2016 December 4 - ‫الخميس 04 ربیع الاول 1438
فصل الخطاب من كتاب الله ، وحديث الرسول ، وكلام العلماء في مذهب ابن عبد الوهاب
رقم المطلب: ١٥ تاریخ النشر: ١٨ جمادی الاول ١٤٣٥ - ٢٢:١١ عدد المشاهدة: 204
المقالات » عام
فصل الخطاب من كتاب الله ، وحديث الرسول ، وكلام العلماء في مذهب ابن عبد الوهاب

بسم الله الرحمن الرحيم




) صفحه 3 )


فصل الخطاب من كتاب الله ، وحديث الرسول ، وكلام العلماء في مذهب ابن عبد الوهاب



تأليف : العلم العلامة والفقيه الفهامة الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي الحنبلي المتوفي ( 1210 ه‍ ) أخ محمد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية بإشراف السيد محمد رضا الحسيني الجلالي تحقيق : لجنة من العلماء



( صفحه 4 ) الطبعة الأولي : مطبعة نخبة الأخبار بمبائي ، الهند - 1306 ه‍ . الطبعة الثانية : القاهرة - مصر . الطبعة الثالثة : مكتبة إيشق كتبوي ، استانبول - تركيا 1399 ه‍ . الطبعة الرابعة : محققة ومخرجة ومفهرسة .



( صفحه 5 ) هذا الكتاب إنه : أول كتاب ألف علي المذهب الوهابي ، في بداية ظهوره . إن المؤلف هو أخو مؤسس الوهابية فشهادته في حقه مقبولة ، لأنه من أهله . إن الكتاب يحتوي علي علم جم ، وتحقيق عميق وحجة بالغة ، لأنه من تأليف علامة كبير وفقيه في المذهب الحنبلي الذي تدعيه الوهابية . قال الوهابيون : كان لهذا الكتاب أثر كبير في هداية كثير في عاصمة نفوذهم : العيينة وحريملاء ، وغيرها من بلاد نجد . إقرأ حديثا مفصلا عن الكتاب والمؤلف في المقدمة التالية .



( صفحه 6 ) بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالي : ( وشهد شاهد من أهلها . . . ) سورة يوسف ( 12 ) ، الآية 26 وقال تعالي : ( وشهد شاهد من بني إسرائيل علي مثله ، فآمن . . . واستكبرتم ) سورة الأحقاف ( 46 ) ، الآية 10



( صفحه 7 ) المقدمة : المؤلف والكتاب المؤلف : هو الشيخ سليمان بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي ، النجدي ، الحنبلي . وهو أخ محمد بن عبد الوهاب مؤسس الدعوة الوهابية في العيينة من أرض نجد ، وكان سليمان أكبر من محمد عمرا ، وأكثر منه علما ، وأوجه منه ، بل كان بكر أبيه ، وقد درس محمد عنده كما درس عند أبيه عبد الوهاب . وكان سليمان عالما فقيها نبيها فهما مقبولا عند العلماء ، موجها عند الزعماء ، ومرجعا للعامة من الناس ، ومسموع الكلمة لعلمه ، وتقواه ، وإخلاصه . كان من المبادرين للنهي عن المنكرات ، والوقوف أمام انتشارها باللسان والقلم ، والنصيحة . وقد ألف هذا الكتاب بعد ثمانية سنوات من بدء الفتنة الوهابية . وكان لهذا الكتاب أثر بليغ في تعريف الناس بواقع الدين عقيدة وشريعة ووقع موقع الرضا والقبول ، لأن سليمان علي علمه وصدقه ومقبوليته ، كان شاهد صدق علي أخيه ، الذي عاشره وعاصره عن قرب . كما عاش قضايا الفتنة ومحدثاتها ، وأعمالها وتصرفاتها ، وسبر أغوارها ،



( صفحه 8 ) وشاهد بعينه ، ولمس بيده الجرائم والويلات التي جرتها علي الأمة والعلم . فكانت شهادته مسموعة من باب { وشهد شاهد من أهلها } . ولذلك ، رجع كثير من رؤساء القبائل ، وعلماء البلاد ، والعوام المغفلين ، عن اتباع الفرقة ، والالتزام بأفكار الجماعة . لقوة حجة سليمان كما عرضها في الكتاب ، وصدق ما نقله من الآراء والأعمال وقد ترجم للشيخ سليمان ، المؤلفون الجدد : منهم الأستاذ عمر رضا كحالة السوري في معجم المؤلفين ( 4 / 269 ) . ومنهم خير الدين الزركلي السوري ( الوهابي ) في الأعلام ( 3 / 130 ) . وهذا الأخير حاول تحريف بعض الحقائق ، حيث ادعي ( ندم ! ) الشيخ سليمان ، علي معارضته للفرقة ! ! ! فما ذكر هذا الكتاب في ترجمة الشيخ سليمان ! مع أنه من أشهر مؤلفاته ، وأهم ما كتبه ، وهو مطبوع متداول ! وقد ذكره المترجمون والمفهرسون كافة ! لكن الزركلي لم يشر إليه لا من قريب ولا من بعيد ، فهل هو يؤمن ويصدق علي مثل تلك الدعوي المزعومة ؟ ! وسيأتي كلام عن هذا . وقد حددوا وفاة الشيخ سليمان بما يلي : 1 - قال كحالة : كان حيا حوالي 1206 ه‍ . 2 - قال الزركلي : توفي نحو 1210 ه‍ . الكتاب : اسمه : الصواعق الإلهية في مذهب الوهابية ) ، كذا سماه في إيضاح المكنون ( 2 / 72 ) ، وذكره كحالة في معجم المؤلفين ( 4 / 269 ) .



( صفحه 9 ) وذكر له في إيضاح المكنون ( 2 / 190 ) كتابا آخر باسم : فصل الخطاب في مذهب محمد بن عبد الوهاب . وذكره كحالة ، أيضا . والمعروف أن الاسمين لكتاب واحد ، كما ذكر اسمه في بعض الفهارس هكذا : فصل الخطاب من كتاب رب الأرباب ، وحديث رسول الملك الوهاب ، وكلام أولي الألباب في . . . مذهب محمد بن عبد الوهاب . وهو هذا الكتاب الذي نقدمه للطبع ، للمرة الرابعة ، بعد أن طبع في الهند عام 1306 ه وفي مصر ، وفي تركيا عام 1399 ه‍ . ومع كل ذلك ، فقد أغفل الزركلي الوهابي ذكر اسم الكتاب ، أصلا . لكنه ذكر لسليمان كتابا آخر باسم : الرد علي من كفر المسلمين بسبب النذر لغير الله ، ورمز إلي أنه مخطوط يوجد في مكتبة الأوقاف في بغداد برقم ( 6805 ) كما في الأعلام ( 3 / 130 ) . وأظن أن هذا الكتاب هو نفس كتابنا ( فصل الخطاب ) لأنه يتحد معه في المضمون ، أو أنه اختصار منه ، لأن كتابنا يحتوي علي مسألة تكفير المسلمين بسبب النذر ، ومسائل أخري كزيارة القبور ، والاستشفاع بالنبي والأولياء ، وغير ذلك . وقد ذكر كحالة في معجم المؤلفين ( 4 / 269 ) ، نقلا عن كتاب الكشاف عن كتب الأوقاف البغدادية ، لأسعد طلس ( 126 - 127 ) أن لسليمان كتاب : ( التوضيح عن توحيد الخلاق ) . وقد خطأ بعض هذه النسبة ، فلاحظ مجلة العرب ( 7 / 227 ) . ومن مصادر كحالة : فهرس التيمورية ( 4 / 120 ) ولاحظ : اكتفاء القنوع بما هو مطبوع ( ص 388 ) .



( صفحه 10 ) أهمية الكتاب : تظهر أهمية الكتاب ، إذا عرفنا : 1 - أنه أول كتاب ألفه علماء المسلمين ردا علي الدعوة إلي الفرقة ، عقيب ظهو



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 10



رها فقد صرح المؤلف بأنه كتبه بعد ثمان سنوات من ظهورها . 2 - إن المؤلف بحكم كونه أخا لمؤسس الدعوة ، ولكونه يعيش في أوساط الدعاة وعقر دارهم ، كان أعرف بأحوالهم وأفكارهم ، وشاهد عن كثب تصرفاتهم وأعمالهم ، فكانت كلمته شهادة صدق ، وقول حق ، لا يرتاب فيه أحد . 3 - إن مقام المؤلف العلمي ، كواحد من كبار فقهاء المذهب الحنبلي ، وبفرض منزلته الاجتماعية : تمكن من فضح الدعاوي ، وإظهار مخالفتهم للمذهب الحنبلي ذاته ، ولعلماء الحنابلة : فقها وعقيدة وسيرة .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 10 - 17



ولذلك كله ، كان للكتاب أكبر الآثار في إيقاف المد الأسود بالرغم من استخدام الدعاة ، الحديد والنار والتهديد والانذار لمن يخالفهم أو لا يتابعهم ، ومع ذلك كان له أكبر الآثار علي الحد من انتشار الدعوة . وقد اعترف الدعاة بهذه الحقيقة . قال مشهور حسن في كتابه ( كتب حذر العلماء منها ) ما نصه : ( لقد كان لهذا الكتاب أثر سلبي ( ! ) كبير ، إذ نكص بسببه أهل ( حريملاء ) عن اتباع الدعوة السلفية ( ! ) ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل تجاوزت آثار الكتاب إلي ( العيينة ) . فارتاب ، وشك بعض من يدعي العلم في ( العيينة ) في صدق هذه الدعوة ، وصحتها ( ! ! ! ) كتب حذر . . ( 1 / 271 ) . ولمدي قوة تأثير الكتاب وأهميته ، سعي الزركلي الوهابي أن يدعي ندم



( صفحه 11 ) المؤلف ، عن معارضته للدعوة ، وأنه كتب في ذلك رسالة ( ! ) مطبوعة ( ! ! ) كذا قال في الأعلام ( 3 / 130 ) . والغريب ، أن الزركلي الذي يؤكد علي وجود هذه الرسالة ، مع غرابة ذكرها عنده ، وعدم معروفيتها وعدم ذكرها في فهارس الكتب المطبوعة وعدم تحديد اسم معين لها ، إلا أن يكون أحد الدعاة افتعلها ونحلها إلي الشيخ سليمان ! ! ؟ فإن الزركلي قد أغفل ذكر أسم كتاب للشيخ سليمان وهو ( فصل الخطاب ) المسمي بالصواعق الإلهية ، كتابنا هذا ، المطبوع مكررا ، والمشهور النسبة إلي المؤلف ، والمذكور في كتب التراجم والفهرسة . إن إغفاله لاسم هذا الكتاب ، قرينة علي إعماله للهوي والغرض في ترجمة سليمان ، ولا يستبعد أنه تعمد ذكر تلك الرسالة ليشوه علي القراء ، ويقدم دليلا علي ما زعمه كذبا ، من اتهام سليمان بالندم عن المعارضة للدعوة . ونقول : وحتي لو لفق أحد الدعاة رسالة منسوبة إلي الشيخ سليمان ، فإن ذلك لا يقلل - أبدا - من أهمية كتابنا هذا . فإن تلك الرسالة ، لم تذكر ، ولا لها أثر إلا عند الزركلي وأمثاله من الدعاة . ومع ذلك ، فإن ما أودعه الشيخ سليمان في هذا الكتاب القيم ( فصل الخطاب ) من الأدلة القويمة والحجج المحكمة ، والبراهين الواضحة والاستدلالات بالآيات وصحاح الروايات ، والكلام المقنع . . . لا يمكن لأحد العدول عنه ، ولا الأعراض عن اتباع مدلوله ومؤداه ، حتي لنفس المؤلف . وليس المهم - بعد وضوح الأدلة وقوة الاحتجاج - : من قالها ! وإنما المهم ما قاله من الحق والصدق والصواب . نعم ، لو كان مؤلف ثابتا علي مواقفه حتي آخر حياته - كما كان مؤلفنا - فهو دليل علي واقعيته ، وعدم انجرافه مع التيارات الدنيوية ، وعدم اغتراره



( صفحه 12 ) بالمظاهر والمناصب . ويكون كلامه أتم في الالزام وأقوي في الاحتجاج عند الخصام . وقد اعترف الجميع ، بأن الشيخ سليمان - كأبيه - كانا من أشد المعارضين للفرقة ، قبل إظهارها ، لما شاهداه من المخالفات والتفكير غير الراشد ، وقد حذرا منها . ثم بعد إظهارها للناس ، بادر الشيخ سليمان إلي الرد عليها ، بهذا الكتاب ، الذي يتفجر بالحط عليها ، والتبرؤ من عقائدها ، والانزجار من أفعالها وتصرفاتها . سبب تأليف الكتاب : يبدو من صدر الكتاب أن الشيخ سليمان كتبه بعنوان رسالة موجهة إلي شخص يدعي باسم ( حسن بن عيدان ) . ولم نتمكن - فعلا - من التعرف علي شخصيته والظاهر أنه من المتعصبين للدعوة ، وأنه كان يعاود مع المؤلف حولها ، مراسلة : حيث قال المؤلف . ( وأنت كتبت إلي كثيرا - أكثر من مرة - تستدعي ما عندي ، حيث نصحتك علي لسان ابن أخيك ) . فيبدو أنه كان محرضا ، يكرر محاولته لاستفزاز المؤلف ، فوجه إليه هذا الخطاب الذي هو ( الفصل ) . وقد بدأه المؤلف بقوله : ( أما بعد ، من سليمان بن عبد الوهاب إلي حسن بن عيدان سلام علي من اتبع الهدي . . . ) . وهذه البداية تكشف عن شدة اهتمام المؤلف بأمر الرجل ، بحيث لم يوجه إليه السلام ، ليأسه من هدايته .



( صفحه 13 ) وإنما جعل هذا الكتاب إطلاقة الخلاص لكل محاولاته التي كررها ، لإغواء المؤلف أو إغرائه . فلم يجده إلا متصلبا في التزامه بدين الحق . محتوي الكتاب : رتب المؤلف كتابه علي مقدمة وفصول ، كالتالي : ففي المقدمة : أورد أهمية إجماع الأمة الإسلامية من وجوب اتباع ما أجمع عليه ، وعدم جواز الاستبداد بالرأي ، في ما يمت إلي الإسلام من عقيدة وتشريع . ثم ذكر أنها أجمعت علي لزوم توافر شروط للمجتهد الذي يجوز للناس تقليده وأخذ أحكام الدين منه ، ولمن يدعي الإمامة ! وقد أكد هذا ، بكلمات صريحة من أقطاب السلفية وكبرائهم ، خصوصا ابن تيمية وابن القيم . ثم ذكر : أن الناس ابتلوا - اليوم - بمن ينتسب إلي الكتاب والسنة ، ويستنبط علومهما ، ولا يبالي بمن خالفه ! وإذا طلبت منه أن يعرض كلامه علي أهل العلم ، لم يفعل . بل ، يوجب علي الناس الأخذ بقوله ، وبمفهومه . ومن خالفه ، فهو - عنده - كافر ! ! هذا ، وهو لم يكن فيه خصلة واحدة من خصال أهل الاجتهاد ولا - والله - عشر واحدة ! ! ! ثم ذكر أن هذه الفرقة تكفر أمة الإسلام الواحدة المجتمعة علي الحق ؟ ! وأورد الآيات والروايات الدالة علي أن الدين عند الله هو الإسلام ، وإن إظهار الشهادتين ، يحقن دم المسلم ، ويؤمنه علي ماله وعرضه .



( صفحه 14 ) لكن الدعاة يكفرون المسلمين ، بدعوي أنهم مشركون ؟ ! واعتمادهم علي فهمهم الخاطئ لكلمة ( الشرك ) ثم دعواهم لصدق ( الشرك ) علي أفعال المسلمين ، لا يوافقونهم عليها ، مع دعواهم مخالفة لإجماع الأمة ، ولا يوافقهم أحد عليها ، فقال المؤلف لهم : ( من أين لكم هذه التفاصيل ؟ أاستنبطتم ذلك بمفاهيمكم ؟ ألكم في ذلك قدوة من إجماع ؟ أو تقليد من يجوز تقليده ؟ ) وهكذا ، يخطئهم المؤلف في فهمهم لمفردات الكلمات التي يكررونها ، ولا يفهمون معناها اللغوي ولا العرفي الاصطلاحي . ويخطؤون في تطبيقها علي غير مصاديقها والسبب في ذلك : أنهم ليسوا من أهل العلم ، ولا أهل اللغة ، فلا يعرفون للكلمات مفهوما ، ولا مصداقا . ثم حاول إثبات مخالفتهم في الفهم ، لصريح كلمات من يدعون الاقتداء به ، واعتبروه ( شيخا لإسلامهم ) وسلفا لهم ، أمثال ابن تيمية ، وكذلك ابن القيم . وهنا يكرر المؤلف علي الدعاة ، بلزوم مراجعة أهل العلم والفهم ، لفهم كلمات العلماء . وهو يحاسبهم في كل فصل ومسألة علي لوازم آرائهم ، وما يترتب علي فتاواهم الخاصة من التوالي الفاسدة ، فيقول : ( فكل هذه البلاد الإسلامية ، عندكم بلاد حرب ، كفار أهلها ؟ ! وكلهم ، عندكم ، مشركون شركا مخرجا عن الملة ؟ ! فإنا لله ، وإنا إليه راجعون ) ثم أورد ما ذكره ، مما انفردوا به ، من أسباب تكفيرهم للمسلمين ،



وهي : ( صفحه 15 ) مسألة النذور . والسؤال من غير الله . وأتيت في الموضوعين كلمات ابن تيمية وابن القيم ، ودلل علي أنهم لم يفهموا كلامهما ، وأن العبارات المنقولة - بطولها - تدل علي خلاف غرضهم ، ومدعاهم . كما أن ما يقومون به من أعمال ، مخالف بوضوح لما ذكره الشيخان من العبارات . ثم ذكر مسألة : التبرك ، والتمسح بالقبور ، والطواف ( ! ) بها . ونقل عن فقهاء الحنابلة ، عدم تحريمهم لها . وهو مذهب أحمد بن حنبل ! ثم ذكر معذورية الجاهل ، بإجماع أهل السنة وأن هذا أصل من أصولهم ، حتي اعترف به ابن تيمية وابن القيم . ثم في الفصول التالية ، ذكر أصلا إسلاميا حاصله : أن الفرق المنتمية إلي الإسلام علي فرض صدور شئ منهم يمكن تسميته ( كفرا ) : فليس كفرا مخرجا لهم عن ملة الإسلام ، ولا يصيرون بذلك مشركين . فذكر من الفرق : الخوارج وأفكارهم ، وأهل الردة وأحكامهم ، والقدرية ومذاهبهم ، والأشعرية وآرائهم ، والمرجئة وأقوالهم ، والجهمية ودعاواهم . وقال : ( إن مذهب السلف ( ! ) عدم تكفير هذه الفرق ، حتي مع شدة انحرافهم ، فلم يكفرهم أحد حتي ابن تيمية وابن القيم ! ولم يحكم بكفرهم أئمة أهل السنة حتي الإمام أحمد بن حنبل رئيس المذهب . ونقل عن ابن تيمية بالذات : ( إن تكفير المسلمين من أقبح البدع ، وأنه



( صفحه 16 ) الأصل للبدع الأخري . وذكر المؤلف : إن الدعاة تخالف جميع هذه الأصول ، وجميع هذه الكلمات ، وجميع هؤلاء الأئمة حتي ابن حنبل ، وحتي ابن تيمية وابن القيم . ثم ذكر أن أئمة المذاهب الأربعة : لا يلزمون أحدا بمذاهبهم الفقهية ، ولا آرائهم في العقيدة ، وإنما وسعوا علي الناس ! ولكن هؤلاء : أجبروا الناس علي آرائهم بالنار والحديد ، والتخويف والتهديد . ثم نقل اتفاق أهل السنة علي عدم التكفير المطلق للمسلمين . لكن هؤلاء يخالفون ذلك . ثم ذكر أن الأيمان الظاهر ، بإظهار الشهادتين ، هو الذي يحقن الدماء ، ويجري أحكام الإسلام ، وهذا مسلم حتي عند ابن تيمية وابن القيم . لكن هؤلاء لا يقرون بذلك . ثم ذكر أن من يراد تقليده يجب أن تتوفر فيه شروط من علم الدين ، وأن هؤلاء ليسوا أهلا للاستنباط . لأنهم لا يفهمون مراد الله في كتابه ، ولا معاني ألفاظ السنة ، ولا كلام علماء الإسلام . ثم فصل البحث عن قضية ( الحدود تدرء بالشبهات ) وأن المخالفين لهم الأدلة علي ما يرون ، فلا بد أن يدفع عنهم ذلك اسم الكفر والشرك ، الذي يكيله الدعاة علي من لا يوافقهم ، ويقومون بمجرد ذلك بالغارة والقتل والضرب والإيذاء . وأتيت نصا من ابن تيمية يدل علي إعذار المسلمين . ثم قال : ( أتظنون أن هذه الأمور ، التي تكفرون فاعلها ، إجماعا ؟ وتمضي



( صفحه 17 ) قرون الأئمة من ثمانمائة عام ، ومع هذا لم يرو عن عالم من علماء المسلمين أنها ( كفر ) ؟ ! بل ما يظن هذا عاقل . بل - والله - لازم قولكم أن جميع الأمة بعد زمان الإمام أحمد ، علماؤها وأمراؤها وعامتها ، كلهم ( كفار ) مرتدون ! فإنا لله وإنا إليه راجعون . وا غوثاه إلي الله ، ثم وا غوثاه إلي الله ، ثم وا غوثاه ! ! ! أم تقولون : - كما يقول بعض عامتكم - : إن الحجة ما قامت إلا بكم ، وإن قبلكم لم يعرف دين الإسلام ! !



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 17 - 26



يا عباد الله ، انتبهوا . إن مفهومكم : { أن هذه الأفاعيل من الشرك الأكبر } مفهوم خطأ . ثم ذكر ما دل علي نجاة الأمة الإسلامية حسب النصوص في فصول . ثم ذكر حقيقة الشرك وأقسامه . ثم ذكر حقيقة الإسلام وصفة المسلم من خلال ( 52 ) حديثا مستخرجا من الصحيحين ومسند أحمد ، والسنن والجوامع المشهورة . مستشهدا علي صحة إسلام أهل الفرق الإسلامية كافة ، ونجاتهم يوم القيامة ، وعدم تجويز تكفيرهم ، فضلا عن قتلهم ونهب أموالهم ، وسبي نسائهم وذراريهم ! كما فعله الدعاة ، ويفعلونه اليوم في مناطق من العالم الإسلامي . وبذلك بهت أصحاب الدعوة السلفية الوهابية ، أمام حجج هذا الكتاب ، فلم يتعرضوا له ، إلا بالإغفال والترك ! وقد اعترفوا علي لسان مشهور حسن الأردني ( ! ) : أن جماعات من أهل نجد ( بلاد الوهابية ) رجعوا إلي الإسلام ، ونبذوا الدعوة وتحرروا من أغلالها ، والتزموا ( صفحه 18 ) الحق الذي أثبته هذا الكتاب ، والحمد لله رب العالمين . مزايا الكتاب : من خلال عملنا في الكتاب ، وقفنا علي مزاياه التالية : 1 - منطقية البحث فيه ، ومعالجته للأفكار من الجذور ، فهو يحرقها من أصولها ثم يتدرج إلي أن يفحم الخصم . 2 - الاعتماد المباشر علي الآيات ، ثم أحاديث السنة ، المأخوذة من الصحيحين ، ثم كلمات العلماء ، خصوصا سلف الدعاة ، وهما ابن تيمية وابن القيم . الرجلان اللذان يحتج بهما أولئك ويعتبرونهما ( شيخا إسلامهم ) . 3 - مناقشتهم في ( فهم ) العبارات وألفاظ الكتاب والسنة ، وإثبات عدم معرفتهم لأساليب الكلام ولا فهم الألفاظ . 4 - إفحام الموالين بعرض تصرفاتهم والتزاماتهم المخالفة لأبسط قواعد العلم والتوحيد والشريعة في مواجهة المسلمين بالتكفير ، والإيذاء ، والاكراه علي ما لا يريدون ولا يعتقدون ، بل القتل والغارة والاعتداء . عملنا في الكتاب : اعتمدنا في عملنا علي الطبعة الهندية عام 1306 ه‍ والتي أعادها بالتصوير إيشق كتبوي في تركيا . وقمنا بالأعمال التالية : 1 - أشرنا إلي مواضع الآيات في القرآن الكريم ، كما ضبطنا الكلمات بالتصحيح التام . 2 - خرجنا الأحاديث الشريفة ، منن مصادرها المذكورة في المتن ، ومن



( صفحه 19 ) غيرها أيضا . وجمعناها مع التخريجات في فهرس جامع علي الأطراف كي تسهل مراجعتها . 3 - خرجنا ما تمكنا منه من الأقوال المنقولة ، ووضعنا فهرسا لها حسب أهم المواضيع الواردة فيها . 4 - عنونا لفصول الكتاب بعناوين توضيحية [ بين المعقوفتين ] لتوجيه القارئ ، ولإعداد فهرس جامع لمحتوي الكتاب . 5 - قمنا بتقطيع الكتاب وتنقيطه ، حسب الإخراج الفني المتداول في العصر ، ليناسب ذوق القراء ، ويسهل فهمه . 6 - وضعنا الفهارس الفنية للآيات والأحاديث والأقوال ، والألفاظ المصطلحة ، والمحتوي . 7 - وهذه المقدمة التي نحن في نهايتها . مخلصين في جميع ذلك لوجه الله ، حامدين له تعالي للتوفيق إلي ذلك ، ونسأله المزيد من فضله وإحسانه ، وأن يرضي عنا بجلاله وإكرامه . إنه ذو الجلال والإكرام . والصلاة والسلام علي سيد الأنام ، محمد وآله الكرام وأصحابه الأمناء العظام . لجنة التحقيق



( صفحه 21 ) بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف وبه ثقتي الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله ولو كره المشركون ، صلي الله عليه وعلي آله إلي يوم الدين . أما بعد : من سليمان بن عبد الوهاب ، إلي حسن بن عيدان . سلام علي من اتبع الهدي . وبعد : قال الله تعالي : { ولتكن منكم أمة يدعون إلي الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } ( 1 ) الآية . وقال النبي صلي الله عليه وسلم : الدين النصيحة ( 2 ) . وأنت كتبت إلي - أكثر من مرة - تستدعي ما عندي ، حيث نصحتك علي لسان ابن أخيك .



( صفحه 22 ) فها أنا أذكر لك بعض ما علمت من كلام أهل العلم ، فإن قبلت فهو المطلوب - والحمد لله - . وإن أبيت فالحمد لله ، إنه سبحانه لا يعصي قهرا ، وله في كل حركة وسكون حكمة . [ وجوب اتباع إجماع الأمة المحمدية ] فنقول : اعلم أن الله سبحانه وتعالي بعث محمدا صلي الله عليه وسلم بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله ، وأنزل عليه الكتاب تبيانا لكل شئ ، فأنجز الله له ما وعده ، وأظهر دينه علي جميع الأديان ، وجعل ذلك ثابتا إلي آخر الدهر ، حين انخرام أنفس جميع المؤمنين . وجعل أمته خير الأمم - كما أخبر بذلك بقوله : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ( 1 ) - وجعلهم شهداء علي الناس ، قال تعالي : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس } ( 2 ) ، واجتباهم - كما قال تعالي : { هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج } ( 3 ) - الآية . وقال : النبي صلي الله عليه وسلم : أنتم توفون سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها عند الله ( 4 ) . ودلائل ما ذكرنا لا تحصي . وقال صلي الله عليه وسلم : لا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتي تقوم الساعة ، رواه البخاري ( 5 ) .



( صفحه 23 ) وجعل اقتفاء أثر هذه الأمة واجبا علي كل أحد بقوله تعالي : { ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولي ونصله جهنم وساءت مصيرا } ( 1 ) . وجعل إجماعهم حجة قاطعة لا يجوز لأحد الخروج عنه ، ودلائل ما ذكرنا معلومة عند كل من له نوع ممارسة في العلم . اعلم : أن ما جاء به محمد صلي الله عليه وسلم أن الجاهل لا يستبد برأيه ، بل يجب عليه أن يسأل أهل العلم ، كما قال تعالي : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ( 2 ) ، وقال صلي الله عليه وسلم : هلا إذا لم يعلموا سألوا ، فإنما دواء العي السؤال ( 3 ) . وهذا إجماع . [ إجماع الأمة علي شرائط الاجتهاد ] قال في غاية السؤل : قال الإمام أبو بكر الهروي : أجمعت العلماء قاطبة علي أنه لا يجوز لأحد أن يكون إماما في الدين والمذهب المستقيم حتي يكون جامعا هذه الخصال ، وهي : أن يكون حافظا للغات العرب واختلافها ، ومعاني أشعارها وأصنافها . واختلاف العلماء والفقهاء . ويكون عالما فقيها ، وحافظا للأعراب وأنواعه والاختلاف . عالما بكتاب الله ، حافظا له ، ولاختلاف قرائته ، واختلاف القراء فيها ، عالما بتفسيره ، ومحكمه ومتشابهه ، وناسخه ومنسوخه ، وقصصه .



( صفحه 24 ) عالما بأحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم ، مميزا بين صحيحها وسقيمها ، ومتصلها ومنقطعها ، ومراسيلها ومسانيدها ، ومشاهيرها ، وأحاديث الصحابة موقوفها ومسندها . ثم يكون ورعا ، دينا ، صائنا لنفسه ، صدوقا ثقة ، يبني مذهبه ودينه علي كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم . فإذا جمع هذه الخصال ، فحينئذ يجوز أن يكون إماما ، وجاز أن يقلد ويجتهد في دينه وفتاويه . وإذا لم يكن جامعا لهذه الخصال ، أو أخل بواحدة منها ، كان ناقصا ، ولم يجز أن يكون إماما ، وأن يقلده الناس . قال : قلت : وإذا ثبت أن هذه شرائط لصحة الاجتهاد والإمامة ، ففرض كل من لم يكن كذلك أن يقتدي بمن هو بهذه الخصال المذكورة . وقال : الناس في الدين علي قسمين : مقلد ومجتهد : والمجتهدون مختصون بالعلم ، وعلم الدين يتعلق بالكتاب ، والسنة ، واللسان العربي الذي وردا به . فمن كان فهما يعلم الكتاب والسنة ، وحكم ألفاظهما ، ومعرفة الثابت من أحكامهما ، والمنتقل من الثبوت بنسخ أو غيره ، والمتقدم والمؤخر صح اجتهاده ، وأن يقلده من لم يبلغ درجته . وفرض من ليس بمجتهد أن يسأل ويقلد ، وهذا لا اختلاف فيه ، إنتهي . أنظر قوله : وهذا لا اختلاف فيه . وقال ابن القيم في ( إعلام الموقعين ) ( 1 ) لا يجوز لأحد أن يأخذ من الكتاب



( صفحه 25 ) والسنة ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد ، ومن جميع العلوم . قال محمد بن عبد الله بن المنادي : سمعت رجلا يسأل أحمد : إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث هل يكون فقيها ؟ قال : لا . قال : فمائتي ألف حديث ؟ قال : لا . قال : فثلاث مائة ألف حديث ؟ قال : لا . قال : فأربع مائة ألف ؟ قال : نعم . قال : أبو الحسين : فسألت جدي ، كم كان يحفظ أحمد ؟ قال : أجاب عن ستمائة ألف حديث . قال أبو إسحاق : لما جلست في جامع المنصور للفتيا ، ذكرت هذه المسألة ، فقال لي رجل : فأنت تحفظ هذا المقدار حتي تفتي الناس ؟ قلت : لا ، إنما أفتي بقول من يحفظ هذا المقدار ، إنتهي . ولو ذهبنا نحكي من حكي الإجماع لطال ، وفي هذا لكفاية للمسترشد . وإنما ذكرت هذه المقدمة لتكون قاعدة يرجع إليها فيما نذكره . [ ابتلاء الأمة بمن يدعي الاجتهاد والتجديد ] فإن اليوم ابتلي الناس بمن ينتسب إلي الكتاب والسنة ، ويستنبط من علومهما ، ولا يبالي بمن خالفه . وإذا طلبت منه أن يعرض كلامه علي أهل العلم لم يفعل .



( صفحه 26 ) بل يوجب علي الناس الأخذ بقوله ، وبمفهومه ، ومن خالفه فهو عنده كافر ( 1 ) . هذا ، وهو لم يكن فيه خصلة واحدة من خصال أهل الاجتهاد ، ولا - والله - عشر واحدة . ومع ، هذا فراج كلامه علي كثير من الجهال . فإنا لله وإنا إليه راجعون . الأمة كلها تصيح بلسان واحد ، ومع هذا لا يرد لهم في كلمة ، بل كلهم كفار أو جهال ، اللهم اهد الضال ورده إلي الحق . [ الدين هو السلام بإظهار الشهادتين ] فنقول : قال الله عز وجل : { إن الدين عند الله الإسلام } ( 2 ) . وقال تعالي : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } ( 3 ) . وقال تعالي : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } ( 4 ) . وفي الآية الأخري : { فإخوانكم في الدين } ( 5 ) . قال ابن عباس : حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة . و



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 21 )
( 1 ) آل عمران : 104 . ( 2 ) صحيح مسلم : 1 / 106 ح 95 كتاب الإيمان . ( پاورقي ص 22 ) ( 1 ) آل عمران : 110 . ( 2 ) البقرة : 143 . ( 3 ) الحج : 78 . ( 4 ) مسند أحمد بن حنبل : 5 / 3 . ( 5 ) صحيح البخاري : 6 / 2667 ح 6882 كتاب الاعتصام . ( پاورقي ص 23 ) ( 1 ) النساء : 115 . ( 2 ) الأنبياء : 7 . ( 3 ) سنن أبي داود : 1 / 93 ح 336 كتاب الطهارة . والنص هكذا : . . . ألا سألوا ، إذ بم يعلموا ، فإنما شفاء العي ( پاورقي ص 24 ) ( 1 ) إعلام الموقعين عن رب العالمين : 1 / 45 و 4 / 198 ، 205 . ( پاورقي ص 26 ) ( 1 ) يعني بذلك - والله أعلم - أخاه محمد بن عبد الوهاب ، وتكفيره لمن خالفه من المسلمين أمر قد اشتهر عنه وتواتر ، وذكره غير المصنف أيضا ، فما يقول الوهابيون ؟ . ( 2 ) آل عمران : 19 . ( 3 ) آل عمران : 85 . ( 4 ) التوبة : 5 . ( 5 ) الأحزاب : 5 .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 26 - 32



قال أيضا : لا تكونوا كالخوارج ، تأولوا آيات القرآن في أهل القبلة ، وإنما أنزلت في أهل الكتاب والمشركين ، فجهلوا علمها ، فسفكوا بها الدماء ، وانتهكوا



( صفحه 27 ) الأموال ، وشهدوا علي أهل السنة بالضلالة ، فعليكم بالعلم بما نزل فيه القرآن ، إنتهي . وكان ابن عمر يري الخوارج شرار الخلق ، قال : إنهم عمدوا في آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المسلمين - ورواه البخاري عنه ( 1 ) - فحينئذ ذكر الله عز وجل : { إن الدين عند الله الإسلام } ( 2 ) . وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم - في حديث جبريل في الصحيحين ( 3 ) - : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله . . . الحديث . وفي حديث ابن عمر - الذي في الصحيحين ( 4 ) - : بني الإسلام علي خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله . . . الحديث . وفي حديث وفد عبد القيس : آمركم بالأيمان بالله وحده ، أتدرون ما الأيمان بالله وحده ؟ شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله . . . الحديث ، وهو في الصحيحين ( 5 ) . وغير ذلك من الأحاديث وصف الإسلام بالشهادتين ، وما معهما من الأركان ، وهذا إجماع من الأمة ، بل أجمعوا أن من نطق بالشهادتين أجريت عليه أحكام الإسلام ، لحديث : أمرت أن أقاتل الناس ، ولحديث الجارية ، أين الله ؟ قالت : في السماء ، قال : من أنا ؟ قالت : رسول الله ، قال : أعتقها ، فإنها مؤمنة .



( صفحه 28 ) وكل ذلك في الصحيحين ( 1 ) . ولحديث : كفوا عن أهل لا إله إلا الله ( 2 ) ، وغير ذلك . قال ابن القيم : أجمع المسلمون علي أن الكافر إذا قال : لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فقد دخل في الإسلام ، إنتهي . وكذلك أجمع المسلمون أن المرتد إذا كانت ردته بالشرك ، فإن توبته بالشهادتين . وأما القتال : إن كان ثم إمام قاتل الناس حتي يقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة . وكل هذا مسطور ، مبين في كتب أهل العلم ، من طلبه وجده ، فالحمد لله علي تمام الإسلام . فصل [ تكفير المسلمين ] إذا فهمتم ما تقدم . فإنكم الآن تكفرون من شهد أن لا إله إلا الله وحده ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأقام الصلاة ، وآتي الزكاة ، وصام رمضان ، وحج البيت مؤمنا بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، ملتزما لجميع شعائر الإسلام ، وتجعلونهم كفارا ، وبلادهم بلاد حرب . فنحن نسألكم من إمامكم في ذلك ؟ وممن أخذتم هذا المذهب عنه ؟



( صفحه 29 ) فإن قلتم : كفرناهم لأنهم مشركون بالله ، والذي منهم ما أشرك بالله لم يكفر من أشرك بالله ، لأن الله سبحانه قال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به } ( 1 ) . . . الآية ، وما في معناها من الآيات ، وأن أهل العلم قد عدوا في المكفرات من أشرك بالله . قلنا : حق ، الآيات حق ، وكلام أهل العلم حق . ولكن أهل العلم قالوا في تفسير ( أشرك بالله ) : أي ادعي أن لله شريكا ، كقول المشركين : { هؤلاء شركاؤنا } ( 2 ) ، وقوله تعالي : { وما نري معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } ( 3 ) ، { إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون } ( 4 ) ، { أجعل الآلهة إلها واحدا } ( 5 ) . إلي غير ذلك مما ذكره الله في كتابه ، ورسوله ، وأهل العلم . [ آراء وأهواء مخالفته لإجماع الأمة ] ولكن هذه التفاصيل التي تفصلون من عندكم أن من فعل كذا فهو مشرك ، وتخرجونه من الإسلام . من أين لكم هذا التفصيل ؟ أإستنبطتم ذلك بمفاهيمكم ؟ فقد تقدم لكم من إجماع الأمة أنه لا يجوز لمثلكم الاستنباط ! ! ألكم في ذلك قدوة من إجماع ؟ أو تقليد من يجوز تقليده ؟



( صفحه 30 ) مع أنه لا يجوز للمقلد أن يكفر إن لم تجمع الأمة علي قول متبوعه فبينوا لنا : من أين أخذتم مذهبكم هذا ؟ ولكم علينا عهد الله وميثاقه إن بينتم لنا حتما يجب المصير إليه ، لنتبع الحق إن شاء الله . فإن كان المراد مفاهيمكم . فقد تقدم أنه لا يجوز لنا ولا لكم ولا لمن يؤمن بالله واليوم الآخر الأخذ بها ، ولا نكفر من معه الإسلام الذي أجمعت الأمة علي [ أن ] من أتي به فهو مسلم . فأما الشرك ففيه أكبر وأصغر ، وفيه كبير وأكبر ، وفيه ما يخرج من الإسلام ، وفيه ما لا يخرج من الإسلام ، وهذا كله بإجماع . وتفاصيل ما يخرج مما لا يخرج يحتاج إلي تبيين أئمة أهل الإسلام الذين اجتمعت فيهم شروط الاجتهاد ، فإن أجمعوا علي أمر لم يسع أحدا الخروج عنه ، وإن اختلفوا فالأمر واسع . فإن كان عندكم عن أهل العلم بيان واضح فبينوا لنا - وسمعا وطاعة - . وإلا ، فالواجب علينا وعليكم الأخذ بالأصل المجمع عليه ، واتباع سبيل المؤمنين . وأنتم تحتجون أيضا بقوله عز وجل { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( 1 ) . وبقوله عز وجل في حق الأنبياء : { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ( 2 ) . وبقوله تعالي : { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } ( 3 ) .



( صفحه 31 ) فنقول : نعم ، كل هذا حق يجب الإيمان به . ولكن ، من أين لكم أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، إذا دعا غائبا أو ميتا ، أو نذر له أو ذبح لغير الله أو تمسح بقبر ، أو أخذ من ترابه أن هذا هو الشرك الأكبر الذي من فعله حبط عمله ، وحل ماله ودمه ، وأنه الذي أراد الله سبحانه من الآية وغيرها في القرآن ؟ [ لا عبرة بفهم أولئك لقصورهم ] فإن قلتم : فهمنا ذلك من الكتاب والسنة . قلنا : لا عبرة بمفهومكم ، ولا يجوز لكم ولا لمسلم الأخذ بمفهومكم . فإن الأمة مجمعة - كما تقدم - [ علي ] أن الاستنباط مرتبة أهل الاجتهاد المطلق . ومع هذا لو اجتمعت شروط الاجتهاد في رجل لم يجب علي أحد الأخذ بقوله دون نظر . قال الشيخ تقي الدين : من أوجب تقليد الإمام بعينه دون نظر إنه يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، إنتهي . [ مخالفته حتي لابن تيمية ] وإن قلتم : أخذنا ذلك من كلام بعض أهل العلم كابن تيمية وابن القيم ، لأنهم سموا ذلك شركا . قلنا : هذا حق ، ونوافقكم علي تقليد الشيخين أن هذا شرك ، ولكنهم لم يقولوا - كما قلتم - إن هذا شرك أكبر يخرج من الإسلام ، وتجري علي كل بلد هذا فيها أحكام أهل الردة ، بل من لم يكفرهم عندكم فهو كافر تجري عليه أحكام



( صفحه 32 ) أهل الردة . ولكنهم رحمهم الله ذكروا أن هذا شرك ، وشددوا فيه ، ونهوا عنه . ولكن ما قالوا كما قلتم ولا عشر معشاره .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 26 )
( 1 ) يعني بذلك - والله أعلم - أخاه محمد بن عبد الوهاب ، وتكفيره لمن خالفه من المسلمين أمر قد اشتهر عنه وتواتر ، وذكره غير المصنف أيضا ، فما يقول الوهابيون ؟ . ( 2 ) آل عمران : 19 . ( 3 ) آل عمران : 85 . ( 4 ) التوبة : 5 . ( 5 ) الأحزاب : 5 . ( پاورقي ص 27 ) ( 1 ) صحيح البخاري : 6 / 2539 باب 5 في قتل الخوارج والملحدين . ( 2 ) صحيح مسلم : 1 / 64 ح 1 كتاب الإيمان . ( 3 ) صحيح البخاري : 1 / 29 ح 53 . ( 4 ) صحيح البخاري : 1 / 12 ح 8 كتاب الأيمان ، صحيح مسلم : 1 / 73 ح 21 كتاب الأيمان . ( 5 ) صحيح البخاري : 1 / 29 ح 53 كتاب الأيمان ، صحيح مسلم : 1 / 75 ح 24 كتاب الأيمان . ( پاورقي ص 28 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 1 / 80 ح 33 كتاب الأيمان ، و 2 / 21 ح 33 كتاب المساجد ، سنن الدارمي : 2 / 87 ، كتاب النذور والأيمان . ( 2 ) كنز العمال 3 / 635 ح 8270 ( پاورقي ص 29 ) ( 1 ) النساء : 48 . ( 2 ) النحل : 86 . ( 4 ) النحل : 86 . ( 4 ) الصافات : 35 . ( 5 ) النحل : 86 . ( پاورقي ص 30 ) ( 1 ) الزمر : 65 . ( 2 ) الأنعام : 88 . ( 3 ) آل عمران : 80 .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 32 - 38



ولكنكم أخذتم من قولهم ما جاز لكم ، دون غيره . بل في كلامهم رحمهم الله ما يدل علي أن هذه الأفاعيل شرك أصغر . وعلي تقدير أن في بعض أفراده ما هو شرك أكبر - علي حسب حال قائله ونيته - فهم ذكروا في بعض مواضع من كلامهم : أن هذا لا يكفر ، حتي تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها - كما يأتي - في كلامهم إن شاء الله مفصلا . ولكن المطلوب منكم هو الرجوع إلي كلام أهل العلم ، والوقوف عند الحدود التي حدوا . فإن أهل العلم ذكروا في كل مذهب من المذاهب الأقوال والأفعال التي يكون بها المسلم مرتدا . ولم يقولوا : من طلب من غير الله فهو مرتد . ولم يقولوا من ذبح لغير الله فهو مرتد . ولم يقولوا من تمسح بالقبور وأخذ من ترابها فهو مرتد . - كما قلتم أنتم - . فإن كان عندكم شئ فبينوه ، فإنه لا يجوز كتم العلم . ولكنكم أخذتم هذا بمفاهيمكم ، وفارقتم الإجماع ، وكفرتم أمة محمد صلي الله عليه وسلم كلهم ، حيث قلتم : من فعل هذه الأفاعيل فهو كافر ، ومن لم يكفره فهو كافر ومعلوم عند الخاص والعام أن هذه الأمور ملأت بلاد المسلمين ، وعند أهل العلم منهم أنها ملأت بلاد المسلمين من أكثر من سبعمائة عام .



( صفحه 33 ) وأن من لم يفعل هذه الأفاعيل من أهل العلم لم يكفروا أهل هذه الأفاعيل ، ولم يجروا عليهم أحكام المرتدين . بل أجروا عليهم أحكام المسلمين . بخلاف قولكم ، حيث أجريتم الكفر والردة علي أمصار المسلمين ، وغيرها من بلاد المسلمين ، وجعلتم بلادهم بلاد حرب ، حتي الحرمين الشريفين اللذين أخبر النبي صلي الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة الصريحة أنهما لا يزالا بلاد إسلام ، وأنهما لا تعبد فيهما الأصنام ، وحتي أن الدجال في آخر الزمان يطئ البلاد كلها إلا الحرمين ( 1 ) - كما تقف علي ذلك إن شاء الله في هذه الرسالة - . فكل هذه البلاد عندكم بلاد حرب ، كفار أهلها ، لأنهم عبدوا الأصنام - علي قولكم - . وكلهم - عندكم - مشركون شركا مخرجا عن الملة . فإنا لله وإنا إليه راجعون . فوالله ، إن هذا عين المحادة لله ولرسوله ، ولعلماء المسلمين قاطبة . [ آراء ابن تيمية وابن القيم ] فأعظم من رأينا مشددا في هذه الأمور التي تكفرون بها الأمة - النذور وما معها - ابن تيمية وابن القيم . وهما رحمهما الله قد صرحا في كلامهما تصريحا واضحا أن هذا ليس من الشرك الذي ينقل عن الملة . بل قد صرحوا في كلامهم : أن من الشرك ما هو أكبر من هذا بكثير كثير ، وأن



( صفحه 34 ) من هذه الأمة من فعله وعاند فيه ، ومع هذا لم يكفروه - كما يأتي كلامهم في ذلك إن شاء الله تعالي - . [ في النذور لغير الله ] فأما النذور : فنذكر كلام الشيخ تقي الدين فيه ، وابن القيم ، وهما من أعظم من شدد فيه ، وسماه شركا ، فنقول : قال الشيخ تقي الدين : النذر للقبور ولأهل القبور ، كالنذر لإبراهيم الخليل عليه السلام أو الشيخ فلان نذر معصية لا يجوز الوفاء وإن تصدق بما نذر من ذلك علي من يستحقه من الفقراء أو الصالحين كان خيرا له عند الله وأنفع ، انتهي . فلو كان الناذر كافرا عنده لم يأمره بالصدقة ، لأن الصدقة لا تقبل من الكافر ، بل يأمره بتجديد إسلامه ، ويقول له : خرجت من الإسلام بالنذر لغير الله . قال الشيخ ( 1 ) أيضا : من نذر إسراج بئر ، أو مقبرة أو جبل ، أو شجرة ، أو نذر له ، أو لسكانه لم يجز ، ولا يجوز الوفاء به ، ويصرف في المصالح ما لم يعرف ربه ، انتهي . فلو كان الناذر كافرا لم يأمره برد نذره إليه ، بل أمر بقتله . وقال الشيخ أيضا : من نذر قنديل نقد للنبي صلي الله عليه وسلم صرف لجيران النبي صلي الله عليه وسلم إنتهي . فانظر كلامه هذا وتأمله ، هل كفر فاعل هذا ؟ أو كفر من لم يكفره ؟ أو عد هذا في المكفرات هو أو غيره من أهل العلم ؟ - كما قلتم أنتم وخرقتم الإجماع - ؟ وقد ذكر ابن مفلح في ( الفروع ) عن شيخه الشيخ تقي الدين ابن تيمية : والنذر لغير الله ، كنذره لشيخ معين للاستغاثة ، وقضاء الحاجة منه ، كحلفه بغيره ، وقال



( صفحه 35 ) غيره : هو نذر معصية ، إنتهي . فانظر إلي هذا الشرط المذكور - أي نذر له لأجل الاستغاثة به - بل جعله الشيخ كالحلف بغير الله ، وغيره من أهل العلم جعله نذر معصية . هل قالوا مثل ما قلتم : من فعل هذا فهو كافر ؟ ومن لم يكفره فهو كافر ؟ - عياذا بك اللهم من قول الزور - . كذلك ابن القيم ذكر النذر لغير الله في فصل الشرك الأصغر من المدارج ( 1 ) . واستدل له بالحديث الذي رواه أحمد ( 2 ) عن النبي صلي الله عليه وسلم النذر حلفة ، وذكر غيره من جميع ما تسمونه شركا ، وتكفرون به ، فعل الشرك الأصغر . [ في الذبح لغير الله ] وأما الذبح لغير الله : فقد ذكره في المحرمات ، ولم يذكره في المكفرات ، إلا إن ذبح للأصنام ، أو لما عبد من دون الله ، كالشمس ، والكواكب . وعده الشيخ تقي الدين في المحرمات الملعون صاحبها ، كمن غير منار الأرض ، أو من ضار مسلما - كما سيأتي في كلامه إن شاء الله تعالي - . وكذلك أهل العلم ذكروا ذلك مما أهل به لغير الله ونهوا عن أكله ، ولم يكفروا صاحبه . وقال الشيخ تقي الدين : كما يفعله الجاهلون بمكة - شرفها الله تعالي - وغيرها من بلاد المسلمين ، من الذبح للجن ، ولذلك نهي النبي صلي الله عليه وسلم عن ذبائح الجن ، إنتهي .



( صفحه 36 ) ولم يقل الشيخ : من فعل هذا فهو كافر ، بل من لم يكفره فهو كافر . - كما قلتم أنتم - . [ في السؤال من غير الله ] وأما السؤال من غير الله ، فقد فصله الشيخ تقي الدين رحمه الله : إن كان السائل يسأل من المسؤول مثل غفران الذنوب ، وإدخال الجنة ، والنجاة من النار ، وإنزال المطر ، وإنبات الشجر ، وأمثال ذلك مما هو من خصائص الربوبية ، فهذا شرك وضلال ، يستتاب صاحبه ، فإن تاب وإلا قتل . ولكن الشخص المعين الذي فعل ذلك لا يكفر ، حتي تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها - كما يأتي بيان كلامه في ذلك إن شاء الله تعالي - . فإن قلت : ذكر عنه في ( الإقناع ) أنه قال : من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ، ويسألهم ، ويتوكل عليهم كفر إجماعا . قلت : هذا حق ، ولكن البلاء من عدم فهم كلام أهل العلم . لو تأملتم العبارة تأملا تاما لعرفتم أنكم تأولتم العبارة علي غير تأويلها . ولكن هذا من العجب . تتركون كلامه الواضح . وتذهبون إلي عبارة مجملة ، تستنبطون منها ضد كلام أهل العلم ، وتزعمون أن كلامكم ومفهومكم إجماع ! ! ! هل سبقكم إلي مفهومكم من هذه العبارة أحد ؟ يا سبحان الله ، ما تخشون الله ؟ ! ولكن انظر إلي لفظ العبارة وهو قوله : ( يدعوهم ، ويتوكل عليهم ، ويسألهم ) ، كيف جاء بواو العطف ، وقرن بين الدعاء والتوكل والسؤال ؟



( صفحه 37 ) فإن الدعاء - في لغة العرب - هو العبادة المطلقة ، والتوكل عمل القلب ، والسؤال هو الطلب الذي تسمونه - الآن - الدعاء . وهو في هذه العبارة لم يقل : أو سألهم ، بل جمع بين الدعاء والتوكل والسؤال . والآن أنتم تكفرون بالسؤال وحده ، فأين أنتم ومفهومكم من هذه العبارة ؟ ! مع أنه رحمه الله بين هذه العبارة وأصلها في مواضع من كلامه ، وكذلك ابن القيم بين أصلها . قال الشيخ : من الصابئة المشركين من يظهر الإسلام ويعظم الكواكب ، ويزعم أنه يخاطبها بحوائجه ، ويسجد لها ، وينحر ، ويدعو . وقد صنف بعض المنتسبين إلي الإسلام في مذهب المشركين من الصابئة والمشركين البراهمة كتابا في عبادة الكواكب ، وهي من السحر الذي عليه الكنعانيون ، الذين ملوكهم النماردة ، الذين بعث الله الخليل - صلوات الله وسلامه عليه - بالحنيفية - ملة إبراهيم - وإخلاص الدين لله إلي هؤلاء . وقال ابن القيم في مثل هؤلاء : يقرون للعالم صانعا ، فاضلا ، حكيما ، مقدسا عن العيوب والنقائص ، ولكن لا سبيل لنا إلي الوجهة إلي جلاله إلا بالوسائط ، فالواجب علينا أن نتقرب بهم إليه ، فهم أربابنا ، وآلهتنا ، وشفعاؤنا عند رب الأرباب ، وإله الآلهة ، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلي الله زلفي ، فحينئذ نسأل حاجاتنا منهم ، ونعرض أحوالنا عليهم ، ونصبوا في جميع أمورنا إليهم ، فيشفعون إلي إلهنا وإليهم ، وذلك لا يحصل إلا من جهة الاستمداد بالروحانيات ، وذلك بالتضرع والابتهال من الصلوات ، والزكاة ، والذبائح والقرابين ، والبخورات ! ! ! وهؤلاء كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل . أحدهما : عبادة الله وحده لا شريك له ، والكفر بما يعبد من دونه من إله . والثاني : الأيمان برسله ، وبما جاؤوا به من عند الله ، تصديقا وإقرارا وانقيادا ،



( صفحه 38 ) إنتهي كلام ابن القيم . فانظر إلي الوسائط المذكورة في العبارة ، كيف تحملونها علي غير محملها ؟ . ولكن ليس هذا بأعجب من حملكم كلام الله ، وكلام رسوله ، وكلام أئمة الإسلام علي غير المحمل الصحيح - مع خرقكم الإجماع - ! ؟ وأعجب من هذا ، أنكم تستدلون بهذه العبارة علي خلاف كلام من ذكرها ، ومن نقلها ، ترون بها صريح كلامهم في عين المسألة . وهل عملكم هذا إلا اتباع المتشابه ، وترك المحكم ؟ أنقذنا الله وإياكم من متابعة الأهواء . [ التبرك بالقبور ] وأما التبرك والتمسح بالقبور ، وأخذ التراب منها ، والطواف بها : فقد ذكره أهل العلم ، فبعضهم عده في المكروهات ، وبعضهم عده في المحرمات . ولم ينطق واحد منهم بأن فاعل ذلك مرتد - كما قلتم أنتم ، بل تكفرون من لم يكفر فاعل ذلك - . فالمسألة مذكورة في كتاب الجنائ



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 33 )
( 1 ) صحيح البخاري : 2 / 665 ح 1782 فضائل المدينة . ( پاورقي ص 34 ) ( 1 ) ( پاورقي ص 35 ) ( 1 ) مدراج السالكين : 1 / 353 . ( 2 ) مسند أحمد : 4 / 146 و 147 .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 38 - 46



ز في فصل الدفن وزيارة الميت ، فإن أردت الوقوف علي ما ذكرت لك فطالع ( الفروع ) و ( الإقناع ) وغيرهما من كتب الفقه . [ القدح في المؤلفين لكتب الفقه ] فإن قدحتم فيمن صنف هذه الكتب ، فليس ذلك منكم بكثير ، ولكن ليكن معلوما عندكم أن هؤلاء لم يحكوا مذهب أنفسهم ، وإنما حكوا مذهب أحمد بن حنبل وأضرابه من أئمة أهل الهدي ، الذين أجمعت الأمة علي هدايتهم ودرايتهم .



( صفحه 39 ) فإن أبيتم إلا العناد ، وادعيتم المراتب العلية ، والأخذ من الأدلة من غير تقليد أئمة الهدي ، فقد تقدم أن هذا خرق للإجماع . فصل [ الجاهل معذور ] وعلي تقدير هذه الأمور التي تزعمون أنها كفر - أعني النذر وما معه - فهنا أصل آخر من أصول أهل السنة ، مجمعون عليه - كما ذكره الشيخ تقي الدين ، وابن القيم عنهم - وهو : أن الجاهل والمخطئ من هذه الأمة - ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركا أو كافرا - أنه يعذر بالجهل والخطأ ، حتي تتبين له الحجة التي يكفر تاركها بيانا واضحا ما يلتبس علي مثله ، أو ينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام ، مما أجمعوا عليه إجماعا جليا قطعيا يعرفه كل من المسلمين ، من غير نظر وتأمل - كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالي - ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع . فإن قلت : قال الله عز وجل : { من كفر بالله من بعد إيمانه } ( 1 ) . . . الآية ، نزلت في المسلمين ، تكلموا بالكفر مكرهين عليه . قلت : هذا حق ، وهي حجة عليكم لا لكم ، فإن الذي تكلموا به هو سب رسول الله صلي الله عليه وسلم ، والتبري من دينه ، وهذا كفر إجماعا ، يعرفه كل مسلم . ومع هذا إن الله عز وجل عذر من تكلم بهذا الكفر مكرها ، ولم يؤاخذه . ولكن الله سبحانه وتعالي كفر من شرح بهذا الكفر صدرا ، وهو من عرفه



( صفحه 40 ) ورضيه واختاره علي الأيمان ، غير جاهل به ، وهذا الكفر في الآية مما أجمع عليه المسلمون ، ونقلوه في كتبهم ، وكل من عد المكفرات ذكره . وأما هذه الأمور التي تكفرون بها المسلمين ، فلم يسبقكم إلي التكفير بها أحد من أهل العلم ، ولا عدوها في المكفرات ، بل ذكرها من ذكرها منهم في أنواع الشرك ، وبعضهم ذكرها في المحرمات ، ولم يقل أحد منهم أن من فعله فهو كافر مرتد ، ولا احتج عليه بهذه الآية - كما احتججتم - ولكن ليس هذا بأعجب من استدلالكم بآيات نزلت في الذين { إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون × ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } ( 1 ) والذين يقال لهم : { أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخري } ( 2 ) والذين يقولون : { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } ( 3 ) والذين يقولون : { أجعل الآلهة إلها واحدا } ( 4 ) . ومع هذا ، تستدلون بهذه الآيات ، وتنزلونها علي الذين يشهدون أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقولون : ما لله من شريك ، ويقولون : ما أحد يستحق أن يعبد مع الله . فالذي يستدل بهذه الآيات علي من شهد له رسول الله صلي الله عليه وسلم وأجمع المسلمون علي إسلامه ، ما هو بعجيب لو استدل بالآية علي مذهبه ! فإن كنتم صادقين ، فاذكروا لنا من استدل بهذه الآية علي كفر من كفرتموه بخصوص الأفعال والأقوال التي تقولون إنها كفر ؟ ! ولكن - والله - ما لكم مثل إلا عبد الملك بن مروان لما قال لابنه : ادع الناس إلي



( صفحه 41 ) طاعتك ، فمن قال عنك برأسه فقل بالسيف علي رأسه : هكذا . يعني اقطعه ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . فصل [ كفر الفرق الإسلامية لا يخرج عن الملة ] وهاهنا أصل آخر ، وهو أن المسلم قد تجتمع فيه المادتان : الكفر والإسلام ، والكفر والنفاق ، والشرك والأيمان ، وأنه تجتمع فيه المادتان ولا يكفر كفرا ينقل عن الملة - كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ، كما يأتي تفصيله وبيانه إن شاء الله - ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع . فصل [ الخوارج وسيرتهم ومذهبهم ] اعلم أن أول فرقة فارقت الجماعة الخوارج الذين خرجوا في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقد ذكرهم رسول الله صلي الله عليه وسلم وأمر بقتلهم وقتالهم ، وقال : يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم ( 1 ) . وقال فيهم : إنهم كلاب أهل النار ( 2 ) . وقال : إنهم يقتلون أهل الإسلام ( 3 ) .



( صفحه 42 ) وقال : شر قتلي تحت أديم السماء ( 1 ) . وقال : يقرؤون القرآن ، يحسبونه لهم ، وهو عليهم . إلي غير ذلك مما صح عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فيهم . وهؤلاء خرجوا في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكفروا عليا وعثمان ومعاوية ، ومن معهم . واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم . وجعلوا بلاد المسلمين بلاد حرب ، وبلادهم هي بلاد الأيمان . ويزعمون أنهم أهل القرآن ، ولا يقبلون من السنة إلا ما وافق مذهبهم . ومن خالفهم وخرج عن ديارهم فهو كافر . ويزعمون أن عليا والصحابة رضي الله عنهم أشركوا بالله ، ولم يعملوا بما في القرآن . بل هم - علي زعمهم - الذين عملوا به . ويستدلون لمذهبهم بمتشابه القرآن . وينزلون الآيات التي نزلت في المشركين المكذبين في أهل الإسلام . هذا ، وأكابر الصحابة عندهم ، ويدعونهم إلي الحق وإلي المناظرة . وناظرهم ابن عباس رضي الله عنهما ، ورجع منهم إلي الحق أربعة آلاف ( 2 ) . ومع هذه الأمور الهائلة ، والكفر الصريح الواضح ، وخروجهم عن المسلمين ، قال لهم علي رضي الله عنه : لا نبدؤكم بقتال ، ولا نمنعكم عن مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه ، ولا نمنعكم من الفيئ ما دامت أيديكم معنا ( 3 ) .



( صفحه 43 ) ثم إن الخوارج اعتزلوا ، وبدأوا المسلمين - الإمام ومن معه - بالقتال ، فسار إليهم علي رضي الله عنه . وجري علي المسلمين منهم أمور هائلة يطول وصفها . ومع هذا كله لم يكفرهم الصحابة ، ولا التابعون ، ولا أئمة الإسلام ، ولا قال لهم علي ولا غيره من الصحابة : قامت عليكم الحجة ، وبينا لكم الحق . قال الشيخ تقي الدين : لم يكفرهم علي ولا أحد من الصحابة ، ولا أحد من أئمة الإسلام ، انتهي ( 1 ) . فانظر - رحمك الله - إلي طريقة أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم في الإحجام عن تكفير من يدعي الإسلام . هذا ، وهم الصحابة رضي الله عنهم الذين يروون الأحاديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فيهم . قال الإمام أحمد : صحت الأحاديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم من عشرة أوجه . قال أهل العلم : كلها خرجها مسلم في ( صحيحه ) . فانظر إلي هدي أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم وأئمة المسلمين ، لعل الله يهديك إلي اتباع سبيل المؤمنين ، وينبهك من هذه البلية التي تزعمون الآن أنها السنة ، وهي - والله - طريقة القوم ، لا طريقة علي ومن معه ، رزقنا الله اتباع آثارهم . فإن قلت : علي نفسه قتل الغالية ، بل حرقهم بالنار - وهم مجتهدون - . والصحابة قاتلوا أهل الردة . قلت : هذا كله حق ، فأما الغالية : فهم مشركون زنادقة ، أظهروا الإسلام تلبيسا ، حتي أظهروا الكفر ظهورا جليا لا لبس فيه علي أحد .



( صفحه 44 ) وذلك أن عليا رضي الله عنه لما خرج عليهم من باب كندة سجدوا له . فقال لهم : ما هذا ؟ قالوا له : أنت الله . فقال لهم : أنا عبد من عباد الله . قالوا : بل أنت هو الله . فاستتابهم وعرضهم علي السيف ، وأبوا أن يتوبوا ، فأمر بخد الأخاديد في الأرض ، وأضرم فيها النار ، وعرضهم عليها ، وقال لهم : إن لم تتوبوا قذفتكم فيها ، فأبوا أن يتوبوا ، بل يقولون له : أنت الله . فقذفهم بالنار ، فلما أحسوا بالنار تحرقهم قالوا : الآن تحققنا أنك أنت الله ، لأنه ما يعذب بالنار إلا الله . فهذه قصة الزنادقة الذين حرقهم علي رضي الله عنه ، ذكرها العلماء في كتبهم . فإن رأيتم من يقول لمخلوق : هذا هو الله ، فحرقوه ، وإلا فاتقوا الله ، ولا تلبسوا الحق بالباطل ، وتقيسوا الكافرين علي المسلمين بآرائكم الفاسدة ، ومفاهيمكم الواهية . فصل [ أهل الردة ] وأما قتال الصديق والصحابة رضي الله عنهم أهل الردة : فاعلم أنه لما توفي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، لم يبق علي الإسلام إلا أهل المدينة ، وأهل مكة ، والطائف ، وجواثا - قرية من قري البحرين - . وأخبار الردة طويلة تحتمل مجلدا ، ولكن نذكر بعضا من ذلك من كلام أهل



( صفحه 45 ) العلم ، ليتبين لكم ما أنتم عليه ، وأن استدلالكم بقصة أهل الردة كاستدلالكم الأول . قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله : مما يجب أن يعلم أن أهل الردة كانوا أصنافا : صنف ارتدوا عن الإسلام ، ونبذوا الملة ، وعادوا إلي الكفر الذي كانوا عليه من عبادة الأوثان . وصنف ارتدوا عن الإسلام ، وتابعوا مسيلمة - وهم بنو حنيفة وقبائل غيرهم - صدقوا مسيلمة ، ووافقوه علي دعواه النبوة . وصنف ارتدوا ووافقوا الأسود العنسي وما ادعاه من النبوة باليمن . وصنف صدقوا طليحة الأسدي وما ادعاه من النبوة ، وهم غطفان وفزارة ومن والاهم . وصنف صدقوا سجاح . فهؤلاء مرتدون ، منكرون لنبوة نبينا صلي الله عليه وسلم ، تاركون للزكاة ، والصلاة ، وسائر شرائع الإسلام ، ولم يبق من يسجد لله في بسيط الأرض ، إلا مسجد المدينة ، ومكة ، وجواثا - قرية في البحرين - . وصنف آخر ، وهم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة ووجوب أدائها إلي الإمام . وهؤلاء علي الحقيقة أهل بغي ، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصا لدخولهم في غمار أهل الردة ، فأضيف الاسم إلي الردة ، إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما . وأرخ قتال أهل البغي من زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، إذ كانوا منفردين في زمانه ، لم يختلطوا بأهل الشرك . وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ، ووقعت الشبهة لعمر رضي الله عنه حين راجع أبا بكر



( صفحه 46 ) وناظره ، واحتج بقوله صلي الله عليه وسلم ( 1 ) : أمرت أن أقاتل الناس حتي يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قال لا إله إلا الله عصم ماله ونفسه - . إلي أن قال رحمه الله - : وقد بينا أن أهل الردة كانوا أصنافا .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 39 )
( 1 ) النحل : 106 . ( پاورقي ص 40 ) ( 1 ) الصافات : 35 - 36 . ( 2 ) الأنعام : 19 . ( 3 ) الأنفال : 32 . ( 4 ) ص : 5 . ( پاورقي ص 41 ) ( 1 ) سنن ابن ماجة : 1 / 59 - 62 ح 167 - 176 في المقدمة / باب ذكر الخوارج . ( 2 ) سنن ابن ماجة : 1 / 61 ح 173 وص 62 ح 176 المقدمة . ( 3 ) صحيح البخاري : 3 / 1219 ح 3166 كتاب الأنبياء . ( پاورقي ص 42 ) ( 1 ) سنن ابن ماجة : 1 / 62 ح 175 . ( 2 ) مجمع الزوائد : 6 / 236 . ( 3 ) تاريخ الطبري : 4 / 53 حوادث سنة 37 ه‍ . ( پاورقي ص 43 ) ( 1 ) لاحظ مجموع فتاوي ابن تيمية : 7 / 618 . ( پاورقي ص 46 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 1 / 80 ح 32 كتاب الإيمان .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 46 - 50



منهم من ارتد عن الملة ، ودعا إلي نبوة مسيلمة وغيره . ومنهم من أنكر الشرائع كلها . وهؤلاء الذين سماهم الصحابة رضي الله عنهم كفارا ، وكذلك رأي أبو بكر سبي ذراريهم ، وساعده علي ذلك أكثر الصحابة . ثم لم ينقض عصر الصحابة حتي أجمعوا أن المرتد لا يسبي . فأما مانع الزكاة منهم ، المقيمون علي أصل الدين : فإنهم أهل بغي ، ولم يسموا أهل شرك ، أو فهم كفار - وإن كانت الردة أضيفت إليهم - لمشاركتهم للمرتدين في بعض ما منعوه من حق الدين . وذلك أن الردة اسم لغوي ، وكل من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه فقد ارتد عنه . وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ، ومنع الحق ، وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح ، وعلق عليهم الاسم القبيح ، لمشاركتهم القوم الذين كانوا ارتدوا حقا . - إلي أن قال - : فإن قيل : وهل ، إذا أنكر طائفة في زماننا فرض الزكاة ، وامتنعوا من أدائها يكون حكمهم حكم أهل البغي ؟ قلنا : لا فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافرا بإجماع



( صفحه 47 ) المسلمين علي وجوب الزكاة ، فقد عرفها الخاص والعام ، واشترك فيها العالم والجاهل ، فلا يعذر منكره . وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئا مما اجتمعت عليه الأمة من أمور الدين - إذا كان علمه منتشرا - كالصلوات الخمس ، وصوم شهر رمضان ، والاغتسال من الجنابة ، وتحريم الربا والخمر ونكاح المحارم ، ونحوها من الأحكام ، إلا أن يكون رجلا حديث عهد بالإسلام ، ولا يعرف حدوده ، فإنه إن أنكر شيئا منها جاهلا به لم يكفر ، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء الاسم عليه . فأما ما كان الإجماع معلوما فيه من طريق علم الخاصة ، كتحريم نكاح المرأة علي عمتها وخالتها ، وأن القاتل عمدا لا يرث ، وأن للجد السدس ، وما أشبه ذلك من الأحكام ، فإن من أنكرها لا يكفر ، بل يعذر فيها ، لعدم استفاضة علمها في العامة ، إنتهي كلام الخطابي . وقال صاحب ( المفهم ) : قال أبو إسحاق : لما قبض رسول الله صلي الله عليه وسلم ارتدت العرب ، إلا أهل ثلاثة مساجد : مسجد المدينة : ومسجد مكة : ومسجد جواثا ، إنتهي . فهذا شئ مما ذكره بعض أهل العلم في أخبار الردة ، وتفاصيلها يطول . ولكن قد تقدم أن مثلكم أو من هو أجل منكم لا يجوز له الاستنباط ، ولا القياس ، ولا يجوز لأحد أن يقلده ، بل يجب علي من لم يبلغ رتبة المجتهدين أن يقلدهم ، وذلك الإجماع . ولكن ليكن عندكم معلوما أن من خرج عن طاعة أبي بكر الصديق في زمانه فقد خرج عن الإجماع القطعي ، لأنه ومن معه هم أهل العلم ، وأهل الإسلام ، وهم المهاجرون والأنصار الذين اثني الله عليهم في كتابه ، وإمامة أبي بكر إمامة حق ، جميع شروط الإمامة مجتمعة فيه ! ؟



( صفحه 48 ) فإن كان اليوم فيكم مثل أبي بكر والمهاجرين والأنصار ، والأمة مجتمعة علي إمامة واحد منكم ، فقيسوا أنفسكم بهم . وإلا ، فبالله عليكم ! استحيوا من الله ، ومن خلقه ، واعرفوا قدر أنفسكم ، فرحم الله من عرف قدر نفسه ، وأنزلها منزلتها ، وكف شره عن المسلمين ، واتبع سبيل المؤمنين . قال الله تعالي { ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولي ونصله جهنم وساءت مصيرا } ( 1 ) . فصل لما تقدم الكلام علي الخوارج - وذكر مذهب الصحابة وأهل السنة فيهم ، وأنهم لم يكفروهم كفرا يخرج من الإسلام ، مع ما فيهم - بأنهم كلاب أهل النار ، وأنهم يمرقون من الإسلام ، ومع هذا كله لم يكفرهم الصحابة ، لأنهم منتسبون إلي الإسلام الظاهر - وإن كانوا مخلين بكثير منه لنوع تأويل - . وأنتم اليوم تكفرون من ليس فيه خصلة واحدة مما في أولئك . بل الذين تكفرونهم اليوم وتستحلون دماءهم وأموالهم عقائدهم عقائد أهل السنة والجماعة - الفرقة الناجية ، جعلنا الله منهم - . [ القدرية ومذاهبهم ] ثم خرجت بدعة القدرية ، وذلك في آخر زمن الصحابة ، وذلك أن القدرية فرقتان :



( صفحه 49 ) فرقة أنكرت القدر رأسا ، وقالوا : إن الله لم يقدر المعاصي علي أهلها ، ولا هو يقدر ذلك ، ولا يهدي الضال ، ولا هو يقدر علي ذلك . والمسلم عندهم هو الذي جعل نفسه مسلما ، وهو الذي جعل نفسه مصليا ، وكذلك سائر الطاعات والمعاصي ، بل العبد هو الذي خلقها بنفسه ، وجعلوا العبد خالقا مع الله ، والله سبحانه - عندهم - لا يقدر أن يهدي أحدا ، ولا يقدر [ أن ] يضل أحدا . إلي غير ذلك من أقوالهم الكفرية ، تعالي الله عما يقول أشباه المجوس علوا كبيرا . الفرقة الثانية من القدرية : من قابل هؤلاء ، وزعم أن الله جبر الخلق علي ما عملوا ، وأن الكفر والمعاصي في الخلق كالبياض والسواد في خلق الآدمي ، ما للمخلوق في ذلك صنع ، بل جميع المعاصي عندهم تضاف لله ، وإمامهم في ذلك إبليس حيث قال : { فبما أغويتني } ( 1 ) وكذلك المشركون الذين قالوا : { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا } ( 2 ) . إلي غير ذلك من قبائحهم وكفرياتهم التي ذكرها عنهم أهل العلم في كتبهم ، كالشيخ تقي الدين وابن القيم . ومع هذا الكفر العظيم والضلالة ، خرج أوائل هؤلاء في زمن الصحابة رضي الله عنهم كابن عمر ، وابن عباس ، وأجلاء التابعين ، وقاموا في وجوه هؤلاء ، وبينوا ضلالهم من الكتاب والسنة ، وتبرأ منهم من عندهم من الصحابة رضي الله عنهم ، وكذلك التابعون ، وصاحوا بهم من كل فج . ومع هذا الكفر العظيم الهائل لم يكفرهم الصحابة ، ولا من بعدهم من أئمة أهل



( صفحه 50 ) الإسلام ، ولا أوجبوا قتلهم ، ولا أجروا عليهم أحكام أهل الردة ، ولا قالوا : قد كفرتم حيث خالفتمونا ، لأنا لا نتكلم إلا بالحق ، وقد قامت عليكم الحجة ببياننا لكم : كما قلتم أنتم هذا ؟ ! ومن الراد عليهم ، والمبين ضلالهم ، الصحابة والتابعون الذين لا يقولون إلا حقا . بل كبير هؤلاء من أئمة دعاتهم قتلوه الأمراء . وذكر أهل العلم أنه قتل حدا ، كدفع الصائل خوفا من ضرره ، وبعد قتله غسل وصلي عليه ، ودفن في مقابر المسلمين - كما يأتي أن شاء الله ذكره في كلام الشيخ تقي الدين - . فصل [ المعتزلة وآراؤهم ] الفرقة الثالثة من أهل البدع : المعتزلة الذين خرجوا في زمن التابعين ، وأتوا من الأقوال والأفعال الكفريات ما هو مشهور . منها : القول بخلق القرآن . ومنها : القول بخلود أهل المعاصي في النار ، إلي غير ذلك من قبائحهم



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 46 )
( 1 ) صحيح مسلم : 1 / 80 ح 32 كتاب الإيمان . ( پاورقي ص 48 ) ( 1 ) النساء : 115 . ( پاورقي ص 49 ) ( 1 ) الأعراف : 16 . ( 2 ) الأنعام : 148 .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 50 - 55



وفضائحهم التي نقلها أهل العلم عنهم . ومع هذا فقد خرجوا في زمن التابعين ، ودعوا إلي مذهبهم ، وقام في وجوههم العلماء من التابعين ومن بعدهم ، وردوا عليهم ، وبينوا باطلهم من الكتاب ، والسنة ، وإجماع علماء الأمة ، وناظروهم أتم المناظرة .



( صفحه 51 ) ومع هذا أصروا علي باطلهم ودعوا إليه ، وفارقوا الجماعة . فبدعهم العلماء ، وصاحوا بهم ، ولكن ما كفروهم ، ولا أجروا عليهم أحكام أهل الردة ، بل أجروا عليهم - هم وأهل البدع قبلهم - أحكام الإسلام من التوارث ، والتناكح ، والصلاة عليهم ، ودفنهم في مقابر المسلمين . ولم يقولوا لهم أهل العلم من أهل السنة : قامت عليكم الحجة ، حيث بينا لكم ، لأنا لا نقول إلا حقا ، فحيث خالفتمونا كفرتم ، وحل مالكم ودمائكم ، وصارت بلادكم بلاد حرب . كما هو الآن مذهبكم . أفلا يكون لكم في هؤلاء الأئمة عبرة ؟ فترتدعون عن الباطل ؟ ! وتفيئون إلي الحق ! فصل [ المرجئة وأقوالهم ] ثم خرج بعد هؤلاء ، المرجئة الذين يقولون : الأيمان قول بلا عمل . فمن أقر عندهم بالشهادتين فهو مؤمن كامل الإيمان ، وإن لم يصل لله ركعة طول عمره ، ولا صام يوما من رمضان ، ولا أدي زكاة ماله ، ولا عمل شيئا من أعمال الخير ، بل من أقر بالشهادتين فهو عندهم مؤمن ، كامل الأيمان ، إيمانه كإيمان جبريل ، وميكائيل ، والأنبياء . إلي غير ذلك من أقوالهم القبيحة التي ابتدعوها في الإسلام . ومع أنه صاح بهم أئمة أهل الإسلام ، وبدعوهم ، وضللوهم ، وبينوا لهم الحق من الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم من أهل السنة من الصحابة فمن بعدهم .



( صفحه 52 ) وأبوا إلا التمادي علي ضلالهم ، ومعاندتهم لأهل السنة متمسكين - هم ومن قبلهم من أهل البدع - بمتشابه من الكتاب والسنة . ومع هذه الأمور الهائلة فيهم لم يكفروهم أهل السنة ، ولا سلكوا مسلككم فيمن خالفكم ، ولا شهدوا عليهم بالكفر ، ولا جعلوا بلادهم بلاد حرب ، بل جعلوا الأخوة الايمانية ثابتة لهم ولمن قبلهم من أهل البدع . ولا قالوا لهم : كفرتم بالله ورسوله ، لأنا بينا لكم الحق ، فيجب عليكم اتباعنا ، لأنا بمنزلة الرسول ، من خطأنا فهو عدو الله ورسوله . كما هو قولكم اليوم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . فصل [ الجهمية ودعاواهم ] ثم حدث بعد هؤلاء ، الجهمية الفرعونية الذين يقولون : ليس علي العرش إله يعبد ، ولا لله في الأرض من كلام ، ولا عرج بمحمد صلي الله عليه وسلم لربه ، وينكرون صفات الله سبحانه التي أثبتها لنفسه في كتابه ، وأثبتها رسوله صلي الله عليه وسلم ، وأجمع علي القول بها الصحابة فمن بعدهم ، وينكرون رؤية الله سبحانه في الآخرة ، ومن وصف الله سبحانه بما وصف به نفسه ، ووصف به رسوله صلي الله عليه وسلم فهو عندهم كافر ، إلي غير ذلك من أقوالهم وأفعالهم التي هي غاية الكفر ، حتي أن أهل العلم سموهم الفرعونية ، تشبيها لهم بفرعون ، حيث أنكر الله سبحانه . ومع ذا ، فرد عليهم الأئمة ، وبينوا بدعتهم ، وضلالهم ، وبدعوهم ، وفسقوهم ، وجعلوهم أكفر ممن قبلهم من أهل البدع ، وأقل تشبثا بالشرعيات ، وقالوا عنهم : إنهم قدموا عقولهم علي الشرعيات ، وأمر أهل العلم بقتل بعض دعاتهم ، كالجعد



( صفحه 53 ) ابن درهم ، وجهم بن صفوان . وبعد أن قتلوا غسلوهم ، وصلوا عليهم ، ودفنوهم مع المسلمين - كما ذكر ذلك الشيخ تقي الدين - ولم يجروا عليهم أحكام أهل الردة - . كما أجريتم أحكام أهل الردة علي من لم يقل أو يفعل عشر معشار ما قالوا هؤلاء ، أو فعلوا . بل ، والله كفرتم من قال الحق الصرف ، حيث خالف أهواءكم . وإنما لم أذكر فرقة الرافضة ، لأنهم معروفون عند الخاص والعام ، وقبائحهم مشهورة . ومن هؤلاء الفرق الذين ذكرنا تشعبت الثنتان والسبعون فرقة - أهل الضلالة - المذكورون في السنة في قوله عليه الصلاة والسلام : تفترق هذه الأمة علي ثلاث وسبعين فرقة ( 1 ) . وما سوي الثنتين والسبعين - وهي الثالثة والسبعون - هم الفرقة الناجية ، أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم وإلي آخر الدهر ، وهي التي لا تزال قائمة علي الحق ، رزقنا الله اتباعهم - بحوله وقوته - . وكل ما ذكرت من أخبار هذه الفرق ، فإنما أخذته من كتب أهل العلم ، وأكثر ما أنقل عن ابن تيمية ، وابن القيم . فصل [ مذهب السلف عدم تكفير الفرق ] وها أنا أذكر لك شيئا مما ذكر أهل العلم من أن مذهب السلف عدم القول



( صفحه 54 ) بتكفير هؤلاء الفرق الذين تقدم ذكرهم . قال الشيخ تقي الدين في ( كتاب الأيمان ) : لم يكفر الإمام أحمد الخوارج ، ولا المرجئة ، ولا القدرية ، وإنما المنقول عنه وعن أمثاله تكفير الجهمية . مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية ولا من قال : ( أنا جهمي ) كفره ، بل ، صلي خلف الجهمية الذين دعوا إلي قولهم ، وامتحنوا الناس ، وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة ، ولم يكفرهم أحمد وأمثاله . بل ، كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ، ويدعو لهم ، ويري لهم الإئتمام بالصلاة خلفهم ، والحج والغزو معهم ، والمنع من الخروج عليهم ، بما يراه لأمثالهم من الأئمة . وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم - وإن لم يعلموا هم أنه كفر - كان ينكره ، ويجاهدهم علي رده - بحسب الإمكان - . فيجمع بين طاعة الله ورسوله صلي الله عليه وسلم في إظهار السنة والدين ، وإنكار بدع الجهمية والملحدين ، وبين رعاية حقوق المؤمنين ، من الأئمة والأمة - وإن كانوا جهالا مبتدعين ، وظلمة فاسقين - إنتهي كلام الشيخ . فتأمله تأملا خاليا عن الميل والحيف . وقال الشيخ تقي الدين أيضا : من كان في قلبه الأيمان بالرسول ، وبما جاء به ، وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع - ولو دعا إليها - فهذا ليس بكافر أصلا . والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة ، وقتالا للأمة ، وتكفيرا لها ، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي ولا غيره ، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين - كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع - . وكذلك سائر الثنتين والسبعين فرقة ، من كان منهم منافقا ، فهو كافر في الباطن ، ومن كان مؤمنا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرا في الباطن - وإن كان أخطأ في التأويل - كائنا من كان خطؤه .



( صفحه 55 ) وقد يكون في بعضهم شعبة من النفاق ، ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار . ومن قال إن الثنتين والسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب ، والسنة ، وإجماع الصحابة ، بل إجماع الأئمة الأربعة ، وغير الأربعة . فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين والسبعين فرقة ، إنتهي كلامه . فتأمله وتأمل حكاية الإجماع من الصحابة وغيرهم من أهل السنة ، مع ما تقدم لك مما في مذاهبهم من الكفر العظيم ، لعلك تنتبه من هذه الهوة التي وقعت فيها أنت وأصحابك . وقال ابن القيم في طرق أهل البدع الموافقين علي أصل الإسلام ، ولكنهم مختلفون في بعض الأصول ، كالخوارج ، والمعتزلة ، والقدرية ، والرافضة ، والجهمية ، وغلاة المرجئة ، فهؤلاء أقسام : أحدها : الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له ، فهذا لا يكفر ، ولا يفسق ، ولا ترد شهادته ، إذا لم يكن قادرا علي تعلم الهدي ، وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان . القسم الثاني : متمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق ، ولكن يترك ذلك اشتغالا بدنياه ، ورئاسته ، ولذاته ، ومعاشه ، فهذا مفرط مستحق للوعيد ، آثم



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 53 )
( 1 ) سنن ابن ماجة : 2 / 1321 ح 3991 كتاب الفتن .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 55 - 62



بترك ما أوجب عليه من تقوي الله بحسب استطاعته . فهذا إن غلب ما فيه من البدعة والهوي علي ما فيه من السنة والهدي ردت شهادته ، وإن غلب ما فيه من السنة والهدي علي ما فيه من البدعة والهوي قبلت شهادته . الثالث : أن يسأل ويطلب ويتبين له الهدي ، ويترك تعصبا أو معاداة



( صفحه 56 ) لأصحابه ، فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقا ، وتكفيره محل اجتهاد ( 1 ) ، إنتهي كلامه . فانظره وتأمله ، فقد ذكر هذا التفصيل في غالب كتبه ، وذكر أن الأئمة وأهل السنة لا يكفرونهم . هذا مع ما وصفهم به من الشرك الأكبر ، والكفر الأكبر ، وبين في غالب كتبه مخازيهم ، ولنذكر من كلامه طرفا ، تصديقا لما ذكرناه عنه . وقال رحمه الله تعالي في ( المدارج ) ( 2 ) : المثبتون للصانع نوعان : أحدهما : أهل الأشراك به في ربوبيته وإلهيته ، كالمجوس ومن ضاهاهم من القدرية ، فإنهم يثبتون مع الله إلها آخر . والقدرية المجوسية تثبت مع الله خالقين للأفعال ، ليست أفعالهم مخلوقة لله ، ولا مقدورة له ، وهي صادرة بغير مشيئته تعالي وقدرته ، ولا قدرة له عليها ، بل هم الذين جعلوا أنفسهم فاعلين ، مريدين ، شيائين . وحقيقة قول هؤلاء : أن الله ليس ربا خالقا لأفعال الحيوان ، إنتهي كلامه . وقد ذكرهم بهذا الشرك في سائر كتبه ، وشبههم بالمجوس الذين يقولون : إن للعالم خالقين . وانظر لما تكلم علي التكفير هو وشيخه ، كيف حكوا عدم تكفيرهم عن جميع



( صفحه 57 ) أهل السنة ، حتي مع معرفة الحق والمعاندة ، قال : كفره محل اجتهاد ! - كما تقدم كلامه قريبا - . وأيضا الجهمية ، ذكرهم بأقبح الأوصاف ، وذكر أن شركهم شرك فرعون ، وأنهم معطلة ، وأن المشركين أقل شركا منهم ، وضرب لهم مثلا في ( النونية ) وغيرها من كتبه ، كالصواعق وغيرها . وكذلك المعتزلة ، كيف وصفهم بأكبر القبائح ، وأقسم أن قولهم وأحزابهم من أهل البدع لا تبقي من الأيمان حبة خردل ، فلما تكلم علي تكفيرهم في ( النونية ) لم يكفرهم ، بل فصل في موضع منها ، كما فصل في الطرق - كما مر - . وموضع آخر فيه عن أهل السنة - مخاطبة لهؤلاء المبتدعة الذين أقسم أن قولهم لا يبقي من الإيمان حبة خردل - يقال : واشهدوا علينا بأنا لا نكفركم بما معكم من الكفران ، إذ أنتم - أهل الجهالة - عندنا لستم أولي كفر ولا إيمان . ويأتي إن شاء الله تعالي لهذا مزيد من كلام الشيخ تقي الدين ، وحكاية إجماع السلف ، وأن التكفير هو قول أهل البدع من الخوارج ، والمعتزلة ، والرافضة ! ! وقال أبو العباس بن تيمية رحمه الله - في كلام له - في ( الفرقان ) : ودخل أهل الكلام المنتسبين إلي الإسلام من المعتزلة ونحوهم في بعض مقالة الصابئة ، والمشركين ممن لم يهتد بهدي الله الذي أرسل به رسله من أهل الكلام والجدل ، صاروا يريدون أن يأخذوا مأخذهم - كما أخبر النبي صلي الله عليه وسلم بقوله : لتأخذن مأخذ من كان قبلكم - الحديث الصحيح . إلي أن قال : إن هؤلاء المتكلمين أكثر حقا ، وأتبع للأدلة ، لما تنورت به قلوبهم من نور القرآن والإسلام ، وإن كانوا قد ضلوا في كثير مما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم ، فوافقوا أولئك علي أن الله لا يتكلم ولا تكلم ، كما وافقوهم علي أنه لا علم له ، ولا قدرة ، ولا صفة من الصفات . إلي أن قال : فلما رأو أن الرسل متفقة علي أن الله متكلم ، والقرآن من أثبات



( صفحه 58 ) قوله وكلامه ، صاروا تارة يقولون : ليس بمتكلم حقيقة ، بل مجازا . وهذا قولهم الأول لما كانوا في بدعتهم وكفرهم علي الفطرة قبل أن يدخلوا في العناد والجحود . إلي أن قال : وهذا قول من يقول : القرآن مخلوق . إلي أن قال : وأنكر هؤلاء أن يكون الله متكلما ، أو قائلا علي الوجه الذي دلت عليه الكتب الإلهية ، وأفهمت الرسل لقومهم ، واتفق عليه أهل الفطر السليمة . إلي أن قال : ونشأ بين هؤلاء الذين هم فروع الصابئة ، وبين المسلمين المؤمنين - أتباع الرسول - الخلاف ، فكفر هؤلاء ببعض ما جاءت به الرسل ، واختلفوا في كتاب الله ، فآمنوا ببعض ، واتبع المؤمنون ما أنزل إليهم من ربهم ، وعلموا أن قول هؤلاء أخبث من قول اليهود والنصاري ، حتي كان عبد الله بن المبارك ليقول : إنا لنحكي قول اليهود والنصاري ! ولا نحكي قول الجهمية . وكان قد كثر هؤلاء الذين هم فروع المشركين ، ومن اتبعهم من الصابئة في آخر المائة الثانية في إمارة المأمون ، وظهرت علوم الصابئين والمنجمين ونحوهم ، فظهرت هذه المقالة في أهل العلم ، وأهل السيف والأمارة ، وصار في أهلها من الخلفاء ، والأمراء ، والوزراء ، والفقهاء ، والقضاة وغيرهم ما امتحنوا به المؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات ، إنتهي كلام الشيخ رحمه الله . فأنظر في هذا الكلام وتدبره ، كيف وصف هؤلاء بأعظم الكفر والشرك ، وبالإيمان ببعض الكتاب ، والكفر ببعضه ، وأنهم خالفوا العقل ، والنقل ، والفطرة ، وأنهم خالفوا جميع الرسل في قولهم ، وأنهم عاندوا الحق ، وأن أهل العلم يقولون : قولهم هذا أخبث من قول اليهود والنصاري ، وأنهم عذبوا المؤمنين والمؤمنات علي الحق .



( صفحه 59 ) وهؤلاء الذين عني بهذا الكلام هم المعتزلة ، والقدرية ، والجهمية ، ومن سلك سبيلهم من أهل البدع وغيرهم . والخلفاء الذين يعنيهم المأمون ، والمعتصم ، والواثق ، ووزرائهم ، وقضاتهم ، وفقهاؤهم ، وهم الذين جلدوا الإمام أحمد رحمه الله ، وحبسوه ، وقتلوا أحمد بن نصر الخزاعي وغيره ، وعذبوا المؤمنين والمؤمنات ، يدعونهم إلي الأخذ بقولهم . وهم الذين يعني بقوله - فيما تقدم وما يأتي - : إن الإمام أحمد لا يكفرهم ولا أحد من السلف ، وأن أحمد صلي خلفهم ، واستغفر لهم ، ورأي الإئتمام بهم ، وعدم الخروج عليهم . وأن الإمام أحمد يرد قولهم الذي هو كفر عظيم - كما تقدم كلامه فراجعه - . [ الوهابية تخالف ذلك كله ] فبالله عليك ، تأمل ، أين هذا ؟ وأين قولكم فيمن خالفكم فهو كافر ؟ ومن لم يكفره فهو كافر ؟ ؟ بالله عليكم ، انتهوا عن الجفاء ، وقول الزور . واقتدوا بالسلف الصالح . وتجنبوا طريق أهل البدع . ولا تكونوا كالذي زين له سوء عمله فرآه حسنا . [ تكفير المسلمين من أقبح البدع ] قال الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالي : ومن البدع المنكرة تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين ، واستحلال دمائهم ، وأموالهم ، وهذا عظيم ، لوجهين :



( صفحه 60 ) أحدهما : أن تلك الطائفة الأخري قد لا يكون فيها من البدعة أعظم مما في الطائفة المكفرة لها . بل ، قد تكون بدعة الطائفة المكفرة لها أعظم من بدعة الطائفة المكفرة ، وقد تكون نحوها ، وقد تكون دونها . وهذا حال عامة أهل البدع والأهواء الذين يكفرون بعضهم بعضا . وهؤلاء من الذين قال الله فيهم { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ } ( 1 ) . الثاني : أنه لو فرض أن إحدي الطائفتين مختصة بالبدعة ، والأخري موافقة للسنة ، لم يكن لهذه [ الموافقة ل‍ ] السنة أن تكفر كل من قال قولا أخطأ فيه . فإن الله تعالي قال : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ( 2 ) . وثبت في الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم أن الله تعالي قال : قد فعلت . وقال تعالي : { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم } ( 3 ) . وروي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : إن الله تجاوز عن أمتي عن الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه . وهو حديث حسن ، رواه ابن ماجة ( 4 ) وغيره . وقد أجمع الصحابة ، والتابعون لهم بإحسان ، وسائر أئمة المسلمين علي أنه ليس كل من قال قولا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك ، ولو كان قوله مخالفا للسنة . ولكن للناس نزاع في مسائل التكفير ، قد بسطت في غير هذا الموضع . وقال الشيخ رحمه الله أيضا : الخوارج لهم خاصيتان مشهورتان ، فارقوا بها جماعة



( صفحه 61 ) المسلمين وأئمتهم . أحدهما : خروجهم عن السنة ، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة ، وجعلهم ما ليس بحسنة حسنة . الثاني : في الخوارج وأهل البدع ، أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات . ويترتب علي ذلك استحلال دماء المسلمين ، وأموالهم ، وأن دار الإسلام دار حرب ، ودارهم هي دار الإيمان ، وبذلك يقول جمهور الرافضة ! ! وجمهور المعتزلة ، والجهمية ، وطائفة من غلاة المنتسبة إلي أهل الحديث . فينبغي للمسلم أن يحذر من هذين الأصلين الخبيثين ، وما يتولد عنهما من بغض المسلمين ، وذمهم ، ولعنهم ، واستحلال دمائهم وأموالهم . وعامة البدع إنما تنشأ من هذين الأصلين . أما الأول : فسببه التأويل الفاسد ، إما حديث بلغه غير صحيح ، أو عن غير الرسول صلي الله عليه وسلم ، قلد قائله فيه ، ولم يكن ذلك القائل مصيبا ، أو تأويل تأوله من آية من كتاب الله ، ولم يكن التأويل صحيحا ، أو قياسا فاسدا ، أو رأيا رآه اعتقده صوابا - وهو خطأ - . إلي أن قال : قال أحمد : أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل ، والقياس . وقال الشيخ : أهل البدع صاروا يبنون دين الإسلام علي مقدمات يظنون صحتها ، إما في دلالة الألفاظ ، وإما في المعاني المعقولة ، ولا يتأملون بيان الله ورسوله صلي الله عليه وسلم ، فإنها تكون ضلالا . وقد تكلم أحمد علي من يتمسك بما يظهر له من القرآن ، من غير استدلال ببيان الرسول صلي الله عليه وسلم ، والصحابة ، والتابعين . وهذه طريقة سائر أئمة المسلمين ، لا يعدلون عن بيان الرسول صلي الله عليه وسلم إن وجدوا إلي ذلك سبيلا .



( صفحه 62 ) وقال الشيخ أيضا : إني دائما ومن جالسني يعلم مني أني من أعظم الناس نهيا من أن ينسب معين إلي تكفير ، أو إلي تفسيق ، أو معصية إلا إذا علم أنه قد قامت فيه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة ، وفاسقا أخري ، وعاصيا أخري . وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها ، وذلك يعم الخطأ في المسائل



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 56 )
( 1 ) يلاحظ علي هذا أن الحكم بالكفر ، المستوجب لأحكام مثل الارتداد الذي حده القتل والفراق من المسلمين ، والخروج من الأموال ، لا يمكن أن يبني علي أمر ظني مثل الاجتهاد ، لما في الدماء والخروج من الأموال من الحرمة عند الله ، مما لا يمكن الخروج من عهدته إلا بدليل قطعي . والله الموفق . انظر ما يأتي ص 59 وبعدها . ( 2 ) مدارج السالكين : 1 / 85 . ( پاورقي ص 60 ) ( 1 ) الأنعام : 159 . ( 2 ) البقرة : 286 . ( 3 ) الأحزاب : 5 . ( 4 ) سنن ابن ماجة : 1 / 659 ح 2043 كتاب الطلاق . ( پاورقي ص 62 ) ( 1 ) الصافات : 12 . ( 2 ) النساء : 10 .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 62 - 68



الخبرية ، والمسائل العلمية . وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ، ولم يشهد أحد منهم علي أحد منهم معين لأجل ذلك لا بكفر ، ولا بفسق ، ولا بمعصية . كما أنكر شريح قراءة { بل عجبت ويسخرون } ( 1 ) وقال : إن الله لا يعجب . إلي أن قال : وقد آل النزاع بين السلف إلي الاقتتال ، مع اتفاق أهل السنة علي أن الطائفتين جميعا مؤمنتان ، وأن القتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم ! لأن المقاتل وإن كان باغيا فهو متأول ! والتأويل يمنع الفسق . وكنت أبين لهم أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حق . لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين . وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار ، وهي مسألة الوعيد ، فإن نصوص الوعيد - في القرآن - المطلقة عامة ، كقوله تعالي : { إن الذين يأكلون أموال اليتامي ظلما } . . . الآية ( 2 ) ، وكذلك سائر ما ورد : ( من فعل كذا فله كذا ، أو فهو كذا ) .



( صفحه 63 ) فإن هذه النصوص مطلقة عامة ، وهي بمنزلة من قال من السلف : من قال كذا فهو كافر . إلي أن قال : والتكفير يكون من الوعيد ، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول صلي الله عليه وسلم ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بالإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة ، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص ، أو سمعها ولم تثبت عنده ، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها - وإن كان مخطئا - . وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين ( 1 ) في الرجل الذي قال لأهله : إذا أنا مت فأحرقوني - الحديث . فهذا رجل شك في قدرة الله ، وفي إعادته إذا ذري ، بل اعتقد أنه لا يعاد ، فغفر له بذلك . والمتأول من أهل الاجتهاد ، الحريص علي متابعة الرسول صلي الله عليه وسلم أولي بالمغفرة من مثل هذا ، إنتهي . وقال الشيخ رحمه الله - وقد سئل عن رجلين تكلما في مسألة التكفير ، فأجاب وأطال ، وقال في آخر الجواب - : لو فرض أن رجلا دفع التكفير عمن يعتقد أنه ليس بكافر ، حماية له ونصرا لأخيه المسلم ، لكان هذا غرضا شرعيا حسنا ، وهو إذا اجتهد في ذلك فأصاب فله أجران ، وإن اجتهد فيه فأخطأ فله أجر . وقال رحمه الله : التكفير إنما يكون بإنكار ما علم من الدين بالضرورة ، أو بإنكار الأحكام المتواترة المجمع عليها ، إنتهي . فانظر إلي هذا الكلام وتأمله . وهل هذا كقولكم : هذا كافر ، ومن لم يكفره فهو كافر ؟ وهو قال : إن دفع عنه التكفير - وهو مخطئ - فله أجر .



( صفحه 64 ) وانظر وتأمل كلامه الأول ، وهو أن القول قد يكون كفرا ، ولكن القائل أو الفاعل لا يكفر ، لاحتمال أمور ، منها : عدم بلوغ العلم علي الوجه الذي يكفر به ، إما لم يبلغه ، وإما بلغه ولكن ما فهمه ، أو فهمه ولكن قام عنده معارض أوجب تأويله ، إلي غير ذلك مما ذكره . [ الفرقة الوهابية تخالف ذلك ] فيا عباد الله ، تنبهوا وارجعوا إلي الحق ، وامشوا حيث مشي السلف الصالح ، وقفوا حيث وقفوا ، ولا يستفزكم الشيطان ، ويزين لكم تكفير أهل الإسلام ، وتجعلون ميزان كفر الناس مخالفتكم ، وميزان الإسلام موافقتكم . فإنا لله وإنا إليه راجعون ، آمنا بالله وبما جاء عن الله علي مراد الله وعلي مراد رسوله ، أنقذنا الله وإياكم من متابعة الأهواء . [ كلام ابن القيم في عدم تكفير المسلم ] قال ابن القيم رحمه الله تعالي ( 1 ) - لما ذكر أنواع الكفر - : وكفر الجحود نوعان : كفر مطلق عام ، وكفر مقيد خاص . فالمطلق : أن يجحد جملة ما أنزل الله ، ورسالة رسول الله صلي الله عليه وسلم . والخاص المقيد : أن يجحد فرضا من فروض الإسلام ، أو محرما من محرماته ، أو صفة وصف الله بها نفسه ، أو خبرا أخبر الله به محمدا صلي الله عليه وسلم ، أو تقديما لقول من خالفه عالما عمدا ، لغرض من الأغراض .



( صفحه 65 ) والسنن والمسانيد عن أبي هريرة قال : قال النبي صلي الله عليه وسلم : قال رجل لم يعمل خيرا قط لأهله ، وفي رواية : أسرف رجل علي نفسه ، فلما حضر أوصي بنيه : إذا مات فحرقوه ، ثم ذروا نصفه في البر ، ونصفه في البحر ، فوالله لأن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا ما عذب به أحدا من العالمين ، فلما مات فعلوا ما أمرهم ، فأمر الله البحر فجمع ما فيه ، وأمر البر فجمع ما فيه ، ثم قال : لم فعلت ؟ قال : من خشيتك يا رب وأنت تعلم ، فغفر له . فهذا منكر لقدرة الله عليه ، ومنكر للبعث والمعاد ، ومع هذا غفر الله له ، وعذره بجهله ، لأن ذلك مبلغ عمله ، لم ينكر ذلك عنادا . وهذا فصل النزاع في بطلان قول من يقول : إن الله لا يعذر العباد بالجهل في سقوط العذاب إذا كان ذلك مبلغ علمه ، إنتهي . [ جواب لابن تيمية عن التكفير ] وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن التكفير الواقع في هذه الأمة ، من أول من أحدثه وابتدعه ؟ فأجاب : أول من أحدثه في الإسلام المعتزلة ، وعنهم تلقاه من تلقاه ، وكذلك الخوارج هم أول من أظهره ، واضطرب الناس في ذلك ، فمن الناس من يحكي عن مالك فيه قولين ، وعن الشافعي كذلك ، وعن أحمد روايتان ، وأبو الحسن الأشعري وأصحابه ، لهم قولان . وحقيقة الأمر في ذلك ، أن القول قد يكون كفرا ، فيطلق القول بتكفير قائله ، ويقال : من قال كذا فهو كافر ، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يكفر ، حتي تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها ، من تعريف الحكم الشرعي من سلطان ، أو أمير مطاع ، كما هو المنصوص عليه في كتب الأحكام ، فإذا عرفه الحكم وزالت عنه



( صفحه 66 ) الجهالة ، قامت عليه الحجة ، وهذا كما هو في نصوص الوعيد من الكتاب والسنة ، وهي كثيرة جدا ، والقول بموجبها واجب علي وجه العموم والأطلاق ، من غير أن يعين شخص من الأشخاص ، فيقال : هذا كافر ، أو فاسق ، أو ملعون ، أو مغضوب عليه ، أو مستحق للنار - لا سيما إن كان للشخص فضائل وحسنات - لأن ما سوي الأنبياء تجوز عليهم الصغائر والكبائر ، مع إمكان أن يكون ذلك الشخص صديقا ، أو شهيدا ، أو صالحا ، كما قد بسط في غير هذا الموضع من أن موجب الذنوب تتخلف عنه بتوبة أو باستغفار ، أو حسنات ماحية ، أو مصائب مكفرة ، أو شفاعة مقبولة ، أو لمحض مشيئة الله ورحمته . فإذا قلنا بموجب قوله تعالي : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } ( 1 ) . . . الآية . وقوله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامي ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } ( 2 ) . وقوله : { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده } ( 3 ) . . . الآية . وقوله : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - إلي قوله - ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما } ( 4 ) . . . الآية . إلي غير ذلك من آيات الوعيد . وقلنا بموجب قوله صلي الله عليه وسلم : لعن الله من شرب الخمر ، أو من عق والديه ، أو من غير منار الأرض ، أو من ذبح لغير الله ، أو لعن الله السارق ، أو لعن الله آكل الربا ، وموكله ، وشاهده ، وكاتبه ، أو لعن الله لاوي الصدقة ، والمتعدي فيها ، ومن أحدث



( صفحه 67 ) في المدينة حدثا ، أو آوي محدثا ، فعليه لعنة الله ، والملائكة ، والناس أجمعين ، إلي غير ذلك من أحاديث الوعيد . لم يجز أن نعين شخصا ممن فعل بعض هذه الأفعال ، ونقول : هذا المعين قد أصابه هذا الوعيد ، لإمكان التوبة ، وغيرها من مسقطات العقوبة . إلي أن قال : ففعل هذه الأمور ممن يحسب أنها مباحة - باجتهاد أو تقليد ونحو ذلك - وغايته أنه معذور من لحوق الوعيد به لمانع . كما امتنع لحوق الوعيد بهم لتوبة ، أو حسنات ماحية ، أو مصائب مكفرة ، أو غير ذلك . وهذه السبيل هي التي يجب أتباعها ، فإن ما سواها طريقان خبيثان : أحدهما : القول بلحوق الوعيد بكل فرد من الأفراد بعينه ، ودعوي أنه عمل بموجب النصوص . وهذا أقبح من قول الخوارج المكفرين بالذنوب ، والمعتزلة وغيرهم ، وفساده معلوم بالاضطرار ، وأدلته في غير هذا الموضع ، فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق . لكن الشخص المعين الذي فعله لا يشهد عليه بلا وعيد ، فلا يشهد علي معين من أهل القبلة بالنار ، لفوات شرط ، أو لحصول مانع . وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها ، قد يكون القائل لها لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده ، أو لم يتمكن من معرفتها وفهمهما ، أو قد عرضت له شبهات يعذره الله بها . فمن كان مؤمنا بالله وبرسوله ، مظهرا للإسلام ، محبا لله ورسوله ، فإن الله يغفر له ، ولو قارف بعض الذنوب القولية ، أو العملية ، سواء أطلق عليه لفظ الشرك ، أو لفظ المعاصي .



( صفحه 68 ) هذا الذي عليه أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وجماهير أئمة الإسلام . لكن المقصود أن مذاهب الأئمة مبنية علي هذا التفصيل بالفرق بين النوع والعين . بل ، لا يختلف القول عن الإمام أحمد وسائر أئمة الإسلام كمالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي أنهم لا يكفرون المرجئة الذين يقولون : ( الأيمان قول بلا عمل ) . ونصوصهم صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج ، والقدرية وغيرهم . وإنما كان الإمام أحمد يطلق القول بتكفير الجهمية ، لأنه ابتلي بهم حتي عرف حقيقة أمرهم ، وأنه يدور علي التعطيل . وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة ، لكن ما كانوا يكفرون أعيانهم . فإن الذي يدعو إلي القول أعظم من الذي يقوله ولا يدعو إليه ، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط ، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقب . ومع هذا ، فالذين - من ولاة الأمور - يقولون بقول الجهمية : إن القرآن مخلوق ، وإن الله لا يري في الآخرة ، وإن ظاهر القرآن لا يحتج به في معرفة الله ، ولا الأحاديث الصحيحة ، وإن الدين لا يتم إلا بما زخرفوه من الآراء ، والخيالات الباطلة ، والعقول الفاسدة ، وإن خيالاتهم وجهالاتهم أحكم في دين الله من كتاب الله ، وسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وإن أقوال الجهمية والمعطلة من النفي والأثبات أحكم في دين الله . بسبب ذلك امتحنوا المسلمين ، وسجنوا الإمام أحمد ، وجلدوه ، وقتلوا



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 62 )
( 1 ) الصافات : 12 . ( 2 ) النساء : 10 . ( پاورقي ص 63 ) ( 1 ) صحيح البخاري : 5 / 8 / 2378 ح 6116 كتاب الرقاق ، سنن ابن ماجة : 2 / 1421 ح 4255 كتاب الزهد . ( پاورقي ص 64 ) ( 1 ) مدارج السالكين : 1 / 347 . ( پاورقي ص 66 ) ( 1 ) النساء : 93 . ( 2 ) النساء : 10 . ( 3 ) النساء : 14 . ( 4 ) النساء : 29 - 40 .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 68 - 76



جماعة ، وصلبوا آخرين . ومع ذلك لا يطلقون أسيرا ، ولا يعطون من بيت المال إلا من وافقهم ، ويقر بقولهم .



( صفحه 69 ) وجري علي الإسلام منهم أمور مبسوطة في غير هذا الموضع ( 1 ) . ومع هذا التعطيل الذي هو شر من الشرك ، فالإمام أحمد ترحم عليهم ، واستغفر لهم ، وقال : ما علمت أنهم مكذبون للرسول صلي الله عليه وسلم ، ولا جاحدون لما جاء به ، لكنهم تأولوا فأخطأوا ، وقلدوا من قال ذلك . والأمام الشافعي لما ناظر حفص الفرد - من أئمة المعطلة - في مسألة القرآن ، وقال : القرآن مخلوق ، قال له الشافعي : كفرت بالله العظيم ، فكفره ولم يحكم بردته بمجرد ذلك ، ولو اعتقد ردته وكفره لسعي في قتله . وأفتي العلماء بقتل دعاتهم ، مثل غيلان القدري ، والجعد بن درهم ، وجهم بن صفوان - إمام الجهمية - وغيرهم . وصلي الناس عليهم ، ودفنوهم مع المسلمين ، وصار قتلهم من باب قتل الصائل ، لكف ضررهم ، لا لردتهم . ولو كانوا كفارا لرآهم المسلمون كغيرهم . وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع ، إنتهي كلام الشيخ رحمه الله . وإنما سقته بطوله لبيان ما تقدم مما أشرت إليه ، ولما فيه من إجماع الصحابة والسلف ، وغير ذلك مما فصل . فإذا كان هذا كفر هؤلاء - وهو أعظم من الشرك ، كما تقدم بيانه مرارا من كلام الشيخين - مع أن أهل العلم من الصحابة ، والتابعين ، وتابعيهم إلي زمن أحمد بن حنبل هم المناظرون والمبينون لهم ، وهو خلاف العقل والنقل ، مع البيان التام من أهل العلم !



( صفحه 70 ) ومع هذا لم يكفروهم ، حتي دعاتهم الذين قتلوا ، لم يكفرهم المسلمون . أما في هذا عبرة لكم ؟ [ الفرقة الوهابية تخالف ذلك ] تكفرون عوام المسلمين ، وتستبيحون دماءهم ، وأموالهم ، وتجعلون بلادهم بلاد حرب ، ولم يوجد منهم عشر معشار ما وجد من هؤلاء ؟ ! وإن وجد منهم شئ من أنواع الشرك - سواء شرك أصغر أو أكبر - فهم جهال ، لم تقم عليهم الحجة التي يكفر تاركها ! أتظنون أن أولئك السادة - أئمة أهل الإسلام - ما قامت الحجة بكلامهم ؟ ! وأنتم قامت الحجة بكم ! ؟ بل ، والله تكفرون من لا يكفر من كفرتم ، وإن لم يوجد منه شئ من الشرك والكفر . الله أكبر ، { لقد جئتم شيئا إدا } ( 1 ) . يا عباد الله : اتقوا الله ! خافوا ذا البطش الشديد ، لقد آذيتم المؤمنين والمؤمنات { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } ( 2 ) . والله ما لعباد الله عند الله ذنب ، إلا أنهم لم يتبعوكم علي تكفير من شهدت النصوص الصحيحة بإسلامه ، وأجمع المسلمون علي إسلامه .



( صفحه 71 ) فإن اتبعوكم أغضبوا الله تعالي ، ورسوله صلي الله عليه وسلم ، وإن عصوا آراءكم حكمتم بكفرهم وردتهم ! ! وقد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : لست أخاف علي أمتي جوعا يقتلهم ، ولا عدوا يجتاحهم ، ولكن أخاف علي أمتي أئمة مضلين ، إن أطاعوهم فتنوهم ، وإن عصوهم قتلوهم ، رواه الطبراني ( 1 ) من حديث أبي أمامة . وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول : أطيعوني ما أطعت الله ، وإن عصيت فلا طاعة لي عليكم ( 2 ) . ويقول : أنا أخطئ وأصيب ، وإذا ضربه أمر جمع الصحابة واستشارهم . وعمر يقول مثل ما قال أبو بكر ، ويفعل مثل ما يفعل ، وكذلك عثمان ، وعلي رضوان الله تعالي عليهم أجمعين . [ أئمة المذاهب لا يلزمون أحدا بمذهبهم ] وأئمة أهل العلم لا يلزمون أحدا أن يأخذ بقولهم ، بل لما عزم الرشيد بحمل الناس علي الأخذ بموطأ الإمام مالك رضي الله عنه ، قال له مالك : لا تفعل يا أمير المؤمنين ، فإن العلم انتشر عند غيري ، أو كلاما هذا معناه . وكذلك جميع العلماء من أهل السنة ، لم يلزم أحد منهم الناس الأخذ بقوله . [ الوهابية تخالف ذلك ] وأنتم تكفرون من لا يقول بقولكم ، ويري رأيكم ! ! سألتك بالله ، أنتم معصومون ، فيجب الأخذ بقولكم ؟ فإن قلت : لا ، فلم توجبون علي الأمة الأخذ بقولكم ؟



( صفحه 72 ) أم تزعمون أنكم أئمة تجب طاعتكم ؟ فأنا أسألكم بالله ، أهل اجتمع في رجل منكم شروط الإمامة التي ذكرها أهل العلم ، أو حتي خصلة واحدة من شروط الإمامة ؟ بالله عليكم انتهوا ، واتركوا التعصيب . هبنا عذرنا العامي الجاهل الذي لم يمارس شيئا من كلام أهل العلم ، فأنت ما عذرك عند الله إذا لقيته ؟ بالله عليك تنبه ، واحذر عقوبة جبار السماوات والأرض . فقد نقلنا لك كلام أهل العلم ، وإجماع أهل السنة والجماعة - الفرقة الناجية - وسيأتيك إن شاء الله ما يصير سببا لهداية من أراد الله هدايته . فصل [ اتفاق أهل السنة ! علي عدم التكفير المطلق للمسلمين ] قال ابن القيم في ( شرح المنازل ) ( 1 ) : أهل السنة متفقون علي أن الشخص الواحد تكون فيه ولاية الله وعداوة من وجهين مختلفين ، ويكون محبوبا لله مبغوضا من وجهين ، بل يكون فيه إيمان ونفاق ، وإيمان وكفر ، ويكون إلي أحدهما أقرب من الآخر ، فيكون إلي أهله . كما قال تعالي : { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للأيمان } ( 2 ) . وقال : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } ( 3 ) .



( صفحه 73 ) فأثبت لهم تبارك وتعالي الأيمان مع مقارنة الشرك . فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله ، لم ينفعهم ما معهم من الأيمان . وإن كان تصديق برسله - وهم يرتكبون الأنواع من الشرك ، لا يخرجهم عن الأيمان بالرسل ، واليوم الآخر - فهم مستحقون للوعيد ، أعظم من استحقاق أهل الكبائر . وبهذا الأصل أثبت أهل السنة دخول أهل الكبائر النار ، ثم خروجهم منها ، ودخولهم الجنة ، لما قام بهم من السببين . قال : وقال ابن عباس في قوله تعالي : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ( 1 ) . قال ابن عباس رضي الله عنهما : ليس بكفر ينقل عن الملة إذا فعله فهو به كفر ، وليس كمن كفر بالله ، واليوم الآخر . وكذلك قال طاوس وعطاء ( 2 ) ، إنتهي كلامه . وقال الشيخ تقي الدين ( 3 ) : كان الصحابة والسلف يقولون : إنه يكون في العبد إيمان ونفاق . وهذا يدل عليه قوله عز وجل : { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للأيمان } . وهذا كثير في كلام السلف ، يبينون أن القلب يكون فيه إيمان ونفاق ، والكتاب والسنة يدل علي ذلك . ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم ( 4 ) : يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان .



( صفحه 74 ) فعلم أنه من كان معه من الأيمان أقل قليل لم يخلد في النار ، وإن كان معه كثير من النفاق ، فهذا يعذب في النار علي قدر ما معه ، ثم يخرج . إلي أن قال : وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الأيمان ، وشعبة من شعب الكفر ، وشعبة من شعب النفاق . وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية ، كما قال الصحابة - ابن عباس وغيره - : كفر دون كفر ، وهذا عامة قول السلف ، إنتهي . فتأمل هذا الفصل ، وانظر حكايتهم الإجماع من السلف ، ولا تظن أن هذا في المخطئ ، فإن ذلك مرفوع عنه إثم خطئه - كما تقدم مرارا عديدة - . [ الوهابية تخالف ذلك ] فأنتم الآن تكفرون بأقل القليل من الكفر ، بل تكفرون بما تظنون - أنتم - أنه كفر ، بل تكفرون بصريح الإسلام ، فإن عندكم أن من توقف عن تكفير من كفرتموه خائفا من الله تعالي في تكفير من رأي عليه علامات الإسلام ، فهو عندكم كافر . نسأل الله العظيم أن يخرجكم من الظلمات إلي النور ، وأن يهدينا وإياكم الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين . فصل [ الإيمان الظاهر ] قال الشيخ تقي الدين في ( كتاب الأيمان ) ( 1 ) :



( صفحه 75 ) الأيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الأيمان في الباطن ، وإن المنافقين الذين قالوا : { آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } ( 1 ) هم في الظاهر مؤمنون ، يصلون مع المسلمين ، ويناكحونهم ، ويوارثونهم - كما كان المنافقون علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم - ولم يحكم النبي صلي الله عليه وسلم فيهم بحكم الكفار المظهرين الكفر ، لا في مناكحتهم ولا في موارثتهم ، ولا نحو ذلك . بل ، لما مات عبد الله بن أبي - وهو من أشهر الناس في النفاق - ورثه عبد الله ابنه - وهو من خيار المؤمنين - وكذلك سائر من يموت منهم ، يرثه ورثته المؤمنون ، وإذا مات لهم وارث ورثوه مع المسلمين ، وإن علم أنه منافق في الباطن . وكذلك كانوا في الحدود والحقوق كسائر المسلمين ، وكانوا يغزون مع النبي صلي الله عليه وسلم . ومنهم من هم بقتل النبي صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، ومع هذا ففي الظاهر تجري عليهم أحكام أهل الإيمان . إلي أن قال : ودماؤهم وأموالهم معصومة ، لا يستحل منهم ما يستحل من الكفار ، والذين يظهرون أنهم مؤمنون ، بل يظهرون الكفر دون الأيمان . فإنه صلي الله عليه وسلم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتي يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم ، وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم علي الله . ولما قال لأسامة : أقتلته - بعد أن قال : ( لا إله إلا الله ) ؟ - قال : فقلت : إنما قالها تعوذا . قال : هل شققت عن قلبه ؟



( صفحه 76 ) وقال : إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ، ولا أشق بطونهم . وكان إذا استؤذن في رجل يقول : أليس يصلي ؟ أليس يشهد ؟ فإذا قيل له : إنه منافق ، قال ذلك . فكان حكمه في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم ، ولا يستحل منها شيئا ، مع أنه يعلم نفاق كثير منهم ، إنتهي كلام الشيخ . قال ابن القيم في ( إعلام الموقعين ) ( 1 ) : قال الإمام الشافعي : فرض الله سبحانه طاعته علي خلقه ، ولم يجعل لهم من الأمر شيئا ، وأن لا يتعاطوا حكما علي عيب أحد بدلالة ولا ظن ، لقصور علمهم عن علم أنبيائه الذين فرض عليهم الوقوف عما ورد عليهم حتي يأتيهم أمره ، فإنه سبحانه ظاهر عليهم الحجج ، فما جعل عليهم الحكم في الدنيا إلا بما ظهر [ من ] المحكوم عليه .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 69 )
( 1 ) إقرأ بعضها في كتبه الداعية الوهابي أبو الحسن الندوي الهندي ( كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ) . ( پاورقي ص 70 ) ( 1 ) مريم : 89 . ( 2 ) الأحزاب : 58 . ( پاورقي ص 71 ) ( 1 ) المعجم الكبير للطبراني : 8 / 149 ح 7653 . ( 2 ) الإمامة والسياسة لابن قتيبة : 1 / 34 ، تاريخ الطبري : 2 / 450 حوادث سنة 11 ه‍ . ( پاورقي ص 72 ) ( 1 ) شرح منازل السائرين . ( 2 ) آل عمران : 167 . ( 3 ) يؤسف : 106 . ( پاورقي ص 73 ) ( 1 ) المائدة : 44 . ( 2 ) مدارج السالكين : 1 / 345 . ( 3 ) ( 4 ) إتحاف السادة المتقين للزبيدي : 8 / 562 . ( پاورقي ص 74 ) ( 1 ) كتاب الإيمان ، المطبوع في مجموع فتاوي ابن تيمية 7 / 210 - 213 . ( پاورقي ص 75 ) ( 1 ) البقرة : 8 . ( پاورقي ص 76 ) ( 1 ) أعلام الموقعين عن رب العالمين . ( 2 ) الحجرات : 14 .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 76 - 83



ففرض علي نبيه صلي الله عليه وسلم أن يقاتل أهل الأوثان حتي يسلموا ، فيحقن دمائهم إذا أظهروا الإسلام . واعلم أنه لا يعلم صدقهم بالإسلام إلا الله تبارك وتعالي ، ثم أطلع الله رسوله صلي الله عليه وسلم علي قوم يظهرون الإسلام ويسرون غيره ، ولم يجعل له أن يحكم عليهم بخلاف حكم الإسلام ، ولم يجعل له أن يقضي عليهم في الدنيا بخلاف ما أظهروا . فقال تعالي لنبيه صلي الله عليه وسلم : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } ( 2 ) يعني أسلمنا بالقول مخافة القتل والسبي . ثم أخبر أنه يجزيهم إن أطاعوا الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم ، يعني : إن أحدثوا



( صفحه 77 ) طاعة رسول الله صلي الله عليه وسلم . وقال في المنافقين وهم صنف ثان : { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة } ( 1 ) يعني جنة من القتل . وقال : { ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم } ( 2 ) . . . الآية ، فأمر بقبول ما أظهروا ، ولم يجعل سبحانه لنبيه صلي الله عليه وسلم أن يحكم عليهم بخلاف حكم الإيمان ، وقد أعلم الله سبحانه نبيه صلي الله عليه وسلم أنهم في الدرك الأسفل من النار . فجعل حكمه سبحانه علي سرائرهم ، وحكم نبيه صلي الله عليه وسلم في الدنيا علي علانيتهم . إلي أن قال : وقد كذبهم في قولهم في كل ذلك ، وبذلك أخبر النبي صلي الله عليه وسلم عن الله سبحانه بما أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عطاء ابن يزيد ، عن عبيد الله بن يزيد بن عدي بن الخيار ، أن رجلا سار النبي صلي الله عليه وسلم فلم يدر ما ساره ؟ حتي جهر رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فإذا هو يساره في قتل رجل من المنافقين . قال النبي صلي الله عليه وسلم : أليس يشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال : بلي ، ولا صلاة له . فقال النبي صلي الله عليه وسلم أولئك : الذين نهاني الله عن قتلهم . ثم ذكر حديث : أمرت أن أقاتل الناس - حتي قال - : فحسابهم بصدقهم وكذبهم وسرائرهم علي الله العالم بسرائرهم ، المتولي الحكم عليهم ، دون أنبيائه وحكام خلقه . وبذلك مضت أحكام رسول الله صلي الله عليه وسلم فيما بين العباد من الحدود ، وجميع



( صفحه 78 ) الحقوق ، أعلمهم أن جميع أحكامه علي ما يظهرون ، والله يدين بالسرائر . فمن حكم علي الناس بخلاف ما ظهر عليهم - استدلالا علي ما أظهروا خلاف ما أبطنوا بدلالة منهم ، أو غير دلالة - لم يسلم عندي من خلاف التنزيل والسنة . إلي أن قال : ومن أظهر كلمة الإسلام ، بأن شهد ( أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله صلي الله عليه وسلم ) قبل ذلك منه ، ولم يسأل عن كشف حاله ، أو عن باطنه ، وعن معني ما لفظ به ، وباطنه وسريرته إلي الله ، لا إلي غيره من نبي أو غيره . فهذا حكم الله ودينه الذي أجمع عليه علماء الأمة ، إنتهي كلام الشافعي رحمه الله . قال ابن القيم - بعدما حكي كلام الشافعي - : وهذه الأحكام جارية منه صلي الله عليه وسلم ، ثم هي التي مشي عليها الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، والأئمة ، وسائر المتبعين له من علماء أمته إلي يوم القيامة ، إنتهي . فصل [ شروط المجتهد الذي يجوز تقليده في علوم الدين ] قد تقدم لك من كلام أهل العلم وإجماعهم أنه لا يجوز أن يقلد ويؤتم به في الدين إلا من جمع شروط الاجتهاد إجماعا . وتقدم أن من لم يجمع شروط الاجتهاد أنه يجب عليه التقليد ، وأن هذا لا خلاف فيه : وتقدم أيضا إجماع أهل السنة : أن من كان مقرا بما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم ملتزما له ، أنه - وإن كان فيه خصلة من الكفر الأكبر ، أو الشرك ، أن لا يكفر حتي تقام عليه الحجة التي يكفر تاركها ، وأن الحجة لا تقوم إلا الإجماع القطعي لا الظني ، وأن الذي يقيم الحجة الإمام ، أو نائبه ، وأن الكفر لا يكون إلا بإنكار



( صفحه 79 ) الضروريات من دين الإسلام ، كالوجود ، والوحدانية ، والرسالة ، أو بإنكار الأمور الظاهرة ، كوجوب الصلاة . وأن المسلم المقر بالرسول إذا استند إلي نوع شبهة تخفي علي مثله لا يكفر . وأن مذهب أهل السنة والجماعة التحاشي عن تكفير من انتسب إلي الإسلام ، حتي أنهم يقفون عن تكفير أئمة أهل البدع ، مع الأمر بقتلهم دفعا لضررهم لا لكفرهم . وأن الشخص الواحد يجتمع فيه الكفر والإيمان ، والنفاق والشرك ، ولا يكفر كل الكفر . وأن من أقر بالإسلام قبل منه ، سواء كان صادقا أو كاذبا - ولو ظهرت منه بعض علامات النفاق - . وأن المكفرين هم أهل الأهواء والبدع ، وأن الجهل عذر عن الكفر ، وكذلك الشبهة - ولو كانت ضعيفة - . وغير ذلك مما تقدم . فإن وفقت ففي هذا كفاية للزجر عن بدعتكم هذه التي فارقتم بها جماعة المسلمين وأئمتهم ، ونحن لم نستنبط ، ولكن حكينا كلام العلماء ونقلهم عن أهل الاجتهاد الكامل . [ أدلة الدعاة علي مسلكهم باطلة ] فلنرجع إلي ذكر وجوه تدل علي عدم صحة ما ذهبتم إليه من تكفير المسلم ، وإخراجه من الإسلام إذا دعا غير الله ، أو نذر لغير الله ، أو ذبح لغير الله ، أو تبرك بقبر ، أو تمسح به ، إلي غير ذلك مما تكفرون به المسلم ، بل تكفرون من لا يكفر من فعل ذلك ، حتي جعلتم بلاد الإسلام كفرا وحربا .



( صفحه 80 ) [ ليسوا أهلا للاستنباط ] فنقول : عمدتكم في ذلك ما استنبطتم من القرآن ! فقد تقدم الإجماع علي أنه لا يجوز لمثلكم الاستنباط ، ولا يحل لكم أن تعتمدوا علي ما فهمتم من غير الاقتداء بأهل العلم . ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقلدكم فيما فهمتم من غير اقتداء بأئمة الإسلام . فإن قلتم : مقتدون ببعض أهل العلم في أن هذه الأفعال شرك . قلنا : نعم ، ونحن نوافقكم علي أن من هذه الأفعال ما يكون شركا . ولكن ، من أين أخذتم من كلام أهل العلم : أن هذا هو الشرك الأكبر ، الذي ذكر الله سبحانه في القرآن ؟ والذي يحل مال صاحبه ودمه ؟ وتجري عليه أحكام المرتدين ؟ وأن من شك في كفره فهو كافر ؟ بينوا لنا : من قال ذلك من أئمة المسلمين ؟ وانقلوا لنا كلامهم ، واذكروا مواضعه ، هل أجمعوا عليه أم اختلفوا فيه ؟ فنحن طالعنا بعض كلام أهل العلم ، ولم نجد كلامكم هذا . بل ، وجدنا ما يدل علي خلافه ، وأن الكفر بإنكار الضروريات كالوجود ، والوحدانية ، والرسالة ، وما أشبه ذلك ، أو بإنكار الأحكام المجمع عليها إجماعا ظاهرا قطعيا ، كوجوب أركان الإسلام الخمسة وما أشبهها . مع أن من أنكر ذلك جاهلا لم يكفر ، حتي يعرف تعريفا تزول معه الجهالة ، وحينئذ يكون مكذبا بالله تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم . فهذه الأمور التي تكفرون بها ليست ضروريات . وإن قلتم : مجمع عليها إجماعا ظاهرا يعرفه الخاص والعام ! قلنا لكم : بينوا لنا كلام العلماء في ذلك ، وإلا ، فبينوا كلام ألف منهم ، وحتي



( صفحه 81 ) مائة ، أو عشرة ، أو واحد ، فضلا عن أن يكون إجماعا ظاهرا كالصلاة . فإن لم تجدوا إلا العبارة التي في ( الاقناع ) منسوبة إلي الشيخ ، وهي : ( من جعل بينه وبين الله وسائط . . . إلي آخره ) . فهذه عبارة مجملة ، ونطلب منكم تفصيلها من كلام أهل العلم ، لتزول عنا الجهالة . ولكن ، من أعجب العجب : أنكم تستدلون بها علي خلاف كلام صاحبها ، وعلي خلاف كلام من أوردها ونقلها في كتبه - علي خصوصيات كلامهم في هذه الأشياء التي تكفرون بها - . بل ، ذكروا النذر والذبح ، وبعض الدعاء . وبعضها عدوه في المكروهات ، كالتبرك والتمسح ، وأخذ تراب القبور للتبرك ، والطواف بها . وقد ذكر العلماء في كتبهم ، منهم صاحب ( الاقناع ) ( 1 ) - واللفظ له - قال - : ويكره المبيت عند القبر ، وتجصيصه ، وتزويقه ، وتخليقه ، وتقبيله ، والطواف به ، وتبخيره ، وكتابة الرقاع إليه ، ودسها في الأنقاب ، والاستشفاء بالتربة من الأسقام . لأن ذلك كله من البدع ، إنتهي . وأنتم تكفرون بهذه الأمور . فإذا قلتم : صاحب ( الاقناع ) وغيره من علماء الحنابلة كصاحب ( الفروع ) جهال لا يعرفون الضروريات ، بل ، عندكم - علي لازم مذهبكم - كفار . قلت : هؤلاء لم يحكوا من مذهب أنفسهم ، لا هم ولا أجل منهم ، بل ، ينقلون



( صفحه 82 ) ويحكون مذهب أحمد بن حنبل - أحد أئمة الإسلام الذي أجمعت الأمة علي إمامته - . أتظنون أن الجاهل يجب عليه أن يقلدكم ، ويترك تقليد أئمة أهل العلم ؟ بل ، أجمع أئمة أهل العلم - كما تقدم - أنه لا يجوز إلا تقليد الأئمة المجتهدين . وكل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد [ له ] أن يحكي ويفتي بمذاهب أهل الاجتهاد . وإنما رخصوا للمستفتي أن يستفتي مثل هؤلاء ، لأنهم حاكين مذاهب أهل الاجتهاد والتقليد للمجتهد ، لا للحاكي . هذا صرح به عامة أهل العلم ، إن طلبته من مكانه وجدته ، وقد تقدم لك ما فيه كفاية . وإنما المقصود : أن العبارة التي تستدلون بها علي تكفير المسلمين لا تدل لمرادكم . وأن من نقل هذه العبارة واستدل بها هم الذين ذكروا النذر ، والدعاء ، والذبح ، وغيره ، ذكروا ذلك كله في مواضعه ، ولم يجعلوه كفرا مخرجا عن الملة ، سوي ما ذكره الشيخ في بعض المواضع في نوع من الدعاء ، كمغفرة الذنوب ، وإنزال المطر ، وإنبات النبات ، ونحو ذلك مما ذكر أن هذا وإن كان كفرا فلا يكفر صاحبه حتي تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها ، وتزول عنه الشبهة . ولم يحكه عن قوله ، - أي التكفير بالدعاء المذكور - إجماعا حتي تستدلون - أنتم - عليه بالعبارة . بل - والله - لازم قولكم تكفير الشيخ بعينه ، وأحزابه ، نسأل الله العافية . ومما يدل علي أن ما فهمتم من العبارة غير صواب : أنهم عدوا الأمور المكفرات فردا فردا في كتاب الردة في كل مذهب من مذاهب الأئمة . ولم يقولوا أو واحد منهم : من نذر لغير الله كفر .



( صفحه 83 )



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 76 )
( 1 ) أعلام الموقعين عن رب العالمين . ( 2 ) الحجرات : 14 . ( پاورقي ص 77 ) ( 1 ) المنافقون : 1 - 2 . ( 2 ) التوبة : 56 . ( پاورقي ص 81 ) ( 1 ) الإقناع : 1 / 92 - 193 . ( پاورقي ص 83 ) ( 1 ) كنز العمال : 3 / 471 ح 7474 ، 7476 .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 83 - 89



بل الشيخ نفسه - الذي تستدلون بعبارته - ذكر : أن النذر للمشايخ لأجل الاستغاثة بهم ، كالحلف بالمخلوق - كما تقدم كلامه - والحلف بالمخلوق ليس شركا أكبر . بل قال الشيخ : فمن قال : ( أنذروا لي تقضي حوائجكم ) . يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل لسعيه في الأرض بالفساد . فجعل الشيخ قتله حدا لا كفرا . وكذلك تقدم عنه من كلامه في خصوص النذور ما فيه كفاية . ولم يقولوا أيضا : من طلب غير الله كفر . بل يأتي - إن شاء الله تعالي - ما يدل علي أنه ليس بكفر . ولم يقولوا : من ذبح لغير الله كفر . أتظنهم يحكون العبارة ، ولا عرفوا معناها ؟ ! أم هم أوهموا الناس - إرادة لإغوائهم - ! ؟ أم أحالوا الناس علي مفهومكم منها الذي ما فهمه منها من أوردها ، ولا من حكاها عمن أوردها ؟ أم عرفتم من كلامهم ما جهلوا هم ؟ أم تركوا الكفر الصراح الذي يكفر به المسلم ، ويحل ماله ودمه ، وهو يعمل عندهم ليلا ونهارا ، جهارا غير خفي ، وتركوا ذلك ما بينوه ، بل بينوا خلافه ، حتي جئتم أنتم فاستنبطتموه من كلامهم ؟ لا ، والله ، بل ما أرادوا ما أردتم ، وإنهم في واد ، وأنتم في واد ! ومما يدل علي أن كلامكم وتكفيركم ليس بصواب : أن الصلاة أعظم أركان الإسلام - بعد الشهادتين - ومع هذا ذكروا : أن من صلاها رئاء الناس ردها الله عليه ، ولم يقبلها منه ، بل يقول الله تعالي ( 1 ) : ( أنا أغني الشركاء عن الشرك ، من



( صفحه 84 ) عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه ، ويقول له يوم القيامة : أطلب ثوابك من الذي عملت لأجله ) . فذكروا أن ذلك يبطل العمل . ولم يقولوا : إن فاعل ذلك كافر حلال المال والدم ، بل من لم يكفره - كما هو مذهبكم فيما [ هو ] أخف من ذلك بكثير - . وكذلك السجود ، الذي هو أعظم هيئات الصلاة - التي هي أعظم من النذور والدعاء وغيره - فرقوا فيه وقالوا : من سجد لشمس ، أو قمر أو كوكب ، أو صنم كفر . وأما السجود لغير ما ذكر ، فلم يكفروا به ، بل عدوه في كبائر المحرمات . ولكن حقيقة الأمر أنكم ما قلدتم أهل العلم ولا عباراتهم ، وإنما عمدتكم مفهومكم واستنباطكم الذي تزعمون أنه الحق ، من أنكره أنكر الضروريات . وأما استدلالاتكم بمشتبه العبارات فتلبيس . ولكن المقصود : أنا نطلب منكم أن تبينوا لنا وللناس كلام أئمة أهل العلم بموافقة مذهبكم هذا ، وتنقلون كلامهم - إزاحة للشبهة - . وإن لم يكن عندكم إلا القذف ، والشتم ، والرمي بالفرية والكفر ، فالله المستعان . لآخر هذه الأمة أسوة بأولها . الذين أنزل الله عليهم ، لم يسلموا من ذلك . فصل [ الحدود تدرء بالشبهات ] ومما يدل علي عدم صوابكم في تكفير من كفرتموه ، وأن الدعاء والنذر ليسا



( صفحه 85 ) بكفر ينقل عن الملة . وذلك أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر في الحديث الصحيح ( 1 ) أن تدرء الحدود بالشبهات . وقد روي ( 2 ) الحاكم في صحيحه ، وأبو عوانة ، والبزار - بسند صحيح - وابن السني عن ابن مسعود رضي الله تعالي عنه ، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد : يا عباد الله احبسوا ، يا عباد الله احبسوا ، يا عباد الله احبسوا - ثلاثا - فإن لله حاضرا سيحبسه . وقد روي الطبراني ( 3 ) : إن أراد عونا فليقل : يا عباد الله أغيثوني . ذكر هذا الحديث الأئمة في كتبهم ، ونقلوه - إشاعة وحفظا للأمة - ولم ينكروه . منهم النووي في ( الأذكار ) وابن القيم في كتابه ( الكلم الطيب ) وابن مفلح في ( الآداب ) . قال في ( الآداب ) - بعد أن ذكر هذا الأثر - : قال عبد الله بن الإمام أحمد : سمعت أبي يقول : حججت خمس حجج ، فضللت الطريق في حجة - وكنت ماشيا - فجعلت أقول : يا عباد الله دلونا علي الطريق ، فلم أزل أقول ذلك حتي وقعت علي الطريق ، إنتهي . أقول : حيث كفرتم من سأل غائبا ، أو ميتا ، بل زعمتم أن المشركين الكفار الذين كذبوا الله ورسوله صلي الله عليه وسلم أخف شركا ممن سأل غير الله في بر أو بحر . واستدللتم علي ذلك بمفهومكم الذي لا يجوز لكم ولا لغيركم الاعتماد عليه . هل جعلتم هذا الحديث وعمل العلماء بمضمونه ، شبهة لمن فعل شيئا مما تزعمون أنه شرك أكبر ؟



( صفحه 86 ) فإنا لله وإنا إليه راجعون . قال في ( مختصر الروضة ) : الصحيح أن من كان من أهل الشهادتين ، فإنه لا يكفر ببدعة علي الإطلاق ، ما استند فيها إلي تأويل يلتبس به الأمر علي مثله ، وهو الذي رجحه شيخنا أبو العباس ابن تيمية ، إنتهي . أتظن دعاء الغائب كفرا بالضرورة ، ولم يعرفه أئمة الإسلام ؟ أتظن أن علي تقدير أن قولكم صواب ، تقوم الحجة علي الناس بكلامكم ؟ ونحن نذكر كلام الشيخ تقي الدين الذي استدللتم بعبارته علي تكفير المسلمين بالدعاء والنذر ، وإلا ففي ما تقدم كفاية ، ولكن زيادته فائدة . قال الشيخ رحمه الله تعالي في ( اقتضاء الصراط المستقيم ) ( 1 ) : من قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ، ولم تستحبه الشريعة ، فهو من المنكرات ، وبعضه أشد من بعض ، سواء كان شجرة ، أو عينا ، أو قناة ، أو جبلا ، أو مغارة ، وأقبح أن ينذر لتلك البقعة ، ويقال : إنها تقبل النذر - كما يقوله بعض الضالين - فإن هذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء ، لا يجوز الوفاء به . ثم ذكر رحمه الله تعالي ( 2 ) - في مواضع كثيرة - موجود في أكثر البلاد في الحجاز منها مواضع كثيرة . وقال في مواضع أخر من الكتاب المذكور ( 3 ) : والسائلون قد يدعون دعاء محرما يحصل منه ذلك الغرض ، ويحصل لهم ضرر أعظم منه . ثم ذكر أنه تكون له حسنات تربو علي ذلك ، فيعفو الله بها عنه .



( صفحه 87 ) قال ( 1 ) : وحكي لنا أن بعض المجاورين بالمدينة إلي قبر النبي صلي الله عليه وسلم اشتهي عليه نوعا من الأطعمة ، فجاء بعض الهاشميين إليه فقال : إن النبي صلي الله عليه وسلم بعث لك هذا ، وقال : اخرج من عندنا ، فإن من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا . قال الشيخ ( 2 ) : وآخرون قضيت حوائجهم ولم يقل لهم مثل ذلك ، لاجتهادهم ، أو تقليدهم ، أو قصورهم في العلم ، فإنه يغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره ، ولهذا عامة ما يحكي في هذا الباب إنما هو عن قاصري المعرفة ، ولو كان هذا شرعا أو دينا لكان أهل المعرفة أولي به . ففرق بين العفو عن الفاعل والمغفرة له ، وبين إباحة فعله . وقد علمت جماعة ممن سأل حاجته لبعض المقبورين من الأنبياء والصالحين ، فقضيت حاجته . وهؤلاء يخرج مما ذكرته ، وليس ذلك بشرع فيتبع . وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله وسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وما كان عليه السابقون الأولون . وما سوي هذا من الأمور المحدثة فلا تستحب ، وإن اشتملت أحيانا علي فوائد ( 3 ) . وقال أيضا ( 4 ) : صارت النذور المحرمة في الشرع مأكل السدنة ، والمجاورين العاكفين علي بعض المشاهد وغيرها ، وأولئك الناذرون يقول أحدهم : مرضت فنذرت ، ويقول الآخر : خرج علي المحاربون فنذرت ، ويقول الآخر : ركبت البحر



( صفحه 88 ) فنذرت ، ويقول الآخر : حبست فنذرت . وقد قام في نفوسهم من هذه النذور [ أنها ] هي السبب في حصول مطلوبهم ، ودفع مرهوبهم . وقد أخبر الصادق المصدوق صلي الله عليه وسلم أن نذر طاعة الله - فضلا عن معصيته - ليس سببا للخير . بل تجد كثيرا من الناس يقول : إن المشهد الفلاني ، والمكان الفلاني يقبل النذر ، بمعني أنهم نذروا له نذورا - إن قضيت حاجتهم - فقضيت ( 1 ) . إلي أن قال ( 2 ) : وما يروي أن رجلا جاء إلي قبر النبي صلي الله عليه وسلم فشكي إليه الجدب عام الرمادة ، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس . قال : مثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي صلي الله عليه وسلم وأعرف من هذا وقائع . وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلي الله عليه وسلم أو غيره من أمته حاجته ، فتقضي له . فإن هذا وقع كثيرا . ولكن عليك أن تعلم أن إجابة النبي صلي الله عليه وسلم أو غيره لهؤلاء السائلين لا يدل علي استحباب السؤال . وأكثر هؤلاء السائلين الملحين - لما هم فيه من الحال - لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم ، كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك ( 3 ) . وقال رحمه الله أيضا ( 4 ) : حتي أن بعض القبور يجتمع عندها في اليوم من السنة ، ويسافر إليها من الأمصار في المحرم ، أو في صفر ، أو عاشوراء ، أو غير ذلك ، تقصد



( صفحه 89 ) ويجتمع عندها فيه ، كما تقصد عرفة ومزدلفة في أيام معلومة من السنة ، وربما كان الاهتمام بهذه الاجتماعات في الدين والدنيا أشد منكرا ، حتي أن بعضهم يقول : نريد الحج إلي قبر فلان وفلان . وبالجملة : هذا الذي يفعل عند هذه القبور هو بعينه نهي عنه النبي صلي الله عليه وسلم ، وهذا هو الذي أنكره أحمد بن حنبل رحمه الله ، وقال ( 1 ) : قد أفرط الناس في هذا جدا وأكثروا ، وذكر الإمام أحمد ما يفعل عند قبر الحسين رضي الله عنه . قال الشيخ ( 2 ) : ويدخل في هذا ما يفعل بمصر عند قبر نفيسة وغيرها ، وما يفعل بالعراق عند القبر الذي يقال إنه قبر علي وقبر الحسين ، إلي قبور كثيرة في بلاد الإسلام لا يمكن حصرها ، إنتهي كلام الشيخ . [ عبارة ابن تيمية ومدلولها ] فيا عباد الله ، تأملوا : كم في كلام الشيخ هذا من موضع يرد مفهومكم من العبارة التي تستدلون بها من كلامه ؟ ويرد تكفيركم للمسلمين ؟ ونحن نذكر بعض ما في ذلك تتميما للفائدة : منها قوله - في قصد البقعة ، والنذر في العيون والشجر والمغارات وما ذكره - : إنه من المنكرات ، ولم يجب الوفاء به . ولم يقل : إن فاعل ذلك كافر ، مرتد ، حلال المال والدم - كما قلتم - . ومنها : أن من الناس من يأمر بالنذر ، والقصد لهذه الأشياء التي ذكرها ،



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 83 )
( 1 ) كنز العمال : 3 / 471 ح 7474 ، 7476 . ( پاورقي ص 85 ) ( 1 ) كنز العمال : 5 / 305 ح 12957 . ( 2 ) فيض القدير للمناوي : 1 / 307 ، كنز العمال : 6 / 705 ح 17496 . ( 3 ) المعجم الكبير للطبراني : 17 / 118 ، كنز العمال : 6 / 706 ح 17498 . ( پاورقي ص 86 ) ( 1 ) اقتضاء الصراط المستقيم : ص 314 - 315 . ( 2 ) المصدر السابق : 318 . ( 3 ) المصدر السابق : 349 . ( پاورقي ص 87 ) ( 1 ) اقتضاء الصراط المستقيم : 351 . ( 2 ) المصدر السابق : 351 . ( 3 ) المصدر السابق : 352 . ( 4 ) المصدر السابق : 360 . ( پاورقي ص 88 ) ( 1 ) اقتضاء الصراط المستقيم : 360 . ( 2 ) المصدر السابق : 373 - 374 . ( 3 ) المصدر السابق : 373 - 374 . ( 4 ) المصدر السابق : 375 - 376 . ( پاورقي ص 89 ) ( 1 ) اقتضاء الصراط المستقيم : 376 . ( 2 ) المصدر السابق : 377 .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 89 - 96



وسماه ضالا . ولم يكفره - كما قلتم - .



( صفحه 90 ) ومنها : أن هذه المواضع ، وهذه القبور ، وهذه الأفاعيل ملأت بلاد الإسلام قديما . ولم يقل لا هو ولا أحد من أهل العلم : إنها بلاد كفر . - كما كفرتم أهلها ، بل كفرتم من لم يكفرهم - . ومنها : أنه ذكر طلب أهل القبور ، وأنه كثر وشاع ، وغاية ذلك أنه حرمه . بل رفع الخطأ عن المجتهد في ذلك ، أو المقلد ، أو الجاهل . وأنتم تجعلونهم بهذه الأفاعيل أكفر ممن كذب رسول الله صلي الله عليه وسلم من كفار قريش ! ومنها : أن غاية أن يعلم المسلم ، أن هذا لم يشرعه الله . وأنتم تقولون : هذا يعلم بالضرورة أنه كفر ، حتي اليهود والنصاري يعرفون ذلك ، ومن لم يكفر فاعله فهو كافر . فيا عباد الله انتبهوا . ومنها : أنه قال : إجابة النبي صلي الله عليه وسلم أو غيره لهؤلاء السائلين الملحين - لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم - . جعلهم مؤمنين ، وجعل إجابة دعائهم رحمة من الله تعالي لهم ، لئلا يضطرب إيمانهم . وأنتم تقولون : من فعل فهو كافر ، ومن لم يكفره فهو كافر . ومنها : أن هذه الأمور - وهي سؤال النبي صلي الله عليه وسلم - حدثت في زمن الصحابة ، كالذي شكي للنبي صلي الله عليه وسلم القحط ، ورآه في النوم ، فأمره أن يأتي عمر . ولا ذكر أن عمر أنكر ذلك . وأنتم تجعلون مثل هذا كافرا . ومنها : أن هذه الأمور حدثت من قبل زمن الإمام أحمد - في زمان أئمة



( صفحه 91 ) الإسلام - وأنكرها من أنكرها منهم ، ولا زالت حتي ملأت بلاد الإسلام كلها ، وفعلت هذه الأفاعيل كلها التي تكفرون بها ، ولم يرو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم كفروا بذلك . ولا قالوا : هؤلاء مرتدون ، ولا أمروا بجهادهم ، ولا سموا بلاد المسلمين بلاد شرك وحرب - . ما قلتم أنتم ، بل كفرتم من لم يكفر بهذه الأفاعيل ، وإن لم يفعلها - . أتظنون : أن هذه الأمور من الوسائط التي في العبارة - التي يكفر فاعلها إجماعا - ؟ ! وتمضي قرون الأئمة من ثمانمائة عام ، ومع هذا لم يرو عن عالم من علماء المسلمين أنها كفر ؟ ! ! بل ، ما يظن هذا عاقل . بل - والله - لازم قولكم أن جميع الأمة بعد زمان الإمام أحمد رحمه الله تعالي - علماؤها ، وأمراؤها ، وعامتها - كلهم كفار ، مرتدون ! ! فإنا لله وإنا إليه راجعون . وا غوثاه إلي الله ، ثم وا غوثاه إلي الله ، ثم وا غوثاه ! ! ! أم تقولون كما يقول بعض عامتكم : إن الحجة ما قامت إلا بكم . وإلا ، قبلكم لم يعرف دين الإسلام ؟ يا عباد الله ، انتبهوا . ولكن بكلام الشيخ هذا يستدل عليكم ، علي أن مفهومكم - أن هذه الأفاعيل من الشرك الأكبر - خطأ . وأيضا : وأن مفهومكم أن هذه الأفاعيل داخلة في معني عبارة ( من جعل بينه وبين الله وسائط ) إلي آخره . نبهنا الله وإياكم من الضلال .







( صفحه 92 ) فصل [ نجاة الأمة حسب نصوص الرسول صلي الله عليه وسلم ] ومما يدل علي بطلان قولكم هذا . ما روي مسلم في صحيحه ( 1 ) عن ثوبان ، عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : إن الله زوي لي الأرض ، فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها ، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة ، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوي أنفسهم ، يستبيح بيضتهم ، وإن ربي قال : يا محمد ، إذا قضيت قضاءا إنه لا يرد ، إني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة ، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوي أنفسهم ، يستبيح بيضتهم ، ولو اجتمع عليهم من أقطارها - أو قال : من بين أقطارها - حتي يكون بعضهم يهلك بعضا ، ويسبي بعضهم بعضا ، إنتهي . وجه الدليل من هذا الحديث : أن النبي صلي الله عليه وسلم أخبر أنه لا يسلط علي هذه الأمة عدوا من سوي أنفسهم ، بل يسلط بعضهم علي بعض . ومعلوم عند الخاص والعام - ممن له معرفة بالأخبار - أن هذه الأمور التي تكفرون بها ملأت بلاد المسلمين من أكثر من سبعمائة عام - كما تقدم - ولو كانت هذه عبادة الأصنام الكبري ، وأنها الوسائط - كما زعمتم - لكان أهلها ، كفارا ومن لم يكفرهم فهو كافر - كما قلتم أنتم الآن - . ومعلوم أن العلماء والأمراء لم يكفروهم ، ولم يجروا عليهم أحكام الردة ، مع أن



( صفحه 93 ) هذه الأمور تفعل في غالب بلاد الإسلام ، ظاهرة غير خفية . بل - كما قال الشيخ - : صارت مأكلا لكثير من الناس ، وأيضا يسافرون إليها من جميع الأمصار أعظم مما يسافرون إلي الحج . ومع هذا كله ، فأخبرونا برجل واحد من أهل العلم ، أو أهل السيف قال مقالتكم هذه ! ؟ بل ، أجروا عليهم أحكام أهل الإسلام . فإذا كانوا كفارا ، عباد أصنام بهذه الأفاعيل ، والعلماء والأمراء أجروا عليهم أحكام الإسلام فهم بهذا الصنيع - أي العلماء والأمراء - كفار - لأن من لم يكفر أهل الشرك الذين يجعلون مع الله إلها آخر فهو كافر - فحينئذ ليسوا من هذه الأمة ، بل كفار سلطهم الله علي هذه الأمة ، فاستباحوا بيضتهم . وهذا يرد هذا الحديث ، وهو ظاهر من الحديث لمن تدبره . والله الموفق لا رب غيره . فإن قلت : روي هذا الحديث بعينه البرقاني ( 1 ) ، وزاد فيه : إنما أخاف علي أمتي الأئمة المضلين ، وإذا وضع عليهم السيف لم يرفع إلي يوم القيامة ، ولا تقوم الساعة حتي يلحق حي من أمتي بالمشركين ، وحتي تعبد فئام من أمتي الأوثان ، وأنه يكون في أمتي كذابون ثلاثون ، كلهم يزعم أنه نبي ، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ، ولا تزال طائفة من أمتي علي الحق منصورة ، لا يضرهم من خذلهم حتي يأتي أمر الله تعالي . قلت : وهذا أيضا عليكم ، يوافق الكلام الأول أن قوله صلي الله عليه وسلم : إنما أخاف علي أمتي الأئمة المضلين .



( صفحه 94 ) فهذا يدل علي أنه ما خاف عليهم الكفر والشرك الأكبر ، وإنما يخاف عليهم الأئمة المضلين - كما وقع ، وما هو الواقع - . ولو كانوا يكفرون بعده لود أن يسلط عليهم من يهلكهم . ومما خاف عليهم أيضا : وضع السيف ، وأخبر أنه إذا وضع لا يرفع - وكذلك وقع - . وهذا من آيات نبوته صلي الله عليه وسلم ، فإنه وقع كما أخبر . وقوله : لا تقوم الساعة حتي يلحق حي من أمتي بالمشركين ، وهذا أيضا وقع . وقوله : وحتي تعبد فئام من أمتي الأوثان ، فهذا حق . وقوله : لا تزال طائفة من أمتي علي الحق منصورة . . . إلي آخره ، يدل علي أن هذه الأمور التي ملأت بلاد الإسلام ليست بعبادة الأوثان . فلو كانت هذه الأمور عبادة الأصنام لقاتلتهم الطائفة المنصورة ، ولم يعهد ولم يذكر أن أحدا من هذه الأمة قاتل علي ذلك ، وكفر من فعله ، واستحل ماله ودمه ، قبلكم ! فإن وجدتم ذلك في قديم الدهر أو حديثه ، فبينوه ، وأني لكم بذلك ! وهذا الذي ذكرناه واضح من أول الحديث وآخره ، والحمد لله رب العالمين . فصل ومما يدل علي بطلان مذهبكم في تكفير من كفرتموه : ما روي البخاري ( 1 ) في صحيحه عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ،



( صفحه 95 ) قال : سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ، وإنما أنا قاسم والله معطي ، ولا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتي تقوم الساعة ، أو يأتي أمر الله تعالي ، إنتهي . وجه الدليل منه : أن النبي صلي الله عليه وسلم أخبر أن أمر هذه الأمة لا يزال مستقيما إلي آخر الدهر . ومعلوم أن هذه الأمور التي تكفرون بها ما زالت - قديما - ظاهرة ، ملأت البلاد - كما تقدم - . فلو كانت هي الأصنام الكبري ، ومن فعل شيئا من تلك الأفاعيل عابدا للأوثان ، لم يكن أمر هذه الأمة مستقيما ، بل منعكسا ، بلدهم بلد كفر ، تعبد فيها الأصنام ظاهرا ، وتجري علي عبدة الأصنام فيها أحكام الإسلام . فأين الاستقامة ؟ وهذا واضح جلي . فإن قلت : ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة ما يعارض هذا . وقوله صلي الله عليه وسلم ( 1 ) : لتتبعن سنن من كان من قبلكم ، وما في معناه . وقوله صلي الله عليه وسلم ( 2 ) : تفترق هذه الأمة علي ثلاث وسبعين ملة ، كلها في النار ، إلا ملة واحدة . قلت : هذا حق ، ولا تعارض - والحمد لله - وقد بين العلماء ذلك ووضحوه . وأن قوله تفترق هذه الأمة - الحديث . فهؤلاء أهل الأهواء - كما تقدم ذكرهم - ولم يكونوا كافرين . بل ، كلهم مسلمون إلا من أسر تكذيب الرسول صلي الله عليه وسلم فهو منافق - كما تقدم في



( صفحه 96 ) كلام الشيخ من حكاية مذهب أهل السنة في ذلك - . وقوله صلي الله عليه وسلم : كلها في النار إلا واحدة . فهو وعد ، مثل وعيد أهل الكبائر ، مثل قاتل النفس ، وآكل مال اليتيم ، وآكل الربا وغير ذلك . وأما الفرقة الناجية فهي السالمة من جميع البدع ، المتبعة لهدي رسول الله صلي الله عليه وسلم - كما بينه أهل العلم - وهذا إجماع من أهل العلم - كما تقدم لك - . وأما قوله صلي الله عليه وسلم : لتتبعن سنن من كان قبلكم - الحديث . قال الشيخ رحمه الله : ليس هذا إخبارا عن جميع الأمة ، فقد تواتر عنه صلي الله عليه وسلم : أنه لا تزال من أمته طائفة علي الحق حتي تقوم الساعة ، وأخبر أنه لا تجتمع علي ضلالة ، وأنه لا يزال يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم بطاعته . فعلم - بخبره الصدق - : أنه يكون في أمته قوم متمسكون بهديه الذي هو دين الإسلام محضا ، وقوم منحرفون إلي شعبة من شعب اليهود ، أو شعبة من شعب النصاري . وإن كان الرجل لا يكفر بكل انحراف ، بل ، وقد لا يفسق . وقال رحمه الله : الناس في مبعث رسول الله صلي الله عليه وسلم في جاهلية ، فأما بعد مبعث رسول الله صلي الله عليه وسلم فلا جاهلية مطلقة ، فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين إلي قيام الساعة . وأما الجاهلية المقيدة ، فقد تكون في بعض بلاد المسلمين ، أو في بعض الأشخاص ، كقوله صلي الله عليه وسلم : أربع في أمتي من أمر الجاهلية . فدين الجاهلية لا يعود إلي آخر الدهر عند اخترام أنفس جمع المؤمنين عموما ، إنتهي كلام الشيخ رحمه الله .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 89 )
( 1 ) اقتضاء الصراط المستقيم : 376 . ( 2 ) المصدر السابق : 377 . ( پاورقي ص 92 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 5 / 409 كتاب الفتن ، سنن أبي داود : 4 / 97 ح 4252 كتاب الفتن والملاحم . ( پاورقي ص 93 ) ( 1 ) سنن أبي داود : 4 / 97 ح 4252 كتاب الفتن والملاحم . ( پاورقي ص 94 ) ( 1 ) صحيح البخاري : 6 / 2667 ح 6882 كتاب الاعتصام . ( پاورقي ص 95 ) ( 2 ) مسند أحمد : 3 / 84 ، 89 ، 5 / 218 . ( 3 ) إتحاف السادة المتقين : 8 / 140 ، 141 .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 96 - 104



فقد تبين لك أن دين الإسلام ملأ بلاد الإسلام بنص أحاديث



( صفحه 97 ) رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وبما فسر به العلماء الأعلام ، وأن كل الفرق علي الإسلام . بخلاف قولكم هذا . فإن صح مذهبكم فلم يبق علي الأرض مسلم من ثمانمائة سنة إلا أنتم . والعجب كل العجب أن الفرقة الناجية وصفها رسول الله صلي الله عليه وسلم بأوصاف ، وكذلك وصفها أهل العلم ، وليس فيكم خصلة واحدة منها ! ؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون . فصل ومما يدل علي عدم صحة مذهبكم . ما رواه البيهقي ( 1 ) وابن عدي وغيرهم ، عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين . قال في ( الآداب ) ( 2 ) هنا : سألت أحمد عن هذا الحديث ، قال : صحيح ، إنتهي . قال ابن القيم : هذا حديث روي من وجوه يشد بعضها بعضا . ووجه الدليل منه : أن النبي صلي الله عليه وسلم وصف حملة علمه الذي بعثه الله به أنهم عدول ، كل طبقة من طبقات الأمة . وقد تقدم مرارا : أن هذه الأفاعيل التي تجعلون من فعلها كافرا موجودة في الأمة وجودا ظاهرا من أكثر من سبعمائة عام ، بل قد ذكر ابن القيم أنها ملأت



( صفحه 98 ) الأرض ، وأخبر أن في الشام وغيره من بلاد المسلمين ، بل في كل بلد منها عدة . وأخبر بأمور عظيمة هائلة تعمل عندها من السجود للقبور ، والذبح لها ، وطلب تفريج الكربات ، وإغاثة اللهفان من أهلها ، والنذور ، وغير ذلك . ثم أقسم أنه مقتصر فيما حكي عنهم ، وأن فعلهم أعظم وأكثر مما ذكره ، وقال : لم نستقص ذكر بدعتهم ، وشرهم . ومع هذا لم يجر عليهم - ولا أحد من أهل العلم من طبقته ولا الطبقات قبله ولا بعده من جميع أهل العلم الذين وصفهم صلي الله عليه وسلم بالعدالة ، وبحفظ الدين عن غلو الغالين ، وتأويل الجاهلين ، وانتحال المبطلين - لم يجر عليهم أحد منهم الكفر الظاهر ، ولم يسموا بلاد المسلمين بلاد كفار ، ولا غزوا البلاد والعباد وسموهم مشركين ! ! ! هذا ، وهم القائمون بنصرة الحق ، وهم الطائفة المنصورة إلي قيام الساعة . بل ، ذكر ابن القيم : أن هذه الأفاعيل - التي تكفرون بها ، بل تكفرون من لا يكفر بها ، بل تزعمون أنها عبادة الأصنام الكبري - كثرت في بلاد الإسلام حتي قال : فما أعز من تخلص من هذا ، بل أعز من لا يعادي من أنكره ! فذكر ، أن غالب الأمة تفعله ، والذي لا يفعله ينكر علي من أنكره ، ويعاديه إذا أنكره . فلو كان ما ذهبتم إليه حقا ، لكانت جميع الأمة - والعياذ بالله - كلها أشركت بالله الشرك الأكبر ، وحسنت فعله ، وأنكرت علي من أنكره من قبل زمن ابن القيم . فحينئذ يرد قولكم هذا الحديث ، والحديث الذي قبله ، والأحاديث التي تأتي إن شاء الله تعالي . وهذا بين واضح لمن وفق ، والحمد لله .



( صفحه 99 ) فصل ومما يدل علي بطلان مذهبكم : ما ورد في الصحيحين ( 1 ) عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين علي الحق ، لا يضرهم من خذلهم ، ولا من خالفهم إلي يوم القيامة . قال الشيخ تقي الدين - لما ذكر هذا الحديث - : كانت هذه الأمة كما أخبر به صلي الله عليه وسلم أنه قال : لا تزال فيها طائفة منصورة ، ظاهرة بالعلم والسيف ، لم يصبها ما أصاب من قبلها من بني إسرائيل وغيرهم ، حيث كانوا مقهورين مع الأعداء . بل ، إن غلبت في قطر من الأرض كانت في القطر الآخر أمة ظاهرة منصورة . ولم يسلط علي مجموعها عدوا من غيرهم ، ولكن يقع بينهم اختلاف وفتن . قال : ومذهب أهل السنة والجماعة ظاهرون أهله إلي يوم القيامة ، وهم الذين قال فيهم النبي صلي الله عليه وسلم : لا تزال طائفة من أمتي - الحديث ، إنتهي . أقول : وجه الدلالة من هذا الحديث : أن هذه الطائفة التي ذكرها رسول الله صلي الله عليه وسلم ظاهرة ، ليست بخفية . كما يزعم عندكم ! وأيضا منصورة ليسوا بأذلاء مختفين . وأيضا ما خلت بلاد الإسلام منهم يوما . وأيضا - كما قال الشيخ - لم يسلط عليهم الأعداء وتقهرهم .



( صفحه 100 ) فإذا كانت هذه أوصافهم بنص الصادق المصدوق فكيف ؟ وهذه الأمور التي تكفرون بها ملأت بلاد الإسلام من أكثر من سبعمائة عام ؟ وأنتم تزعمون أن هذه عبادة غير الله . وأن هذه الوسائط المذكورة في القرآن . ومع هذا لم يذكر في زمن من الأزمان أن أحدا قال ما قلتم ، أو عمل ما عملتم . بل ما تجدون ما تحتجون لشبهتكم إلا أن عليا قتل من قال : ( أنت الله ) ، وأن الصديق قاتل أهل الردة . أو بعبارة مجملة : يعرف كل من له ممارسة في العلم ، أن مفهومكم هذا منها ضحكة . فالحمد لله علي زوال الالتباس والاشتباه . أما والله ، إن هذا الحديث وحده يكفي في بطلان قولكم - لو كان ثم أذن واعية - . نسأل الله أن ينقذكم من الهلكة ، إنه جواد كريم . فصل ومما يدل علي بطلان مذهبكم : ما في الصحيحين ( 1 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : رأس الكفر نحو المشرق ، وفي رواية : الأيمان يماني ، والفتنة من هاهنا ، حيث يطلع قرن الشيطان .



( صفحه 101 ) وفي الصحيحين ( 1 ) أيضا ، عن ابن عمر رضي الله تعالي عنه ، عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال وهو مستقبل المشرق - : إن الفتنة هاهنا . وللبخاري ( 1 ) عنه مرفوعا : اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا ، اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا ، قالوا : وفي نجدنا ، قال الثالثة : هناك الزلازل ، والفتن ، ومنها يطلع قرن الشيطان . ولأحمد ( 2 ) من حديث ابن عمر مرفوعا : اللهم بارك لنا في مدينتنا ، وفي صاعنا ، وفي مدنا ، ويمننا ، وشامنا ، ثم استقبل مطلع الشمس ، فقال : هاهنا يطلع قرن الشيطان ، وقال : من هاهنا الزلازل والفتن . إنتهي . أقول : أشهد أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لصادق ، فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه وعلي آله وصحبه أجمعين ، لقد أدي الأمانة ، وبلغ الرسالة . قال الشيخ تقي الدين : فالمشرق عن مدينته صلي الله عليه وسلم شرقا ، ومنها خرج مسيلمة الكذاب الذي ادعي النبوة ، وهو أول حادث حدث بعده ، واتبعه خلائق ، وقاتلهم خليفته الصديق ، إنتهي . وجه الدلالة من هذا الحديث من وجوه كثيرة نذكر بعضها : منها : أن النبي صلي الله عليه وسلم ذكر أن الأيمان يماني ، والفتنة تخرج من المشرق ، ذكرها مرارا . ومنها : أن النبي صلي الله عليه وسلم دعا للحجاز وأهله مرارا ، وأبي أن يدعو لأهل المشرق ، لما فيهم من الفتن خصوصا نجد .



( صفحه 102 ) ومنها : أن أول فتنة وقعت بعده صلي الله عليه وسلم وقعت بأرضنا هذه ( 1 ) . فنقول : هذه الأمور التي تجعلون المسلم بها كافرا ، بل تكفرون من لم يكفره ملأت مكة ، والمدينة ، واليمن من سنين متطاولة ، بل بلغنا أن ما في الأرض أكثر من هذه الأمور في اليمن ، والحرمين . وبلدنا هذه هي أول ما ظهر فيها الفتن ، ولا نعلم في بلاد المسلمين أكثر من فتنها قديما وحديثا . وأنتم الآن مذهبكم : أنه يجب علي العامة اتباع مذهبكم ، وأن من اتبعه - ولم يقدر علي إظهاره في بلده وتكفير أهل بلده - وجب عليه الهجرة إليكم ، وأنكم الطائفة المنصورة . وهذا خلاف هذا الحديث . فإن رسول الله صلي الله عليه وسلم أخبره الله بما هو كائن علي أمته إلي يوم القيامة . وهو صلي الله عليه وسلم أخبر بما يجري عليهم ومنهم . فلو علم أن بلاد المشرق - خصوصا نجد بلاد مسيلمة ! - أنها تصير دار الأيمان ! وأن الطائفة المنصورة تكون بها ! وأنها بلاد يظهر فيها الإيمان ويخفي في غيرها ! وأن الحرمين الشريفين واليمن تكون بلاد كفر تعبد فيها الأوثان ! وتجب الهجرة منها ! لأخبر بذلك ، ولدعا لأهل المشرق - خصوصا نجد - ولدعا علي الحرمين واليمن ، وأخبر أنهم يعبدون الأصنام ، وتبرأ منهم . إذ لم يكن إلا ضد ذلك ، فإنه صلي الله عليه وسلم عم المشرق ، وخص نجد بأن منها يطلع قرن الشيطان ، وأن منها وفيها الفتن ، وامتنع من الدعاء لها .



( صفحه 103 ) وهذا خلاف زعمكم . وإن اليوم - عندكم - الذين دعا لهم رسول الله صلي الله عليه وسلم كفار ! والذين أبي أن يدعو لهم ، وأخبر أن منها يطلع قرن الشيطان ، وأن منها الفتن هي بلاد الإيمان ، تجب الهجرة إليها . وهذا بين واضح من الأحاديث إن شاء الله . فصل ومما يدل علي بطلان مذهبكم : ما في الصحيحين ( 1 ) عن عقبة بن عامر ، أن النبي صلي الله عليه وسلم صعد المنبر فقال : إني لست أخشي عليكم أن تشركوا بعدي ، ولكن أخشي عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها ، فتقتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم . قال عقبة : فكان آخر ما رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم علي المنبر ، إنتهي . وجه الدلالة منه : أن النبي صلي الله عليه وسلم أخبر بجميع ما يقع علي أمته ومنهم إلي يوم القيامة ، كما كرر في أحاديث أخر ، ليس هذا موضعها . ومما أخبر به هذا الحديث الصحيح : أنه أمن أن أمته تعبد الأوثان ، ولم يخافه عليهم ، وأخبرهم بذلك . وأما الذي يخافه عليهم ، فأخبرهم به ، وحذرهم منه ، ومع هذا فوقع ما خافه عليهم . وهذا خلاف مذهبكم .



( صفحه 104 ) فإن أمته - علي قولكم - عبدوا الأصنام كلهم ، وملأت الأوثان بلادهم . إلا إن كان أحد في أطراف الأرض ما يلحق له خبر . وإلا ، فمن أطراف الشرق إلي أطراف الغرب إلي الروم إلي اليمن ، كل هذا ممتلئ مما زعمتم أنه الأصنام . وقلتم : من لم يكفر من فعل هذه الأمور والأفعال فهو كافر . ومعلوم أن المسلمين كلهم أجروا الإسلام علي من انتسب إليه ، ولم يكفروا من فعل هذا . فعلي قولكم جميع بلاد الإسلام كفار إلا بلدكم ! والعجب أن هذا ما حدث في بلدكم إلا من قريب عشر سنين !



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 97 )
( 1 ) الكامل في الرجال لابن عدي : 1 / 145 ، كنز العمال : 10 / 176 ح 28918 . ( 2 ) كنز العمال : 10 / 176 ح 28918 وقد ذكره في ذيل الحديث . ( پاورقي ص 99 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 4 / 173 ح 174 كتاب الإمارة ، كنز العمال : 12 / 165 ح 34501 . ( پاورقي ص 100 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 5 / 104 ح 90088 ، وص 423 ح 46 ، وص 424 ح 48 كتاب الفتن . ( پاورقي ص 101 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 5 / 423 ح 47 كتاب الفتن . ( 2 ) صحيح البخاري : 1 / 351 ح 990 كتاب الاستسقاء . ( 3 ) مسند أحمد ( پاورقي ص 102 ) ( 1 ) لأن المؤلف من أهل نجد وهو أخ محمد بن عبد الوهاب ( وشهد شاهد من أهلها ) علي تطبيق الحديث علي أرضهم . ( پاورقي ص 103 ) ( 1 ) صحيح البخاري : 4 / 1486 ح 3816 كتاب المغازي ، 5 / 2408 ح 6218 ح 6218 كتاب الرقاق ، السنن الكبري للبيهقي : 4 / 14 . ( پاورقي ص 104 ) ( 1 ) مجمع الزوائد : 3 / 201 . ( 2 ) ظاهر الحديث أن ما خافه الرسول صلي الله عليه وسلم هو الشرك الموجود عند غيرهم أن يفتنهم أو يجتاحهم ، فالمخوف منه هو المشركون المعادون لله ولرسوله وللمسلمين ، وهم الذين يحاربون الله ورسوله ، ولو كانوا يتلبسون باسم الإسلام ، فليلاحظ . ( 3 ) مجمع الزوائد : 3 / 201 .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 104 - 110



فبان بهذا الحديث خطؤكم ، والحمد لله رب العالمين . فإن قلت : ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال ( 1 ) : أخوف ما أخاف علي أمتي الشرك ( 2 ) . قلت : هذا حق ، وأحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم لا تتعارض ، ولكن كل حديث ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم ( 3 ) أنه يخاف علي أمته الشرك ، قيده بالشرك الأصغر ، كحديث شداد ابن أوس ، وحديث أبي هريرة ، وحديث محمود ابن لبيد ، فكلها مقيدة ومبينة أن ما خاف رسول الله صلي الله عليه وسلم منه علي أمته الشرك الأصغر . وكذلك وقع ، فإنه ملأ الأرض ، كما أنه خاف عليهم الافتتان والقتال علي







( صفحه 105 ) الدنيا فوقع . وهو - أي الشرك الأصغر - هو الذي تسمونه الآن الشرك الأكبر ، وتكفرون المسلمين به ، بل تكفرون من لم يكفرهم . فاتفقت الأحاديث ، وبان الحق ووضح ، والحمد لله . فصل ومما يدل علي بطلان مذهبكم : ما روي مسلم ( 1 ) في صحيحه عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ، ولكن في التحريش بينهم . وروي الحاكم ( 2 ) - وصححه - وأبو يعلي ، والبيهقي عن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب ، ولكن رضي منهم بما دون ذلك ، بالمحقرات ، وهي الموبقات . وروي الإمام ( 3 ) أحمد ، والحاكم - وصححه - وابن ماجة عن شداد بن أوس ، قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : أتخوف علي أمتي الشرك . قلت : يا رسول الله ، أتشرك أمتك بعدك ؟ قال : نعم ، أما إنهم لا يعبدون شمسا ، ولا قمرا ، ولا وثنا ، ولكن يراؤون بأعمالهم ، إنتهي . أقول : وجه الدلالة منه - كما تقدم - أن الله سبحانه أعلم نبيه من غيبه بما شاء ،



( صفحه 106 ) وبما هو كائن إلي يوم القيامة ، وأخبر صلي الله عليه وسلم أن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب . وفي حديث ابن مسعود : أيس الشيطان أن تعبد الأصنام بأرض العرب . وفي حديث شداد : أنهم لا يعبدون وثنا . وهذا بخلاف مذهبكم . فإن البصرة وما حولها ، والعراق من دون دجلة - الموضع الذي فيه قبر علي وقبر الحسين رضي الله تعالي عنهما - . وكذلك اليمن كلها . والحجاز كل ذلك من أرض العرب . ومذهبكم أن المواضع كلها عبد الشيطان فيها ، وعبدت الأصنام ، وكلهم كفار ، ومن لم يكفرهم فهو عندكم كافر . وهذه الأحاديث ترد مذهبكم . هذا ، ولا يقال : إنه قد وجد بعض الشرك بأرض العرب زمن الردة . فإن ذلك زال في آن يسير ، فهو كالأمر الذي عرض ، لا يعتد به ، كما [ لو ] أن رجلا أو أكثر من أهل الكفر دخل أرض العرب ، وعبد غير الله في موضع خال ، أو خفية . فأما هذه الأمور التي تجعلونها شركا أكبر وعبادة الأصنام ! فهي ملأت بلاد العرب من قرون متداولة . فتبين بهذه الأحاديث فساد قولكم : إن هذه الأمور هي عبادة الأوثان الكبري . وتبين أيضا بطلان قولكم : إن الفرقة الناجية قد تكون في بعض أطراف الأرض ، ولا يأتي لها خبر .



( صفحه 107 ) فلو كانت هذه عبادة الأصنام ، والشرك الأكبر لقاتل أهله الفرقة الناجية المنصورون الظاهرون إلي قيام الساعة . وهذا الذي ذكرناه واضح جلي ، والحمد لله رب العالمين . ومن العجب أنكم تزعمون : أن هذه الأمور - أي القبور ، وما يعمل عندها ، والنذور - هي عبادة الأصنام الكبري . وتقولون : إن هذا أمر واضح جلي ، يعرف بالضرورة حتي اليهود والنصاري يعرفونه ! فأقول - جوابا لكم عن هذا الزعم الفاسد - : سبحانك هذا بهتان عظيم . قد تقدم - مرارا عديدة - أن الأمة بأجمعها علي طبقاتها من قرب ثمانمائة سنة ملأت هذه القبور بلادها ، ولم يقولوا : هذه عبادة الأصنام الكبري . ولم يقولوا : إن من فعل شيئا من هذه الأمور فقد جعل مع الله إلها آخر . ولم يجروا علي أهلها حكم عباد الأصنام ، ولا حكم المرتدين أي ردة كانت . فلو أنكم قلتم : إن اليهود - لأنهم قوم بهت ، وكذلك النصاري ، ومن ضاهاهم في بهت هذه الأمة من مبتدعة الأمة - يقولون : إن هذه عبادة الأصنام الكبري . لقلنا : صدقتم ، فما ذلك من بهتهم ، وحسدهم ، وغلوهم ، ورميهم الأمة بالعظائم بكثير . ولكن الله سبحانه وتعالي مخزيهم ، ومظهر دينه علي جميع الأديان بوعده : { هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله ولو كره المشركون } ( 1 ) . ولكن أقول : صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم حيث دعا للمدينة وما حولها ، ولليمن ،



( صفحه 108 ) وقال له من حضره : ونجد ، فقال : هناك الزلازل والفتن . أما والله ، لفتنة الشهوات فتنة ، والظلمة التي يعرف كل خاص وعام من أهلها أنها من الظلم والتعدي ، وإنها خلاف دين الإسلام ، وأنه يجب التوبة منها ، أنها أخف بكثير من فتنة الشبهات التي تضل عن دين الإسلام ، ويكون صاحبها من { الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } ( 1 ) . وفي الحديث الصحيح ( 2 ) : هلك المتنطعون - قالها ثلاثا - . فإنا لله وإنا إليه راجعون . أنقذنا الله وإياكم من الهلكة ، إنه رحيم . فصل ومما يدل علي بطلان مذهبكم : ما أخرجه الإمام أحمد ( 3 ) ، والترمذي - وصححه - والنسائي ، وابن ماجة من حديث عمرو بن الأحوص ، قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع : إلا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبدا ، ولكن ستكون له طاعة في بعض ما تحقرون من أعمالكم ، فيرضي بها . وفي صحيح الحاكم ( 4 ) عن ابن عباس أن النبي صلي الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع ،



( صفحه 109 ) فقال : الشيطان قد أيس أن يعبد في أرضكم ، ولكن يرضي أن يطاع فيما سوي ذلك ، فيما تحقرون من أعمالكم ، فاحذروا أيها الناس ، إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لم تضلوا أبدا ، كتاب الله وسنة نبيه ، إنتهي . وجه الدلالة : أن رسول الله صلي الله عليه وسلم أخبر في هذا الحديث الصحيح أن الشيطان يئس أن يعبد في بلد مكة ، وأكد ذلك بقوله : ( أبدا ) لئلا يتوهم متوهم أنه حدث ثم يزول . وهذا خبر منه صلي الله عليه وسلم ، وهو لا يخبر بخلاف ما يقع . وأيضا بشري منه صلي الله عليه وسلم لأمته ، وهو لا يبشرهم إلا بالصدق . ولكنه حذرهم ما سوي عبادة الأصنام ، لا ما يحتقرون . وهذا بين واضح من الحديث . وهذه الأمور التي تجعلونها الشرك الأكبر وتسمون أهلها عباد الأصنام أكثر ما تكون بمكة المشرفة . وأهل مكة المشرفة - أمراؤها ، وعلماؤها ، وعامتها - علي هذا من مدة طويلة أكثر من ستمائة عام . ومع هذا هم الآن أعداؤكم ، يسبونكم ويلعنونكم لأجل مذهبكم هذا ! وأحكامهم وحكامهم جارية ، وعلماؤها وأمراؤها علي إجراء أحكام الإسلام علي أهل هذه الأمور التي تجعلونها الشرك الأكبر ! فإن كان ما زعمتم حقا فهم كفار كفرا ظاهرا . وهذه الأحاديث ترد زعمكم ، وتبين بطلان مذهبكم هذا . وقد قال صلي الله عليه وسلم في الأحاديث التي في الصحيحين ( 1 ) وغيرها - بعد فتح مكة وهو بها - ( لا هجرة بعد اليوم ) .



( صفحه 110 ) وقد بين أهل العلم أن المراد لا هجرة من مكة . وبينوا أيضا أن هذا الكلام منه صلي الله عليه وسلم يدل علي أن مكة لا تزال دار إيمان . بخلاف مذهبكم ، فإنكم توجبون الهجرة منها إلي بلاد الإيمان - بزعمكم - التي سماها رسول الله صلي الله عليه وسلم بلاد الفتن . وهذا واضح جلي صريح لمن وفقه الله ، وترك التعصب والتمادي علي الباطل ، والله المستعان ، وعليه التكلان . فصل ومما يدل علي بطلان مذهبكم : ما روي مسلم في ( صحيحه ) ( 1 ) عن سعد ، عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : المدينة خير



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 104 )
( 1 ) مجمع الزوائد : 3 / 201 . ( 2 ) ظاهر الحديث أن ما خافه الرسول صلي الله عليه وسلم هو الشرك الموجود عند غيرهم أن يفتنهم أو يجتاحهم ، فالمخوف منه هو المشركون المعادون لله ولرسوله وللمسلمين ، وهم الذين يحاربون الله ورسوله ، ولو كانوا يتلبسون باسم الإسلام ، فليلاحظ . ( 3 ) مجمع الزوائد : 3 / 201 . ( پاورقي ص 105 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 5 / 354 كتاب صفة القيامة والجنة والنار . ( 2 ) مسند أبي يعلي : 9 / 57 ح 156 ، شعب الإيمان للبيهقي : 5 / 455 ح 7263 . ( 3 ) مسند أحمد بن حنبل : 4 / 124 . ( پاورقي ص 107 ) ( 1 ) التوبة : 33 . ( پاورقي ص 108 ) ( 1 ) الكهف : 104 . ( 2 ) إتحاف السادة المتقين للزبيدي : 2 / 50 . ( 3 ) مسند أحمد : 2 / 368 ، سنن الترمذي : 4 / 401 ح 2195 ، سنن النسائي : 6 / 353 ح 11213 ، سنن ابن ماجة د 2 / 1015 ح 1055 . ( 4 ) المستدرك علي الصحيحين 1 / 93 كتاب العلم أوله : ألا إن الشيطان . . . . ( پاورقي ص 109 ) ( 1 ) صحيح البخاري : 3 / 1040 ح 2670 كتاب الجهاد ، صحيح مسلم : 4 / 136 ح 86 كتاب الإمارة . ( پاورقي ص 110 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 3 / 165 ح 459 كتاب الحج . ( 2 ) صحيح مسلم : 3 / 174 ح 484 كتاب الحج . ( 3 ) صحيح البخاري : 2 / 666 ح 1784 فضائل المدينة ، صحيح مسم : 3 / 175 ح 489 . ( 4 ) صحيح البخاري : 2 / 665 ح 1781 ، وصحيح مسلم ، 3 / 174 ح 485 .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 110 - 117



لهم لو كانوا يعلمون ، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدله الله فيها من هو خير منه ، ولا يثبت أحد علي لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا - أو شهيدا - يوم القيامة . وروي أيضا مسلم في ( صحيحه ) ( 2 ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : لا يصبر علي لأوي المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعا يوم القيامة . وفي الصحيحين ( 3 ) من حديث جابر مرفوعا : إنما المدينة كالكير تنفي خبثها ، وتنصع طيبها . وفي ( الصحيحين ) ( 4 ) أيضا عن النبي صلي الله عليه وسلم : علي أنقاب المدينة ملائكة ، لا



( صفحه 111 ) يدخلها الطاعون ، ولا الدجال . وفي ( الصحيحين ) ( 1 ) أيضا من حديث أنس عن النبي صلي الله عليه وسلم : ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال ، إلا مكة والمدينة ، ليس نقب من أنقابها إلا عليه ملائكة حافين - الحديث . وفي الصحيحين ( 2 ) من حديث أبي سعيد مرفوعا : لا يكيد المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء . وفي الترمذي ( 3 ) من حديث أبي هريرة يرفعه : آخر قرية من قري الإسلام خرابا المدينة . وجه الدلالة من هذه الأحاديث من وجوه كثيرة ، نذكر بعضها : أحدها : أن النبي صلي الله عليه وسلم حث علي سكني المدينة ، وأخبر أنها خير من غيرها ، وأن أحدا لا يدعها رغبة عنها إلا أبدلها الله بخير منه ، وأخبر أنه صلي الله عليه وسلم شفيع لمن سكنها ، وشهيد له يوم القيامة ، وذكر أن ذلك لأمته ، ليس لقرن دون قرن ، وأن أحدا لا يدعها إلا لعدم علمه ، وأنها كالكير تنفي خبثها ، وأنها محروسة بالملائكة ، لا يدخلها الطاعون ، ولا الدجال آخر الدهر ، وأن أحدا لا يكيدها إلا انماع كالملح في الماء . وقال : من استطاع أن يموت فيها فليمت ، وأخبر أنها آخر قرية من قري الإسلام خرابا . وكل لفظ من هذه الألفاظ يدل علي خلاف قولكم . إن هذه الأمور التي تكفرون بها ، وتسمونها أصناما ، ومن فعل شيئا منها فهو







( صفحه 112 ) مشرك الشرك الأكبر ، عابد وثن ، ومن لم يكفره فهو - عندكم - كافر . معلوم عند كل من عرف المدينة وأهلها أن هذه الأمور فيها كثيرة . وأكثر منها في الزبير وفي جميع قري الإسلام ، وذلك فيها من قرون متطاولة ، تزيد علي أكثر من ستمائة سنة . وأن جميع أهلها - رؤساؤها ، وعلماؤها ، وأمراؤها - يجرون علي أهلها أحكام الإسلام . وأنهم أعداؤكم ، يسبونكم ويسبون مذهبكم الذي هو التكفير ، وتسميته هذه أصناما والهة مع الله . فعلي مذهبكم : إنهم كفار ، فهذه الأحاديث ترد مذهبكم . وعلي مذهبكم : إنه يجب علي المسلم الخروج منها . وهذه الأحاديث ترد مذهبكم . وعلي زعمكم : إنها تعبد فيها الأصنام الكبري . وهذه الأحاديث ترد زعمكم . وعلي مذهبكم : إن الخروج إليكم خير لهم . وهذه الأحاديث ترد زعمكم . وعلي مذهبكم : إن أهلها لا يشفع لهم رسول الله صلي الله عليه وسلم ، لأنهم ممن جعل مع الله إلها آخر ، فبالإجماع هو شفيع يطاع . وهذه الأحاديث ترد زعمكم . ومما يزيد الأمر وضوحا : أن مما بشر به النبي صلي الله عليه وسلم أن الدجال الذي يأتي آخر الزمان لا يدخلها ، والدجال لا فتنة أكبر من فتنته ، وغاية ما يطلب من الناس عبادة غير الله . فإذا كانت هذه الأمور - التي تسمون من فعلها جاعلا مع الله إلها آخر ، عابد



( صفحه 113 ) صنم ، مشركا بالله الشرك الأكبر - ملأت المدينة من ستمائة سنة أو أكثر أو أقل - حتي أن جميع أهلها يعادون وينكرون علي من أنكرها - . فما فائدة عدم دخول الدجال ، وهو ما يطلب من الناس إلا الشرك ؟ وما فائدة بشري النبي صلي الله عليه وسلم بعدم دخوله علي المشركين ؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون . لو تعرفون لازم مذهبكم ، بل صريح قولكم ! ؟ لاستحييتم من الناس - إن لم تستحيوا من الله - . ومن تأمل هذه الأحاديث وجد فيها - أكثر مما ذكرنا - [ ما ] يدل علي بطلان قولكم هذا . * ولكن لا حياة لمن تنادي * ( 1 ) أسأل الله لي ولكم العافية والسلامة من الفتن . فصل ومما يدل علي بطلان مذهبكم : ما روي مسلم ( 2 ) في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : لا يذهب الليل والنهار حتي تعبد اللات والعزي ، فقلت يا رسول الله ، إن كنت لأظن حين أنزل الله تعالي : { هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله ولو كره المشركون } أن ذلك تام . قال : إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ، ثم يبعث الله ريحا طيبة فتوفي كل من في



( صفحه 114 ) قلبه مثقال من خردل من إيمان ، فيبقي من لا خير فيه ، فيرجعون إلي دين آبائهم . وعن عمران بن حصين ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال ( 1 ) : لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون علي الحق حتي يقاتل آخرهم المسيح . وعن جابر بن سمرة ، عن النبي صلي الله عليه وسلم : لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة المسلمين حتي تقوم الساعة ، رواه مسلم ( 2 ) . وعن عقبة بن عامر ، قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : لا يزال عصابة من أمتي يقاتلون علي أمر الله ، قاهرين لعدوهم من خالفهم ، حتي تأتيهم الساعة وهم علي ذلك . فقال : عبد الله بن عمر : أجل ، ثم يبعث الله ريحا كريح المسك مسها مس الحرير ، لا تترك إنسانا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته ، ثم يبقي شرار الناس ، عليهم تقوم الساعة ، رواه مسلم ( 3 ) . وروي مسلم ( 4 ) أيضا عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : يخرج الدجال في أمتي ، فيمكث أربعين - وذكر الحديث . وفيه - : أن عيسي يقتل الدجال ، وذكر الريح ، وقبض أرواح المؤمنين ، ويبقي شرار الناس . - إلي أن قال - : ويتمثل لهم الشيطان ، فيقول : ألا تستجيبون ، فيقولون : ماذا تأمرنا ؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان - وذكر الحديث . أقول : في هذه الأحاديث الصحيحة أبين دلالة علي بطلان مذهبكم .



( صفحه 115 ) وهي أن جميع هذه الأحاديث مصرحة بأن الأصنام لا تعبد في هذه الأمة إلا بعد انخرام أنفس جميع المؤمنين آخر الدهر . وذلك أن النبي صلي الله عليه وسلم ذكر عبادة الأوثان ، وأنها كائنة . فعرضت عليه الصديقة مفهومها من الآية الكريمة أن دين محمد صلي الله عليه وسلم لا يزال ظاهرا علي الدين كله ، وذلك أن عبادة الأصنام لا تكون مع ظهور الدين . فبين لها صلي الله عليه وسلم مراده في ذلك ، وأخبرها أن مفهومها من الآية حق ، وأن عبادة الأصنام لا تكون إلا بعد انخرام أنفس جميع المؤمنين ، وأما قبل ذلك فلا . وهذا بخلاف مذهبكم . فإن اللات والعزي عبدت - علي قولكم - في جميع بلاد المسلمين من قرون متطاولة . ولم يبق إلا بلادكم من آن ظهر قولكم هذا من قريب ثماني سنين . فزعمتم : أن من وافقكم علي جميع قولكم فهو المسلم ، ومن خالفكم فهو الكافر . وهذا الحديث صحيح ، وهو يبين بطلان ما ذهبتم إليه ، لمن له أذن واعية ! وأيضا في حديث عمران : إن الطائفة المنصورة لا تزال تقاتل علي الحق حتي يقاتل آخرهم المسيح الدجال . وكذلك حديث عقبة : إن العصابة يقاتلون علي الحق ، وإنهم لا يزالون قاهرين لعدوهم حتي تأتيهم الساعة وهم علي ذلك . ومعلوم أن الدجال غاية ما يدعوهم إليه عبادة غير الله تعالي . فإذا كان أن عبادة غير الله تعالي ظاهرة في جميع بلاد المسلمين ، فما فائدة فتنة الدجال التي حذر منها جميع الأنبياء أممهم ، وكذلك نبينا صلي الله عليه وسلم حذر من فتنته ؟ وأين العصابة - الذين يقاتلون علي الحق ، الذين آخرهم يقاتل الدجال - عن



( صفحه 116 ) قتال هؤلاء المشركين - علي زعمكم - الذين يجعلون مع الله آلهة أخري ؟ أتقولون : خفيون ؟ ففي هذه الأحاديث أنهم ظاهرون . أتقولون : مستضعفون ؟ ففي هذه الأحاديث أنهم قاهرون لعدوهم . أتقولون : يأتون زمن الدجال ؟ ففي هذه الأحاديث أنهم ما زالوا ولا يزالون . أتقولون : إنهم أنتم ؟ فأنتم مدتكم قريبة من ثماني سنين . أخبرونا من قال هذا القول قبلكم حتي نصدقكم ؟ وإلا فلستم هم . ففي هذا - والله - أعظم الرد عليكم ، والبيان لفساد قولكم . فصلوات الله وسلامه علي من أتي بالشريعة الكاملة التي فيها بيان ضلال كل ضال . وكذلك في حديث عبد الله بن عمرو : إن الشيطان بعد انخرام أنفس المؤمنين يتمثل للناس ، يدعوهم إلي الاستجابة ، فيقولون له : فماذا تأمرنا ؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان . فإذا كان أن بلاد المسلمين - حجازا ، ويمنا ، وشاما ، وشرقا ، وغربا - امتلأت من الأصنام وعبادتها علي زعمكم ! فما فائدة الأخبار بهذه الأحاديث : أن الأوثان لا تعبد إلا بعد أن يتوفي الله سبحانه وتعالي كل من في قلبه حبة خردل من إيمان ؟ وما فائدة قتال الدجال آخر الزمان ؟



( صفحه 117 ) وفي هذه الأزمان المتطاولة من قريب ستمائة سنة ، أو سبعمائة سنة ما يقاتلون أهل الأوثان والأصنام - علي زعمكم ! - . والله ، كما قال تبارك وتعالي : { فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور } ( 1 ) . وفي هذه الوجوه التي ذكرنا من السنة كفاية لمن قصده اتباع الحق ، وسلوك الصراط المستقيم . وأما من أعماه الهوي ورؤية النفس ، فهو كما قال جل وعلا : { ولو نزلنا الملائكة وكلمهم الموتي وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } ( 2 ) . ونحن نعرض علي من خالف الشرع ، ونسأله بالله الذي لا إله إلا هو أن يعطونا من أنفسهم شرع الله الذي أنزل علي رسوله . وبيننا وبينهم من أرادوا من علماء الأمة ، ولهم علينا عهد الله وميثاقه إن كان الحق معهم لنتبعنهم .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 110 )
( 1 ) صحيح مسلم : 3 / 165 ح 459 كتاب الحج . ( 2 ) صحيح مسلم : 3 / 174 ح 484 كتاب الحج . ( 3 ) صحيح البخاري : 2 / 666 ح 1784 فضائل المدينة ، صحيح مسم : 3 / 175 ح 489 . ( 4 ) صحيح البخاري : 2 / 665 ح 1781 ، وصحيح مسلم ، 3 / 174 ح 485 . ( پاورقي ص 111 ) ( 1 ) صحيح البخاري : 2 / 665 ح 1782 . ( 2 ) صحيح البخاري : 2 / 664 ح 177 . ( 3 ) سنن الترمذي : 5 / 676 ح 3919 كتاب المناقب . ( پاورقي ص 113 ) ( 1 ) صدره : * لقد أسمعت لو ناديت حيا * ( 2 ) صحيح مسلم : 5 / 425 ح 52 كتاب الفتن . ( پاورقي ص 114 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 1 / 185 ح 247 كتاب الإيمان . ( 2 ) صحيح مسلم : 4 / 172 ح 172 كتاب الإمارة . ( 3 ) صحيح مسلم : 4 / 173 ح 176 كتاب الإمارة . ( 4 ) صحيح مسلم : 5 / 453 ح 116 كتاب الفتن . ( پاورقي ص 117 ) ( 1 ) الحج : 46 . ( 2 ) الأنعام : 111 . ( 3 ) المائدة : 93 .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 117 - 124



[ الاستدلال بقتل مستحل الخمر بالتأويل ] ولكن من أعجب العجاب استدلال بعضكم بقصة قدامة بن مظعون ومن معه ، حيث استحلوا الخمر متأولين قوله : { ليس علي الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } ( 3 ) . . . الآية ، وأن عمر مع جميع الصحابة أجمعوا أنهم إن رجعوا وأقروا بالتحريم ، وإلا قتلوا . فأقول : تحريم الخمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام ، من الكتاب والسنة



( صفحه 118 ) وجميع علماء الأمة ، ومع هذا أجمع المهاجرون والأنصار وكل مسلم - في زمنهم - علي تحريمه . والأمام ذلك الوقت لجميع الأمة إمام واحد ، والدين في نهاية الظهور . وكل هذا ، والذين استحلوا الخمر لم يكفرهم عمر ، ولا أحد من الصحابة إلا إن عاندوا - بعد أن يدعوهم الإمام ، ويبين لهم بيانا واضحا لا لبس فيه - . فإن عاندوا بعد إقامة الحجة من الكتاب ، والسنة ، وإجماع الأمة الإجماع القطعي ، والأمام العدل الذي أجمعت [ علي ] إمامته جميع الأمة . فإن عاندوا بعد ذلك أقيم عليهم حد القتل . ومع هذا كله ، تجعلون من خالفكم في مفاهيمكم الفاسدة - التي لا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتبعكم عليها ، ويقلدكم عليها - كافرا ! وتحتجون بهذه القصة ؟ ! بل - والله - لو احتج بها محتج عليكم ، وجعل سبيلكم سبيل الذين استحلوا الخمر لكان أقرب إلي الصواب من احتجاجكم بها علي من خالفكم ! ؟ جعلتم أنفسكم كعمر في جمع المهاجرين والأنصار ؟ ! فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ما أطمها من بلية . [ استدلال سخيف ] ومن العجائب أيضا احتجاجكم بعبارة الشيخ التي في ( الاقناع ) : أن من قال : إن عليا إله ، وإن جبريل غلط فهذا كافر ، ومن لم يكفره فهو كافر . فيا عجب العجب ، وهل يشك مسلم أن من قال مع الله إلها آخر - لا علي ولا غيره - إنه مسلم ؟ وهل يشك مسلم أن من قال : إن الروح الأمين صرف النبوة عن أحد إلي



( صفحه 119 ) محمد صلي الله عليه وسلم أن هذا مسلم ؟ ولكن - أنتم - تنقلون ( أن من قال : علي إله ) إلي ( من سميتم أنتم أنه إله ) ، ومن فعل كذا وكذا فهو جاعله إلها . فتلبسون علي الجهال ، فلم لم يقل أهل العلم : إن من يسأل مخلوقا شيئا فقد جعله إلها . أو من نذر له أو من فعل كذا وكذا [ فقد جعله إلها ] ؟ ولكن هذه تسميتكم التي اخترعتموها من بين سائر أهل العلم ، وحملتم كلام الله تعالي ، ورسوله صلي الله عليه وسلم ، وكلام أهل العلم - رحمهم الله - علي مفاهيمكم الفاسدة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . فصل [ حقيقة الشرك وأسبابه ] ولنذكر شيئا مما ذكره بعض أهل العلم في صفة مذهب المشركين الذين كذبوا الرسل صلوات الله وسلامه عليهم . قال ابن القيم : كان الناس علي الهدي ودين الحق ، فكان أول من كادهم الشيطان بعبادة الأصنام ، وإنكار البعث . وكان أول من كادهم من جهة العكوف علي القبور وتصوير أهلها ، كما قصه الله عنهم في كتابه بقوله : { لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا } ( 1 ) .



( صفحه 120 ) قال ابن عباس : هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحي الشيطان إلي قومهم أن انصبوا إلي مجالسهم - التي كانوا عليها يجلسون - أنصابا ، وسموها بأسمائهم . ففعلوا ، فلم تعبد حتي [ إذا ] هلك أولئك ، ونسخ العلم عبدت ، إنتهي . فأرسل الله لهم نوحا بعبادة الله وحده ، فكذبوه . واستخرج أصنام قوم نوح من شاطئ البحر ، ودعا العرب إلي عبادتها ، ففعلوا . ثم إن العرب - بعد ذلك بمدة - عبدوا ما استحسنوا ، ونسوا ما كانوا عليه ، واستبدلوا بدين إبراهيم عبادة الأوثان ، وبقي فيهم من دين إبراهيم تعظيم البيت ، والحج ، وكانت نزار تقول في تلبيتها : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك . إلي أن قال : وكان لأهل كل واد صنم يعبدونه . ثم بعث الله محمدا صلي الله عليه وسلم بالتوحيد ، قالت قريش : { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب } ( 1 ) . وكان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار ، فنظر أحسنها فاتخذه ربا ، وجعل الثلاثة أثافي لقدره ، فإذا ارتحل تركه ، فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك . وروي حنبل عن رجاء العطاردي ، قال : كنا نعبد الحجر في الجاهلية ، فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه ، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حفنة من تراب ، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ، ثم طفنا به .



( صفحه 121 ) وعن أبي عثمان النهدي ، قال : ، كنا في الجاهلية نعبد حجرا ، فسمعنا مناديا ينادي : يا أهل الرحال ، إن ربكم هلك فالتمسوا ربا ، فخرجنا علي كل صعب وذلول ، فبينما نحن كذلك نطلب إذا نحن بمناد ينادي : إنا قد وجدنا ربكم - أو شبهه - فإذا حجر ، فنحرنا عليه الجزر . ولما فتح رسول الله صلي الله عليه وسلم مكة وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنما ، فجعل يطعن بقوسه في وجوهها وعيونها ، ويقول : { جاء الحق وزهق الباطل } ( 1 ) وهي تتساقط علي وجوهها ، ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت . قال : تلاعب الشيطان بالمشركين له أسباب عديدة : فطائفة دعاهم إلي عبادتها من جهة تعظيم الموتي الذين صوروا تلك الأصنام علي صورهم - كما تقدم عن قوم نوح - . وبعضهم اتخذوها بزعمهم علي صور الكواكب المؤثرة في العالم عندهم ، وجعلوا لها بيوتا وسدنة ، وحجابا ، وحجا ، وقربانا . ومن عبادة الأصنام : عبادة الشمس ، زعموا أنها ملك من الملائكة ، لها نفس وعقل ، وهي أصل نور القمر والكواكب ، وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها ، وهي عندهم ملك الفلك ، فتستحق التعظيم والسجود . ومن شريعتهم في عبادتها أنهم اتخذوا لها صنما ، وله بيت خاص يأتون ذلك البيت ، ويصلون فيه لها ثلاث مرات في اليوم ، ويأتيه أصحاب العاهات فيصلون له ، ويصومون له ، ويرعونه ، وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها ، وإذا غربت ، وإذا توسطت الفلك . وطائفة أخري اتخذوا للقمر صنما ، وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة ،



( صفحه 122 ) وإليه تدبير هذا العالم السفلي ، ويعبدونه ويصلون له ويسجدون ، ويصومون له أياما معلومة من كل شهر ، ثم يأتون إليه بالطعام والشراب والفرح . ومنهم من يعبد أصناما اتخذوا علي صور الكواكب ، وبنوا لها هياكل ومتعبدات ، لكل كوكب منها هيكل يخصه ، وصنم يخصه ، وعبادة تخصه . وكل هؤلاء مرجعهم إلي عبادة الأصنام ، لأنهم لا تستمر لهم طريقة إلي شخص خاص علي كل شكل ينظرون إليه ، ويعكفون عليه . إلي أن قال : ومنهم من يعبد النار حتي اتخذوها إلها معبودة ، وبنوا لها بيوتا كثيرة ، وجعلوا لها الحجاب والخزنة حتي لا يدعوها تخمد لحظة . ومن عبادتهم أنهم يطوفون بها ، ومنهم من يلقي بنفسه فيها تقربا إليها ، ومنهم من يلقي ولده فيها متقربا إليها ، ومنهم عباد زهاد عاكفين صائمين لها ، ولهم في عبادتها أوضاع لا يخلون بها . ومن الناس طائفة تعبد الماء ، وتزعم أنه أصل كل شئ ولهم في عبادته أمور ذكرها ، منها تسبيحه ، وتحميده ، والسجود له . ومن الناس طائفة عبدت الحيوان ، منهم من عبد البقر ، ومنهم من عبد الخيل ، ومنهم من عبد البشر ، ومنهم من عبد الشجر ، ومنهم من عبد الشيطان ، قال تعالي : { ألم أعهد إليكم يا بني آدم لا تعبدوا الشيطان } . . . الآيتين ( 1 ) . قال : ومنهم من يقر أن للعالم صانعا ، فاضلا ، حكيما ، مقدسا عن العيوب والنقائص ، قالوا : ولا سبيل لنا إلي الوصول إليه إلا بالوسائط ، فالواجب علينا أن نتقرب بهم إليه ، فهم أربابنا ، وآلهتنا ، وشفعاؤنا عند رب الأرباب ، وإله الآلهة ، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلي الله زلفي ، فحينئذ نسأل حاجاتنا منهم ، ونعرض أحوالنا



( صفحه 123 ) عليهم ، ونصبوا في جميع أمورنا [ إليهم ] ، فيشفعون إلي إلهنا وإلههم ، وذلك لا يحصل إلا باستمداد من جهة الروحانيات ، وذلك بالتضرع والابتهال من الصلوات لهم ، والزكاة ، وذبح القرابين ، والبخورات . وهؤلاء كفروا بالأصلين الذين جاءت بهما جميع الرسل : أحدهما : عبادة الله تصديقا وإقرارا وانقيادا ، وهذا مذهب المشركين من سائر الأمم . قال : والقرآن والكتب الإلهية مصرحة ببطلان هذا الدين وكفر أهله . قال : فإن الله سبحانه ينهي أن يجعل غيره مثلا له ، وندا له وشبها ، فإن أهل الشرك شبهوا - من يعظمونه ويعبدونه - بالخالق ، وأعطوه خصائص الإلهية ، وصرحوا أنه إله ، وأنكروا جعل الآلهة إلها واحدا ، وقالوا : اصبروا علي آلهتكم ، وصرحوا بأنه : إله معبود ، يرجي ويخاف ويعظم ، ويسجد له ، وتقرب له القرابين ، إلي غير ذلك من خصائص العبادة التي لا تنبغي إلا لله تعالي . قال الله تعالي : { فلا تجعلوا لله أندادا } ( 1 ) وقال : { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا } ( 2 ) . . . الآية . فهؤلاء جعلوا المخلوقين مثلا للخالق . و ( الند ) الشبه ، يقال فلان ند فلان ، وندنده : أي مثله وشبهه . قال أبو زيد : الآلهة التي جعلوها معه . وقال الزجاج : أي لا تجعلوا لله أمثالا ونظراء . ومنه قوله عز وجل : { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات



( صفحه 124 ) والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ( 1 ) أي : يعدلون به غيره ، فيجعلون له من خلقه عدلا وشبها . قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد يعدلوا بي من خلقي الأصنام والحجارة بعد أن أقروا بنعمتي وربوبيتي . قال الزجاج : اعلم أنه خالق ما ذكره في هذه الآية ، وأن خالقها لا شئ مثله ، واعلم أن الكفار يجعلون له عدلا ، والعدل : التسوية ، يقال عدل الشئ بالشئ إذا ساواه . قال تعالي : { هل تعلم له سميا } ( 2 ) .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 117 )
( 1 ) الحج : 46 . ( 2 ) الأنعام : 111 . ( 3 ) المائدة : 93 . ( پاورقي ص 119 ) ( 1 ) نوح : 23 . ( پاورقي ص 120 ) ( 1 ) ص : 5 . ( پاورقي ص 121 ) ( 1 ) الإسراء : 81 . ( پاورقي ص 122 ) ( 1 ) يس : 60 - 61 . ( پاورقي ص 123 ) ( 1 ) البقرة : 22 . ( 2 ) البقرة : 165 . ( پاورقي ص 124 ) ( 1 ) : الأنعام . ( 2 ) مريم : 65 . ( 3 ) التوحيد : 4 . ( 4 ) الشوري : 11 .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 124 - 128



قال ابن عباس رضي الله عنهما : شبها ومثلا هو ومن يساميه ، وذلك نفي للمخلوق أن يكون مشابها للخالق ، ومماثلا له بحيث يستحق العبادة والتعظيم . ومن هذا قوله : { ولم يكن له كفوا أحد } ( 3 ) . وقوله : { ليس كمثله شئ } ( 4 ) . . . الآية . إنما قصد به نفي أن يكون له شريك أو معبود يستحق العبادة والتعظيم ، وهذا الشبيه - هو الذي أبطل نفيا ونهيا - هو أصل شرك العالم ، إنتهي كلام ابن القيم ملخصا . وإنما نقلنا هذا لتعلموا صفة شرك المشركين . ولتعلموا أن هذه الأمور التي تكفرون بها ، وتخرجون المسلم بها من الإسلام ليست - كما زعمتم - أنه الشرك الأكبر - شرك المشركين الذين كذبوا جميع الرسل



( صفحه 125 ) في الأصلين - . وإنما هذه الأفعال التي تكفرون بها - من فروع الشرك الأصغر . ومنهم من لم يسمها شركا ، وذكرها في المحرمات . ومنهم من عد بعضها في المكروهات - . كما هو مذكور في مواضعه من كتب أهل العلم ، من طلبه وجده - . والله سبحانه يجنبنا وجميع المسلمين جميع ما يغضبه ، آمين ، والحمد لله رب العالمين . فصل [ حقيقة الإسلام وصفة المسلم ] ولنختم هذه الرسالة بشئ مما ذكره النبي صلي الله عليه وسلم ، صفة المسلم : الحديث الأول : حديث عمر ، أن جبريل عليه السلام سأل النبي صلي الله عليه وسلم عن الإسلام ؟ قال : أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ، قال : صدقت . قال : فأخبرني عن الإيمان ؟ قال : أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ، قال : صدقت . قال : فأخبرني عن الإحسان ؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، قال : صدقت - إلي آخر الحديث .



( صفحه 126 ) وفيه : هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم ، رواه مسلم ( 1 ) ورواه البخاري بمعناه ( 2 ) . الحديث الثاني : عن ابن عمر رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : بني الإسلام علي خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان ، رواه البخاري ( 3 ) ومسلم ( 4 ) . الحديث الثالث : في الصحيحين ( 5 ) عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قدم وفد عبد القيس علي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، قالوا : يا رسول الله ، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام ، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر ، فأمرنا بأمر فصل نخبر به من ورائنا ، وندخل به الجنة . فأمرهم بالأيمان بالله وحده ، قال : أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وأن تعطوا من المغنم الخمس . وقال : احفظوهن ، وأخبروا بهن من ورائكم . الحديث الرابع : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلي الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلي اليمن قال : إنك تأتي أقواما من أهل كتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله



( صفحه 127 ) أفترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ، فترد إلي فقرائهم ، رواه البخاري ( 1 ) . الحديث الخامس : عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتي يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام ، وحسابهم علي الله ، رواه البخاري ومسلم ( 2 ) . الحديث السادس : وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتي يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم علي الله ، رواه ( 3 ) البخاري ومسلم . ورواه أحمد ، وابن ماجة ، وابن خزيمة ، بزيادة : وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، ثم قد حرم علي أموالهم ودمائهم . الحديث السابع : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتي يشهدوا أن لا إله إلا الله ، ويؤمنوا بي ، وبما جئت به ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، رواه مسلم ( 4 ) . الحديث الثامن : حديث بريدة ابن الحصيب : كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا بعث



( صفحه 128 ) جيشا - وذكر الحديث ، وفيه - : إذا حاصرتم أهل مدينة ، أو أهل حصن ، فإن شهدوا أن لا إله إلا الله فلهم مالكم ، وعليهم ما عليكم - الحديث ، رواه مسلم . الحديث التاسع : عن المقداد بن الأسود ، أنه قال : يا رسول الله ، أرأيت إن لقيت رجلا من المشركين فقاتلني فضرب إحدي يدي بالسيف فقطعها ، ثم لاذ مني بشجر ، فقال : أسلمت لله ، أفأقتله يا رسول الله - بعد أن قالها - ؟ قال : لا تقتله . فقلت : يا رسول الله ، إنه قطع إحدي يدي ، ثم قال ذلك ، بعد أن قطعها ، أفأقتله ؟



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 124 )
( 1 ) : الأنعام . ( 2 ) مريم : 65 . ( 3 ) التوحيد : 4 . ( 4 ) الشوري : 11 . ( پاورقي ص 126 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 1 / 64 كتاب الإيمان . ( 2 ) صحيح البخاري : 1 / 27 ح 50 كتاب الإيمان . ( 3 ) صحيح البخاري : 1 / 12 ح 8 كتاب الإيمان . ( 4 ) صحيح مسلم : 1 / 73 ح 21 كتاب الإيمان . ( 5 ) صحيح البخاري : 1 / 29 ح 52 ، صحيح مسلم : 1 / 75 ح 24 . ( پاورقي ص 127 ) ( 1 ) صحيح البخاري : 4 / 1508 ح 4090 كتاب الغازي . ( 2 ) صحيح البخاري : 1 / 17 ح 25 ، صحيح مسلم : 1 / 81 ح 36 . ( 3 ) صحيح البخاري : 3 / 1077 ح 2786 كتاب الجهاد ، صحيح المسلم : 1 / 80 ح 33 كتاب الإيمان ، مسند أحمد : 2 / 345 ، سنن ابن ماجة : 1 / 27 ح 71 / المقدمة ، صحيح ابن خزمية : 4 / 8 ح 2248 كتاب الزكاة . ( 4 ) صحيح مسلم : 1 / 81 ح 34 كتاب الإيمان . ( پاورقي ص 128 ) ( 1 ) صحيح البخاري : 5 / 2518 ح 6472 كتاب الديات ، صحيح مسلم : 1 / 134 ح 159 كتاب الإيمان . ( 2 ) صحيح البخاري : 1 / 135 ح 159 كتاب الإيمان ، صحيح مسلم : 1 / 134 ح 159 كتاب الإيمان .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 128 - 135



قال : لا تقتله ، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال ، رواه البخاري ومسلم ( 1 ) . الحديث العاشر : حديث أسامة ، وقتله الرجل - بعد ما قال : لا إله إلا الله : [ قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ] فكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ فقال : يا رسول الله ، إنما قالها تعوذا . قال : هلا شققت عن قلبه . وجعل يكرر عليه : من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ قال أسامة : حتي تمنيت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذ ، والحديث في الصحيح . حديث أسامة في الصحيحين ( 2 ) لفظه : عن أسامة قال : بعثنا رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي الحرقة من جهينة ، فصبحنا القوم علي مياههم ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار



( صفحه 129 ) رجلا منهم ، فلما غشيناه ، قال : ( لا إله إلا الله ) ، فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي حتي قتلته . فلما قدمنا بلغ ذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فقال لي : يا أسامة ، أقتلته بعد أن قال ( لا إله إلا الله ) ؟ ؟ ؟ فما زال يكررها حتي تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم . وفي رواية أنه قال : أفلا شققت عن قلبه ( 1 ) . وروي ابن مردويه ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أسامة ، قال : لا أقتل رجلا يقول : ( لا إله إلا الله ) ، أبدا . الحديث الحادي عشر : عن ابن عمر رضي الله تعالي عنه ، قال : بعث رسول الله صلي الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه إلي بني جذيمة فدعاهم إلي الإسلام ، فلم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا ، فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا ، فجعل خالد يأسر ويقتل - إلي أن قال - فقدمنا علي رسول الله صلي الله عليه وسلم فذكرنا له ، فرفع يديه فقال : اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد - مرتين - رواه أحمد ، والبخاري ( 2 ) . الحديث الثاني عشر : عن أنس ، قال : كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغر حتي يصبح ، فإذا سمع أذانا أمسك ، وإن لم يسمع أذانا أغار بعد ما يصبح ، رواه أحمد والبخاري ( 3 ) . وعنه : كان يغير إذا طلع الفجر ، وكان يستمع الأذان ، فإذا سمع أذانا أمسك وإلا أغار ، فسمع رجلا يقول : الله أكبر ، الله أكبر . فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : علي الفطرة .



( صفحه 130 ) ثم قال : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) . فقال : خرجت من النار ، فنظروا إليه فإذا هو راعي معز ، رواه مسلم ( 1 ) . الحديث الثالث عشر : عن عصام المزني ، قال : كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا بعث السرية يقول : إذا رأيتم مسجدا ، أو سمعتم مناديا فلا تقتلوا أحدا ، رواه أحمد ، وأبو داود والترمذي وابن ماجة ( 2 ) . الحديث الرابع عشر : عن أم سلمة ، عن النبي صلي الله عليه وسلم : يستعمل عليكم أمراء ، فتعرفون وتنكرون ، فمن أنكر فقد برئ ، ومن كره فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع . فقالوا : يا رسول الله ، أفلا نقاتلهم ، قال : لا ، ما صلوا ، رواه مسلم ( 3 ) . الحديث الخامس عشر : عن أنس قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : من صلي صلاتنا وأسلم ، واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله ، فلا تخفروا الله في ذمته ، رواه البخاري ( 4 ) . الحديث السادس عشر : عن أبي سعيد - في حديث الخوارج - فقال ذو الخويصرة للنبي صلي الله عليه وسلم : اتق الله . فقال : ويلك ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ؟ ثم قال : ثم ولي الرجل ، فقال خالد : يا رسول الله ، ألا أضرب عنقه . قال : لا ، لعله أن يكون يصلي .



( صفحه 131 ) قال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه . فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ، ولا أشق بطونهم ، رواه مسلم ( 1 ) . الحديث السابع عشر : عن عبيد الله بن عدي بن الخيار ، أن رجلا من الأنصار حدثه أنه أتي النبي صلي الله عليه وسلم في مجلس فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين ، فجهر رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال : ، أليس يشهد أن لا إله إلا الله ؟ فقال الأنصاري : بلي يا رسول الله ، ولا شهادة له ، فقال : أليس يشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : بلي ولا شهادة له ، قال : أليس يصلي ؟ قال : بلي ، ولا صلاة له ، قال : أولئك الذين نهي الله عن قتلهم ، رواه الشافعي وأحمد ( 2 ) . الحديث الثامن عشر : في الصحيحين ( 3 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : أتي أعرابي إلي النبي صلي الله عليه وسلم فقال : دلني علي عمل إذا عملته دخلت الجنة ، قال : تعبد الله ، ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤتي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان ، قال : والذي نفسي بيده ، لا أزيد علي هذا ولا أنقص منه ، فلما ولي قال النبي صلي الله عليه وسلم : من سره أن ينظر إلي رجل من أهل الجنة فلينظر إلي هذا . الحديث التاسع عشر : عن عمرو بن مرة الجهني ، قال : جاء رجل إلي النبي صلي الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، وصليت الصلوات الخمس ، وصمت رمضان وقمته ، فممن أنا ؟ قال : من الصديقين والشهداء ، رواه ابن حبان ، وابن خزيمة في صحيحيهما ( 4 ) .



( صفحه 132 ) الحديث العشرون : عن العباس بن عبد المطلب ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ، وبالاسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، رواه مسلم ( 1 ) . الحديث الحادي والعشرون : عن سعد ، عن النبي صلي الله عليه وسلم : من قال - حين يسمع المؤذن يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله - : رضيت بالله ربا ، وبالاسلام دينا ، غفر له ذنبه ، رواه مسلم ( 2 ) . الحديث الثاني والعشرون : في الصحيحين ( 3 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذي عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان . الحديث الثالث والعشرون : حديث ابن عباس رضي الله عنهما : مرض أبو طالب وجاءته قريش وجاءه النبي صلي الله عليه وسلم - وذكر الحديث وفيه - : أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : أريد منهم كلمة واحدة يقولونها ، تدين لهم بها العرب ، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية . قالوا : كلمة واحدة ؟ ! ! قال : كلمة ، قولوا : لا إله إلا الله . فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم ، وهم يقولون : { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب } . . . الآية ، رواه أحمد ، والنسائي ، والترمذي - وحسنه - ( 4 ) .



( صفحه 133 ) الحديث الرابع والعشرون : في الصحيحين ( 1 ) عن سعيد بن المسيب عن أبيه ، لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فوجد عنده أبا جهل ، وعبد الله ابن أمية ، فقال : أي عم ، قل : لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله . فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية : أنرغب عن ملة عبد المطلب ؟ فقال أبو طالب - آخر كلامه - : بل علي ملة عبد المطلب ( 2 ) ، وأبي أن يقول : لا إله إلا الله . الحديث الخامس والعشرون : حديث أبي بكر الصديق ، قلت : يا رسول الله ، ما نجاة هذا الأمر ؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : من قبل مني الكلمة التي عرضت علي عمي فردها فهي له نجاة ، رواه أحمد ( 3 ) . الحديث السادس والعشرون : عن عبادة ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : من شهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسي عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلي مريم ، وروح منه ، وأن الجنة حق ، والنار حق ، أدخله الله الجنة علي ما كان من العمل ، رواه البخاري ومسلم ( 4 ) . الحديث السابع والعشرون : عن أنس ، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لمعاذ : ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله علي النار . قال : يا رسول الله ، أفلا أخبر به فيستبشروا .



( صفحه 134 ) قال : إذا يتكلوا ، فأخبر بها معاذ عند موته ، رواه البخاري ومسلم ( 1 ) . الحديث الثامن والعشرون : عن عبادة ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : من شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، حرم الله عليه النار ، رواه مسلم ( 2 ) . الحديث التاسع والعشرون : عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ما من عبد قال : لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ثم مات علي ذلك إلا دخل الجنة ، رواه البخاري ومسلم ( 3 ) . الحديث الثلاثون : في الصحيحين ( 4 ) عن عتبان ، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : إن الله حرم علي النار من قال : لا إله إلا الله ، يبتغي بها وجه الله . الحديث الحادي والثلاثون : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم أعطاه نعليه ، فقال : اذهب بنعلي هاتين ، فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله فبشره بالجنة ، رواه مسلم ( 5 ) . الحديث الثاني والثلاثون : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قلت : يا رسول الله ، من أسعد الناس بشفاعتك ؟ قال أسعد الناس بشفاعتي من قال : لا إله إلا الله خالصا من قلبه ، رواه البخاري ( 6 ) . الحديث الثالث والثلاثون : حديث أم سلمة - وذكر الحديث وفيه - : فقال



( صفحه 135 ) رسول الله صلي الله عليه وسلم : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، لا يلقي الله عبد بهما غير شاك فيحجب عن الجنة ، رواه البخاري ومسلم ( 1 ) . الحديث الرابع والثلاثون : عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ، رواه مسلم ( 2 ) . الحديث الخامس والثلاثون : حديث أنس - في الشفاعة ، وفيه - : قال النبي صلي الله عليه وسلم : فيخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن برة ، ثم يخرج من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن ذرة ، رواه البخاري ومسلم ( 3 ) .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 128 )
( 1 ) صحيح البخاري : 5 / 2518 ح 6472 كتاب الديات ، صحيح مسلم : 1 / 134 ح 159 كتاب الإيمان . ( 2 ) صحيح البخاري : 1 / 135 ح 159 كتاب الإيمان ، صحيح مسلم : 1 / 134 ح 159 كتاب الإيمان . ( پاورقي ص 129 ) ( 1 ) صحيح البخاري : 1 / 134 ح 158 . ( 2 ) مسند أحمد : 2 / 150 ، صحيح البخاري : 4 / 1577 ح 4084 كتاب المغازي . ( 3 ) مسند أحمد : 3 / 159 ، صحيح البخاري : 1 / 221 ح 585 كتاب الأذان . ( پاورقي ص 130 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 1 / 366 ح 9 كتاب الصلاة . ( 2 ) مسند أحمد : 3 / 448 ، سنن أبي داود : 3 / 43 ح 2635 كتاب الجهاد ، سنن الترمذي : 4 / 102 ح 1549 كتاب السيرة ، مجمع الزوائد : 6 / 210 ( 3 ) صحيح مسلم : 4 / 128 ح 63 كتاب الإمارة . ( 4 ) صحيح البخاري : 1 / 153 ح 385 كتاب الإيمان . ( پاورقي ص 131 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 2 / 438 ح 144 كتاب الزكاة . ( 2 ) مسند أحمد : 2 / 432 ، السنن الكبري للبيهقي : 1 / 71 ح 15 كتاب الإيمان . ( 3 ) صحيح البخاري : 2 / 506 ح 1333 كتاب الزكاة ، صحيح مسلم : 1 / 71 ح 15 كتاب الإيمان . ( 4 ) الإحسان بتقريب صحيح ابن حبان : 5 / 184 ح 3429 ، صحيح ابن خزيمة . ( پاورقي ص 132 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 1 / 92 ح 56 كتاب الإيمان . ( 2 ) صحيح مسلم : 1 / 368 ح 13 كتاب الصلاة . ( 3 ) صحيح مسلم : 1 / 93 ح 57 كتاب الإيمان ، صحيح البخاري : 1 / 12 ح 9 ، سنن ابن ماجة : 1 / 23 ح 57 / المقدمة . ( 4 ) مسند أحمد : 1 / 227 ، سنن الترمذي : 5 / 341 ح 3232 كتاب التفسير ، السنن الكبري للنسائي : 6 / 442 ح 11436 كتاب التفسير . ( پاورقي ص 133 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 1 / 83 ح 39 ، صحيح البخاري : 1 / 457 ، ح 1249 كتاب الجنائز . ( 2 ) يلاحظ حياة عبد المطلب أنه كان علي ملة إبراهيم ، وهي الحنفية . ( 3 ) مسند أحمد : مسند أحمد بن حنبل : 1 / 6 . ( 4 ) صحيح البخاري : 3 / 1267 ح 3252 ، صحيح مسلم : 1 / 86 ح 46 كتاب الإيمان . ( پاورقي ص 134 ) ( 1 ) صحيح البخاري : 1 / 60 ح 128 كتاب العلم ، وصحيح مسلم : 1 / 91 ح 53 كتاب الإيمان . ( 2 ) صحيح مسلم : 1 / 87 ح 47 كتاب الإيمان . ( 3 ) صحيح البخاري : 5 / 2193 ح 5489 كتاب اللباس ، صحيح مسلم : 1 / 132 ح 154 كتاب الإيمان . ( 4 ) صحيح البخاري : 1 / 164 ح 415 كتاب المساجد ، صحيح مسلم : 2 / 108 ح 263 كتاب المساجد . ( 5 ) صحيح مسلم : 1 / 90 ح 52 كتاب الإيمان . ( 6 ) صحيح البخاري : 1 / 49 خ 99 كتاب العلم . ( پاورقي ص 135 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 1 / 86 ح 45 كتاب الإيمان . ( 2 ) صحيح مسلم : 1 / 84 ح 43 كتاب الإيمان . ( 3 ) صحيح البخاري : 1 / 24 ح 44 كتاب الإيمان ، صحيح مسلم : 1 / 322 ح 325 كتاب الإيمان . ( 4 ) مسند أحمد : 3 / 116 . ( 5 ) مسند أحمد : 5 / 233 ، مجمع الزوائد : 2 / 323 . ( 6 ) مسند أحمد : 5 / 242 ، مجمع الزوائد : 1 / 16 . ( 7 ) سنن النسائي : 1 / 51 ح 1641 كتاب الأذان ، صحيح ابن حبان 4 / 553 ح 1667 كتاب الأذان .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 135 - 139



وفي الصحيح قريبا منه من حديث أبي سعيد ، ومن حديث الصديق عند أحمد ( 4 ) . الحديث السادس والثلاثون : حديث معاذ ، قال النبي صلي الله عليه وسلم : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ( 5 ) . الحديث السابع والثلاثون : عن معاذ ، عن النبي صلي الله عليه وسلم : مفاتيح الجنة لا إله إلا الله ، رواه ( 6 ) الإمام أحمد ، والبزار . الحديث الثامن والثلاثون : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قام لنا رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فقام بلال فنادي بالأذان ، فلما سكت قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : من قال مثل هذا يقينا دخل الجنة ، رواه النسائي و ابن حبان في صحيحه ( 7 ) .



( صفحه 136 ) الحديث التاسع والثلاثون : عن رفاعة الجهني ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : أشهد عند الله لا يموت عبد يشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله صادقا من قلبه ، ثم يسدد ، إلا سلك الجنة ، رواه أحمد ( 1 ) . الحديث الأربعون : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه فيموت علي ذلك إلا حرم الله عليه النار ، لا إله إلا الله ، رواه الحاكم ( 2 ) . الحديث الحادي والأربعون : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : حضر ملك الموت رجلا يموت ، فشق أعضاءه فلم يجده عمل خيرا ، ثم شق قلبه فلم يجد فيه خيرا ، ثم فك لحييه فوجد طرف لسانه لاصقا بحنكه ، يقول : لا إله إلا الله ، فغفر له بكلمة الإخلاص - رواه ( 3 ) الطبراني ، والبيهقي ، وابن أبي الدنيا . الحديث الثاني والأربعون : حديث أبي سعيد ، عن النبي صلي الله عليه وسلم ، قال موسي : أيا رب ، علمني شيئا أذكرك وأدعوك به . قال : قل : لا إله إلا الله . قال : يا رب ، كل عبادك يقولون هذا ؟ قال : قل : لا إله إلا الله . قال : إنما أريد شيئا تخصني به . قال : يا موسي ، لو أن السماوات السبع ، والأرضين السبع في كفة مالت بهن لا إله إلا الله ، رواه ابن السني ، والحاكم ، وابن حبان في صحيحيهما ( 4 ) .



( صفحه 137 ) الحديث الثالث والأربعون : عن أبي هريرة رضي الله تعالي عنه ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من دهره ، يصيبه قبل ما ذلك ما أصابه ، رواه ابن حبان ، والطبراني ، والبزار ، ورواته رواة الصحيح ( 1 ) . الحديث الرابع والأربعون : عن عبد الله بن عمر ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ألا أخبركم بوصية نوح ابنه ، فقال : يا بني ، إني أوصيك باثنتين : أوصيك بقول لا إله إلا الله ، فإنها لو وضعت في كفة ، ووضعت السماوات والأرض في كفة لرجحت بهن ، ولو كانت حلقة لفصمتهن حتي تخلص إلي الله - الحديث ، رواه البزار ، والنسائي ، والحاكم ( 2 ) . الحديث الخامس والأربعون : عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلي الله عليه وسلم : خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو علي كل شئ قدير ، رواه الترمذي ( 3 ) . الحديث السادس والأربعون : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : جددوا إيمانكم ، قالوا : يا رسول الله ، وكيف نجدد إيماننا ؟ قال : أكثروا من قول لا إله إلا الله ، رواه أحمد والطبراني ( 4 ) . الحديث السابع والأربعون : عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : سيخلص رجل من أمتي علي رؤوس الخلائق يوم القيامة ، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلا ، كل سجل منها مد البصر ، ثم يقول : أتنكر من هذا شيئا ؟ أظلمك



( صفحه 138 ) كتبتي الحافظون ؟ فيقول : لا يا رب ، فيقول : ألك عذر ؟ فيقول : لا ، يا رب . فيقول الله تبارك وتعالي : إن لك عندنا حسنة ، فإنه لا ظلم عليك اليوم ، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله . فيقول : أحضروه ، فيقول : يا رب ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ قال : فإنك لا تظلم ، فتوضع السجلات في كفة والبطاقات في كفة ، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة . فلا يثقل مع اسم الله شئ ، رواه ( 1 ) الترمذي - وحسنه - وابن ماجة ، والبيهقي ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم ، وقال : علي شرط مسلم . الحديث الثامن والأربعون : عن عبد الله بن عمر ، عن النبي صلي الله عليه وسلم - حديث وفيه - : لا إله إلا الله ليس بينها وبين الله حجاب حتي تخلص إليه ، رواه الترمذي ( 2 ) . الحديث التاسع والأربعون : عن حذيفة ، عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب ، حتي لا يدري ما صيام ، ولا صدقة ، ولا صلاة ، ولا نسك ، ويسري علي كتاب الله في ليلة ، فلا يبقي في الأرض من آية ، ويبقي طوائف من الناس - الشيخ الكبير ، والعجوز الكبيرة - يقولون : أدركنا آباءنا علي هذه الكلمة : لا إله إلا الله ، فنحن نقولها . فقال صلة بن زفر لحذيفة : فما تغني عنهم لا إله إلا الله - وهم لا يدرون ما صيام ، ولا صلاة ، ولا صدقة ، ولا نسك - . فأعرض عنه حذيفة ، فردها عليه ثلاثا ، كل ذلك يعرض عنه حذيفة .



( صفحه 139 ) ثم أقبل عليه في الثالثة فقال : يا صلة ، تنجيهم من النار ، يا صلة تنجيهم من النار ، يا صلة تنجيهم من النار ، رواه ابن ماجة ، والحاكم في صحيحه ، وقال : هذا حديث علي شرط مسلم ( 1 ) .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 135 )
( 1 ) صحيح مسلم : 1 / 86 ح 45 كتاب الإيمان . ( 2 ) صحيح مسلم : 1 / 84 ح 43 كتاب الإيمان . ( 3 ) صحيح البخاري : 1 / 24 ح 44 كتاب الإيمان ، صحيح مسلم : 1 / 322 ح 325 كتاب الإيمان . ( 4 ) مسند أحمد : 3 / 116 . ( 5 ) مسند أحمد : 5 / 233 ، مجمع الزوائد : 2 / 323 . ( 6 ) مسند أحمد : 5 / 242 ، مجمع الزوائد : 1 / 16 . ( 7 ) سنن النسائي : 1 / 51 ح 1641 كتاب الأذان ، صحيح ابن حبان 4 / 553 ح 1667 كتاب الأذان . ( پاورقي ص 136 ) ( 1 ) مسند أحمد : 4 / 16 . ( 2 ) المستدرك علي الصحيحين : 1 / 72 . ( 3 ) شعب الإيمان : 2 / 9 ح 1015 باب في الرجاء ، تاريخ بغداد : 9 / 125 ، إتحاف السادة المتقين للزبيدي : 10 / 275 . ( 4 ) مستدرك الحاكم : 1 / 528 ، صحيح ابن حبان : 14 / 102 ح 6218 . ( پاورقي ص 137 ) ( 1 ) المعجم الأوسط للطبراني : 7 / 204 ح 6218 ، مجمع الزوائد : 1 / 17 ، كنز العمال : 1 / 418 ح 1778 . ( 2 ) إتحاف السادة المتقين : 8 / 342 . ( 3 ) سنن الترمذي : 5 / 534 ح 3585 كتاب الدعوات . ( 4 ) مسند أحمد : 2 / 359 . ( پاورقي ص 138 ) ( 1 ) سنن الترمذي : 5 / 25 ح 2639 كتاب الإيمان ، مسند أحمد : 2 / 213 سنن ابن ماجة : 2 / 1437 ح 4300 كتاب الزهد ، مستدر الحاكم : 1 / 6 ، 529 ، صحيح ابن حبان : 1 / 641 ح 225 كتاب الإيمان . ( 2 ) سنن الترمذي : 5 / 501 ح 3518 كتاب الدعوات ، مسند أحمد : 3 / 153 . ( پاورقي ص 139 ) ( 1 ) مستدرك الحاكم : 4 / 473 ، 545 ، سنن ابن ماجة : 2 / 1344 ح 4049 كتاب الفتن . ( 2 ) سنن أبي داود : 3 / 18 ح 2532 ، كنز العمال : 15 / 811 ح 43226 . ( 3 ) كنز العمال : 3 / 635 ح 8270 . ( 4 ) صحيح البخاري : 5 / 2247 ح 5697 كتاب الأدب ، صحيح مسلم : 1 / 114 ح 116 كتاب الإيمان . ( 5 ) صحيح البخاري : 5 / 2247 ح 5698 كتاب الأدب . ( 6 ) صحيح البخاري : 5 / 2247 ح 5700 كتاب الأدب ، سنن الترمذي : 5 / 23 ح 2636 كتاب الإيمان .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



فصل الخطاب - سليمان أخ محمد بن عبد الوهاب - ص 139 - 140



الحديث الخمسون : عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ثلاث من أصل الإيمان ، الكف عمن قال لا إله إلا الله ، لا تكفره بذنب ، ولا تخرجه من الإسلام بعمل - الحديث ، رواه أبو داود ( 2 ) . الحديث الحادي والخمسون : عن عبد الله بن عمرو ، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : كفوا عن أهل لا إله إلا الله ، لا تكفروهم بذنب ، فمن كفر أهل لا إله إلا الله فهو إلي الكفر أقرب ، رواه الطبراني ( 3 ) . الحديث الثاني والخمسون : في الصحيحين ( 4 ) ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالي عنه ، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر . وفي الصحيحين ( 5 ) أيضا من حديث أبي ذر ، عن النبي صلي الله عليه وسلم : لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه ، إن لم يكن صاحبها كذلك . وفي الصحيحين ( 6 ) : عن ثابت بن الضحاك ، عن النبي صلي الله عليه وسلم : من قذف مؤمنا بالكفر فهو كقتله .



( صفحه 140 ) وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، ومن حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : أيما رجل قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء به أحدهما ( 1 ) . والله سبحانه وتعالي أعلم . [ الخاتمة ] ونسأله من فضله أن يختم لنا بالإسلام والإيمان ، وأن يجنبنا مما يغضب وجهه الكريم ، وأن يهدينا وجميع المسلمين الصراط المستقيم ، إنه رحيم كريم . والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا ، وظاهرا وباطنا ، وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



( پاورقي ص 139 )
( 1 ) مستدرك الحاكم : 4 / 473 ، 545 ، سنن ابن ماجة : 2 / 1344 ح 4049 كتاب الفتن . ( 2 ) سنن أبي داود : 3 / 18 ح 2532 ، كنز العمال : 15 / 811 ح 43226 . ( 3 ) كنز العمال : 3 / 635 ح 8270 . ( 4 ) صحيح البخاري : 5 / 2247 ح 5697 كتاب الأدب ، صحيح مسلم : 1 / 114 ح 116 كتاب الإيمان . ( 5 ) صحيح البخاري : 5 / 2247 ح 5698 كتاب الأدب . ( 6 ) صحيح البخاري : 5 / 2247 ح 5700 كتاب الأدب ، سنن الترمذي : 5 / 23 ح 2636 كتاب الإيمان . ( پاورقي ص 140 ) ( 1 ) صحيح مسلم : 1 / 112 ح 111 كتاب الإيمان ، سنن الترمذي : 5 / 23 ح 2637 كتاب الإيمان .


Share
* الاسم:
* البرید الکترونی:
* نص الرأی :
* رقم السری:
  

أحدث العناوین
الاکثر مناقشة
الاکثر مشاهدة