو إمام معصوم ابن إمام معصوم، وأحد أوصياء الرسول (صلّى الله عليه وآله) على أمته. وقد أجمع المسلمون على اختلاف مذاهبهم على إكبار الإمام وتقديره. فكلهم نهلوا من علومه وأخلاقه، وكلهم تمثلوا بتقواه وورعه وكلهم أحبوه لسخائه وكرمه. حتى أن أعداءه كانوا يحترمونه ويبجلونه، وهارون الرشيد نفسه يبجّله ويعتقد ضميرياً بأن الإمام (عليه السلام) أولى بالخلافة الإسلامية منه، كما حدّث بذلك لابنه المأمون.
فقد قال لندمائه: أتدرون من علّمني التشيّع؟
فانبروا جميعاً قائلين: لا والله ما نعلم.. فقال: علّمني ذلك الرشيد.
فقالوا: كيف ذلك؟ والرشيد كان يقتل أهل هذا البيت؟!
قال: كان يقتلهم على المُلك لأن المُلك عقيم، ثم أخذ يحدّثهم عن ذلك قائلاً: لقد حججت معه سنة فلما انتهى إلى المدينة قال: لا يدخل عليّ رجل من أهلها أو من المكيّين سواء كانوا من أبناء المهاجرين والأنصار أو من بني هاشم حتى يعرّفني بنسبه وأسرته، فأقبلت إليه الوفود تترى وهي تعرّف الحاجب بأنسابها، فيأذن لها، وكان يمنحها العطاء حسب مكانتها ومنزلتها، وفي ذات يوم أقبل الفضل بن الربيع حاجبه يقول له: رجل على الباب، زعم أنه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).
فلما سمع هارون بهذا الاسم الشريف أمر جلساءه بالوقار والهدوء، ثم قال لرئيس تشريفاته: إئذن له، ولا ينزل إلا على بساطي.
وأقبل الإمام (عليه السلام) وقد وصفه المأمون فقال: إنه شيخ أنهكته العبادة، والسجود يكلم وجهه. أما هارون فقام ولم يقبل إلا أن ينزل الإمام عن دابته على بساطه، ونظر إليه بكل إجلال وإعظام فقبّل وجهه وعينيه، وأخذ بيده حتى صيّره في صدر مجلسه والحجّاب وكبار القوم محدقون به. ثم أقبل يسأله عن أحواله ويحدّثه. ثم قال له:
ـ يا أبا الحسن ما عليك من العيال؟ قال الإمام: يزيدون على الخمسمائة.
ـ أولاد كلهم؟ قال الإمام (عليه السلام): لا، أكثرهم مواليّ وحشمي فأما الأولاد فلي نيّف وثلاثون. ثم بيّن له عدد الذكور والإناث.
ـ لِمَ لا تزوّج النسوة من بني عمومتهن؟ قال الإمام: اليد تقصر عن ذلك.
ـ فما حال الضيعة؟ قال الإمام: تعطي في وقت وتمنع في آخر.
ـ فهل عليك دين؟ قال الإمام (عليه السلام): نعم.
ـ كم؟ قال الإمام (عليه السلام): نحو من عشرة آلاف دينار.
ـ يا ابن العم، أنا أعطيك من المال، ما تزوّج به أولادك، وتعمر به الضياع.
ـ قال الإمام (عليه السلام): وصلتك رحم يابن العم، وشكر الله لك هذه النية الجميلة، والرحم ماسة واشجة، والنسب واحد، والعباس عم النبي (صلّى الله عليه وآله) وصنو أبيه، وعم علي بن أبي طالب وصنو أبيه، وما أبعدك الله من أن تفعل ذلك وقد بسط يدك، وأكرم عنصرك، وأعلى محتدك.
ـ أفعل ذلك يا أبا الحسن، وكرامة.
فقال له الإمام (عليه السلام): إن الله عزّ وجلّ قد فرض على ولاة العهد أن ينعشوا فقراء الأمة، ويقضوا على الغارمين، ويؤدوا عن المثقل ويكسوا العاري، وأنت أولى من يفعل ذلك.
ـ افعل ذلك يا أبا الحسن.
فانصرف الإمام (عليه السلام) وقام هارون فودّعه وقبّل وجهه وعينيه، ثم التفت إلى أولاده فقال لهم: قوموا بين يدي عمكم وسيدكم، وخذوا بركابه وسووا عليه ثيابه، وشيّعوه إلى منزل، فانطلقوا مع الإمام بخدمته وأسرّ الإمام (عليه السلام) إلى المأمون فبشّره بالخلافة وأوصاه بالإحسان إلى والده، ولما انتهوا من خدمة الإمام (عليه السلام) وإيصاله إلى داره. قال المأمون كنت أجرأ ولد أبي عليه، فلما خلا المجلس قلت له:
(يا أمير المؤمنين، مَن هذا الرجل الذي عظّمته وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه ثم أمرتنا بأخذ الركاب له)؟
قال هارون: هذا إمام الناس، وحجّة الله على خلقه، وخليفته على عباده.
قال المأمون: يا أمير المؤمنين أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟
قال هارون: أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام الحق، والله يا بني: إنه لأحق بمقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مني ومن الخلق جميعاً، ووالله لو نازعتني أنت هذا الأمر لأخذت الذي فيه عينيك فإن المُلك عقيم.
فيا سبحان الله عرف الحق ونطق به، ثم انحرف عنه حباً بالتملك والسلطان.
اهتم هارون بدنياه ونسي أو تناسى اليوم الآخر، يوم لا ينفع لا مال ولا ولد ولا سلطان!!
بقي هارون في يثرب عدة أيام، ولما أزمع على الرحيل منها أمر للإمام بصلة ضئيلة جداً قدرها مائتا دينار، وأوصى الفضل بن الربيع أن يعتذر له عند الإمام. فانبرى إليه ولده المأمون مستغرباً من قلّة صلته مع كثرة تعظيمه وتقديره الزائد له قائلاً:
(يا أمير المؤمنين تعطي أبناء المهاجرين والأنصار، وسائر قريش وبني هاشم، ومن لا يعرف نسبه خمسة آلاف دينار، وتعطي الإمام موسى بن جعفر وقد عظمته وأجللته مائتي دينار وهي أخس عطية أعطيتها أحداً من الناس)؟ فغضب هارون وصاح على ابنه قائلاً: (اسكت، لا أم لك، فإني لو أعطيت هذا ما ضمنته له ما كنت آمنه أن يضرب وجهي بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم)(7).
يتوضح من خلال هذه الرواية وغيرها اعتقاد هارون بإمامة موسى (عليه السلام) وأنه خليفة الله في أرضه، وحجّته على عباده، وأن الخلافة الإسلامية من حقوقه الخاصة، وهو أولى بها منه، لكن الذي حدث عكس ذلك لأن حب الدنيا وزهوة السلطان هو الذي سلبها منه ومن آبائه من قبله. فالمُلك عقيم، كما كشف هارون عن نفسه في حديثه مع ابنه المأمون، السبب الأساسي في حرمانه الإمام الكاظم (عليه السلام) من عطائه حسب منزلته. عقدة الخوف تطارده دائماً، وهي انتفاضة الإمام وخروجه عليه إن تحسنت أحواله الاقتصادية.
وهذا هو الحرب الذي تستعمله الدول المستعمرة مع خصومها اليوم من أجل إنهاكها وإضعافها. لكن الليل سوف يزول مهما تأخر طلوع الصباح.كان الرشيد يعلم بمكانة الإمام الاجتماعية، وكفاءته العلمية، ومحبّة الناس له، وتقديرهم لمواهبه، وهو نفسه يعتقد أن الإمام وارث علوم الأنبياء، وخليفة الله الحق على عباده، فكان يسأله دائماً عما يجري من الأحداث، والإمام (عليه السلام) لم يبخل عليه بأي جواب.
وقد سأله عن الأمين والمأمون، فأخبره بما يقع بينهما، فحزّ ذلك في نفسه، وتألّم كثيراً.
روى الأصمعي قال: دخلت على الرشيد، وكنت قد غبت عنه بالبصرة حولاً، فسلّمت عليه بالخلافة، فأومأ لي بالجلوس قريباً منه فجلست، ثم نهضت، فأومأ لي ثانية أن أجلس فجلست حتّى خفّ الناس، ثم قال لي: (يا أصمعي ألا تحب أن ترى محمداً وعبد الله ابنيّ؟).
قلت: (بلى يا أمير المؤمنين، إني لأحب ذلك، وما أردت القصد إلا إليهما لأسلّم عليهما).
أمر الرشيد بإحضارهما، فأقبلا حتى وقفا على أبيهما، وسلّما عليه بالخلافة، فأومأ لهما بالجلوس، فجلس محمد عن يمينه، وعبد الله عن يساره ثم أمرني بمطارحتهما الأدب، فكنت لا ألقي عليهما شيئا في فنون الأدب إلا أجابا فيه، وأصابا، فقال الرشيد: كيف ترى أدبهما؟
ـ يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلهما في ذكائهما، وجودة فهمهما، أطال الله بقاءهما ورزق الله الأمة من رأفتهما وعطفهما.
فأخذهما الرشيد وضمّهما إلى صدره، وسبقته عبرته فبكى حتى انحدرت دموعه على لحيته، ثم إذن لهما في القيام فنهضا، وقال:
(يا أصمعي كيف فهما إذا ظهر تعاديهما، وبدا تباغضهما، ووقع بأسهما بينهما، حتى تسفك الدماء، ويود كثير من الأحياء أنهما كانا موتى) فبهر الأصمعي من ذلك وقال له:(يا أمير المؤمنين هذا شيء قضى به المنجّمون عند مولدهما، أو شيء أثرته العلماء في أمرهما!!).
فقال الرشيد بلهجة الواثق بما يقول:
(لا، بل شيء أثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما..).
قال المأمون: كان الرشيد قد سمع جميع ما يجري بيننا من موسى بن جعفر(8).
إن علم الرشيد بسموّ منزلة الإمام، وبما تذهب إليه جموع المسلمين من القول بإمامته هو الذي أثار غضبه، وزاد في أحقاده عليه، ممّا دعاه إلى زجّه في السجن أعواماً طويلة.
كان الحقد على العلويين عامة والإمام موسى (عليه السلام) خاصة من مقومات ذات الرشيد، ومن أبرز صفاته النفسية، وكان يحمل حقداً لكل شخصية مرموقة لها المكانة العليا في مجتمعه، ولم يرق له بأي حال أن يسمع الناس يتحدّثون عن أي شخص يتمتع بمكانة عليا، محاولاً احتكار الذكر الحسن لنفسه ولذاته؛ لكن الليل لا يستطيع منع الفجر من الطلوع، فالفجر يطلع والشمس تسطع بنورها الكاشف، والجمهور يميّز بين الظلام والنور.
7ـ صلابة موقف الإمام (عليه السلام)
كان صلحاء الأمة يقاومون الظلم في كل عهوده وفي كل ألوانه، لأن ذلك واجب شرعي أوصى عليه الله عزّ وجلّ في كتابه، وأوصى عليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) في أحاديثه الشريفة، وقاومه الأئمة (عليهم السلام) كل واحد منهم حسب الظرف المناسب له. قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)(9).
والإمام موسى الكاظم ابن أبيه وأجداده (عليهم السلام) كان موقفه مع هارون الرشيد الطاغية الظالم موقفاً سلبياً، تمثلت فيه صلابة الحق وصرامة العدل.
فقد حرّم على شيعته التعاون مع السلطة الحاكمة بأي وجه من الوجوه.
من ذلك ما قاله لصاحبه صفوان وكان صاحب جمال يكريها لهارون أيام حج بيت الله الحرام، افهمه أن التعامل مع الظالمين حرام، فاضطرّ صفوان لبيع جماله، فعرف هارون، ممّا دفعه إلى الحقد على صفوان وهمّ بقتله.
وكذلك منع الإمام (عليه السلام) زياد بن أبي سلمة من وظيفته في بلاد هارون عملاً بقول الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، عن أبيه الصادق عن أبيه، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): من أرضى سلطاناً بسخط الله خرج من دين الله)(10).
لقد شاعت في الأوساط الإسلامية فتوى الإمام الكاظم بحرمة الولاية من قبل هارون الطاغية وأضرابه من الحكام الظالمين، فأوغر ذلك قلب هارون وساءه إلى أبعد الحدود، فترقّب له ساعة الوقوع به.
ونوجز القول: إن موقف الإمام مع هارون كان موقفاً صريحاً واضحاً، لم يصانع ولم يتسامح معه على الإطلاق.
فقد دخل عليه في بعض قصوره الأنيقة والفريدة في جمالها في بغداد، فانبرى إليه هارون وقد أسكرته نشوة الحكم قائلاً:
ما هذه الدار؟ فأجابه الإمام (عليه السلام) غير مكترث بسلطانه وجبروته قائلاً: (هذه دار الفاسقين) قال الله تعالى في كتابه العزيز:
(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)(11).
لما سمع هارون هذا الكلام سرت الرعدة في جسمه، وامتلأ قلبه غيظاً فقال للإمام: دار من هي؟
ـ هي لشيعتنا فترة، ولغيرهم فتنة.
ذلك أن المؤمن كل ما يملك هو وكيل عليه يملكه فترة ويتركه لغيره هو زاهد في الدنيا، والشيعة هم كذلك وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي لقب بـ(أبي تراب) وخاطب الدنيا قائلاً: (فقد طلّقتك ثلاثاً فلا رجعة لك عندي).
ـ ثم سأله هارون: ما بال صاحب الدار لا يأخذها؟
ـ أجابه الإمام: أخذت منه عامرة، ولا يأخذها إلا معمورة.
ـ أين شيعتك؟
ـ فتلا الإمام قول الله عزّ وجلّ: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)(12).
فثار هارون ثورة عارمة وقال بصوت يقطر غضباً:
ـ أنحن كفار؟
ـ لا، ولكن كما قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ)(13).
فغضب هارون وأغلظ على الإمام (عليه السلام) في كلامه(14).
من الواضح والمعروف مسبقاً أن موقف الإمام (عليه السلام) مع هارون موقف واضح وصريح لا يقبل الرد ولا يقبل المهادنة، لأنّ هارون مغتصب لمنصب الخلافة التي هي من حق علي بن أبي طالب والأئمة المعصومين من بعده. فالعباسيون اختلسوا السلطة، وخانوا الأمانة والعهد لقد استلموا السلطة باسم العلويين، وتبنّوا شعارهم، ولما جلسوا على كرسي الحكم خانوا العهد، واشتروا به وبأيمانهم ثمناً قليلاً.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(15).
هذه هي أهم الأسباب التي دعت هارون الرشيد إلى اعتقال الإمام (عليه السلام).
وأيضا: قال الفضل بن الربيع: حج هارون الرشيد وابتدأ بالطواف، ومنعت العامة من ذلك لينفرد وحده، فبينما هو في ذلك إذ ابتدر أعرابي وجعل يطوف معه.
فقال الحاجب: تنح يا هذا عن وجه الخليفة: فانتهره الأعرابي وقال: إن الله يساوي بين الناس في هذا الموضع فقال: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ)(16).
فأمر الحاجب بالكف عنه.
ولما فرغ الأعرابي من صلاته استدعاه الحاجب وقال له: أجب أمير المؤمنين.
فقال الأعرابي: ما لي إليه حاجة فأقوم إليه، بل إن كانت الحاجة له فهو بالقيام إليّ أولى. قال: صدق.
فمشى إليه هارون وسلم عليه، فرد عليه السلام، فقال هارون: اجلس يا أعرابي؟ فقال الأعرابي:
ما الموضع لي فتستأذني فيه بالجلوس، وإنما هو بيت الله نصبه لعباده، فإن أحببت فاجلس، وإن أحببت أن تنصرف فانصرف.
فجلس هارون وقال: ويحك يا أعرابي مثلك من يزاحم الملوك؟!
قال: نعم، وفي مستمع. قال هارون: فإني سائلك، فإن عجزت آذيتك.
قال الأعرابي: سؤالك هذا سؤال متعلم، أو سؤال متعنّت؟
قال هارون: بل سؤال متعلّم.
قال الأعرابي: اجلس مكان السائل من المسؤول وسل، وأنت مسؤول.
فقال هارون: ما فرضك؟
قال الأعرابي: إن الفرض رحمك الله واحد، وخمس، وسبع عشرة، وأربع وثلاثون، وأربع وتسعون، ومائة ثلاث وخمسون على سبع عشرة، ومن إثنى عشر واحد، ومن أربعين واحد، ومن مائتين خمس، ومن الدهر كله واحد، وواحد بواحد.
فضحك الرشيد وقال: ويحك أسألك عن فرضك وأنت تعد علي الحساب؟!
قال الأعرابي: أما علمت أن الدين كله حساب، ولو لم يكن الدين كله حساب لما اتخذ الله الخلائق حسابا، ثم قرأ: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)(17).
قال هارون: فبين لي ما قلت وإلا أمرت بقتلك بين الصفا والمروة؟ فقال الحاجب: تهبه لله ولهذا المقام.
فضحك الأعرابي من قوله. فقال هارون: ممّا تضحك يا أعرابي؟
قال: تعجّباً منكما، إذ لا أدري من الأجهل منكما، الذي يستوهب أجلاً قد حضر، أو الذي استعجل أجلاً لم يحضر؟
فقال هارون: فسر لنا ما قلت.
قال الأعرابي: أما قولي الفرض واحد فدين الإسلام كله واحد، وعليه خمس صلوات، وهي سبعة عشر ركعة، وأربع وثلاثون سجدة، وأربع وتسعون تكبيرة، ومائة وثلاث وخمسون تسبيحة، وأما قولي من اثني عشر واحد: فشهر رمضان من إثني عشر شهر، وأما قولي من الأربعين واحد: فمن ملك أربعين ديناراً أوجب الله عليه ديناراً، وأما قولي من مائتي خمسة: فمن ملك مائتي درهم أوجب الله عليه خمسة دراهم.
وأما قولي فمن الدهر كله واحد: فحجة الإسلام، وأما قولي واحد بواحد: فمن أهرق دماً من غير حق، وجب إهراق دمه، قال الله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالأذُنَ بِالأذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ...)(18).
فقال الرشيد: لله درك، وأعطاه بدرة.
فقال الأعرابي: فبم استوجبت منك هذه البدرة يا هارون، بالكلام أم بالمسألة؟
قال هارون: بالكلام.
قال الأعرابي: فإني أسألك عن مسألة، فإن أتيت بها كانت البدرة لك، تصدّ ق بها في هذا الموضع الشريف، وإن لم تجبني عنها أضفت إلى البدرة بدرة أخرى لأتصدق بها على فقراء الحي من قومي.
فأمر هارون بإيراد أخرى وقال: سل عما بدا لك.
فقال الأعرابي: أخبرني عن الخنفساء تزق أم ترضع ولدها؟
فغضب هارون وقال: ويحك من يسأل عن هذه المسألة؟!
فقال الأعرابي: سمعت ممن سمع من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول:
من ولي أقواماً وهب له من العقل كعقولهم، وأنت إمام هذه الأمة يجب أن لا تسأل عن شيء من أمر دينك ومن الفرائض، إلا أجبت عنها، فهل عندك جواب؟
قال هارون: رحمك الله لا، فبين لي ما قلته وخذ البدرتين.
فقال الأعرابي: إن الله تعالى لما خلق الأرض خلق ديابات الأرض التي من غير فرث ولا دم، خلقها من التراب، وجعل رزقها وعيشها منه، فإذا فارق الجنين أمه لم تزقه ولم ترضعه وكان عيشها من التراب. فقال هارون: والله ما ابتلي أحد بمثل هذه المسألة، وأخذ الأعرابي البدرتين وخرج، فتبعه الناس وسألوا عن اسمه، فإذا هو موسى بن جعفر (عليه السلام)، فأخبر هارون بذلك فقال:
والله لقد كان ينبغي أن تكون هذه الورقة من تلك الشجرة.
ولكن هل سمح لهذه الشجرة أن تنمو وتعطي وتثمر ثمراً طيباً يتغذى منه جميع الناس؟!
لم يكتف الحكام العباسيون بتقمصهم الخلافة، مستأثرين بها على أهل البيت (عليهم السلام)، حتى أخذوا يتبعونهم سجناً وقتلاً وتشريداً. أهل العلم والحكمة والأخلاق باتوا قابعين في بيوتهم ليس لهم الأمر ولا نهي! رحمك الله يا أبا فراس حيث تقول:
بــــــنو عــــلي رعـــايا فــــي ديـارهم *** والأمـــــر تــــــملكه الـنسوان والخدم!
لم يعبأ الأئمة (عليهم السلام) بهذه الشدة والظلامة التي قوبلوا بها، بل استمروا على تبليغ رسالتهم في إعلاء كلمة الله، ونشر المفاهيم الإسلامية، ومحاربة التيارات الفكرية الفاسدة والملحدة، فقد نوّروا الدنيا بعلومهم ومعارفهم من أجل رفع راية الإسلام في العالم. ولا عجب إن كانوا كذلك، فهم أحق من غيرهم، لا بل هم المكلفون بعد الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بالمحافظة على السنن والشرائع المحمدية ونشر الإسلام إسلام المحبة والعدالة والحرية والأخلاق.
من ظلم هارون إلى ظلاّم السجن

والظلم: يعني ذهاب الحق الذي يوضح الأمور، ويجلي الحقائق حتى تظهر على حقيقتها، ولا لبس فيها. كما يعني وضع الشيء في غير مكانه والمظلام هو هارون الرشيد وأشباهه من الملوك العباسيين، ومن سبقهم من الأمويين. والمظلوم: هو الذي انتقص من حقه أو الذي لم يعط حقه وهو الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) ومن سبقه من آبائه وأجداده الذين ضحوا بكل ما عندهم من قوى وقاوموا الظلم والظالمين من أجل إعلاء كلمة الله عزّ وجلّ والمحافظة على الشريعة الإسلامية، والدفاع عن المظلومين والمستضعفين في الأرض ليبقوا أعزة كراماً محترمين. قال تعالى واصفاً المؤمنين: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)(19).
فلنتصور هذه المكانة الرفيعة التي منحها الله عزّ وجلّ للمؤمنين فقد أعطاهم شرفاً عظيماً ومكانة سامية لا يرقى إليها غيرهم في المجتمع، أعطاهم العزة بعد جلالته وبعد الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله). فأهل البيت (عليهم السلام) حافظوا على هذه العزة ودافعوا عنها فكانوا من المؤمنين الصادقين، والعباسيون حاولوا سلب هذه العزة منهم فكانوا ظالمين منافقين.
والإمام الكاظم (عليه السلام) الذي كظم غيظه سنيناً طويلة من ظلم الحكام العباسيين، حافظ على هذه العزة التي منحها ربّ العالمين للمؤمنين الصادقين...
فانتقل (عليه السلام) من ظلم هارون إلى ظلام السجون، ولعل هذه المحنة التي عاناها بعزم وصبر من أقسى المحن وأفجعه؛ ألمّت به فتحملها وكظم غيظه في صدره صابراً مجاهداً في سبيل الله.
لقد قضى زهرة شبابه في ظلمات السجون محجوباً عن أهله وشيعته، محروماً من نشر علومه على الناس جميعاً. فكان شبيه عيسى بن مريم في تقواه وورعه وصلاحه.
جهد هارون في ظلمه، وأمعن في التنكيل به خوفاً من تسلمه الخلافة، علماً أن الإمام (عليه السلام) لم يكن يبغي الحكم والسلطان، ولم يكن يبغي الجاه والمال، وإنما كان يبغي نشر العدل والحق بين الناس، ومقاومة ظلم أولئك الحكام وجورهم واستبدادهم بأمور المسلمين.
إن تاريخ الإنسانية قديماً وحديثاً حافل بالثورات الصاخبة التي قام بها المصلحون الاجتماعيون على حكام الظلم والطغيان من أجل إسعاد أبناء مجتمعهم، وإنماء أوطانهم، حتى عانوا في سبيل ذلك جميع ضروب الأذى، وأنواع التنكيل والتشريد والاضطهاد؛ وكان في طليعة هؤلاء المجاهدين والمكافحين عن كرامة المسلمين أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
فقد قدموا أروع التضحيات، وتحملوا أقسى ألوان الجهاد في سبيل الله من أجل إنقاذ المسلمين من الجور العباسي، والاستبداد السياسي الذي تمثل على مسرح الحكام الأمويين والعباسيين.
هؤلاء الحكام باعوا دينهم بدنياهم بثمن زهيد، فتلاعبوا بمقدّرات المجتمع، وسلبوا أموال المسلمين وصرفوها على الفجور والمجون، وبذلوها للعملاء الخونة الذين ساندوهم وأعانوهم على الظلم والجور.
وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) باعتبارهم مسؤولين عن رعاية الدين، وحماية المسلمين، كان من واجبهم الشرعي مقاومة ذلك الحكم الجائر ومكافحة الظالمين المستبدين، فنفروا في وجه الظلم، وأنقذوا المجتمع الإسلامي من الجور والاستبداد اللّذين حلا في العباد والبلاد. فقاموا بما يجب عليهم من أداء رسالتهم الإنسانية بكل أمانة وإخلاص.
وكان زعيم المعارضين المناضلين لسياسة هارون هو الإمام موسى الكاظم (عليه السلام). الذي قضى زمناً طويلاً في السجون حتى لفظ أنفاسه الأخيرة فيها وهو شهيد غريب عانى أمرّ الآلام، وأدهى الخطوب.
القبض على الإمام (عليه السلام)

انتشر اسم الإمام (عليه السلام) في الأقطار، وذاع صيته في الأمصار، وتحدّث الناس عن علمه ومآثره وفضله، فثقل ذلك على هارون، وطفح قلبه غيظاً منه فذهب الطاغية إلى قبر النبي (صلّى الله عليه وآله)، فسلم على النبي مثل الزوار المؤمنين، وخاطبه قائلاً:
(بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إني اعتذر إليك من أمر عزمت عليه، إني أريد أن آخذ موسى بن جعفر (عليه السلام) فأحبسه لأني قد خشيت أن يُلقي بين أمتك حرباً يسفك فيها دماءهم)(20).
إنه يريد أن يخلق مبرراً أمام المجتمع لعمله الفظيع ويخفّف ما سيواجه به من الاستياء، لا سيّما من العلماء الذين سيستنكرون عمله الإجرامي.
وبعد الاعتذار في اليوم الثاني أصدر الطاغية أوامره بإلقاء القبض على الإمام، فجاءت الشرطة وألقت القبض عليه وهو في طاعة الله يصلي لربه عند رأس جده النبي (صلّى الله عليه وآله). فقطع المجرمون الآثمون عليه صلاته ولم يمهلوه من إتمامها. لكنهم نسوا أن الله يمهل ولا يهمل. ثم حمل الإمام من ذلك المكان الشريف وقيّد بالحديد وقد توجّه إلى جدّه الرسول الأكرم:
(إليك أشكو يا رسول الله)(21). فأين احترام قداسة القبر الشريف، قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأين احترام أبنائه، الأئمة المعصومين التي هي أولى بالرعاية والمحبة والمودة من كل شيء؟ ثم أين احترام الصلاة التي هي أقدس عبادة في الإسلام؟
لم يحترم هارون قداسة القبر الشريف فهتك حرمته وحرمة أبنائه، وقطع صلاة الإمام (عليه السلام) وأمر بتقييده، وحمل إليه في ذل القيود، ولما مثل الطاهر الكريم أمام الفاجر اللئيم أغلظ له في القول، وكان اعتقاله سنة 179هـ في شهر شوال لعشر بقين منه(22).
في البصرة

ساروا بالإمام (عليه السلام) معتقلاً إلى البصرة ووكل هارون حسان السروي بحراسته والمحافظة عله(23). وقبل أن يصل إلى البصرة تشرّف بالمثول بين يديه عبد الله بن مرحوم الأزدي فدفع له الإمام كتباً وأمره بإيصالها إلى ولي عهده الإمام الرضا (عليه السلام) وعرفه بأنه الإمام من بعده(24) سارت القافلة بالإمام المقيد حتى وصلت إلى البصرة قبل التروية بيوم(25) فأخذ حسان وكيل هارون الإمام ودفعه إلى عيسى بن أبي جعفر فسجنه في بيت من بيوت السجن، وأقفل عليه الباب، فكان لا يفتح باب السجن إلا في حالتين: خروج الإمام (عليه السلام) إلى الطهور، أو إدخال الطعام له(26).
أحواله في السجن

تفرغ الإمام (عليه السلام) للعبادة، انقطع الإمام (عليه السلام) في السجن إلى العبادة المطلقة، يصوم في النهار ويقوم بالليل، يقضي كل أوقاته في الصلاة والسجود والدعاء.
لقد أدهش العقول وحير الألباب بعبادته المتواصلة، وانقطاعه إلى الله عزّ وجلّ: وقد اعتبر وجوده في السجن نعمة من أعظم النعم التي منحها الله له، وذلك لتفرغه للعبادة، فكان يشكر ربه تعالى على ذلك ويدعو بهذا الدعاء الروحاني قائلاً:
(اللهم، إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، اللهم وقد فعلت فلك الحمد)(27).
يبدو لنا من هذا الدعاء رضى الإمام (عليه السلام) بقضاء الله تعالى وصبره الجميل وكظمه الغيظ بانتظار الفرج إن شاء الله، كما يدل هذا الدعاء من جهة أخرى على مدى حب الإمام الخالص وشوقه الزائد لعبادة الله وطاعته.
اتصال العلماء به

شاع اعتقال الإمام (عليه السلام) في البصرة وجميع أنحاء البلاد، فأقبل عليه رواة الحديث بطريق خفي لينهلوا من علمه الغزير، وقد رووا عنه بعض الأحكام والعلوم ومن هؤلاء ياسين الزياتي(28).
كما اتصل به كبار العلماء من البصرة ومن نواح أخرى فرووا عنه الشيء الكثير ممّا يتعلق بالتشريع الإسلامي. ولا يخفى ما قلناه سابقاً إن الإمام (عليه السلام) دائرة معارف يغترف منها كل من أراد المعرفة.
الإيعاز باغتياله

لما انتشر خبر اعتقال الإمام (عليه السلام) في سجن البصرة، وتناقل الناس حديثه مقروناً بالحسرة واللوعة والحزن، خاف هارون من حدوث الفتن، وقيام الاضطرابات في المدينة فأوعز إلى عيسى باغتيال الإمام (عليه السلام) ليستريح منه ويطمئن باله. ولكن هل يقدم عيسى على ارتكاب مثل هذه الجريمة النكراء؟!
طلب عيسى بالإعفاء

لما وصلت أوامر هارون لعيسى لتنفيذ الاغتيال، ثقل عليه الأمر وفكر ملياً بالمصير، جمع أصحابه وخواصه وعرض عليهم الأمر فأشاروا عليه بالتحذير من ارتكاب مثل هذه الجريمة التي تغضب الله ورسوله، فاستصوب رأيهم وكتب إلى هارون رسالة يطلب فيها إعفاءه عن ذلك.
جاء في الرسالة:

(يا أمير المؤمنين، كتبت إلي في هذا الرجل، وقد اختبرته طول مقامه بمن حبسته معه عيناً عليه، لينظروا حيلته، وأمره وطويته ممن له المعرفة والدراية، ويجري من الإنسان مجرى الدم، فلم يكن منه سوء قط، ولم يذكر أمير المؤمنين إلا بخير، ولم يكن عنده تطلع إلى ولاية، ولا خروج ولا شيء من أمر الدنيا، ولا دعا قط على أمير المؤمنين، ولا على أحد من الناس، ولا يدعو إلا بالمغفرة والرحمة له ولجميع المسلمين مع ملازمته للصيام والصلاة والعبادة، فإن رأي أمير المؤمنين أن يعفيني من أمره، أو ينفذ من يتسلمه مني وإلا سرحت سبيله، فإني منه في غاية الحرج)(29).
تدل هذه الرسالة بوضوح على إكبار عيسى وتقديره للإمام (عليه السلام)، فقد راقبه ووضع العيون عليه فلم يره إلا مشغولاً بذكر الله وطاعته، ولم يتعرض بذكر أحد بسوء حتى الظالمين له، لذا خاف عيسى وراقب الله. بقي في سجن عيسى سنة كاملة.
حمل الإمام إلى بغداد

عندما شعر هارون بعدم تنفيذ طلبه في اغتيال الإمام من قبل عيسى عامله على البصرة، خاف منه أن يطلق سراح الإمام (عليه السلام)، فأمر بحمل الإمام إلى بغداد مقيّداً بالحديد، تحف به الحرس والشرطة. ساروا به مسرعين حتى انتهوا إلى بغداد، وفوراً أعلموا الرشيد بصنيعهم فأمر بحبسه عند أحد وزرائه يدعى الفضل بن الربيع.
أخذه الفضل وسجنه في بيته، هكذا كانت إرادة هارون، فلم يعتقله في السجون العامة لمكانة الإمام العالية في المجتمع، وسمو شخصيته لأن الشخصيات الهامة في عهد الطاغية هارون كانت تعتقل في بيوت وزرائه وليس في السجون العامة، فقد سجن عبد الملك بن صالح عندما غضب عليه عند الفضل بن الربيع(30)، وكذلك سجن إبراهيم بن المهدي عند أحمد بن أبي خالد(31).
انشغال الإمام بالعبادة

تفرغ الإمام (عليه السلام) في السجن لطاعة ربّه، فقضى معظم أوقاته في الصلاة والتضرع والابتهال إلى الله، فرّاج الكروب والهموم. فقد بهر الفضل بعبادته، فكان يتحدث عنها أمام زائريه بتعجب وإكبار للإمام.
حدّث عبد الله القزويني قال: دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح داره، فقال لي: اُدْنُ مني، فدنوت حتى حاذيته فقال لي: أشرف على الدار، فأشرف عبد الله على الدار فقال له الفضل ـ ما ترى في البيت؟ ـ أرى ثوباً مطروحاً هناك.
ـ انظر حسناً. فتأمل عبد الله ملياً، فقال له: رجل ساجد.
ـ هل تعرفه؟ ـ لا. فقال له: هذا مولاك.
ـ من مولاي؟!! ـ تتجاهل علي؟!!
ـ ما أتجاهل، ولكن لا أعرف لي مولى.
ـ قال الفضل: هذا أبو الحسن موسى بن جعفر.
وأخذ الفضل يحدث عبد الله عن عبادة الإمام وتقواه وطاعته لله فقال: (إني اتفقده الليل والنهار فلم أجده في وقت من الأوقات إلا على الحال التي أخبرك بها، يصلي الفجر، فيعقب ساعة في دبر صلاته إلى أن تطلع الشمس ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس، ثم يبتدئ بالصلاة من غير أن يجدد الوضوء، فاعلم أنه لم ينم في سجوده ولا أغفى، فلا يزال كذلك إلى أن يفرغ من صلاة العصر، فإذا صلى العصر سجد سجدة فلا يزال ساجداً إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت وثب من سجدته فصلى المغرب من غير أن يحدث حدثاً، ولا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلي العشاء، فإذا صلى العشاء أفطر على شوى يؤتى به، ثم يجدد الوضوء، ثم يسجد ثم يرفع رأسه فينام نومة خفيفة، ثم يقوم فيجدد الوضوء، ثم يقوم، فلا يزال يصلي في جوف الليل حتى يطلع الفجر فلست أدري حتى يقول الغلام إن الفجر قد طلع؟ إذ قد وثب هو لصلاة الفجر فهذا دأبه منذ حُوّل إليّ..).
لما رأى عبد الله إكبار الفضل للإمام (عليه السلام) حذره من أن يستجيب لرغبة الرشيد باغتياله. فقال له:
(اتق الله، ولا تحدث في أمره حدثاً يكون منه زوال النعمة، فقد تعلم أنه لم يفعل أحد بأحد منهم سوءاً إلا كانت نعمته زائلة).
وكان الفضل مؤمناً بذلك فقال له: (قد أرسلوا إليّ غير مرّة يأمروني بقتله، فلم أجبهم إلى ذلك، وأعلمتهم أني لا أفعل، ولو قتلوني ما أجبتهم إلى ما سألوني)(32).
ولا غرو فالإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) كان مثلاً صالحاً يحتذى في التقوى والورع والإيمان بالله، فحب الله مطبوع في قلبه ومشاعره.
إشراف هارون على الإمام في سجنه
لما امتنع حراسه ووزراؤه من القدوم على اغتياله، لم يثق بالعيون التي وضعها عليه في السجن، فأخذ يراقبه بنفسه، ويتطلع على شؤونه خوفاً من أن يتصل به أحد من الناس، فأطل من أعلى القصر على السجن فرأى ثوباً مطروحاً في مكان خاص لم يتغير عن موضعه فقال للفضل:
ـ ما ذاك الثوب المطروح الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع؟!
ـ يا أمير المؤمنين، ما ذاك ثوب، وإنما هو موسى بن جعفر، له في كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال.
فبهر هارون بصلابة الإمام (عليه السلام) وقوة إرادته وقال للفضل:
ـ أما هذا فإنه من رهبان بني هاشم!!
فالتفت إليه الفضل بعدما سمع منه اعترافه بزهد الإمام قائلاً له:
ـ يا أمير المؤمنين: ما لك قد ضيّقت عليه في السجن؟!!
فأجابه هارون بكل لؤم وغرور قائلاً:
(هيهات: لابدّ من ذلك)(33).
هارون الطاغية كان يعلم عزوف الإمام عن الدنيا، ويعلم إقبال الإمام على الله، ويعلم منزلة الإمام السامية وتقدير الناس له، لكن حبه للسلطان والدنيا أعمى بصره وبصيرته، وملأ قلبه غيظاً وحسداً له. وهذا ما دفعه إلى ذلك. الحسد القاتل الذي يميت القلب ويضعف الروح ويخدر الإيمان، ويعمي البصيرة عن رؤية الحق.
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ).
لم يقرأ هارون هذه السورة ولم يعلم مضامينها؟!
مصائب ومتاعب

ضاق صدر الإمام من ظلمة السجن وطول المدة فيه بعد أن حجب عن عياله وأطفاله وشيعته، ينتقل من سجن إلى سجن مثقلاً بالحديد، والشرطة تراقبه خوفاً من اتصال أحد من شيعته به، فأحسّ بآلام مرهقة أحاطت به، وخطوب مريرة ثقلت عليه، وهارون ما زال على موقفه يراقبه بحذر، ويخطط لاغتياله. فما العمل؟
لقد لجأ (عليه السلام) إلى الله تبارك وتعالى في أن يخلّصه من هذا الطاغية وهذه المحنة المريرة.
دعاء من القلب

سئم الإمام من السجن وطالت مدة الحبس عليه، وهو رهين السجون فقام في غلس الليل وجدد طهوره وصلى لربه أربع ركعات، وأخذ يناجي الله بهذا الدعاء الروحي الصاعد من قلب طاهر أثقلته الهموم فقال: (يا سيدي، نجّني من حبس هارون وخلّصني من يده، يا مخلّص الشجر من بين رمل وطين، ويا مخلّص النار من بين الحديد والحجر، ويا مخلّص اللبن من بين فرث ودم، ويا مخلّص الولد من بين مشيمة ورحم، ويا مخلّص الروح من بين الأحشاء والأمعاء، خلّصني من يد هارون الرشيد).
يرشح من هذا الدعاء المرارة التي عاناها الإمام (عليه السلام) في السجن والحزن العميق الذي رزح على صدره خلاف هذه الفترة الطويلة لكن إرادة الله فوق كل إرادة فمنه الفرج وهو على كل شيء قدير.
إطلاق سراح الإمام (عليه السلام)

قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)(34).
الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) مؤمن طاهر وعبد صالح دعا الله عزّ وجلّ لينقذه من هذه المحنة الظالمة التي أثقلت صدره فاستجاب سبحانه لدعائه وأخرج عنه الغمّ الذي أصابه في سجن الطاغية هارون.
فأطلق سراحه غلس الليل. ويعود السبب في ذلك إلى رؤيا رآها في منامه. حدّث عبد الله بن مالك الخزاعي(35) قال:
أتاني رسول الرشيد في ما جاءني به قط، فانتزعني من موضعي، ومنعني من تغيير ثيابي، فراعني ذلك، فلما صرت إلى الدار سبقني الخادم، فعرف الرشيد خبري، فأذن لي بالدخول، فوجدته جالساً على فراشه فسلّمت فسكت ساعة، فطار عقلي، وتضاعف جزعي، ثم قال لي:
ـ يا عبد الله، أتدري لما طلبتك في هذا الوقت؟
ـ لا، والله يا أمير المؤمنين. قال: إني رأيت الساعة في منامي كأن حبشياً قد أتاني، ومعه حربة فقال: إن لم تخلّ عن موسى بن جعفر الساعة، وإلا نحرتك بهذه الحربة، اذهب فخل عنه(36).
ولم يطمئن عبد الله بأمر الرشيد بإطلاق سراح الإمام، فقال له: أطلق سراح موسى بن جعفر؟ قال له ذلك ثلاث مرات، فقال الرشيد: (نعم، امض الساعة حتى تطلق موسى بن جعفر، وأعطه ثلاثين ألف درهم، وقل له: إن أحببت المقام قبلنا فلك عندي ما تحب، وإن أحببت المضي إلى المدينة فالأمر في ذلك إليك).
مضى عبد الله مسرعاً إلى السجن يقول: لما دخلت وثب الإمام (عليه السلام) قائماً، وظنّ أني قد أمرت فيه بمكروه، فقلت له:
(قد أمرني أمير المؤمنين بإطلاقك وأن أدفع إليك ثلاثين ألف درهم، وهو يقول لك: إن أحببت المقام قبلنا فلك ما تحب، وإن أحببت الانصراف فالأمر في ذلك مطلق لك، وأعطيته الثلاثين ألف درهم)(37).
وقلت له: لقد رأيت من أمرك عجبا.
وأخذ الإمام (عليه السلام) يحدثه عن السبب في إطلاق سراحه قائلاً:
(بينما أنا نائم إذ أتاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال لي: يا موسى، حبست مظلوماً قل هذه الكلمات فإنك لا تبيت هذه الليلة في الحبس، فقلت له بأبي أنت وأمي ما أقول فقال (صلّى الله عليه وآله): قل:
(يا سامع كل صوت، ويا سابق الفوت، ويا كاسي العظام لحماً ومنشرها بعد الموت، أسألك بأسمائك الحسنى، وباسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين، يا حليماً ذا أناة لا يقوى على أناته، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً، ولا يحصى عدداً، فرج عني) فكان ما ترى(38).
وفرج الله عن الإمام فخلى هارون بعد رؤياه سبيله، وقد مكث في سجن الفضل مدة طويلة من الزمن لم يعينها لنا التاريخ.
بعد إطلاق سراحه لم يذهب الإمام (عليه السلام) إلى يثرب بل بقي في بغداد لم ينزح عنها وكان يدخل على الرشيد في كل أسبوع مرة في يوم الخميس(39).
كان الرشيد يحتفي به كثيراً إذا رآه، وقد دخل عليه يوماً، وقد استولى عليه الغضب من أجل رجل ارتكب جرماً فأمر أن يضرب ثلاثة حدود فنهاه الإمام (عليه السلام) عن ذلك وقال إنما تغضب لله، فلا تغضب له أكثر ممّا غضب لنفسه)(40).
الإذن بالرجوع إلى يثرب
طلب الإمام (عليه السلام) من هارون أن يسمح له بالرحيل إلى يثرب، مدينة آبائه وجدّه (صلّى الله عليه وآله) لرؤية عياله وأطفاله، قيل أنه سمح له، وقيل أنه لم يجبه قائلاً له: أنظر في ذلك حتى حبسه في السجن عند السندي(41).
وأكبر الظن أن هارون فرض عليه الإقامة الجبرية في بغداد ولم يسمح له بالسفر إلى وطنه. فمكث (عليه السلام) في بغداد مدة من الزمن لم يحددها لنا قسم كبير من المؤرخين. خلال هذه المدة لم يتعرض له هارون بسوء. قال السيد مير علي الهندي قال: (وقد حدث مرتين أن سمح هارون لهذا الإمام الوديع بالرجوع إلى الحجاز ولكن شكوكه كانت في كلتا المرتين تتغلب على طيبة قلبه فيبقيه في الحبس)(42).
استمر الإمام في تلك الفترة من بذل الجهود لإرشاد الناس وهدايتهم إلى طريق الحق ومن الذين اهتدوا متأثرين بنصائحه بشر الحاني فقد تاب على يد الإمام (عليه السلام) حتى صار من عيون عباد الله الصالحين المتقين لكن التاريخ لم يذكر المدة التي خلي فيها عن سبيل الإمام (عليه السلام)، فيحتمل أنها فترة قصيرة، وكل ما ذكره المؤرخون أنه (عليه السلام) انتقل من سجن إلى سجن، من سجن الفضل بن الربيع إلى سجن الفضل بن يحيى.. فيا سبحان الله إلى هذا الحد محبة الدنيا وعشق السلطان تعمي القلوب عن الحقيقة، وتصم الآذان عن سماع الحق؟!!
فهارون لم يؤمن بكل ما رآه من الآيات والمعجزات التي ظهرت للإمام (عليه السلام) فاطلق سراحه وندم على ذلك فأصر على التنكيل به وكانت الجريمة.
اعتقال الإمام (عليه السلام) عند الفضل بن يحيى

مرة ثانية ألقى هارون القبض على الإمام فأمر باعتقاله عند الفضل بن يحيى، فماذا حدث له في سجنه؟
معاملة حسنة في سجن الفضل:

لما رأى الفضل بن يحيى إقبال الإمام (عليه السلام) على الله سبحانه وتعالى، وانشغاله بذكره، أكبر الإمام ورفّه عليه وأحسن معاملته، فكان يرسل له كل يوم مائدة فاخرة من الطعام، وقد رأى (عليه السلام) من السعة في سجن الفضل ما لم يرها في السجون الأخرى.
الإيعاز باغتياله من جديد

أوعز هارون للفضل باغتيال الإمام (عليه السلام)، فخاف الفضل من الله وامتنع عن تنفيذ هذه الجريمة النكراء، ولم يلبّ رغبة هارون. ذلك أنه كان ممن يذهب إلى الإمامة ويدين بها، وهذا هو السبب في اتهام البرامكة بالتشيع.
قال الفضل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أقود نفسي إلى النار وأحفر قبري بيديّ؟! لا يمكن أن أنفذ رغبات هارون الطاغية في قتل ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مهما كانت النتيجة.
التنكيل بالفضل

كان لهارون بعض العملاء المأجورين يراقبون ويوصلون بأخبارهم إليه، كما في عصرنا اليوم، انطلقوا إليه وأخبروه بحسن معاملة الفضل للإمام (عليه السلام) ولما سمع ذلك الطاغية استشاط غضباً وأنفذ بالحال خادمه مسرور إلى بغداد ليكشف له حقيقة الأمر، فإن كان الأمر على ما بلغه مضى إلى العباس بن محمد وأوصله رسالة يأمره فيها بجلد الفضل بن يحيى، وكذلك أمره بالوصول إلى السندي بن شاهك مدير شرطته ومنفذ أوامره لينفذ ما أمر به دون أي تأخير.
قدم العميل مسرور إلى بغداد فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريده ثم دخل خلسة إلى الإمام موسى (عليه السلام) فوجده مرفّهاً مرتاحاً كما بلغ هارون فمضى من فوره إلى العباس وأمره بتنفيذ أمر الخليفة، وكذلك سار إلى السندي فأمره بإطاعة العباس، أرسل العباس فوراً الشرطة إلى الفضل فأخرجوه من داره وهو يهرول والناس من حوله، فدخل على العباس فأمر بتجريده، ثم ضربه مائة سوط.
خرج الفضل بعد هذا الجزاء الظالم وقد انهارت قواه ودكّت أعصابه متحرقاً على الإمام ماذا سيحصل له.
كتب مسرور الوغد الحقير إلى هارون بما فعله، فأمره بنقل الإمام من عند الفضل واعتقاله في دار السندي بن شاهك. ثم جلس هارون في مجلس حافل ضمّ جمهوراً غفيراً من الناس، فرفع صوته قائلاً: أيها الناس، إن الفضل بن يحيى قد عصاني، وخالف طاعتي، ورأيت أن ألعنه فالعنوه.
ارتفعت أصوات العملاء من جميع جنبات الحفل باللعن والسباب والشتم على الفضل حتى اهتزت الأرض من أصوات اللعن.
وبلغ يحيى بن خالد ذلك فأسرع إلى الرشيد ودخل عليه من غير الباب الذي يدخل منه الناس، وأسره قائلاً: يا أمير المؤمنين، إن الفضل حدث، وأنا أكفيك ما تريد.
فسرّ هارون بما أخبره صنيعه الوغد وذهب عن نفسه ما يحمله من الحقد على الفضل، فأراد يحيى أن يستعيد كيان ولده ويرد له كرامته.
فقال للرشيد: (يا أمير المؤمنين، قد غضضت من الفضل بلعنك إياه فشرّفه بإزالة ذلك) فأقبل هارون يوجهه على الناس، ورفع عقيرته قائلاً: (إن الفضل قد عصاني في شيء فلعنته، وقد تاب وناب إلى طاعتي فتولوه).
ارتفعت الأصوات المأجورة ثانية من جميع جنبات الحفل وأعلنت التأييد الشامل لتلك السياسة المتقلبة والمتناقضة وهي ذات لهجة واحدة أعلنها أولئك الناس الذين يهتمون بمصالحهم الخاصة ولا يؤمنون بالقيم ولا بالمثل العليا مرددين:
(يا أمير المؤمنين، نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت، وقد توليناه)(43).
وكما ترى هكذا كانت حالة الجماهير الإسلامية في ذلك العصر قد انحرفت عن المبادئ الأصيلة، وفقدت وعيها وحسها وساعدت الطاغية على ظلمه في أطاعته ونفذت رغباته الظالمة والجائرة بحق إمام معصوم ابن إمام معصوم، شريف بريء لم يقترف ذنباً ولا ارتكب خطأ، ولو كان عندهم أي شعور ديني لما سجن الإمام (عليه السلام) ولما نكل به من سجن إلى سجن مقيداً بالأغلال والحديد.
ويعود السبب في ذلك كله إلى عبث السياسة الملتوية في الأوساط الاجتماعية ونشرها الفساد والفجور والبؤس والشقاء والتسبّب في ربوع ذلك المجتمع حتى كان من نتائجه مواقف مذمومة لا يحمد عقباها بأي حال. كما كشفت لنا هذه البادرة مدى الحقد والكراهية التي يكنها هارون اللعين في نفسه للإمام (عليه السلام) الشريف. فقد نكل بالفضل بن يحيى وهو كان من أعز الناس عنده وأقربهم إليه، وأعلن شتمه وسبه لأنه أحسن معاملته للإمام (عليه السلام) ولم يضيق عليه في السجن. علماً أن المدة التي قضاها الإمام (عليه السلام) في سجن الفضل قصيرة للغاية كما ذكر الرواة أياماً معدودة. ونختصر فنقول:
كانت أرواح الناس في العصر العباسي ودماؤهم يتصرف فيها الحكام حسب ما أرادوا، فالملك يفعل ما يريد فهو ظل الله على الأرض لا يسأل عن ذنب ولا جرم، همه كرسي الحكم وكفى.
خاتمة المطاف

أحزان جديدة، وخطب مريع حلّ بسبط النبي (صلّى الله عليه وآله) وريحانته العطرة ووديعته في أمته، فقد سدت نوافذ الحياة عليه وحفّت به المصائب والمصاعب من كل جانب، فجمع هارون الطاغية كل ما عنده من لؤم وغضب وبغض وصبها عليه دفعة واحدة؛ من تكبيل بالقيود، وزج في السجون، ومراقبة بالعيون خوفاً من العطف عليه، فنكل بكل من أكرمه ورعى جانبه، حين جلد الفضل بن يحيى مائة جلدة، وأعلن سبه وشهّر به لأنه لم يضيّق عليه.
لقد أصبح هارون قلقاً جداً من وجود الإمام (عليه السلام) فذيوع فضله بين الملأ وانتشار اسمه وحديث الناس عن محنته واضطهاده، كل ذلك أقلق مضجعه وأربك فكره، فأوعز إلى كبار رجال دولته باغتياله لكنهم لم يجيبوه على ذلك، لما رأوا للإمام (عليه السلام) من كرامة وتقى وانقطاع إلى عبادة الله عزّ وجلّ، فخافوا من غضب الله ورسوله عليهم وزوال نعمتهم إن تعرضوا له بمكروه. استمر هارون في التفتيش عن مثل هؤلاء الأوغاد الذين يبيعون آخرتهم بدنياهم فلم يجد سوى السندي بن شاهك(44) الأثيم اللعين الذي لا يرجو لله وقارا، ولا يؤمن بالآخرة، فنقله إلى سجنه، وأمره بالتضييق عليه. فاستجاب الأثيم لذلك، حيث عامل الإمام بكل قسوة، والإمام صابر محتسب، قد كظم غيظه، وأوكل أمره إلى الله. إنها المحنة الكبرى قد مُنيَ بها الإمام (عليه السلام) حينما نقل إلى سجن السندي بن شاهك، الذي بالغ في أذاه والتضييق عليه، والتنكيل به في مأكله ومشربه وتكبيله بالقيود، كل ذلك ليرضي هارون ويتقرب منه من أجل دنياه. وسوف نعرض لهذا الدور الرهيب، آخر أدوار حياة الإمام الكاظم المظلوم، ونذكر بعض شؤونه الأخرى كأوقافه ووصاياه وغيرها من الأمور.
مكان السجن

سجن (عليه السلام) في السجن المعروف بدار المسيّب الواقع قرب باب الكوفة(45) وفيه كانت وفاته (عليه السلام)(46).
التضييق على الإمام (عليه السلام)

أمر هارون الطاغية جلاده السندي الباغي أن يضيّق على الإمام، وإن يقيّده بثلاثين رطلاً من الحديد، ويقفل الباب في وجهه، ولا يدعه يخرج إلا للوضوء. وامتثل السندي لأوامر معلمه، فعمل على التضييق على الإمام، ووكل على مراقبته مولاه بشاراً، وكان من أشد الناس بغضاً لآل أبي طالب ولكنه لم يلبث أن تغيّر حاله، وتاب إلى طريق الحق، لما رآه من كرامات الإمام (عليه السلام) ومعاجزه، وقام ببعض الخدمات له(47).
لم يرع السندي حرمة الإمام (عليه السلام) وتعرض لإساءته، فقد حدث أبو الأزهر ابن ناصح البرجي قال:
اجتمعت مع ابن السكّيت(48) في مسجد يقع بالقرب من دار السندي، فدارت بيننا مذاكرة في علم العربية، وكان في الجامع رجل لا نعرفه فالتفت إلينا قائلاً: (يا هؤلاء، أنتم إلى إقامة دينكم أحوج منكم إلى إقامة ألسنتكم).
وأخذ الرجل يدلي علينا بالأدلة الوافرة على ضرورة الإمامة، ثم قال:
ـ ليس بينكم، وبين إمام العصر غير هذا الجدار ـ وأشار إلى جدار السندي.
ـ لعلك تعني هذا المحبوس؟
ـ نعم. يقول أبو الأزهر فعرفنا الرجل من الشيعة، وإنه يذهب إلى الإمامة فقلنا له: قد سترنا عليك، وطلبنا منه أن يذهب عنا لئلا نبتلي بسببه فانبرى الرجل لنا وقال: (والله لا يفعلون ذلك أبداً، والله ما قلت لكم إلا بأمره، وإنه ليرانا ويسمع كلامنا، ولو شاء أن يكون ثالثنا لكان).
يقول أبو الأزهر: وفي أثناء الحديث دخل علينا رجل من باب المسجد تكاد العقول أن تذهب لهيبته ووقاره، فعلمنا أنه الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) فبادرنا قائلاً: أنا ذلك الرجل الذي حدثكم عني صاحبي، وفي الوقت أقبل السندي ومعه جماعة من شرطته فقال للإمام بغير حياء ولا خجل: (يا ويحك كم تخرج بسحرك وحيلتك من وراء الأبواب والأغلال فلو كنت هربت كان أحب إليّ من وقوفك ههنا أتريد يا موسى أن يقتلني الخليفة؟).
فقال له الإمام (عليه السلام) والتأثر باد عليه:
(كيف أهرب، وكرامتي ـ أي نيلي الشهادة ـ على أيديكم).
ثم أخذ بيد الإمام (عليه السلام) وأودعه السجن.
هكذا كانت حالة الإمام (عليه السلام) يساء إليه ويضيّق عليه وهو صابر محتسب قد كظم غيظه، وبث همومه وأشجانه إلى الله تعالى.
تفرّغ الإمام (عليه السلام) للعبادة من جديداعتاد الإمام (عليه السلام) على عذاب السجون من قبل الحكام الظالمين الطغاة، فأقبل على العبادة، يصوم في النهار، ويقوم في الليل، ويقضي أكثر أوقاته بالسجود والعبادة، لا يفتر لسانه عن ذكر الله. حتى أن أخت السندي لما رأت إقبال الإمام (عليه السلام) على الطاعة الخالصة والعبادة المستمرة أثر ذلك في نفسها، وأصبحت من الصالحات، وعند ذلك دبّت الرأفة في قلبها وأخذت تعطف على الإمام (عليه السلام) وتقوم بخدمته دون علم أخيها وكانت إذا نظرت إليه أرسلت الدموع مدراراً من عينيها وتقول: (خاب قوم تعرّضوا لهذا الرجل)(49).
اتصال العلماء بالإمام (عليه السلام)
الإمام الكاظم (عليه السلام) ذلك الينبوع الغزير والمنهل الذي لا ينضب ماؤه كان مقصد العلماء والرواة والمحدثين، اتصلوا به من طريق خفي فنهلوا من نمير علومه، من هؤلاء نذكر موسى بن إبراهيم المروزي، وقد سمح له السندي بذلك لأنه كان معلماً لولده، وقد ألف المروزي كتاباً ممّا سمعه من الإمام (عليه السلام). واتصل به هند بن الحجاج وغيره من قادة الفكر الإسلامي، كما دخل عليه من غلس الليل أبو يوسف ومحمد بن الحسن(50) وقد أراد اختباره في بعض المسائل المهمة ليطلعا على مدى علمه ولما استقر بهما المجلس جاء إلى الإمام (عليه السلام) أحد الموظفين في السجن فقال له:
إن نوبتي قد فرغت وأريد الانصراف، فإن كانت لك حاجة فأمرني أن آتيك بها غداً، فقال (عليه السلام):
ليس لي حاجة انصرف. فلما انصرف، التفت (عليه السلام) إلى أبي يوسف وصاحبيه فقال لهما:
(إني لأعجب من هذا الرجل يسألني أن أكلفه حاجة يأتيني بها غداً إذا جاء وهو ميت في هذه الليلة) فأمسكا عن سؤاله، وقاما، وقد استولى عليهما الذهول وجعل كل واحد منهما يقول لصاحبه:
أردنا أن نسأله عن الفرض، والسنة، فأخذ يتكلم معنا في علم الغيب!!
والله لنرسلن خلف الرجل من يبيت على باب داره لينظر ما ذا يكون من أمره؟ وأرسلا في الوقت شخصاً فجلس على باب دار الرجل يراقبه فلما استقر في مكانه سمع الصراخ والعويل قد على من الدار، فسأل عن الحادث فأخبر بأن الرجل قد توفى، فقام مبادراً وأخبرهما بالأمر، متعجباً من علم الإمام (عليه السلام). وقد روى هذه القصة العديد من رواة الأثر(51) وإن دلّت هذه الرواية على شيء فإنها تدل على علم الإمام بالمغيبات، وانكشاف الحجاب له، وهذا ما تعتقده الشيعة في الإمام فهو يرى بعين الله تعالى.
إن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قد أخبروا بالملاحم والأمور الغيبية التي تحققت كلها، فهم بلا ريب ولا شك ورثة علم النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) قد ألهمهم عزّ وجلّ جميع أنواع العلوم، وأطلعهم على خفايا الأمور.
إرسال الفتاوى إلى الإمام (عليه السلام)
كانت بعض الأقاليم الإسلامية التي تدين بالإمامة ترسل عنها مبعوثاً خاصاً إلى الإمام (عليه السلام) حينما كان في سجن السندي، فتزوده بالرسائل والفتاوى فيجيبهم (عليه السلام) عنها، وممن جاءه علي بن سويد، اتصل بالإمام (عليه السلام) وسلّم إليه الكتب والفتاوى، فأجابه (عليه السلام) عنها.
تعيين وكلاء الإمام (عليه السلام)
عيّن الإمام (عليه السلام) جماعة من طلابه وأصحابه الذين يثق بهم وجعلهم وكلاء له في بعض المناطق الإسلامية، ثم أومأ لشيعته بالرجوع إليهم لأخذ الأحكام الدينية منهم، كما أذن لهم في أخذ الحقوق الشرعية، لصرفها في مواضعها الشرعية على الفقراء والبائسين من الشيعة وإنفاقها في وجه البرّ والخير.
فقد نصب المفضل بن عمر(52) وكيلاً له في قبض الحقوق وأذن له في صرفها على مستحقيها.
تعيين ولي عهده
نصب الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) من بعده ولده الإمام الرضا (عليه السلام) فجعله علماً لشيعته، مرجعاً لأمة جده (صلّى الله عليه وآله)، فقد حدّث الحسين بن المختار قال: لما كان الإمام الكاظم (عليه السلام) في السجن خرجت لنا ألواح من عنده وقد كتب فيها (عهدي إلى أكبر ولدي)(53).
علماً أنه عيّن ولده الرضا (عليه السلام) من بعده وذلك قبل أن يعتقله الطاغية هارون، وقلّده منصب الإمامة، ودلّ عليه الخواص من شيعته، فقد روى محمد بن زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: دعانا أبو إبراهيم ونحن سبعة عشر من ولد علي وفاطمة، فأشهدنا لعلي ابنه بالوصية والوكالة في حياته وبعد موته.
لقد بيّن (عليه السلام) الحجة من بعده، ولم يهمل أمر الإمامة لأن هذا واجب شرعي لكل إمام، ولا يجوز أن تترك الأمة بدون إمام. وبذلك يكون قد هدى شيعته إلى طريق الحق والصواب. وقد جاء في حديث معروف عن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بما معناه: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات موتة جاهلية).
وصية الإمام الكاظم (عليه السلام)
أوصى الإمام الكاظم (عليه السلام) ولده الإمام الرضا (عليه السلام) وعهد إليه بالأمر من بعده وقد أوصاه بوصية تتضمن ولايته على صدقاته، ونيابته عنه في شؤونه الخاصة والعامة. وقد أشهد عليها جماعة من المؤمنين الأعلام، وقبل أن يدلي بها ويسجلها أمر بإحضار الشهود وهم:
إبراهيم بن محمد الجعفري، وإسحاق بن محمد الجعفري، وإسحاق بن جعفر بن محمد، وجعفر بن صالح، ومحمد الجعفري، ويحيى بن الحسين بن زيد، وسعد بن عمران الأنصاري ومحمد بن الحارث الأنصاري، ويزيد بن سليط الأنصاري، ومحمد بن جعفر سعد الأسلمي ـ وهو كاتب الوصية ـ ولما حضر هؤلاء شرع بذكر وصيته، وهذا نصها:
(إن موسى يشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وإن محمداً عبده ورسوله، وإن الساعة آتية لا ريب فيها، وإن الله يبعث من في القبور، وإن البعث من بعد الموت حق، وأن الوعد حق، وإن الحساب حق، والقضاء حق، وإن الوقوف بين يدي الله حق، وأن ما جاء به محمد (صلّى الله عليه وآله) حق، وأن ما أنزل به الروح الأمين حق، على ذلك أحيى وعليه أموت، وعليه أبعث إن شاء الله، وأشهدهم أن هذه وصيتي بخطي، وقد نسخت وصية جدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ووصية محمد بن علي قبل ذلك نسختها حرفاً بحرف، ووصية جعفر بن محمد، على مثل ذلك، وإني قد أوصيت بها إلى علي وبني بعده معه إن شاء وآنس منهم رشداً، وأحب أن يقرهم فذاك له، ولا أمر لهم معه، وأوصيت إليه بصدقاتي وأموالي ومواليّ وصبياني الذي خلفت وولدي إلى إبراهيم والعباس وقاسم وإسماعيل وأحمد وأم أحمد، وإلى علي أمر نسائي دونهم، وثلث صدقة أبي وثلثي يضعه حيث يرى، ويجعل فيه ما يجعل ذو المال في ماله، فإن أحب أن يبيع أو يهب أو ينحل أو يتصدّق بها على من سمّيت له وعلى غير من سمّيت فذاك له، وهو أنا في وصيتي في مالي، وفي أهلي وولدي وإن يرى أن يقر أخوته الذين سميتهم في كتابي هذا أقربهم، وإن كره فله أن يخرجهم غير مثرب(54) عليه، ولا مردود، فإن آنس منهم غير الذي فارقتهم عليه فأحب أن يردهم في ولاية فذاك له، وإن أراد رجل منهم أن يزوج أخته فليس له أن يزوجها إلا بإذنه وأمره فإنه أعرف بمناكح قومه، وأي سلطان أو أحد من الناس كفه عن شيء أو حال بينه وبين شيء ممّا ذكرت فهو من الله ومن رسوله بريء، والله ورسوله منه براء، وعليه لعنة الله وغضبه ولعنة اللاعنين والملائكة المقربين والنبيين والمرسلين وجماعة المؤمنين، وليس لأحد من السلاطين أن يكفه عن شيء، وليس لي عنده تبعة، ولا تباعة، ولا لأحد من ولدي وله قبلي مال، فهو مصدق فيما ذكر، فإن أقل فهو أعلم، وإن أكثر فهو الصادق كذلك، وإنما أردت بإدخال الذين أدخلتهم معه من ولدي التنويه بأسمائهم، والتشريف لهم، وأمهات أولادي من أقامت منهنّ في منزلها وحجابها فلها ما كان يجري عليها في حياتي، إن رأى ذلك. ومن خرجت منهنّ إلى زوج فليس لها أن ترجع إلى محواي(55) إلا أن يرى عليّ غير ذلك، وبناتي بمثل ذلك، ولا يزوّج بناتي أحد من إخوتهن، من أمهاتهن، ولا سلطان ولا عم إلا برأيه ومشورته، فإن فعلوا غير ذلك فقد خالفوا الله ورسوله، وجاهدوا في ملكه، وهو أعرف بمناكح قومه، فإن أراد أن يزوّج زوّج وإن أراد أن يترك ترك، وقد أوصيتهنّ بما ذكرت في كتابي هذا، وجعلت الله عزّ وجلّ عليهنّ شهيداً، وهو وأم أحمد شاهدان وليس لأحد أن يكشف وصيتي، ولا ينشرها، وهو منها على غير ما ذكرت وسمّيت، فمن أساء فعليه، ومن أحسن فلنفسه، وما ربّك بظلاّم للعبيد، وصلّى الله على محمد وعلى آله، وليس لأحد من سلطان ولا غيره أن يفض كتابي هذا الذي ختمت عليه الأسفل، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله وغضبه ولعنة اللاعنين، والملائكة المقربين، وجماعة المرسلين والمؤمنين، وعلى من فضّ كتابي هذا)(56).
ووقع عليه السلام الوصية وختمها، وكذلك وقّع عليها الشهود السالفة أسماؤهم. وواضح أن وصيّه والحجة من بعده ولده الإمام الرضا (عليه السلام) فقد فوّض إليه جميع شؤونه، وألزم أبناءه بإتباعه والانصياع لأوامره. كما أمر (عليه السلام) أن يكون زواج كريماته بيد الإمام الرضا (عليه السلام) وتحت مشورته ورأيه فإنه أعرف بمناكح قومه من غيره فإنّهنّ ودائع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكريماته فينبغي أن لا يتزوّجن إلا بمؤمن تقي يعرف مكانتهنّ ويقدّر منزلتهنّ ولا يعرف الكفؤ لهنّ إلا ولده الرضا. وأكبر الظن أنه إنما أمر بإخفاء وصيته وعدم ذيوعها خوفاً على ولده من السلطة العباسية التي لم تقصر أبداً في محاربة أهل البيت (عليهم السلام) لذلك أراد إخفاءها خوفاً من نقمتهم عليه وتنكيلهم به.
المصادر :
1 - راجع: أخبار الدول، ص113، وفيات الأعيان، ج1، ص394، الاتحاف بحب الأشراف، ص55، تذكرة الخواص، ص259.
2 - الاحتجاج، ج2، ص163.
3 - فدك: قرية في الحجاز على مراحل من المدينة جاء الإسلام وهي بأدي اليهود وبعد فتح خيبر ألقى الله جلّ جلاله في قلوب أهلها الرعب فصالحوا النبي (صلّى الله عليه وآله) على النصف من غلاّتها ونزل جبرائيل (عليه السلام) بالآية الكريمة (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) ثم طلب من النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يعطي فدكاً لفاطمة (عليها السلام) عوضاً عن أموال أمها خديجة التي تمّ إنفاقها في سبيل الدعوة الإسلامية.بقيت فدك بيد الزهراء عدة سنوات في حياة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) وهي تنفق ما يحصل منها على الفقراء دون أن تدّخر شيئاً لنفسها أو لأهل بيتها.وبعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) أخذها أبو بكر معتقداً أن أخذها يضعف جانب الإمام علي (عليه السلام) فطالبت الزهراء (عليها السلام) باسترجاعها حتى أنها خطبت في مسجد أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خطبتها المشهورة التي كادت تزلزل بالحاكمين.
4 - المناقب، ج2، ص381.
5 - عيون أخبار الرضا، الغيبة للشيخ الطوسي، البحار، المناقب.
6 - الفصول المهمة، ص252.
7 - البحار، ج11، ص270-272.
8 - حياة الحيوان للدميري، ج1، ص77.
9 - سورة الحج: الآية 39.
10 - الكافي، ج2، ص373.
11 - سورة الأعراف: الآية 146.
12 - سورة البيّنة: الآية 1.
13 - سورة إبراهيم: الآية 28.
14 - البحار، ج11، ص279.
15 - سورة آل عمران: الآية 77، لا خلاق لهم: ليس لهم نصيب من الخير.
16 - سورة الحج: الآية 25.
17 - سورة الأنبياء: الآية 47.
18 - سورة المائدة: الآية 45.
19 - سورة المنافقون: الآية 8.
20 - البحار، ج17، ص296.
21 - المناقب، ج2، ص385.
22 - البحار، ج17، ص296.
23 - البحار، ج11، ص298.
24 - راجع تنقيح المقال.
25 - البحار، ج11، ص298.
26 - المصدر نفسه.
27 - المناقب، ج2، ص379.
28 - النجاشي، ص352.
29 - البحار والفصول المهمة.
30 - تاريخ الطبري.
31 - تاريخ بغداد، ج3، ص185.
32 - عيون أخبار الرضا وبحار الأنوار.
33 - البحار، ج11، ص298.
34 - سورة غافر: الآية 60.
35 - كان مسؤولاً عن دار الرشيد وشرطته.
36 - مروج الذهب، ج3، ص265.
37 - جاء في المناقب، ج2، ص370 أن الإمام (عليه السلام) رفض الهدايا التي قدمت له.
38 - وفيات الأعيان، ج4، ص394، وشذرات الذهب، ج1، ص304.
39 - البحار، ج11، ص270.
40 - الوسائل باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
41 - البحار، ج11، ص269.
42 - مختصر تاريخ العرب، ص209.
43 - مقاتل الطالبيين، ص303-304.
44 - هو مولى المنصور الدوانيقي ولي دمشق من قبل موسى بن عيسى في خلافة هارون الرشيد/ المصايد والمطارد ص7
45 - باب الكوفة: هو أحد الأبواب الأربعة الرئيسية لمدينة بغداد حينما بناه المنصور، وقد بنى على كل باب قبة مذهبة، وحولها مجالس ومرتفعات يجلس فيها فيشرف على كل ما يعمل به، وباب الكوفة هو الطريق الذي يسلك فيه إلى الحج، وكان باباً عظيماً لا يغلقه إلا جماعة من الناس، ولما غرقت بغداد في فيضان 330هـ هدمت طاقات باب الكوفة، وجاء ذلك في خارطة بغداد أن باب الكوفة تقع في قرية الوشاش الحديثة في محلة الكرخ.
46 - البحار، ج11، ص300.
47 - نفسه، ج11، ص305.
48 - هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الدورقي الأهوازي الإمامي النحوي اللغوي، كان ثقة جليلاً من عظماء الشيعة، ويعد من خواص الإماميين التقيين / الكنى والألقاب: ج1، ص303-304.
49 - النجاشي، ص319.
50 - محمد بن الحسن الشيباني، مولاهم الكوفي الفقيه، ولد بواسط، ونشأ بالكوفة،/ النجوم الزاهرة، ج2، ص130، وأنباه الرواة، ج2، ص268، توفي سنة 183هـ
51 - نور الأبصار، ص126-127، الاتحاف بحب الأشراف، ص57-58، البحار، ج11، ص251.
52 - الجعفي الكوفي، من كبار العلماء، ومن عيون المتقين الصالحين، ومن أفذاذ عصره، له المنزلة المرموقة والمكانة العليا عند أهل البيت (عليهم السلام)/ شرح توحيد المفضل، ص17.
53 - البحار، وأصول الكافي، عيون الأخبار.
54 - مثرب، مأخوذ من التثريب وهو التوبيخ والتعبير.
55 - المحوى، اسم المكان الذي يحوي الشيء أي الذي يضمه.
56 - أصول الكافي، ج1، ص316-317 والبحار.


Share
* الاسم:
* البرید الکترونی:
* نص الرأی :
* رقم السری:
  

أحدث العناوین
الاکثر مناقشة
الاکثر مشاهدة